Publications PNR du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Publications PNR

البرنامج الوطني للبحث، كراسك، 2005، ص.5-56 | النص الكامل


 

 

 

فاطمة الزهراء قشي

 

 

يشكل الاسم البطاقة التي يتقدم بها الفرد للتعريف بنفسه وسط المجتمع في دائرة من العلاقات تتوسع باستمرار. كيف يمكن تصنيف سكان المدينة انطلاقا من الاسم؟ وهل يمكن اعتماد التسمية الرسمية للتعرف على الأشخاص الفاعلين الذين نحاول دراسة ممارساتهم المختلفة داخل المجتمع؟ وهل هناك عادات وتقاليد راسخة في تداول الأسماء العائلية تكشف عن مختلف الانتماءات؟

للإجابة على هذه الأسئلة قمنا بجرد أسماء العينة وترتيبها وتبويبها من أجل التعرف إلى الأزواج والزوجات الذين ترددوا على المحكمة المالكية بهدف دراسة ظاهرة تعدد الزوجات وتعدد الزيجات وكذلك دوائر المصاهرات بين العائلات من حيث المستوى الاجتماعي ومن حيث المنبت والإقامة وغيرها من العوامل. إلا أن الصيغ المقتضبة والمختصرة للمعلومات المدونة في العقود، واقتصارها على الحد الأدنى، جعلتنا نوظف كل صغيرة وكبيرة ومنها الاسم الذي أصبح العنصر المحوري. وغني عن التأكيد أن دراسة الأسماء تكشف عن مميزات المجتمع المعلنة صراحة في اختيار الأسماء وتكرارها وعن المكونات الضمنية من خلال التراكيب والاشتقاقات اللغوية والدلالات وكذا صيغ الكتابة والتسجيل.

1. العناصر المكونة للاسم

يتركب الاسم بمعناه الواسع من الاسم الشخصي ثم اسم الأب فاسم الجد ثم/أو النسبة أو النسب (A ، Parzymies: 1985،  و  J، Sublet : 1979 و M، Marin : 1982-  1984،51- 56). وفي حالات أخرى يضاف إلى الاسم لقب تكريم أو تفضيل، مهني أو وظيفي، كما تضاف نعوت و كنى يكتسبها المرء وسط  المجتمع.

وقد اتسمت سجلات المحكمة المالكية لمدينة قسنطينة ببساطة التعريف، فلم يركز العدول على ألقاب التفخيم والتفضيل حتى مع شخص الباي الحاكم في التاريخ، ولم يفرطوا في عبارات التكريم والتبجيل[1].

قمنا برصد أكثر من اثني عشر ألف اسم،  فاستخرجتا منها فهارس للأنساب وأخرى للأسماء. و اصطلحنا على تسمية الاسم الأول للشخص "اسما" والاسم العائلي أو ما يقوم مقامه "نسبا"، ولا نحيد عن القاعدة إلا إذا كانت الكلمة في سياق لا يحتمل الخلط كأن نتحدث عن الاسم في معناه العام والشامل.

أفرزت العملية فهارس بأسماء الرجال والنساء مرتبة حسب الحروف وأخرى حسب الكثافة وهذا ما سنعرضه بإيجاز ونناقش فحواه من زاوية تركيبة سكان قسنطينة وانتماءاتهم[2] .

تم نقل الأسماء كما وردت في السجلات ترتيبا وإملاء تحسبا لعملية الفرز الألفبائي. وضعنا في "حقول" منفصلة كلا من الاسم الأول والثاني، وتركنا الحقل الثالث أو الخانة الثالثة للاسم العائلي (النسب). ولم يكن الأمر بسيطا إذ لم تكن التسميات موحدة النمط. لقد ورد التعريف  في اسمين "فلان بن فلان" مثل :"محمد بن سلطان" أو" حسين الفكون" وهما عدلان من عدول المحكمة في مطلع القرن 13 هـ ( نهاية 18م). وهناك أسماء جاءت في صيغة ثلاثية وهي الشائعة أي "فلان بن فلان الفلاني" مثل "محمد بن عبد الكريم الحناشي" أي أن تكون النسبة على عادة العرب ( J، Suble : 1979)  ثم تعددت الأنماط  وتنوعت إما في صيغة رباعية أكثر تفصيلا أو انحصر التعريف في الاسم الأول مع إضافة الحرفة مثلا.  و لم نكن لنتحكم في النتائج إذا ما عددنا الخانات، ولا لنستفيد من تفاصيلها إذا ما أهملنا الإضافات... فقررنا، منهجا، اعتبار الاسم الأول هو اسم الزوج (أو الزوجة) والثاني اسم الأب والثالث اسم الجد أو النسبة. وأدرجنا الحرفة المعلنة في خانة "الملاحظات". وقد وردت أسماء مدعمة بألقاب تكريم أو تفضيل أو تمييز فنقلناها في خانات أو حقول إضافية حسب الجدول التالي[3] :

ملاحظات

النسب، النسبة...

اسم الزوج (ة)

اسم الأب

اسم التمييز

 

بن سلطان

مسعود

بن الحاج/بن عمر

السيد

 

بن بيرم

فاطمة

بنت السيد ابراهيم

 

 

بن سي علي

تركية

بنت ابراهيم

 

 

الجودي

حفصة

بنت محمد

 

حرفة

الطبال

حسين

بن المختار

 

 

الحباسي

عاشور

 

 

 

بن الثابتي

عمار

 

 

 

 

فاطمة

بنت علي

 

 

فريكح

محمد

بن الحاج علي

الحاج

الغرابلي

العلوي

علي

بن احمد

 

التبسـي (وطنا)

المنزلي (نسبا)

محسن

بن قصير

المكرم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وقصدنا منذ البداية أن خانة النسبة ستجمع في الواقع كل العناصر المميزة للشخص التي ترد بعد اسم الأب. وهدفنا التعرف على أفراد العينة عند الضرورة مع إمكانية التصنيف حسب الأسماء.

وقد فصلنا بين الزوج والزوجة لكل منهما ثلاث خانات موازية، وخانة للملاحظات والإضافات (R، Estoublon  et A ، Lefébure). كما سجلنا الاسم الثاني مكان الاسم الثالث أو النَسَب عندما يكون في صيغة النسبة  (أي عندما ينتهي بالياء) بعبارة أخرى عندما يكون النسب أو اللقب العائلي واضحا ومتميزا عن اسم الأب مثل "عاشور الحباسي"  السالف الذكر في الجدول أعلاه. لا يخلو هذا التصنيف من عيوب وقد اعتمدناه في بداية العمل مع جهلنا وقتذاك بإمكانيات الإعلام الآلي ومتطلبات برامجه من جهة،  كما آثرنا الحفاظ على المعلومات الواردة في العقود من جهة ثانية. فالتزاما بالدقة والأمانة في الرصد بغرض الإبقاء على كل الصيغ الواردة في التعريف بالشخص والتي قد تفيد في بحوث أخرى[4]، وبالرجوع إلى العقد الكامل في معالجة القضايا،  تمكنا من استكمال عناصر تعريف بعض الشخصيات والتحقق من الأسماء المكررة. وقد حدث أن اختلافا بسيطا في صيغة المعلومات أو في نوعيتها، أدى إلى تصنيفها آليا (الحاسوب) كشخصيات مختلفة. ولنا في "العدل/ الرضي/ السيد/ علي النوري/ بن السيد محمد / بن باديس" أحسن مثال وأبسطه لأنه ورد كشاهد عدل وكاتب للقاضي، وتقدم لتسجيل زواجين وطلاق وفي كل مرة يعرف بصيغة: كأن يختصر اسمه في "علي النوري" أو في "علي بن باديس" مع تقديم عبارة "السيد" أو تدعيمها بالحرفة "العدل" أو صفة "الرضي"...  و يكشف لنا هذا التنوع في التعريف بالشخص الواحد عن القواعد السائدة في التصنيف والعادات المتبعة في ذكر الأشخاص وتمييزهم وتسجيلهم، كما تظهر الليونة في توظيف مختلف العناصر المكونة للهوية وعدم جمودها.

ولذلك سجلنا تلك التفاصيل وصنفناها حسب الصيغ الإملائية  و اللغوية و الدلالية و الوظيفية إلى ألقاب التكريم وعناصر مميزة للهوية أو مكملة لها علّها تفيد في رفع الستار على مستوى المعاملات، أو تساعد في تحديد هوية بعض الأفراد على الأقل..[5]

 تخضع صيغ التعريف وكيفية تقديم اسم الأب إلى النمط العربي بالتركيز على نسبة البنوة للذكر والأنثى بلفظي (ابن) أو (بنت) والتي لا تسقط إلا فيما ندر.                                 

وتتوزع الأنساب انتماءً إلى العرش أو القبلية أو العائلة أو الموطن وهي نسبة بالياء وهي الصيغة الأكثر شيوعا، وتأتي نسبة البنوة إلى عائلة أو شخص في المرتبة الثانية من حيث الكثافة،، ثم النسبة إلى الحرفة وإن بدا ذكرها اختياريا وتليها الكنية وهي قليلة التداول.

1.1.   الاسم الثلاثي هو القاعدة

إذا كان الاسم الثلاثي هو الأكثر تداولا في عينتنا فالاسم الثنائي هو الأصعب تصنيفا لعدم التحكم في شطره الثاني: ففي الكثير من الحالات يصعب الفصل بين اسم الأب، أي اسم والد المعني بالتعريف شخصيا، وبين رسوخ الاسم على مستوى العائلة خاصة إذا كان في صيغة الكنية مثل "عائشة بنت بوترعة"، أو في صيغة البنوة المتعارف عليها مثل "علي بن عيسى" أو "عمار بن الثابتي"... ففي غياب الاسم الثالث الذي اصطلحنا أن يكون مكان النسب،  وُجدت هذه الصيغ البديلة، فترددنا في تصنيفها  "نسبا" أول الأمر، ثم  رجحنا صيغتها التي تنتهي  بياء في الآخر، واجتهدنا في توزيع الباقي أو تركنا خانة "النسب" شاغرة ...

وعند نهاية الجرد صححنا العديد من التسميات بعد عثورنا على نفس الأسماء في تركيبات مختلفة ومتقاربة. نبهنا في خانة الملاحظات إلى الإضافة المكملة وإلى التصحيح[6]. وعليه يكمن الاختلاف بين الأسماء في عدد العناصر المكونة لسلسلة الاسم مثلما يكمن في صيغتها (نسبة/كنية/ بنوة..) التي لها دلالاتها أيضا.                                              

وقبل أن نعرض النتائج التفصيلية من حيث تركيبة الأسماء وقراءتها اجتماعيا،  نشير إلى أول نتيجة يفرزها هذا التحقيق الميداني مفادها أن الأسماء في قسنطينة كانت عربية النحت والاشتقاق،  إسلامية الروح والانتماء.أما الأنساب فكانت قبلية الجذور والمنبت وعربية التركيبة والصيغة مع حضور ضعيف للتأثيرات الخارجية للوافدين من أتراك وغيرهم وغياب شبه تام للأسماء البربرية.

2. فهرس الأسماء المتداولة

 ترددنا كثيرا قبل إدراج هذا المبحث حول الأسماء خوفا من الابتعاد عن تساؤلاتنا حول تركيبة سكان المدينة ومصاهراتهم، ولكنه فرض نفسه لأنه لا يمكن تحديد دائرة المصاهرات إذا كانت الأسماء تتردد بكثرة ولا يمكن الفصل بين الأفراد. ثم وجدنا في هذه العقود مادة ثرية ولكنها محيرة تؤكد الصور المتداولة أحيانا وتسقطها أحيانا أخرى. ففي باب الأسماء لا أحد يعجب إذا ما قلنا أن اسمي فاطمة ومحمد على رأس الفهرس. ولكن أن نجد أسماء مكررة، لا تعني نفس الشخص وهي ثلاثية التركيب  مثل "فاطمة بنت صالح الحبيباتني"[7] فهذا يدل على تظافر ثلاثة عوامل:  تواتر اسم "فاطمة" وكذلك اسم "صالح" وكثافة أفراد  عائلة الحبيباتني" واحترام نمط التسجيل.

 ما هي مواصفات فهرس الأسماء المتداولة في قسنطينة أواخر القرن الثامن عشر؟

1.2.  التقليد و"إحياء الفقيد"

تميزت قائمة أسماء النساء والرجال بعددها المتواضع مقارنة بالأنساب. إذا اعتبرنا كل الأسماء بما فيها  التصغير في النطق أو الاختزال في الرصد وجدناها لا تفوق 220 اسما للرجال و عدد مماثل للنساء. و يشترك عشرون شخصا في اسم واحد إجمالا و ثلاثة فقط يحملون نفس النسب. إلا أن التوزيع غير عادل،  فالقائمة قصيرة لكنها معبرة وتدعو إلى تفسير المجالات الدلالية والرمزية لهذه ا‎لإختيارات، كما يحتاج هذا التوزيع إلى توضيح. 

 كيف يختار الاسم ومن يختاره وعلى أي أساس يمنح الاسم للمولود أو المولودة ؟ (ليست لدينا كناشات مشابهة لما تركه تجار مدينة فلورنسا الإيطالية الذين سجلوا كل كبيرة وصغيرة حول اختيار الأسماء لأفراد العائلة (Ch،  Klapisch-Zuber ، 05). من المؤكد أن اختيار الاسم عملية مهمة، قد تؤول لصاحب القرار في البيت، وقد تكون محلّ "مفاوضات" معلنة أو غير مباشرة. ولا يمكن معرفة هذه الخلفيات إلا بتركيب شجرة العائلة على عدة أجيال حتى تظهر الأسماء في تداولها وتكرارها وابعادها...  لكن مميزات القاموس والفهرس تجعل البحث الطولي غير ملزم ما دامت عشرة أسماء توظف لتسمية 80% من  أفراد العينة. أمر كان محسوسا ولكن لم يكن محسوبا بهذه الدقة وعليه لم يكن متوقعا لهذه الدرجة.  

من الشائع في مجتمعاتنا أن تسمية المولود عمليةمة تعطى الأ مه ولوية فيها "للكبار". ولكن من المتعارف عليه أيضا، وفي دائرة أوسع من المجتمعات المتوسطية، يتم اختيار اسم المولود في قائمة من أسماء الآباء والأجداد أو ممن توفي من الأقارب والذين يراد الاحتفاظ بذكراهم وبعثهم فيمن دخل الدنيا جديدا "لإحياء الفقيد" ( Ch،  Klapisch-Zuber ، 105- 106). وعليه فإن قائمة الأسماء ليست ثرية لأن بها تكرار ممّل. قد يعير العرب والمسلمون أهمية قصوى لاختيار الأسماء إلا أن هذا الشرط الضمني والمتمثل في احترام الأسلاف لتخليد أسمائهم يبعد الجديد منه والغريب وغير المتداول لأنه لا يحظى بالأولوية. إن "محمد بن عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن يحي بن محمد الفكون" لمن النماذج الشهيرة في قسنطينة لأنه أربك الدارسين والباحثين الذين أخلطوا بين الجد والحفيد (أبوالقاسم، سعد الله :1987). وتكرار الأسماء اربكنا نحن ايضا في هذه الدراسة وجعل التعرف على فرد بعينه ضربا من المستحيل  خاصة في الأسماء الشائعة في غياب الاسم الثالث على الخصوص.

نركز على هذا الموضوع لأنه يحدد قيمة نتائج بحثنا ومصداقيتها. لم نكتف بتسجيل كثافة الاسم ولكننا فضلنا كثافة الأشخاص الحقيقيين الذين يحملون هذا الاسم. بمعنى آخر، جردنا الرجال في فهرس واحد لا يرد كل منهم سوى مرة واحدة، والنساء في فهرس آخر مماثل، ومن هذا الفهرس الأولي استخرجنا فهرس الأسماء وكثافة كل منها. بطبيعة الحال يـمكن التدقيق أكثر في النتائج، ولا زالت قاعدة المعطيات تحتاج إلى "تنظيف" لكن العملية ثقيلة وطويلة ولا تغير في النتائج إلا بنسبة ضعيفة جدا.

2.2.   تأثير أسماء أهل البيت

عشرة أسماء تداولها أكثر من ثلثي العينة، وتوزع الثلث الآخر على الباقي. وكأن توزيع الأسماء مثل توزيع الثروة: سعيد الحظ من يدخل في الدائرة الضيقة التي تمتلك أشهر الأسماء وأغناها سمعة. و إلا كيف نفهم هذا التهافت على نفس الأسماء والتمسك بها بفخر واعتزاز؟

جدول رقم : 1

الأسماء المتداولة في قسنطينة حسب الترتيب التنازلي (مقتطف)

العدد

اسماء الرجال

العدد

اسماء النساء

الرتبة

1204 + 13

مُـحمد (مَحمَد)

774 +68+74

فــــاطمــة

(فطيمة +فطوم)

1.     

566

أحـــمد

305 +34+21

عــــايشة

(عيشوش+عويشة)

2.     

403

عــلي

237

مبـــاركة

3.     

285

بلقـــاسم

188

آمــــــنة

4.     

130

عمـــار

187

خديــــجة

5.     

126

عبــد الله

182

زيـنب (زينبة=1)

6.     

119

صــالح

166

تــركيــة

7.     

97

مــسعــود

164

حفصة (حفصية؟)

8.     

94

سليـمـــان

137

مســعودة

9.     

85

مبــــارك

101

علجـية(علجة =1)

10. 

82

عمـــر

100

مـــريم

11. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جاء اسم "فاطمة" واسم "محمد" على رأس القائمة. أخذ «محمد" الصدارة بلا منازع في أسماء الرجال قبل أن يضاف له «أحمد" الصيغة القرآنية لاسم الرسول محمد عليه السلام؛  إن "أحمد" و "محمد" هما اسمان لشخص واحد، رسول المسلمين، الذي يحمل اسمه معاني العرفان بالحمد والشكر إلى الله عز وجل، إذا أضفنا "أبي القاسم" وهو كنيته (285 مرة) برز تأثير الانتماء الإسلامي. قد حمل أكثر من ألفي رجل اسم رسول الله مباشرة.    

لا مفر من الملاحظة أن الأسماء الإسلامية محمد وأحمد وعلي أتت في المقدمة. و حمل اسم «علي" 403 رجلا، فهو ابن عم الرسول وصاحبه وزوج فاطمة ورابع الخلفاء الراشديـن وأب الحسنين... ويجدر التذكير بهذه الصفات إذ لم تخصص نفس المكانة للخلفاء الآخرين مثل عمر (82 مرة) وعثمان (15) و أبي بكر "بوبكر"(6). وإن اندثرت الشيعة السياسية إلا أن تراث علي بن أبي طالب بقي  قويا في المجتمع الجزائري.  ويعد اسم "علي" المتداول أربعة أضعاف مقارنة بالخلفاء الثلاثة مجتمعين لأحسن دليل على الاستمرارية.

كما ورد عمار (130 مرة) وهو من «عمّر" «يعمر" «تعميرا"، وهو اسم طيب يتبرك به لأن العمارة في البيوت،  فالمولود الجديد ينتظر منه "عمارة الدار" أي أن يؤسس أسرة ويخلف أباه وجده أو يفوقهم. و نظنه المعنى الذي من أجله يختار عامة. و لكن عند المثقفين، عمار يذكّر بالصحابة من الموالي "عمار بن ياسر" الذي ناضل من أجل الدين الجديد...  وقد أتى في المرتبة الخامسة قبل "عبد الله".

ثم يأتي عبد الله في مواجهة الأسماء الوثنية مثل " عبد مناف"،  وهو والد الرسول من جهة، ثم إنه صفة المسلم على الإطلاق إذ يسلم نفسه لله وهو "عبده" اقتداء بصفة الرسول الواردة في الشهادتين "... وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله." ثم إن عبد الله تبعد وتنفي الجاهلية والوثنية وحتى الانتماء إلى الديانات الأخرى بمجرد التلفظ بعبارة "عبد الله".

 ويقال فى هذا الشأن أن أحسن الأسماء الإسلامية ما عُبد وحُمد:

أما ما حُمِد من الأسماء فهي: مُحمد ، مَحمَد، أحمد، محمود، حمدة و حميدة ، حمود وحمودة، وحمادة وحمادي وحم إن كانت تصغيرا.

و أما ما عُبد من الأسماء فهي تلك التي تركب على الأسماء الحسنى ولا مجال لذكرها لطول القائمة، وهي مشهورة. نورد ما عثرنا عليه في العينة، وهي قليلة العدد وضعيفة الكثافة، وعلى رأس القائمة: عبد الله (128) وعبد القادر (67) وعبد الرحمـن (42) ثم عبد الرزاق (9) وعبد الكريم (8) وعبد العزيز (6) وعبد الوهاب (3) وبقيتها سبعة لم تتردد سوى مرة أو مرتين فقط[8].

ورد أكثر من عشرين اسما مشتقا من القاموس العربي للأوصاف الحميدة والفضائل جاء في صيغة الفاعل:  الصالح، سالم، الطاهر، الطيب، الحسن، المبارك، عمار، صالح، المسعود، المبارك والمبروك وسعد والسعيد ورابح...والبشير والونيس،  وفي صيغة المفعول:  التي فضل الله بها على عبده بما أكرمه من خصال حميدة مثل: المهدي والمنصور والمرزوق والموهوب والمختار والمصطفى والمخلوف... وهي قليلة التواتر نسبيا.

نجد أسماء التفاؤل التي كلما تم التلفظ بها وتكرر نطقها، كلما أطربت السامع وجعلته يتفاءل بمعانيها، ولذا اختيرت هذه الأسماء للخدم والعبيد عند قدماء العرب، و يبدو أنها عمت أوساطا أوسع في عينتنا.

هناك أيضا الأسماء التي تنحدر من التراث النبوي المستمد من القرآن الكريم، وكان لإبراهيم المرتبة الأولى والصدارة بين الأنبياء: (72 مرة)،  ثم يأتي عيسى(26 مرة)    ثم يحي (16 مرة) و موسى(10 مرات)   ويوسف ( 8 مرات) و إسماعيل (4 مرات) و يونس(3)   فالخليل أو خليل (2 مرتين).

هذا وقد حاول عمر بن الخطاب، في زمانه، أن يقلل من تداول اسم الرسول وأسماء الأنبياء حتى لا تهان وتبتذل.  وكان قد اقترح تغييرها بإسم عبد الرحمن (J، Sublet.  : 1979، 27 ) مثلا ولكنه لم يفلح.

 تعبر هذه العينة على اختيار الأسماء وسط المسلمين فحسب، وكان حضور اليهود نادرا في السجلات. وقد تعامل اليهود بأسماء عربية في أغلب الأحيان، كما يتبين في المثال الموالي :

"...الذميات الخمس: جوهرة بنت حميرش، ربقة بنت ابراهيم، تومية بنت يوسف، نوارة بنت خنينش وجيك بنت شوعة بن قيقي"[9].                   

وردت أسماء الشهور في نسبة قليلة وتمثيل ضعيف: تردد اسم شعبان (19 مرة)، و رجب (13)، و رمضان (10)، والعيد (3). أما الألوان استعمل «الاخضر" و"الأكحل" و"الأحمر" و"الوصيف" و"الأبيض" و"الأزرٌق" و"الأصفر". وتوظف خاصة كألقاب عائلية وغالبا ما تتقدمها صلة البنوة مثل "ابن الأبيض" أو"ابن الوصيف" التي أصبحت "بللوصيف" في النطق المحلي.

 من البديهي أن تحتل فــاطــمــة   الصدارة على رأس قائمة أسماء النساء بعيدا عن أي منافس، وذلك بسبعة مائة وأربعة وسبعين مرة، فضلا عن فطيمة وفطوم وهي تصغيرات مشتقة منه. وفي الرتبة الثانية، بأقل من نصف العدد، تأتي عـــائشة (305 مرة) وعيشوش وعويشة ( مرة 55). و يمكن تفسير هذا التفضيل بالتبرك بأهل البيت، فيتبع الترتيب الأفضلية "الرسمية" الممنوحة لنساء المؤمنين وعلى رأسهن عائشة، أما فاطمة فلها مكانة خاصة، إنها بنت الرسول وزوجة علي كرم الله وجهه ومنبت الشرف الإسلامي.

وبعد عائشة تأتي آمنة [10]، (أم الرسول) ب 188 مرة، ثم خـديـجة (زوجه الأولى) ب 187 مرة، وزينب [11]  (إحدى بناته) ب 182 مرة،  وهن في مراتب متقاربة. ثم تأتي حفصة[12]  بـ 164 مرة، و مريــم بـ 100 مرة. اختيرت أسماء  أمهات المؤمنين  مباشرة وسميت بها نساء قسنطينة في نهاية القرن الثامن عشر حسب ترتيب  يكاد يعكس مكانة من كانت تحمل  الاسم في فجر الإسلام !  ولكن ثلاثة أسماء دخلت القائمة وكسرت تتابع أهل البيت وهي مباركة في المرتبة الثالثة (237 مرة) و تركية في السابعة (166 مرة) و مسعودة في التاسعة (137 مرة).

ما الذي جعل هذه الأسماء أكثر شيوعا وتداولا من غيرها؟ تداخلت في الواقع ظروف عوامل عديدة لتفسير اختيار الأسماء. و قد تظافرت روح المحافظة على التراث العائلي مع التمسك بمعاني الأسماء اللغوية ورموزها التاريخية لترجيح الكفة لصالح أسماء أهل البيت وتداولها أكثر من غيرها. 

يبدو مجال الاختيار ضيقا ولا تسمح القائمة بالخروج عن المألوف لأن الهدف هو بعث الفقيد والحفاظ على "ثروة الأسماء"(Klapisch -Zuber، Ch) وتعد الأسماء العائلية من التراث المتوارث حفيدا عن جد. ولا زال الهدف إلى يومنا هذا يتمثل في احترام الأجداد وتجسيده في أسماء الأبناء.  وقد عمل التقيد بالأسماء العربية لغة والإسلامية ثقافة والعائلية تداولا وتراثا، على تضييق قائمة الخيارات الممكنة، فأعطانا قائمة تعد فقيرة بأكثر من نصف الأسماء التي وردت مرة واحدة ووحيدة.

وعليه ربما يستحسن البحث في الأسماء الدخيلة والنادرة والجديدة لمعرفة تأثيرها ومدلولها حيث لا يمكن لنا معرفة ذلك إلا بالتخمين والافتراض. ومما يجدر ملاحظته والوقوف عنده هو حضور أسماء مثل مباركة ومسعودة، وكذلك تركية وعلجية وسط العشرة الأوائل.

 يعد اسم مباركة الذي جاء في المرتبة الثالثة بعد فاطمة وعائشة وقبل آمنة وخديجة وكذلك اسم مسعودة (المرتبة التاسعة) من أسماء الإماء وخاصة أصيلات افريقيا السوداء لتفاؤل أسيادهم بحسن المعنى ولكن شاع الاسم وحملته بنات من كل الانتماءات.

 أما من آثار الوجود التركي البارزة دخل اسم «تركية" ومنح لمائة وست وستين بنتا، وقد كان في المرتبة السابعة بعد حفصة وقبل زينب، وهو ضعيف نسبيا. أما "علجية"  فقد ينسب لظاهرة الأسر وتوافد العلجيات على موانيء الجزائر، وهن  من أصل أوروبي  عموما.

ودون التطرق إلى الأسماء النادرة إذ لا مجال لها هنا، نقدم في هذا السياق ملاحظة حول الأسماء القليلة التداول ومن بينها نموذجين هما: فاطمة الزهراء و بية.

أما "بية" فهو مؤنث لكلمة "البي".   وقد ورد "البي" في العقود بالألف "باي" ويدونه "بي". والأرجح بالألف حسب ما جاء في الأوامر السلطانية التي تحرر في مكتب الباي نفسه[13]. و"الباي" لقب تركي لمنصب سياسي أخذه ولاة الأقاليم في الأيالة الجزائرية، لكنه لم ينتشر كثيرا كاسم علم للإناث إلا بعد انتهاء الحكم العثماني حيث نصادف الآن اسم  "بية" في عدد أكثر، وقد ورد مرة واحدة في قائمتنا: إنها "بية بنت الحاج محمد بن الحملاوي" وقد ظهرت في طلاق قبل البناء من "التومي بن السيد محمد البركة الحملاوي". ويبدو أنها من بني عمومته. والمهم هنا أنها ابنة آغا الدايرة[14]  وفارس في خدمة المخزن، أي أن أباها موظف لدى البايلك. هل الاحتكاك بالسلطة هو الذي أوحى له باسم ابنته أم أنه تعرف على من يحمل هذا الاسم داخل هذا الوسط  بين المقربين من الباي ؟ إنه أقرب الاحتمالات على كل حال.

أما فاطمة الزهرا(ء)، هذا الاسم المركب الذي ينسب لبنت الرسول محمد فهو لم يرد هكذا مركبا إلا مرة واحدة، وهو ما يؤكد وجود الصيغة وإن لم تكن متداولة وهي أكثر انتشارا الآن. ولنا أمثلة تبرهن على استعمال الصيغتين مع نفس الشخص: "فاطمة" و "فاطمة الزهرا". ففي العقد الأول (16-1-1207 هـ) الذي سجلت به طلقتها الثانية من "فرحات بن عمر الوسلاتي" عرفت كالآتي:" فاطمة بنت الحاج محمد بن ميمي"،  وفي الثاني عندما راجعها زوجها بعد شهرين كانت "فاطمة الزهرا بنت الحاج محمد بن ميمي العلوي"[15]. نلاحظ أن اسمها قد اكتمل وكذلك اسم أبيها الذي ألحقت به نسبة "العلوي".

يحتاج موضوع الأسماء إلى توضيحات أكثر وتحليلات أوسع(Collectif: 1996) لا يسعنا الغوص فيها في هذا المجال ولكن علينا أن نعرف أن 80% من العينة اشتركوا في عشرة أسماء بالنسبة للرجال  ونفس الشيء تقريبا بالنسبة  للنساء[16]. وهي ظاهرة تضعف الفوارق بين أصيلي الريف أوالبادية والحضر. ولا يسهل التمييز انطلاقا من الأسماء إذ ينهل الجميع من رصيد واحد. يبدو هذا التمايز أوضح أو أسهل في تونس (M. A. Ben Achour : 1979 ، 21- 26)  العاصمة ولكن  قد يكشف جردا شاملا للأسماء المتداولة في تونس عن نتائج مغايرة. لا تظهر المميزات في العينة إلاّ في الحالات الخاصة والنادرة ولكن الفصل على مستوى العينة ككل أمر أصعب.  ومهما تنوعت الأسماء فالتعريف الكامل يقتضي نسبة أو نسبا لإثبات الهوية والانتماء.

3. نِسبة ونَسب، نُسًب وأنساب

يعرف ابن منظور النسب والنسبة في لسان العرب المحيط كما يلي: النسبة من الانتساب، النَّسـَب واحد الأنساب ومعناه القرابة، وقيل هو في الآباء خاصة. ويكون في الآباء ويكون إلى البلاد ويكون في الصناعة.

والنسبة تكون بإضافة الياء إلى اللفظ المنسوب إليه مثل ساحل/الساحلي أو صحراء/الصحراوي. وقد تتغير التركيبة بعض الشيء حسب الوزن مثل عامر/ العمري...

 تكون النسبة إلى القبلية أو العرش أو العائلة أو الحرفة كما تكون للموطن والمدينة. أما الانتساب بالبنوة "فلان بن فلان" في الصيغة العربية أو "أولاد فلان" حسب الدارج في ربوع المغارب فهو معروف داخل المدينة وخارجها، وتستعمل الصيغتين دون تمييز أو حسب الظروف، والواقع أن كلها متدوالة بدرجات متفاوتة: ففي وثيقة تعدد زوايا مدينة قسنطينة في القرن التاسع عشر وردت "زاوية الخرازين لابن الفقون" (القاف بثلاث نقاط) و"زاوية الخراشفيين لاولاد بن جلول" و"زاوية  اولاد بن باديس". وكانت عبارة "اولاد" هنا تفيد الجمع،  ويبقى "ابن" للتعبير عن البنوة والانتماء. ولكن في سجلاتنا لمطلع القرن الثالث عشر للهجرة ورد التعريف بـ "اولاد سلطان" و"اولاد سيدي يحي" و"اولاد ..." وغيرهم. ويبدو أصلهم من خارج المدينة.  إلا ان الكنية قليلة وتظهر عليها التأثيرات المحلية، أما الألقاب فهي نادرة و"الأنباز" استثنائية...  ولا وجود تقريبا للأسماء الكريهة لفظا ومعنى.

1.3. الاسم العائلي في الحالة المدنية

من الأخطاء الشائعة في الجزائر الاعتقاد السائد أن السلطات الاستعمارية الفرنسية هي التي منحت الألقاب العائلية للجزائريين الذين "كان جلهم يفتقد إلى الأسماء العائلية" حسب زعم التقرير النيابي الممهد لقانون الحالة المدنية الذي صدر في أواخر القرن التاسع عشر.

عملت الإدارة الفرنسية في الواقع على فرض استعمال الاسم العائلي بصفة غير مباشرة أولا بجعله إلزاميا في كل عقود الملكية. وقد جاء هذا الأمرفي قانون 1873 المنظم للملكية في الجزائر (Anna Parzymies :1985، 23) ثم قنن للحالة المدنية بسَنِه إجبارية تسجيل الولادات والوفيات ( قانون 23 مارس 1882) (Estoublon ،R. Lefébure ، A ،395)  حسب نفس النمط،  فبرزت قائمة للألقاب العائلية للتداول الرسمي، وفرضت التخلي عن تركيبة الأسماء المعروفة في السابق  والمتمثلة في الاسم الثلاثي أو الرباعي.

وإن كانت هذه العملية واردة بتعميمها الألقاب العائلية وترسيخ تداولها، فإنها جمّدت أساليب التعريف في صيغة موحدة، وقد كانت تشمل من قبل عناصر تزيد أو تنقص حسب الظروف. وتكشف دراستنا بصفة قطعية عن شيوع التعريف بالاسم الثلاثي والرباعي بما فيه الاسم العائلى.  ورغم الاختلافات الملحوظة فقد برهنت نتائج الرصد بالإعلام الآلي عن احترام قواعد التسمية وتطبيق نفس المعطيات في كل مرة. فالتعريف بالنسب الثلاثي وحتى الثنائي كان واردا و فاق تداوله في سجلات المحكمة المالكية بقسنطينة ثلاثة أرباع العينة،  وهو بالتالي أوسع من كل تصور.

لقد تعاملنا مع أكثر من خمسة ألاف وخمسمائة (5518) [17] عقد للأزواج من الرجال والنساء سقطت منها ألف من جراء تكرار الزواج أو الطلاق، فاستخرجنا 4668 رجلا (زوجا) [18] توزعوا على أقل من ألف وخمسمائة (1485) اسم عائلي[19]. بعبارة أخرى تكررت الأسماء والأنساب في صيغ مماثلة مما مكن عملية الاختزال. وقد اشترك ثلاثة رجال في نسب واحد حسب المعدل إلا أن واقع التوزيع والكثافة قد اختلف من واحد إلى مائة. أكثر من نصف العينة ورد مرة واحدة فقط. ونحاول تحليل الانتماء والانتساب.

ما هي الصيغ الشائعة عند أهل قسنطينة في الأنساب والانتساب قبل قرنين من وقتنا هذا، وما هي انتماءاتهم؟

رأينا أن الاسم الثلاثي هو القاعدة من حيث التركيبة وأن 85 % من الأزواج الذين وردت أسماؤهم في دفاتر العدول كان لهم اسما شخصيا واسما عائليا يميز الانتماء. إنها نسبة عالية ومعبرة. وإن سجلنا نسبة للنساء أقل بقليل إلا أنها لا تغير من النتيجة الإجمالية. وقد يكمن الاختلاف في طريقة التوثيق التي ركزت نسبيا على الزوج أكثر من الزوجة لأن الزوج يعرف بنسبه فقط أما الزوجة فيمكن التعرف عليها بنسب أبيها أولا ثم بالرجوع إلى العقد الذي يبدأ باسم الزوج دائما في حالة الزواج والطلاق على حد السواء، ثم عن طريق وليها المذكور أيضا،  وعليه 75% من الزوجات ذكرن باسم ثلاثي.

تتمثل النتيجة الثانية والبالغة الأهمية في كون الاسم الثالث غالبا ما يكون نسبة. وهو بذلك يقوم مقام الاسم العائلي. وهذا ما يفند الاعتقاد السائد بأن الإدارة الفرنسية قد رسخت التعامل بالنسب/ اللقب العائلي، وقد كان التعارف يعتمد على نسبة البنوة فقط (فلان بن فلان بن فلان) مع الانتماء الواسع للعائلة أو العرش أو القبيلة وغيرها.

وأما النتيجة الثالثة والتي تجعلنا نعيد النظر في التصورات السائدة حول سكان المدينة ومفادها تفوق الانتساب القبلي عددا وكثافة رغم اقتصار العينة على سكان قسنطينة داخل الأسوار، بمعنى من تزوجوا أمام قاضيها فحسب. وتميزت تلك الأنساب بصيغة النسبة إلى القبيلة أو العرش أو الموطن الجغرافي.

بلغت نسبة البنوة، في صيغة "ابن فلان" 30 %  من المجموع وجاءت في المرتية الثانية إذ تقل قليلا عن النسبة التي تضاف إليها الياء في آخر الكلمة. وعليه أكثر من الثلثين كانت تسمياتهم العائلية مبنية على البنوة وعلى النسبة في تركيباتها ومشتقة من أسماء القبائل والرجال والأماكن...

ثم تأتي الكنية " ابو فلان " في مرتبة أقل ولا تزيد بصيغها المختلفة على 6 % مثل «البو عزوني" (12 مرة) و "البوزناوي" (09 مرة) و " البوطالبي" (17 مرة) و"ابن بوخضرة" و"بوغانم" و "بوخالفة" أو "بوالدقيق" (03). وقد سقطت الألف نطقا وكتابة في اللسان الدارج عندنا...

 كما اتخذت الحرفة مكانة بارزة ضمن العناصر المكونة للهوية والمميزة للفرد، وتعد بحق من عوامل الاندماج الحضري، وقد عوضت النسب العائلي في أكثر من مائة حالة في عينتنا. 

ما هي تركيبة سكان المدينة بناء على تركيبة الأسماء والأنساب، وكيف نفسر هذا التوزيع؟

اختلفت صيغ النسبة كما رأينا ولا نعلم ظروف رسوخها هنا وهناك: فقد تكون بالمولد أو بالمنشأ أو بطول الإقامة[20]  و إن أهملت عادة التدقيق في مثل هذه الأمور ولم تدون إلا نادرا كما حدث في التعريف بـ"المكرم محسن بن قصير المنزلي نسباً والتبسي وطناً..." الذي تقدم لإثبات عتق مملوكته...[21] ويسمح هذا التنوع من حيث الانتماء الأصلي بإبراز حجم الاختلاط وكثافة المبادلات بين المدينة والمحيط وبين المدن فيما بينها. وسواء ولد بالمدينة التي نسب إليها أو أقام بها أو تعامل مع أهلها فإن صلته بها هي التي تميزه بين القسنطينيين. وعليه فكثافة النسبة إلى موطن أومدينة معينة تثبت، مهما كانت منطلقات النسبة،  كثافة روابطها بقسنطينة.  فما هي دائرة استقطاب مدينة قسنطينة من خلال أنساب سكانها؟

4. التوزيع السكاني حسب الأنساب

1.4.  النسب القبلي

 إن جل الأسماء التي تنتمي إلى أصل قبلي تشترك في أن الاسم مشتق من اسم علم وهو على الارجح اسم المؤسس للقبيلة أو أحد فروعها من عرش وفرقة أومن نسبت له من الأسلاف (L، Babes).

لقد ذهلنا لنتائج الجرد في ميدان الأنساب أو ما اصطلحنا عليه كذلك، لكثافة الانتماء القبلي عند سكان المدينة والنازحين إليها من المناطق المحيطة بقسنطينة على قطر يفوق المائة كيلومترا.

لو تتبعنا هذه الأنساب حسب الكثافة لبرزت منطقة الشمال القسنطينى في المكانة الأولى. ولا غرابة إذ تمثل هذه المنطقة الجبلية المورد البشري للمدن المجاورة منذ أمد بعيد. وهذه الجبال هي الخزان الذي يمد قسنطينة بالسواعد الفتية كلما احتاجت إلى ذلك، ويبدو أن المدن كانت في حاجة مستمرة لسد العجز. وقد فسر الديموغرافيون عجز المدن في اليد العاملة والسكان عموما، في القرون الماضية، بقساوة ظروف المعيشة التي جعلت نسبة الولادات والوفيات في تقارب مما يخل بالميزان كلما عمّ وباء أو انتشرت مجاعة (J، Dupâquier : 1985 ، 462).

ينسب أهل قسنطينة أنفسهم إلى القبائل التي ينتمون إليها أو انحدروا منها مثل العمري إلى عامر والعمراني لابن عمران و الدراجي لأولاد دراج واليدري لبني يدّر والخطابي لابن خطاب و الحناشي إلى الحنـانشة والحركاتي إلى الحراكتة و المسلمي لبني مسلَم والعبد النوري لأولاد عبد النور وغيرها كثير... وهذه هي الأكثر حضورا في العينة والأكثر كثـافة في المدينة على ما يبدو[22].

تبين هذه الكثافة الثقيلة لأهل قبائل الجبال الشرقية مدى انتشارها في رقعة واسعة واستقرارها في المدن منذ قرون عديدة. ويبقى النسب هو الرباط الأكيد بالأصل. وتؤكد هذه الانتماءات على حركية القبائل وعدم استقرارها ومدى جاذبية المدن الكبرى لها وعلى رأسها مدينة قسنطينة. لقد أشارت الباحثة ليلى بابس إلى مسار قبائل الشرق الجزائري في معاناتها مع الطبيعة والمحيط الاجتماعي طوال القرون الماضية وحاولت أن تبين " كيف أن بعض الهشاشة قد مست قبائل الشرق، وهي في تحرك دائم وهجرة و"بروليتاريا" وتفكك قبلي..." ومع هذا تصمد المجموعة وتبقى مستمرة ولا ينسب  الرجل المهاجر إلا لقبيلته الأصلية" ( L ، Babes ، 85).

 اعتمادا على خريطة القبائل كما رسمها الباحثون استيقاء من وثائق السناتوس كونسولت (Senatus-Consulte) ( A،  Badjadja : و B، Benmatti-Hamani : 1985) نستطيع ان نحدد بالتقريب دائرة استقطاب مدينة قسنطينة لهؤلاء النازحين من مناطقهم الجبلية غالبا ومن السهول أحيانا[23].  أما الجهات الشرقية كضواحي قالمة وعنابة أو الجنوبية نحو الأوراس فهي حاضرة ولكن بكثافة أقل أي بعد المرتبة العاشرة.

تأتي بعدها النسبة إلى المنطقة في شكلها العام والمعتمدة على الموقع من اتجاه الشمس، فنقول "الشرقي" و"الغربي" ولا وجود للشمالي والجنوبي. فالمتداول في هذا الشأن هو "القبلي" للجنوب أحيانا، وتم تداول "الصحراوي" نسبة إلى المناطق الجنوبية المتميزة. وربما عوض الشمال بالساحل لأنه في الشمال بالنسبة لجل المناطق الجزائرية[24].

تأتي قبائل الشمال القسنطيني على رأس القائمة عددا وكثافة إذا ما استثنينا "الغربي" لعموم التسمية و"الوسلاتي" لما عرفه سكان جبل وسلات من تهجير قسري بعد 1762م.

جدول الأنساب :

 

أنساب الرجال

أنساب النساء

الترتيب

98

86

88

26

63

38

39

51

35

العمري

الغربي

اليدوي

البلعيدي

الدراجي

العلمي

الطلحي

العمراني

الزموري

 

108

94

91

70

68

58

52

47

44

43

الغربي

الوسلاتي

العمري

الدراجي

العمراني

اليدوي

الشريف

العلمي

الخطابي

المعافي

1.     

2.     

3.     

4.     

5.     

6.     

7.     

8.     

9.     

10. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تتوزع "عامر" بين شرق قسنطينة وغربها، بين عامر القبالة وعامر الظهرة شرق مدينة سطيف، وبين عامر الشراقة المستقرة جنوب شرق مدينة قسنطينة بين البحيرة الطويلة جنوبا والزناتية شمالا.  ويلتف بني عمران  (السفلية والجبالة) وبني يدر وبني خطاب وبني عافر وبني حبيبي وبني معمر وبني فوغال حول جيجل وهي المنطقة الأكثر تمثيلا. ويأتي من ينتسبون إلى منطقة القل والقبائل المحيطة بها في المرتبة الثانية إجمالا. ولكن يظهر اولاد دراج، ذوي الكثافة العالية، في نقطتين فوق الخريطة: أولا شمال شرق قسنطينة في اتجاه مدينة سكيكدة وفي مساحة أوسع غرب مدينة المسيلة.  لقد وضعت هذه المواقع ونسبت لمختلف القبائل اعتمادا على ملفات السناتوس كونسولت (1873 Senatus Consulte) وقنون فارنيي (la loi Warnier) الذي قنن ملكية الأراضي وفرق القبائل وشتتها ونقلها عن مواطنها، علما أنها لم تتوقف عن الحركة والترحال لأسباب طبيعية وسياسية. وعليه لا تمثل هذه المواقع سوى منطلقات تقريبية أو مواطن رمزية لجماعات حافظت على الاسم انتماءً. صحيح أن الوضع يختلف حسب القبائل والمناطق ولكن قد يتغير أيضا مع كل مجموعة، ويكفي أن نشير هنا إلى أن الاشتراك في الاسم والارتباط به يفي، في بعض الأحيان، بالغرض وهو التعبير على الانتماء. كما تجدر الملاحظة بالمناسبة أن ترسيخ الأسماء العائلية عبر الحالة المدنية فرق بين عائلات وجمع بين أخرى حسب الاسم الذي اختير لها في أواخر القرن التاسع عشر، وتعمقت العملية طوال القرن العشرين وأثناء حرب التحرير بالتغيير الإرادي للأسماء فرارا من الملاحقة الاستعمارية، أو لأسباب أخرى.

وحسب الكثافة دائما برز «الطلحي" في مكانة متميزة (39 مرة). و ينسب إلى أهل طلحة، وموقعها بين قالمة وعنابة نحو الشمال الشرقي. قد نواصل هذا العرض وندعمه بما جاء حول هذه القبيلة أو تلك في كتب التاريخ بالعودة إلى الماضي وحتى إلى ابن خلدون، ولكن لا نجد فيها ما يفسر هذا التوزيع أو تلك الكثافة، ولا شيء عن أولى الهجرات وبداية الاستقرار بالمدينة وذلك لتكرار أسماء القبائل في مناطق مختلفة من شرق البلاد إلى غربها. 

إذا كان الحضور القبلي قويا فله ما يفسره إجمالا من جهة في دور المدينة وقدرتها على الاستقطاب والاستيعاب، ومن جهة أخرى فيما عرفته المناطق الريفية من تحولات سياسية وصعوبة المعيشة والمنافسة على الاستقرار (L ،Babes) وأهم نتيجة في هذا المضمار تتمثل في أن "النزوح الريفي" ليس بظاهرة معاصرة وإنما زاد سرعة فقط على غرار كل التحولات المعاصرة.

ولنا أن نتساءل بالمقابل عن التمثيل الضعيف للعائلات الحضرية المعروفة بانتمائها إلى المدينة وإقامتها الطويلة بها وعراقتها فيها.

وقد لجأنا إلى البحوث الديموغرافية حول المجتمعات الماضية لاستيعاب ظاهرة الحضور الريفي في المدينة.  ويبدو السبب بسيطا في نظرهم لأن هذه العائلات، إن كانت عريقة فإن كثافتها قليلة وتتضاءل مع الزمن إذا لم تطعم بعناصر خارجية    (G ،Tillon : 1966) . كما أن المجاعات وخاصة الأوبئة أكثر فتكا وأسرع انتشارا بين أسوار المدينة منها بين السكنات المتناثرة في الريف والبادية.

2.4. التوزيع السكاني حسب الانتماء الجغرافي للأنساب

من النتائج الأساسية أيضا أن الأنساب المتداولة بكثافة هي نفسها عند النساء والرجال، وأن ستة من العشرة الأولى كانت مشتركة في القائمتين وإن اختلفت في الترتيب كما سنلاحظه في الجداول لاحقا.

يقوم الترتيب على انساب الشمال القسنطيني ثم يتنوع بالتدريج نحو الشرق والجنوب. ورغم توفر الخرائط التي تحدد مواقع القبائل فليس من السهل تحديد الانتماء من خلال الاسم، كما نعلم أن القبائل قد انتقلت واستقرت فروعها في أماكن مختلفة حسب الظروف الطبيعية والسياسية فضلا عن تشابه الأسماء رغم بعد المسافة بين حامليها. وعليه يجب الاعتماد على هذه المعطيات كنقطة انطلاق وفرضية تحتاج إلى تدليل وتدعيم وليس كوثيقة صحيحة. 

يكشف تحليل الأسماء انسجاما من حيث الأصل اللغوي لمعانيها وتراكيبها، يعرف في مجملها بالأصول القبلية والجغرافية والحرفية لسكان المدينة. ولا أثر يذكر للأسماء غير العربية الاشتقاق.

وتأتي بعدها النسبة إلى الموطن الأصلي أو المكان الجغرافي الذي للفرد صلة متميزة به فيصبح معروفا به. فهذا «أحمد باي القلي" لم يعرف سوى بنسبته هذه.  نسب لمدينة القل لتردده عليها وإقامته بها عندما كان قائد حاميتها ثم باش سيار البايلك أي يقوم بالبريد من مدينة القل الى عاصمة البايلك بقسنطينة،  قبل أن يرتقي إلى منصب الباي فيما بين 1756م و 1771م.  وينسب المرء لموطنه إن أقام خارجه، فإذا نزح من جيجل فهو جيجلي (32) ومن ميلة فهو ميلي (21) أو من عنابة فهو عنابي (39) وغيرها[25]. كما اشتهر الحاج مصطفي بانجليز باي (1798-1803) ( M، Gaid ، 50)  لأنه قضى عشر سنوات أسيرا في انجلترا. وقد يحدث في بعض التراجم أن يفصل المترجم مراحل حياة الشخص كأن يكتب قسنطيني منبتا و منشأ ودراسة أو تدريسا و إقامة ... ولكن في عقود الزواج لا تذكر إلا نسبة واحدة أو لقبا واحدا للتعريف به لا غير.

كانت نسبة "الغربي" هي الأكثر تداولا بمائة وثمانية رجل وست وثمانين امرأة نسبت لها. أما "الشرقي" فهي قليلة الحضور نسبيا بإثني عشر رجلا،  وغالبا ما يقصد بها في العرف القسنطيني أهل جربة خاصة والتونسيين عامة. أما عن نسبة  "الغربي"  فالجدير بالذكر  أنها وردت كاسم عائلي في قسنطينة منذ قرون سابقة على تاريخ الدراسة. وقد ذكرهم الفكون صاحب المنشور في سياق من تولى خطط القضاء والإفتاء ابا عن جد، مشيرا حول سيرة أحدهم «أن شهرة اسلافه أورثته المنصب المذكور، وينسبون إلى الشيخ أبي العباس احمد الخطيب"( عبد الكريم الفكون، ص 40، 56، وغيرها) وفي موضع آخر يكتب "وفي النسبة أنهم من بلد ميلة، مدينة عتيقة" على بعد خمسين كيلومترا جنوب غرب قسنطينة.

وقد تشمل التسمية أكثر من عائلة كأن يقصد بالغربي الوافد من غرب المدينة وقد يرمز إلى من أتى من القبائل الكبرى لأن مصطلح «الغرابة" - في صيغة الجمع - كان يطلق عليهم في السنوات الأخيرة فقط.

ويبقى السؤال مطروحا ما إذا كان كل من نسبوا إلى "الغربي" ينحدرون من عائلة واحدة؛ وإن وجدنا في الإضافات المرفقة للنسب ما يفند انتماءهم لجد واحد وإن اشتركوا في النسبة: مثل:  "الغربي الكواش" أو " الغربي الرحوي" او " الغربي الدباغ" أو "الغربي السويدي" أو "الغربي السلاوي" أو "الغربي الساري" (أو "السياري"؟ ) أو "الغربي من أولاد بن عيسى" ،  مما  يثبت أن التسمية شاملة وكانت تحتاج من حين إلى آخر إلى توضيح. فالأرجح إذن أنها نسبة جهوية ويشملهم نعت "الغرابة" الموازي "للشراقة".   ويقصد به القبائل الغربية او القبائل الكبرى وإن أخذ في قسنطينة مدلولا ضيقا في حدود العائلة الشهيرة التي تجذرت عروقها في المدينة. 

إذا حاولنا قياس قطر استقطاب قسنطينة من خلال أسماء المقيمين بها لبلغنا الشام  شرقا مرورا بطرابلس وقبلها المدن التونسية، ولتوقفنا في مراكش غربا، أما جنوبا فنحط الرحال حيث قوافل تجارة العبيد بتنبوكتو خاصة.

لقد عثرنا على بعض السكان الذين تزوجوا بقسنطينة وينسبون إلى مدينة مراكش أو سلا أو مكناس بالمغرب الاقصى، أو إلى صفاقس وقفصة و الكاف في تونس، أو إلى قبائل تونسية أو لها فروع في تونس مثل ورغمة والهمامة والدريد، أو إلى مناطق مثل جبل وسلات الذي كان لأهله مواقف مساندة لعلي باشا ضد حسين بن علي وأبنائه من بعده، وكان تمردهم قد تسبب في هجرتهم المكرهة ونزوحهم من بلادهم (M.H ،Cherif )
( D، et ،Largueche : 1992 ، 185) وما استقرار عدد كبير منهم في ربوع قسنطينة إلا دليل على إرادتهم في الابتعاد عن موطن الصراع  لما لحق  بهم من قهر وتشريد[26].  

صحيح أن نسبة "الوسلاتي" جمعت 94 رجلا و 22 امرأة، ويحتاج الموضوع إلى توضيح أكثر. سنلتقي بأهل وسلات في الزواج وتكراره وفي المصاهرات وكذلك مجال الحرف.  

أما داخل حدود الأيالة فقد كان لجيجل وعنابة وصدراتة وميلة تمثيل معتبر، وجاءت كل من بجاية والقل والمسيلة وتلمسان وبسكرة في مكانة ثانوية كما هو مبين في الجدول الموالي والخريطة المرفقة[27] :

 جدول رقم : 2

النسبة إلى الموطن الأصلي

المجموع

النساء

الرجال

النسبة

الترتيب

49

10

39

العنابي

1.     

47

13

34

الجيجلي

2.     

38

08

30

الصدراتي

3.     

34

13

21

الميلي

4.     

16

02

14

القفصي

5.     

16

04

12

التونسي

6.     

13

03

10

البجاوي

7.     

09

02

07

المسيلي

8.     

13

07

06

القلي

9.     

06

00

06

الطرابلسي

10. 

05

00

05

المراكشي

11. 

09

05

04

التلمساني

12. 

06

01

05

التنبكتي

13. 

04

01

03

البسكري

14. 

03

00

03

القيرواني

15. 

04

02

02

الملياني

16. 

04

02

02

الصفاقصي

17. 

01

01

00

الجندوبي

18. 

13

07

06

الكافي

19. 

09

04

05

التبسي

20. 

01

01

00

الشامي

21. 

02

02

00

الحجازي

22. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

3.4. النسبة إلى الحرفة

وبعد النسبة إلى القبيلة والمدينة فهناك الحرفة التي تأخذ محل الاسم العائلي. وسندرس هذه الظاهرة من زاويتين: أولا  على أنها حرفة المعني بالأمر ونوظفها في سياق التوزيع الحرفي للعينة وما يمكن أن تفيدنا في تصنيف الحرف والحرفيين،  وهذا مجاله في فصل لاحق وثانيا في ظاهرة بروز الحرفة كعنصر مميز للهوية ومتى كان هذا العنصر أساسيا يعوض الاسم ويقوم مقامه أم ثانويا مكملا،  وما هو دوره بالضبط في هذا السياق؟

هل الحرفة كانتماء تعوض عن النسب القبلي أو تدعمه أو تضعفه؟ وما هي الحرف المذكورة والمتداولة في التسميات؟ كثير من الحرف موجودة بالضرورة في مدينة عتيقة مثل قسنطينة لماذا لم يذكر سوى البعض منها فقط؟ 

 قد يكون الجواب على السؤال الأخير أسهل: إن ذكر الحرفة هنا في العينة عقود الزواج   يأتي مكملا ومميزا للاسم حتى يعرف المعني بدقة كافية. ولا يرد ذكر الحرفة إلا عند الضرورة الرسمية أو الرمزية. بمعنى آخر عندما تكون هذه الإضافة تفيد في التعريف أو في التشريف. وقد لاحظنا أن العديد ممن ذكرت حرفهم جاءت للتعريف أولا. وقد وردت في محل النسبة العائلية بل وفي محل اسم الأب أحيانا كأن يسجل " بلقاسم الكواش"[28] أو " الحاج محمد بن بلقاسم الكواش"[29] أ و "الحاج محمد الحمار"[30] متى تأتي الحرفة لتدعيم النسب أوالنسبة؟ وهل كان الحاج محمد ابنا لبلقاسم الكواش؟

تأتي الحرفة لتدعيم النسب،  للرفع من شأنه أو للتأكيد على الهوية عندما يكون الشخص معروفا باسمه واسم ابيه أونسبه فتستعمل صيغ متعددة دون تدقيق أو تضاف الحرفة للتمييز.

هذا "عبد الكريم العنابي" أو "عبد الكريم بن الحاج عبيد" أو "عبد الكريم بن الحاج عبيد العنابي" "العدل بالمحكمة"،  ومثله "محمد بن احمد بوعكاز" الذي ورد أيضا في صيغة "محمد بوعكاز" فقط   في سجلات المحكمة المالكية حيث قاما بخطة شهادة العدل.

إن إضافة "العدل بالمحكمة" وراء أسمائهم تأكيد وتذكير وتوضيح. وهو هنا للتركيز على العلاقة بين النسب والحرفة. في حين يمكن اللجوء إلى الحرفة لإضعاف النسبة العائلية أو إهمالها عن قصد بهدف الاندماج في الوسط الحرفي والوسط الحضري بالتبعية، أو للتخلي عن نسبة يثقل وزنها اللفظي أو الرمزي والإجتماعي.

وقد نفسر هذا بتأثير طوائف الحرف في صهر اعضائها ولمّ شملهم بالانتماء إليها  والانتساب إلى الحرفة. وكثيرا ما عوضت الحرفة اللقب العائلي وحلت محله فصعب علينا متابعة التوزيع الحرفي بين العائلات بين مطلع القرن الثالث عشر للهجرة و منتصفه. وعندما تقوم الحرفة مقام النسب العائلي يتعذر أيضا تحديد الانتماء الاصلي. جعلتنا هذه الظاهرة نخلص إلى رأي مفاده أن التوزيع الحرفي لم يأخذ ملامحه بعد في نهاية القرن الثامن عشر إذ لا يوجد احتكار عائلي أو جهوي ـ ولو نسبي ـ للحرف وإن عثرنا على فردين من نفس العائلة في مهنة واحدة ضمن مجموعة من الحرف وسط تنوع كبير للأنساب داخل الحرفة الواحدة كما يظهر في الجدول اسفله. وقد أضعف استعمال الحرفة الانتماء القبلي والعائلي وجعله ثانويا في حين برز التقارب المهني، ولكن كيف الوصول إلى معرفة من شملهم هذا المسار قبل انصهارهم وسط الحرفيين مهنة ونسبا؟   

وبقدر كثافة السكان ذوي النسبة القبلية من المناطق المحيطة بالمدينة في سجل الزواج بقدر قلتهم وتشتتهم على الحرف المذكورة.  فمن بين أكثر من ستين تاجرا حصرنا النصف ممن لهم نسبة قبلية، ثم تأتي الحرفة مكملة مثل "العافري" و "الدراجي" و"السقني" أو عائلية مثل "ابن أحمد رايس" "الزبيري" و"ابن السمار"، أما النصف الآخر فيتكون الاسم من اسم الشخص واسم والده فقط ثم الحرفة. لايوجد تكرار في الأسماء وعليه ل ايلاحظ تخصص واحتكار في تعاطي التجارة،  اثنان فقط "أحمد بن جامع العافري" وأخوه "محمد بن جامع العافري" شذا عن القاعدة. وفي كل حرفة عثرنا على اثنين لا أكثر والسبب يعود اساسا إلى قلة التعامل بالنسب عند حضور الحرفة. لاحظنا نفس الظاهرة سنة 1840 في دفتر الوفيات: فهذا "علي بن محمد البلاغجي"[31] عمره خمسون عاما وآخر بنفس الاسم "علي بن محمد البلاغجي" عمره اثنان وعشرون سنة فقط، كما ورد "أحمد البشامقي" و"سي العربي البرادعي" و"الطيب الشبارلي" . هل يمكن اعتبار النماذج المبينة في الجدول أسفلة كافية للتعبير عن احتراف نفس المهن في بيت واحد وقد تبين لنا نقص الدقة في تلك التصريحات في بعض الحالات.

جدول رقم: 3

الانتماء الحرفي في العائلة الواحدة في السجلات (1202-1208)

الحرفة

النسب

اسم الأب

الاسم

الرقم

الكواش

اليـدري

بن احمد

محمد

1.     

الكواش

اليـدري

بن احمد

احمد

2.     

الكواش

المعـمــراتني

بن عمار

محمد

3.     

الكواش

المعـمــراتني

بن عمار

على

4.     

القلال

العنابي

بن جدة

محمد

5.     

القلال

العنابي

بن جدة

علي

6.     

الرقاق

 

بن شعبان

محمد

7.     

الرقاق*

 

بن شعبان

علي

8.     

السمار

 

 

محمد

9.     

السمار

 

بن محـمد

علي السمار

10. 

الدباغ

بن فتــاتـة

بن الحاج احمد

سليمان

11. 

الدباغ

بن قنـــــاو

بن الحاج بوجمعة

علي

12. 

الدباغ

بن قنـــــاو

بن الحاج بوجمعة

محمد

13. 

الدباغ

الساحــــلي

 

مسعود

14. 

الدباغ

الساحــــلي

بن احمد

ابراهيم

15. 

الدباغ

الــقــرفـي

بن محمد

مبروك

16. 

الدباغ

الــقــرفـي

بن المبروك

الطاهر

17. 

الطبال

بن الوصيف

 

احمد

18. 

الطبال

بن الوصيف

بن احمد

ابراهيم

19. 

الطبال

بن الوصيف

 

علي

20. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

*ورد مرة كرقاق وأخرى كأمين الرقاقين في 14 - 1206 هـ (س. 1943)

 

جاء على سبيل المثال "احمد عبود الطبال حرفة"،  وفي مناسبة أخرى كانت حرفته: "زرناجيـا"، قد يحترفهما معا، والحرفتان متقاربتان ولكن فيهما اختلاف طفيف.

4.4.   الأثر التركي/ العثماني في الأنساب

لولا وجود بعض التأثيرات التركية أو العثمانية على الأسماء، ولولا معرفتنا لطبيعة الحكم العثماني في الجزائر في الفترة المدروسة لما انتبهنا لحضور بعض الانكشارية والأتراك نظرا لقلتهم في العينة.

تتميز نسبة ا"لتركي" أو "الانجشايري" بوضوح الانتماء إلى الفضاء العثماني. وإذا أردنا قياس التأثير العثماني أو الوجود العثماني بناء على تداول هذه النسب فإنها تبدو قليلة العدد، ضعيفة الكثافة. ولكن المهم أن هذه الأسماء تطورت من حيث التركيبة ثم ترسخت كأسماء عائلية.

أما "الانجشاير" فهو مشتق من الأنجشايرية او الانكشارية، وقد اختلف العرب في تعريب تسمية هذا الجهاز العسكري العثماني الذي نقل إلى كل الولايات التي رضخت للسلطنة لشهرة عناصره بالتفوق في المعارك والانضباط (RMantran : 1989)  وقد تركز الاختلاف حول نطق أو نسخ بعض الحروف، مثل الجيم والكاف في هذه الحال، فكتبت الانكشارية والانجشارية. أما في سجلاتنا فقد كانت الكتابة موحدة "الانجشاير". إن عبارة الإنجشاير  تسمية حرفية أصلا، فا"لانجشاير" هو من ينتمي إلى سلك الأوجاق من الجيش البري للأيالة. يتشكل من فرق تابعة للداي ودار السلطان توجد عناصر منها في البياليك كحامية للمدن تحت تصرف الباي، وتمثل عين السلطة المركزية على ممثلها المحلي ويدها الضاربة.

أما نسبة "التركي" فقد سجلت مرتين للرجال ومرة للنساء في عينتنا طوال سبع سنوات من 1202 إلى 1208هـ /1787-1794م ومن نفس عدد العقود. وجدنا نفس العدد ونفس التوزيع سنة 1256هـ/1840م، أي بعد خمسين سنة،  ولكن بحيثيات مغايرة. و قد بلغ عدد العقود   المدروسة 107 عقدا فقط.  بعبارة أوضح كان حضور الأتراك أعلى نسبة بعد سقوط الحكم العثماني التركي في الجزائر حيث زاد تردد نسبة "التركي". قد تفسر الظاهرة بأساليب التعريف والانتساب التي تنعته بانتمائه الأصلي في وسط غير وسطه لأنه في غير هذه الحال لا يحتاج إلى مثل تلك النسبة. وعلى أي حال فإن نسبة 2%   تمثل أكثر من أثنين من أربعة آلاف، ولكن يبقى عددهم ضعيفا والجواب يكمن في أن كل المولدين من الأتراك أخذوا أساليب أخرى في الانتساب ومن أهمها النسبة إلى الحرفة. وعليه يصعب التمييز بين الوافدين المستوطنين ومن تحصلوا على وظائف مخزنية وامتهنوا حرفا كانت في السابق حكرا على الأتراك. 

إلا أن بعض الأسماء ذات الطابع التركي تسمح لنا بالبحث عن المصاهرات وعن مسارات العائلات والأفراد التركية الأصل داخل قسنطينة. وسنبحث من جهة أخرى  عن مدى انصهارها  وسط  أعيان المدينة لأن التزاوج معروف وثابت، وأن العلجيات والوافدات لم تمنع الأتراك و"الانجشايرية" خاصة من الارتباط  ببنات  البلد. إلى أي مدى كانت هذه "الفئة" تمثل فئة أثنية أو اجتماعية؟ وما مدى اندماجها في المدينة؟

وردت نسبة "الانجشاير" سبع مرات عند الرجال وتسعة عشر مرة لدى النساء من بين 5518 عقدا في نهاية القرن الثامن عشر. ومنها الأسماء التالية على سبيل المثال(خليفة، حماش: 1997 ، 141- 167):

جدول رقم : 4

الإنتساب إلى " الانجشاير "    فيما بين  1202-1208هـ

النســــب

اسم الأب

الاســــم

الرقم

الانجشــاير

بن عبد الله

سليمان

1.     

الانجشــاير

بن مصطفى

اسماعيل

2.     

الانجشــاير

بن سلمــات

اسماعيل

3.     

الانجشــاير

بن دالــــي

محمد

4.     

بن يللس الانجشــاير

بن محمود

محمد

5.     

الانجشــاير

بن محمود

خوجة

6.     

الانجشــاير

بنت  علي

خديجة

7.     

الانجشــاير

بنت  مصطفى

عائشة

8.     

الانجشــاير

بنت مولاه علي

آمنة

9.     

الانجشــاير

بنت  محمد

حفصة

10. 

الانجشــاير

بنت  ابراهم

حسناء

11. 

الانجشــاير

بنت  محمد

قامير

12. 

الانجشــاير

بنت  عمــر

قامير

13. 

 

وقد ورد في سجل الزواج ثلاث مرات سنة 1840 وثلاث مرات سنة 1853م. إلا أن حضورالانجشاير كان أ قوى في دور مصرح أو شاهد على وفاة حيث فاق عددهم الخمسة عشر من بين 1500 مصرح في نفس سنة 1840 [32] .

ارتبطت هذه النسبة التي قد نعتبرها حرفية بأسماء هي الأخرى تحمل طابعا تركيا أو عثمانيا أو تأثيرات منها فحسب. فهذا ينسب إلى جزيرة رودس وآخر إلى وظيفة الخوجة أو الخزندار، وهي رموز مباشرة للانتماء العثماني. 

تتبعنا هذه الأسماء بسبر في السجلات على مدى أكثر من خمسين عاما، فاتضح لنا أن هذه النسبة استمرت وترسخت في شطرها المميز فبدأت تترك المجال للاسم الثاني الأكثر تعبيرا وأقل عمومية من صفة "الانجشاير": لقد اصبح «مصطفى بن المجات الانجشاير" بعد سنوات « مصطفى بن المجات" ، وعليه  انحصر  النسب  تدريجيا  في  "ابن رودسلي" و"ابن يلس" و"ابن علي خوجة" و"ابن مصال" و"ابن خزندار" و"ابن دالي" وسقطت بالموازاة  صفة "الانجشاير" التي لم تعد ضرورية. و لا نجزم بأن أصل النسبة يرجع إلى الحرفة حقيقة أو إلى انتساب   أحد أفراد العائلة إليها فحسب ولكنها دليل العلاقة بهذا الجهاز العسكري الشهير الذي دعم الحكم العثماني وضمن استمراره في هذه الربوع.

كما ظهر لنا بالملاحظة أن النسبة تأخذ معناها أكثر خارج محيط الانتماء أي لا ينسب الانجشاير إلى الانجشاير وهو وسط الانجشايرية مثلا، ولا توظف نسبة القسنطيني في قسنطينة[33]. ويبدو أن نسبة التركي لم تأخذ معناها إلا بعد "ذهاب" الأتراك وزوال حكمهم فتشبث الأفراد بانتمائهم حيث ازداد التعامل بها نسبيا سنة 1840 مقارنة بنهاية القرن الثامن عشر.  ولكن هذه الملاحظة مبنية على تردد نسبة "التركي" وقد تكون نتيجة الصدفة لا غير...

أما من حيث العدد فكانت العائلات التركية الأصل أو الكرغلية الانتساب نادرة وضعيفة الكثافة. ونفس الملاحظة تنطبق على العائلات القسنطينية "البلدية" العريقة في المدينة ونذكر من الأولى:

جدول رقم: 5

عائلات تركية النسب فيما بين 1202 ــ 1208/1787 ــ 1795

النساء

الرجال

النسب العائلي

الترتيب

00

02

كالغلان

1.

00

02

العلج

2.

01

02

التركي

3.

00

02

(ابن) منماني

4.

04 04 (ابن) القج 5.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أما الأسماء المشتقة من بعض الوظائف التركية الأصل أو المركبة عليها فلازالت قليلة التداول أو ضعيفة الكثافة ولم تبرز في السجلات في عينة جمعت أكثر من عشرة آلاف. وقد يكون تعميمها كأنساب جاء بعد أن توقف استعمالها كوظيفة مثل "باش تارزي"  و"باش خزناجي" و"بسطانجي" ...

وإذا ما عقدنا مقارنة بين تركيبة الأسماء الواردة في سجل الزواج بمطلع القرن الثالث عشر للهجرة (نهاية الثامن عشر) وتلك المسجلة في دفتر الوفيات سنة 1256 بمنتصفه (1840-1841)، لاحظنا توجها نحو الاسم الثنائي كما يظهر في هذه الأمثلة : "بلقاسم بن الحفصي الدباغ" أو "محمد بن خليل الحوكي" أو "محمد بن الخطابي"[34]؛ والحالة الأخيرة أكثر تعبيرا إذ لم يهمل اسم الأب أمام كل أبناء " الخطابي " في أكثر من أربعين مرة في مطلع القرن!  . وربما كان الاسم الثاني هو الاسم العائلي الذي يرد مباشرة بعد الاسم الشخصي. وتحتاج هذه الملاحظة إلى تأكيد من خلال وثائق أخرى.  وقد يرجع هذا الاختصار على الاسم العائلي إلى تأثير قوانين الإدارة الاستعمارية الفرنسية والمشهورة بالتعريف الثنائي والتي بدت انعكاساتها على التسجيل منذ السنوات الأولى للاحتلال.

5.4.   أهل الحضر

أردنا دراسة حضر قسنطينة فاستوقفتنا مسألة منهجية: من هي العائلة الحضرية القسنطينية؟ ما هي مميزاتها؟ وكيف التعرف عليها؟ اهتم الباحثون بعد ابن خلدون بالبدو والحضر وراح كل واحد يعدد المواصفات الكفيلة للتمييز بين سكان المجالين. وشغلت القضية اهتمام الباحثين في كل مكان. أما في الساحة المغاربية فمن السهل أن نجاري جاك بيرك (J. Berque) ونقول أنها العائلة الحضرية أو البلدية هي التي تجمع بين أبنائها الحرفي والتاجر وصاحب العلم (J ، erqube : 1974) وعليه يجب البحث  على  أصحاب الحرف والوظائف والقائمين على التجارة. لم يسعفنا الحظ ولم نجد من تتوفر فيهم هذه النشاطات الثلاثة من خلال عقود الزواج. ولا وجود لاجتماع الحرف الإنتاجية وحرف "العلم" في عائلة واحدة.

وقد نأخذ بالرأي السائد في تونس -وإن كان محل جدل ونقاش- من أن البلدي هو من يمتلك دارا داخل الأسوار ومكانا مخصصا للعائلة في مقبرة المدينة وقطعة أرض في الفحص إن أمكن (T، Bachrouch : 1986 ، 209) فالجواب ليس بالأمر الهين إذا ما توقفنا في فترة محددة للقيام بالتحقيق. فالوثائق مبعثرة كما سبق. أما الدور فيسهل التعرف عليها وإثبات ملكيتها إذا كانت تنسب لصاحبها[35]. و قد أثبتت الدراسات أن جل الأراضي المحيطة بالمدينة من جناين وأراضي زراعية في مساحات أوسع هي ملك لأهل المدينة(T، Bachrouch :1995) (B ، Benmatti-Hamani : 1985)  بل لأعيانها  فضلا عن وجود التربة العائلية  داخل الدار مثلما كان الشأن في دار شيخ البلد وأمير ركب الحج الشيخ الفكون. وقد بدأ الدفن فيها في نهاية القرن السادس عشر وتوقف سنة 1954[36] . ولعائلة ابن باديس مقبرة مستقلة مجاورة لمقبرة المدينة وراء كدية عاتي، ولا ندري ما إذا كانت استمرارا للعهود الماضية أم أنها ترسخت بعد الاحتلال. ولكن هذه المقاييس ستفرز لنا الأعيان والأثرياء فقط.  وهل تبقى صفة الحضري حكرا على أصحاب المال الذين امتلكوا  دارا أو تجارة أو تقلدوا منصبا في التعليم أو القضاء خلدهم في السجلات؟  وما هي الوظائف الحضرية التي ترسخ صاحبها في حومته وفي بلده؟ أم أن الحضارة والمدنية انتماء وشعور بالانتماء تظهر في السلوك والمواقف العامة مثلما تطفو في عادات الأكل والملبس وغيرها من المعاملات اليومية. كيف للباحث أن يجد العناصر الفاصلة بين من شيدوا أسس المدينة وبنوا دعائمها، وبين من دخلوها من أبوابها كما يقول المثل المحلي: « وضعنا سيسانها ما دخلناش على بيبانها".  حاولنا بما لدينا من معطيات تجنب هذه الصعوبات الموضوعية والذاتية باعتبار مدة الإقامة بالمدينة من المؤشرات المساعدة على الفرز. فبحثنا على مجموعة صغيرة من العائلات كانت من بين سكان المدينة وربما من أعيانها في القرنين السادس عشر والسابع عشر وأردنا قياس كثافتها وتمثيلها وعلاقاتها الاجتماعية. قد بينت جل الدراسات استمرار الروابط متينة بين الريف والمدينة من خلال الملكية العاقارية خاصة (S، Bendjaballah : 1988). من حيث العدد استخرجنا الجدول التالي:

جدول رقم : 6

عائلات الحضر في قاعدة "سجل" للزواج والطلاق

1202-1208/1787-1795

المجموع

النساء

الرجال

النسب العائلي

الترتيب

07

00

07

ابن نعمون

1.     

04

00

04

ابن جلول

2.     

04

00

04

ابن العطار

3.     

04

01

03

ابن زكري

4.     

03

01

02

ابن الفكون

5.     

03

01

02

ابن المسبح

6.     

02

01

01

ابن محجوبة

7.     

01

00

01

ابن باديس

8.     

00

00

00

عبد المؤمن

9.     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لا تبرز هذه العائلات في الواجهة بمعاملاتها ولا بعددها في مجال المصاهرات. وإذا وسعنا البحث إلى مجال الوظائف المخزنية والعلمية ونشاط مؤسسة الأوقاف والمبادلات العقارية وجدناها أكثر حضورا وأكثر إسهاما في حياة المدينة رغم الثغرات الكبيرة في الوثائق، وهذا يبين مكانتها المهيمنة في مجال الأنشطة رغم قلة عدد أفرادها. وعليه قصدنا ألا نركز على هذه الشريحة إلا من زوايا تفرضها أسئلة البحث علما أن الدراسات السابقة حول المدينة منحت ذوي العلم والجاه والمال مكانة معتبرة في الكتابات التاريخية. آثرنا من جانبنا ـ ليس إهمالا وإنما تعديلا للميزان وتفاديا للتكرارـ أن نمنح الصدارة للأكثر عددا لأنها تسمح بالتوقف عند الممارسات الجماعية خاصة في المصاهرات والتطرق لشرائح لم يسبق أن توقف عندها الباحثون في القرون الماضية.

 إن كثافة الأنساب القبلية تكاد تنسينا وجود عائلات حضرية عريقة لقلة ظهورها في العينة: وقد يعني هذا أنها في انحصار من حيث العدد ومن حيث الدور أو المكانة الاجتماعية:  والتحقيق الإحصائي أكد لنا نتيجة لم نكن لنعثر عليها لو اخترنا الحالات بأنفسنا. 

ففي دراسة حول مدينة ليون الفرنسية في القرن الثامن عشر يقول الباحث أن من يجيب على السؤال بقوله أنا من هذه المدينة لأن أبي وأمي من هنا هم قلة، ومن يجيب لأن جدي وجدتى من المدينة أقل بكثير، ولكن الأغلبية ستجيب لأنني أعيش وأعمل في هذه المدينة (M، Garden  : 1975 ، 117).

حسب التقديرات السكانية لنهاية القرن الثامن عشر كان القاطنون مدينة ليون (Lyon) ولادةً أقل من الوافدين إليها. ويبدو لنا من الأنساب   (من حيث الموطن الأصلي أو الإنتساب القبلي) أن قسنطينة في نفس الوضع. لكن لا نعرف كثافة هذه الهجرات وتوزيعها عبر الزمن. ويبقى التحفظ واردا لأن عددا كبيرا من الوافدين الموسميين أو غير المستقرين يرجعون إلى مواطنهم الأصلية، وقد يتزوجون بها ويرجعون مع الزوجة أو دونها. كما كانت الهجرة الموسمية سائدة مع التداول بين أفراد العائلة لضمان مصالح العائلة دون السماح للفرد بالانقطاع عن العائلة أو لضمان عودته. وهذه الفئة قليلا ما نصادفها. لكن الأرجح أننا صادفنا من لهم استراتيجية مغايرة وهدفهم الاستقرار بالمدينة والاندماج فيها.

5. ألقاب التمييز أو التكريم

في مجتمع طبقي فيه السيد والمسود، فيه المالك والمملوك وفيه الأمير والعبد والشيخ والصبي والعالم والمتعلم، كيف يعامل العدول مواطنيهم وزبائنهم والمترددين على مكاتبهم العدلية لتوثيق عقودهم وفصل قضاياهم؟ سؤال شيق لأن العلاقة رسمية، لا يعرفون بعضهم البعض أو على الأقل لا تربطهم علاقة تبعية ولا سيادة من أي نوع كانت. إنها إدارة المحكمة المالكية التي ترعى مصالح المؤمنين التابعين لمذهبها وربما لدائرتها الإدارية.

 تتلخص ألقاب التكريم المتداولة في سجلات المحكمة القسنطينية في "السيد" و"سي" و"المكرم" و"المعظم". أما "الحاج" فله استعمال خاص ما دام يخضع لقيام المرء بفريضة الحج.   والحج هو خامس ركن في الإسلام،  إلا أنه تشترط فيه المقدرة فلا يعني سوى من استطاع إلى ذلك سبيلا. وعليه فهو مقياس اقتصادي واجتماعي وديني. يجب توفر المال والصحة والنية للقيام بفريضة الحج.   تسمح لنا هذه المعلومات بإلقاء الضوء على مدى التمسك بالشعائر الدينية ودورها اجتماعيا. أما "الشيخ" فله أكثر من معنى واستعمال،  فهو يعبر على كبر السن والوقار كما يعبر على وظيفة معينة على رأس مجموعة ما لكنه تداوله استثنائيا في هذه العينة. ولم تمس هذه الألقاب سوى 10% من الأسماء المتداولة وبما في ذلك لقب "الحاج". 

هذا وقد ذكرت هذه الألقاب مرة وأهملت مرة أخرى أمام نفس الاسم مما يدل على ضعف مدلولها ورمزيتها وعدم التشبث بها بصفة رسمية. 

هل يعني هذا أن المجتمع لم يكن طبقيا؟ أم أن العينة هي التي لا تسمح بالبحث في هذا الاتجاه لأن كتابة العقود مقننة في السجلات ونادرا ماحادت عنها. وهل للكاتب الذي نسخ الاسماء دور في تسجيلها أو تركها؟ الاحتمال وارد وإن لم نركزعلى تسجيل هذه الملاحظات عند نقلنا للعقود إلا فيما ندر.  وقد لاحظنا نفس التقشف في الألقاب في عقود الأحباس والمبيعات على حد سواء،  إلا تلك الخاصة بالعلماء والأمراء. وعليه فالألقاب لها مجالها ومن يروج لها. إنما عموما ومقارنة بالنصوص والعقود التي صدرت في أماكن أخرى، مثل الجزائر العاصمة في نفس الفترة (أبو القاسم، سعد الله : 1983)[37] أو بعض بلدان المشرق مثلا،  لا تسود التفرقة الطبقية المعاملات العدلية في قسنطينــة وإن استمر تعريـف الإمـاء بنسبتهن إلى أسيـادهن السابقيــــن ولو بعد عتقهن(عائشة، غطاس:1988 ، 23-40).

أما صيغ التكريم والتبجيل فقد عثرنا عليها بكثرة في عقود التحبيس. ويكمن التفسير هنا في عاملين، الأول أن عقود التحبيس شخصية أكثر وهي أطول حيث تحتوي على معلومات أوفر وعدد المحبسين بها قليل وعملية التحبيس لا تأتي إلا من مالك، فهو بالتالي أعرف وأشهر من غيره ولا محالة اشهر من جمهور المتزوجين الذين يقبلون على المحكمة، فضلا عن أن العقد مختصر في صيغته البسيطة والمقننة، والمقارنة إذن تكون بين وثيقة العقد الفردي والعقد الوارد في السجل الجماعي. وهذا العامل كفيل بتفسير الفرق. إنما العامل الثاني يتمثل في أن عملية التحبيس وتسجيلها أمام شاهدين عملية فردية إرادية تتطلب التقرب من العدل لصياغة الشروط وكتابة الرسم.و كانت الأوامر السلطانية التي يمن بها البايات على المقربين منهم بالإعفاء من متطبات المخزن هي الأخرى في غاية من التبجيل والتكريم لمن يحظى بهذا الإعفاء.

تعمم الملاحظات والسلوك وجود سلم طبقي في المعاملات داخل المجتمع.

وإن كانت هذه الممارسات تضرب عرض الحائط بالتعاليم الإسلامية في هذا الشأن، فإن المجتمعات الإسلامية قننت لتشريفات الاستقبال وحددت لكل مرتبته.

قد ترسخت هذه المعاملات وأخذت أشكالا مقننة ومعاني محددة يلتزم بها الضيف والمضيف. وقد اهتم الدارسون بهذا التطور من المرتبة الرمزية إلى قطعة الأثاث (من كرسي وغيره) التي تجسدها في المجلس، وانتشار استعمالاتها في كل الأوساط (S، Joseph : 1973 ، 50-69).  

من القاب التفضيل الواردة والمتكررة سجلنا:"السيد" أو الصيغة المحلية المختصرة لها «سي" و"المكرم" لتكرارها، ولكن لم نرصد الصيغ النادرة مثل "الفاضل" و"الأجل" أو "الأبجل"  و"الأمنع" التي خص بها الأمراء والفقهاء.

 ولأن "السيد" لم تكن ترد أمام كل الأفراد المسجلين عمدنا إلى الاهتمام بها للتحقق أولا ما إذا كان استعمالها دقيقا ومقننا، وإن كان الأمر كذلك ماهي مواصفات حاملي هذه الألقاب؟

السيد: لم تستعمل كثيرا، ربما لأن انتشارها يجعل تعميمها ضروريا للجميع، وقد أعرض كاتب المحكمة عن تسجيلها في العقد باستمرار. عدد قليل فقط حظي بهذا التشريف.وقد سجلنا في فترات متقطعة الأرقام والنسب التالية:

في مطلع القرن 13هـ (1202-1208): 3 مرات وهذا يعني أننا لم نسجله كلما ورد حتى ندرج الزوج باسمه فيكون التصنيف حسب الحرف الأول من الاسم. ولكن "السيد" كان أكثر شيوعا في جيل الآباء أي في الاسم الثاني مثل:   " أحمد بن السيد محمد بن محجوبة"، لأن المتزوج شاب أو صغير السن نسبيا ويكون الأب في مكانة التكريم. وقد وقع أن كان "السيد... بن السيد" وهي نادرة.

 وقد حفظنا "المكرم" بصفة أدق لأننا اعتبرناها منذ البداية مميزة، وقد قلّ تداولها الآن. وهذا ما يفسر أنها وظفت أمام 68 شخصا مقدمين على الزواج. والنسبة هنا ضعيفة،  لكنها ترتفع إلى 34 من 101 سنة 1256 أي بعد خمسين سنة، وتنزل إلى 13،16 % سنة 1270هـ/1853م بثلاثين مرة من بين 228 عقدا. صحيح أن كثافة العينة تختلف ولكنها أدق في السنوات المتأخرة لأننا لم نعد نهمل مثل هذه الملاحظات. وعليه انتشر استعمال هذا التبجيل بين العدول. وقد تفسر التحولات العميقة التي تمس المجتمع القسنطيني المديني بهذا السلوك، وقد تكون من انعكاساتها هجرة بعض أهل المدينة ووفود أعداد كبيرة من السكان بعد ربع قرن من احتلال الفرنسيين لها.

قد تكون هناك عوامل عرضية أيضا مثل دخول سلك العدلية شباب لا يعرفون الوسط،، واتساع رقعة المدينة  أو دائرة نفوذها مما يجعل التعامل في حدود رسمية وحيادية أكثر. بالفعل فقد سجلت عقود كثيرة لسكان الضواحي: 12 عقدا في سنة 1253م نسب مسكن أصحابها إلى الحامة واثنين إلى القماص وأخرى إلى المنية و واد الحد وهي كلها أحياء خارج الأسوار وخارج حدود المدينة بمفهومها الواسع إلى حد الآن.

أدرجنا "الحاج" ضمن صيغ التبجيل والتكريم لأنه لقب يكتسب عند استحقاق ولا يتم الشرط إلا بحج بيت الله الحرام. وعليه فهو من الألقاب التي تتبع السن أو الوظيفة أو الوجاهة بشتى أشكالها، فهي مكتسبة وليست موروثة. ولتداول هذا اللقب أكثر من معنى: فهو يكشف على عادة مازالت راسخة إلى الآن تتمثل في الاعتزاز ببيت الله الحرام، وعليه فالتبرك بالحاج والتبجيل به وتقديره بعد عودته يكون بتذكيره دائما بالمكان الذي زاره. والحاج يكون قد استوفى شروط القدرة الجسدية صحة وعقلا، والقدرة المالية لضمان تكاليف السفر دون اهمال من هم تحت ولاية نظره في بلده، واستوفى الشروط الدينية بمواجهة وجه ربه طالبا العفو والمغفرة.

ومن هذه الأوجه المتعددة فالحاج يثير الإعجاب لرجوعه من بلاد بعيدة طريقها شاق وطقسها قاسي وثوابها عظيم. والإعجاب أيضا لأن الحاج تعرف على بلاد وثقافات وعادات جديدة وغريبة تثري معارفه وتزيد في خبرته وكفاءته، ومن هنا يأتي أيضا التقدير لهذه المعارف ولاجتيازه المحن واستعداده للعمل الصالح.  ويكشف لنا بصفة أوضح عن مدى تمسك أهل قسنطينة بمناسك الحج وحرصهم على أداء فرائضه وقدرتهم المادية والمعنوية على تحملها. 

إن الإقدام على سفر في ظروف كان التنقل فيها يدوم أشهرا والأوضاع الصحية ليست مضمونة والمخاطر الأخرى كثيرة ، يتطلب حماسا دينيا كبيرا وحب استطلاع وافر. ومن كان يستطيع ماليا وماديا لا عذر له في التراخي. وإن كان الحج مشروطا بالاستطاعة ولا يمكن اعتباره مثل الصلاة والصيام في الامتثال بالتعاليم، فإنه ذو طابع مزدوج: ديني اجتماعي دائما. وقد يبرز دور الدين في المجتمع أكثر مما يكشف عن علاقة الإنسان الفرد بربه وعن زهده...

 ومع الوقت بدا وكأن تداول لقب المكرم قد زاد، لكن ظاهرة الحاج في تناقص حيث تبدو النسب معكوسة مقارنة مع "المكرم" و"السيد" اذ سجلنا 8.58 بالمئة في مطلع القرن، وتضاءلت النسبة إلى 2%  في 1256هـ /1840 و 3.51%  في 1270/1853م.

  إن  العوامل  المؤثرة على الحج تتظافر في مثل هذه الحالات، وعليه نقترح عدة فرضيات:

ـ أولا أن الأرقام كما قلنا ليست شاملة.

ـ تمت الملاحظة في ثلاث فترات : 1787/1795م-1840م- 1853م  ثلاث محطات بثلاث وضعيات مختلفة اتسمت أولاها بالاستقرار النسبي على الصعيد الإجتماعي رغم الصراع الدموي الذي رافق انتقال الحكم بين صالح باي وابراهيم بوصبع ثم حسن باي في محرم 1207هـ/ 1992م  والذي لم يدم...

 ـ 1840م :كانت الجزائر تحت الاحتلال منذ عشر سنوات وقسنطينة منذ ثلاثة، عاش خلالها الريف القسنطيني والبلاد شرقا وغربا في مقاومة مستمرة ومتنقلة ضد المحتل. أصبح السفر في ظل هذه الظروف من الاضطرابات صعبا وترك الأهل مسؤولية، هذا بالإضافة إلى انعكاسات اقتصادية قاسية على مستوى المعيشة بسبب الحرب والأوبئة والمجاعات التي تجد مرتعا في هذه الظروف.

ـ 1853م بداية الاستقرار للسلطات الاستعمارية من حيث الإشراف الإداري على تنقلات الجزائريين وتسجيلها. و وإن كانت نسبة الحجاج في ارتفاع محسوس فهي لازالت دون مستوى نهاية القرن 18م بكثير.  و تنخفض هذه النسبة مع السنوات، في مطلع القرن 13هـ.        

وإن حللنا الفترة الأولى حسب السنوات أمكننا ذلك من تصنيفها إلى مرحلتين واضحتي المعالم: المرحلة الأولى من 1202 إلى 1205 بنسب سنوية تراوحت بين الأعلى 10.99% في البداية  والأدنى9.43%  سنة 1204 .

والمرحلة الثانية من 1206 إلى 1208 بالانخفاض والتداعي ب : 6.82%  ، 6%  و5.24% . وإن كان عدد العقود قد تغير من سنة لأخرى، فالنسبة تكشف عن هذا الإتجاه. فما هي الأسباب التي قد تفسر هذه الظاهرة؟

على كل حال لا يمكن أن نعتمد تطور وسائل النقل والإشراف على قوافل الحج كمقياس تشجيعي لأن هذه العوامل أثرت عكسا على ما يبدو. هل يمكن للظرفية الاقتصادية والسياسية أن تكون العامل القطعي في هذه الممارسة أم أن العوامل تشابكت في اتخاذ مثل هذا القرار.

هذا وقد بلغ عدد الحجاج الإجمالي الذي سجل عندنا 473 حاجا دون أن نحسب جيل الآباء الذي يمثل في الواقع الفئة المعنية أكثر بهذا الركن من حيث السن.

 لا نهمل بأن العدد الحقيقي يفوق قطعا هذه التقديرات لأن العينة مست الذين تزوجوا في هذه الفترة.  ومهما كان التساهل في إعادة الزواج بعد وفاة الزوجة أو بعد طلاق أو في تكراره بإلحاق زوجة أخرى إلى البيت بعد عمر طويل، ومهما قدرنا من أن الحج كان يتم في سن مبكرة نسبيا لما يفترضة من قوة على تحمل السفر، واحتمال قيام الشباب بفريضة الحج مع رحلات العلم والتجارة،  فإن الحج يبقى سيمة الكهول والشيوخ، وعليه نفترض نسبة معتبرة لم تعد تتردد على المحاكم لزواج أو طلاق لكبر السن أو وقار...

6. عتـيــق وعتيقــة أمام القاضي

" الحمد لله ثبت تدبير المكرم الحاج محمد بن الصالح اليدري لمملوكته أمة الله سعادة بنت عبد الله التنبكتي تلحق بحراير المسلمين فيما لهن وعليهن بعد وفاته عدى ما أحكمته السنة من الولاء قصد بذلك ثواب الدار الآخرة ورجاء أن يعتق الله بكل جزء منها جزءا منه كما ذلك ثابت في الأحاديث النبوبة طايعا للتاريخ" في 17 من قعدة الحرام 1205هـ. (سجل رقم:1، ص 251.)

لم يعد لظاهرة الرق والعبودية حضور رسمي في مجتمعاتنا. وكانت عقود التدبير والعتق هذه آخر صوره التي تمثلت في الاندماج التدريجي بالعتق أولا ثم بالزواج والتزاوج مع الأحرار ثانية[38]. فالعتق هو التحرير المباشر من حالة العبودية، أما التدبير فهو التحرير المؤجل مثل الوصية.  كانت حملات القرصنة تغذي باستمرار أسواق الرقيق التي فترت بعض الشيء لتحولها نحو القارة الجديدة. لقد بلغت تجارة الرقيق في العالم ذروتها في القرن 18م بتهجير 7.433.000 عبد مقابل 2.868.000 في القرن17م و 5.442.000 في القرن 19م (Paul، E. Lovejoy : 1983) ، قبل أن تسعى  بعض الدول الأوروبية إلى تحريم تجارة الرقيق .

أما الأسعار، فقد فاقت في الأسواق العربية والإفريقية، وذلك حتى بدايات الاستعمار. 

كانت أسعار الإناث تعادل ضعف أسعار الذكور: مثقالين ذهب مع تغير السعر حسب درجة اللون. وعليه كانت البيضاء تساوي في القاهرة أربعة أضعاف أو أكثر من سعر السوداء. كما أن هناك اختلاف حسب الجنس. عوامل ثلاث تفسر العلاقة بين السعر والجنس، وقد اهتم الباحثون بتحديد أهمية كل منها: القدرة على الإنتاج، الواضحة بالنسبة للمجتمعات العبودية،  وهي القدرة على التكاثر بالنسبة للاقتصاديات المنزلية، ثم سهولة الاندماج وتسهيله عن طريق الخدمات المنزلية. أما العامل الثاني فيتمثل في وظيفة الجارية المنظمة للعلاقات الزوجية)concubinage) المتعددة والمعترف بها في المجتمعات الإسلامية. وهذا ما جعل النساء أغلى هنا، أما الرجال فهم أغلى في الأسواق الأمريكية و في كندا مع ملاحظة تفضيل العبيد الأفارقة - ذكورا وإناثا - على الهنود.  نلفت النظر هنا أن العبيد يعاملون كبضاعة تباع في السوق حسب العرض والطلب، وهي عملية سالبة للإنسانية، إذ جعل العبد "إنسانا -شيئا" صالحا للتبادل بالمعنى الواسع.

ويهمنا هنا موضوع العبيد المعتوقين واندماجهم في المجتمع بعد الزواج، كما لا ننسى أن بعض حراير النساء لازلن يشترطن "أمة صالحة للخدمة" في صداقهن في نفس الفترة.

كما كانت الإماء، في إفريقيا والعالم الإسلامي تشكل مع ممتلكات مادية أخرى، مجموع الإتاوات والمكوس التي يسلمها التابعون إلى أسيادهم، كما تشكل إحدى الهدايا التي يمن بها الأسياد على أتباعهم أو ضيوفهم البارزين من الأجانب. ويمكن أن يوضع العبد والأمة رهينة لضمان دين مثلما كان واردا في البرازيل والكندا. وبصفة متميزة فقد كانت الأمة تمثل جزءا من الصداق ومن الهدايا بين الزوجين، وهي هنا تقوم مقام الخادمة في المنزل وتلعب دورا في الإنجاب أيضا.

وقد وجدت الصيغتان بقسنطينة:  الأولى كجزء من الصداق إذ غالبا ما يشترط أن تكون "من وخش الرقيق الصالح للخدمة"، ويقصد بها الزنجية الإفريقية، أما التي أنجبت مع سيدها فوردت عقود عتق تثبت " أنه أولد أمته...".

 لا نعرف مصير هذه الإماء في دورهن كخادمات.  ولايمكن تقدير مدى مساهمتهن في إثراء عادات المأكل والملبس في البيوت التي عشن بها. قد نتساءل عن نسبة التزواج  مع الإماء ومدى اندماجهن. وكيف اندمج المعتوقين عامة مع مرور الزمن؟ وفي البداية هل يمكن معرفة عددهم في قسنطينة عشية القرن التاسع عشر؟

عثرنا في سجلات المحكمة على الذين أقدموا على الزواج من المعتوقين والعتيقات، كما صادفنا العديد من عقود العتق لصالح العبيد. سنتناول الموضوع من زاويتين اثنتين: زواج العتيقات والمعتوقين في قسنطينة، وعليه ندرسهم كفئة متميزة تعريفا. والواقع أن الزواج المسجل خص المعتوقين والمعتوقات، وشذ عن القاعدة ثلاثة مملوكين تزوجوا وهم في تبعية أسيادهم. ثم من زاوية النسب والنسبة حيث استمر نعتهم بالعتيق والعتيقة و نسبتهم   إلى السيد السابق.   وقد   يعبر هذا الانتساب عن بقائهم في خدمة السيد وفي بيته. أما عن الإماء فلا يمكن الحديث عنهن وكأن الأمة من تبعات الصداق والعتيقة ممن تحظى بصداق. فالوضعية ثنائية و مزدوجة، إنها كالعملة بوجهين قاتمة في وجه وتحمل بوادر التحول في الوجه الثاني:

قد نجد في عقدين متتاليين، واحد تشترط فيه أمة وآخر" تُدبّر" فيه أي   تُعتق قبل زواجها. إنها صور من مفارقات المجتمع... ومن الواقع الملموس حضور العتيقة والعتيق في سجل الزواج. وكان عدد العتيقات، في عينتنا، أكبر من عدد المعتوقين فهو يمثل الثلثين حيث تم جرد ستين عتيقة وأربعين عتيقا من بين 5518 عقدا. وقد يكون عدد المعتوقين أكثر أو أقل وهو يخضع للسوق.  وقد يرجع أحد العوامل إلى أسرى القرصنة وطريقة توزيع الغنائم بين الموانيء وميناء الجزائر في دار السلطان بصفة خاصة. كما يحتمل توفر فرص أوسع للمعتوق ــ بعد العتق أو التدبيرـ،  في الرحيل أو التنقل والاستقلال عن دائرة سيده السابق وعاتقه، بالإقدام على حرفة وعمل يحرره من الانتساب السابق.  

كما قد يكون عدد العتيقات الإجمالي أعلى بكثير إذا ما اعتبرنا أن من تقدمن للزواج  يمثلن نسبة فقط  من مجموعهن بين  صبايا وعوانس وثيبات في الخدمة المنزلية في أغلب الأحيان. لهذا الغرض كان الطلب على الإماء أكثر: خمسون أمة منحت هدية في صداق النساء. ولكن غالبا ما كان التنفيذ يؤجل مع مؤخر الصداق. ولا نعرف عدد الإماء اللائي لم يتم عتقهن بعد.

 تمثل مجموعة العتيقات والمعتوقين فئة متميزة الملامح،  وتبدو متماسكة. وقد تزوج  جل المعتوقين  من عتيقات في حين كانت للعتيقات فرص أوسع مع الأحرار نظرا لععدهن ولوضعيتهن. أما من حيث العدد فالنساء أكثر من الرجال، وأما من حيث الوضعية فالأمر يرجع إلى شروط الكفاءة التي تطبق على المرأة دون الرجل. 

أما  المولدون فلا سبيل للتعرف عليهم من خلال وثائق المحكمة  باستثناء حالات نادرة إذا اعتبرنا ما سُجل من عقود بهذا الشأن. 

من باب الزواج الذي يمثل مدخلنا الرئيسي لإعتمادنا على عقوده الموثقة  نتعرف على مكانة العتيقات والمعتوقين ومدى اندماجهم في المجتمع من حيث المصاهرة ومن حيث مستوى المهر والشروط الملحقة بعقد الزواج أو الطلاق. لا زال   هؤلاء المعتوقين ينسبون بعد عتقهم إلى أسيادهم ومن ثم نتعرف على هوية العاتق والمالك. وكان "الباي في التاريخ" وصالح بن مصطفى على رأس القائمة من حيث عدد المعتوقين والمعتوقات التابعين له.  

 نادرا ما سجلنا عملية بيع أو شراء مع نهاية القرن 18م  في  قسنطينة ، ولكن ظلت بعض المبادلات من هذا القبيل تهم الإماء. و مع ذلك فظاهرة العتق كانت أوسع وأعم. 

كنا سنقع في التصورات الشائعة والمغلوطة والتي تسكت عن المسكوت عنه واعتبار مصير المعتوقين تماما مثل بقية أفراد العينة، وأن نخلص بعد المقارنة إلى تقارب الممارسات مع غير المعتوقين، لكن دراسة الباحث الانثروبولوجي هاريس ميميل - فوت (Fotë) حول الرق أزاحت الستار بأن طرح المشكل صراحة وتناول مكانة العبيد الذين يقومون بالخدمة المنزلية وحلل الصورة الشائعة عنهم من أنهم لا يعانون كثيرا من سوء المعاملة ماداموا قد أدمجوا وسط العائلة. فيوضح الباحث بأن التفرقة هنا تصبح «قريبة من اللاشيء" أي أن وضعية التبعية تكاد لا ترى،  وبالتالي تكاد لا تحسب من الرق، ثم يبين أن قساوة العبودية في أماكن وظروف أخرى تجعل الرق بكل صوره ممقوتا. ومن ثم، كما يرى الباحث، يحاول الإنسان أن يقارن ويخفف من بشاعة الموقف بالتركيز على هذه الممارسات الشائعة فعلا وإن بقيت في حدود سلب الحرية القانونية، وهذا الموقف ليس بالأمر الهين.

في المقابل نجد الأثرياء الذين حرروا العديد من عبيدهم وهم من "وجهاء القوم".عمل العبيد كما عمل المال من الناحية السياسية على تمجيدهم: فاشتهروا باقتناء العبيد، وبعتقهم كسبوا المجد، "شيء واحد يهم هؤلاء الأثرياء: الشهرة والمجد" (Memel-Fotê، Harris)   ولعمليات العتق مقاصد كثيرة ومتنوعة: قد يتم تحرير الرقيق بقرار من السيد  ليمن على عبده بحقوق الإنسان لأنه أهل لها، وتكون  توبة منه بمعنى أنه أراد التقرب إلى الله بتحرير عبده وبإخراج العبد من السقوط والذل والمهانة. وهذا ما تلح عليه كل نصوص العتق و"التدبير" في طلبها رضى الله، ومنها ما دون أمام عدول قسنطينة. ومن ناحية أخرى حاول العبيد أنفسهم الثورة على هذا الوضع وعلى كل أنواع الاستعباد بالاحتجاج على المجتمع المستبد وبالمساهمة في اختراع مجتمع جديد دون سيد. و قد اختلفت الصور بين التمرد السلمي أو العنيف، إما ضد السيد وأملاكه وإما ضد النفس بالانتحار مثلا.

وفي تقديرنا لموجة العتق هذه يجب التفريق بين إلغاء العبودية قانونا، وهو الأمر الذي تم في القرن 19م، وبين التشجيع على تحرير العبيد الوارد في القرآن والسنة. ويذكر بهذا المبدأ و هذا الهدف في كل عقد، حيث يرد في صيغة " قصد بها ثواب الدار الآخرة" أو "قصد بها وجه الله الكريم". لكن العتق من ربقة الإنسان يؤكد العبودية إلى الله تعالى بالعبارة الراسخة في أساليب التوثيق بشأن النساء وهي "أمة الله فلانة بنت فلان..".

7.  قسنطينة في منظار الشيخ بلقاسم الحداد الرحموني[39]

  لقد ظهرت في مطلع القرن التاسع عشر (1802) قصيدة من الشعر الملحون تصف مدينة قسنطينة وهي تعاني من عبء الوافدين عليها، في لهجة تأفف منهم واستنكار وغيرة على المدينة وحصرة على ماضيها. لقد أصبحت أوضاع قسنطينة صعبة ومتعبة، وقد تسبب فيها النازحون إليها. وهو موقف متعال، معروف ماضيا وحاضرا كموقف الحواضر من صغار المدن والقرى. وتؤكد القصيدة على إحساس الشاعر بطغيان العنصر "البراني" من حيث العدد والعادات.

 فهي تكوّن مادة شيقة لدراسة نوع من الوثائق يرتب سكان المدينة حسب سلم قيمي غير مصرح به رسميا لكن يعبر عنه في المعاملات اليومية دون حرج.  

 ولا ندرس هذه القصيدة لتكريس الثنائية العدائية بين البلدي والبراني، ومعلوم أن الانتماء إلى المدينة يكتسب مع الزمن ببعض الشروط. وإنما نريد قراءة جديدة من حيث الصور الشائعة والمتداولة حول ثنائية الريف والمدينة وكيف تشهد هذه الأوصاف بالمقابل على حيوية قسنطينة وسعة استقطابها.

1.7.  بلقاسم الرحموني

 ونبدأ بالمؤلف صاحب القصيدة. من هو ومن أي موقع يتحدث؟

بدت عائلة الرحموني كثيفة نسبيا بأكثر من ثلاثين امرأة ورجلا تم حصرهم في سجل الزواج. وكانت النساء أكثرعددا. لم نعثر على "بلقاسم الرحموني" شخصيا، وعليه لا نعرف عنه الشيء الكثير. هل الرحموني قسنطيني المنبت والمنشأ؟ باسم من يتكلم؟

إذا اعتبرنا النسبة الجغرافية التي تتبادر إلى الذهن تقع «الرحمونية" في الدائرة القريبة للمدينة، على بعد 30 كيلومترا جنوب المدينة في بعد بلدة الخروب ونحو عين مليلة. هل كانت الرحمونية موطنه الأصلي أم نسب إليها لسبب آخر؟ ما صلته بالمدينة؟ وماذا عن نسبته الحرفية "الحداد"؟

  كان بلقاسم الحداد يتيم الأب، تزوجت أمه من حداد تبناه وقام بتربيته وتعليمه الحدادة. كان الصبي منكمشا على نفسه، عبوسا ولا يخالط سوى زوج أمه الذي سرعان ما فارق الحياة أيضا. فبقي الصبي وحده وعلى إثر مرض فقد البصر. فتوقف عن عمل الحدادة وأصبح يتردد على مقرات الحشايشية أين يسمع للرواة والمغنين الشعبيين. تعلق بالشعر الدارج وتعلم النظم سمعا وشفاهة من احسن شعراء عصره. وكان لاذع النقد يهابه الجميع لقساوة شعره وفطنته، دقيق الملاحظة لا يفوت صغيرة ولا كبيرة أو هكذا كان يعرف (A، Cour : 1919 ، 224- 240).

 إذن كان  الشيخ بلقاسم "الرحموني" ينتسب إلى مهنته الأولى وربما منبته ويعتبرنفسه مؤهلا للدفاع عن "البلد"  والبلدية من الدخلاء  فهاجم أهل البدو والريف.

القصيدة: من التراث الشعبي أو من الشعر العامي ترجع إلى سنة 1217هـ-1802م. ترجمها إلى الفرنسية وعلق عليها أ. كور (A. Cour : 1919 ).

لا يهمنا في هذا السياق كيف عالجها وما  هي النقاط التي ركز عليها في شرحه وتحليله. ونكتفي من جهتنا بالخطوط العريضة لروح القصيدة وما تكشفه لناعن تركيبة النازحين إلى المدينة.

 لاحظ المترجم أن لهذا الشعر نكهة خاصة،  فبذل مجهودا للتعريف بالقصيدة والتراكيب اللغوية الواردة بها، ولكنه لم يتوقف عندها لأن هدفه ليس دراسة الشعر باللغة الدارجة في قسنطينة وانما الاهتمام بجوانبها التاريخية،  فكتب:  "سنكتفي ببعض الملاحظات حول التاريخ المحلي لقسنطينة".   لن نقوم من جانبنا بدراسة القصيدة من حيث اللغة والأدب لعدم الاختصاص،  بل نركز على تركيبة المدينة من حيث السكان لأنه موضوع تساؤلنا ونحاول قراءة شاملة للقصيدة من حيث أنها نظرة حول المدينة ورؤية حول العالم بأعين قسنطينية. وهي تكشف عن اهتمامات الشاعر وانشغالاته أكثر مما تعبرعن الواقع الذي صوره في قالب حالك ومتشائم.   

تتكون قصيدة الشيخ الرحموني من ثمان وستين بيتا، ولكل فقرة وزنها الخاص، والكل باللسان الدراج محليا.

 كيف وصفت لنا المدينة؟ وما هي الصورة السائدة التي تعلق بالذهن بعد قراءتها؟ تحدثت عن تزايد السكان النازحين وتدهور أوضاع المجتمع بسببهم وفساد الأخلاق وضياع الهمم وقلة المحاصيل التي نتج عنها غلاء المعيشة. أما المدينة كفضاء عمراني فلا ذكر لها. لم يرد اسم حومة أو شارع ولا أي معلم معماري. لا وجود للمدينة ولا لأهل المدينة، فالحديث منصب على الوافدين وشجب سلوكاتهم.

  وهذا ما جاء في مطلع القصيدة:

               عام مكبره هاي سيدي     بالكساد وغلات النعمات

               كيف نخبر هاي سيدي   بالفساد في كمان حومـــا

               باح كل شي بال كتما      في بلد قسنطينة الدهمـــا

                              واش تنظر هاي سيدي

                                           ركاب

               واش تنظروا فيها هلكت            راهي فســــــــدَت

                        ما بقت تتسمّــى بـــلـــدة 

               من كثير العبد اندخلت             رغما عمــــــــرت

                      كل جنس جــــــاءها يتهدا

               تعمرت كثير بكل خبث   وقوى الغــــــــوات

                      تخلطت ورجعت كيف الدا

               واهلها انهزمت واندمرت والبدو لها احـــــــدث

                         والقضاة عليهــــا يتعـــــدا

                      انحشت بارهوط انعـــــدت فيها سكنـــت

                        هذا يجــــي وهذاك يغــدا

                                        ......

لقد تناول الشاعر مواضيع عديدة من خلال قوالب في الكتابة الشعرية والربط بين مظاهر الحياة الاجتماعية والظواهر الطبيعية في تفاعلها أيام الأزمة.

2.7.   فساد المجتمع

 أما عن فساد المجتمع مقارنة بالماضي فهذا أيضا موضوع راسخ، متعارف عليه يكاد يتكرر مع كل جيل. وهو يرجع لعدة أسباب منها أن الفترة الذهبية في تاريخنا قد مضت والعصر الذهبي راح وولى ( A،Laroui : 1976 ، 15). كما يمكن أن  نرجعه إلى قساوة الحكم على الحاضر لأننا منه، ولا نجرأ على انتقاد الماضي (A ،Bounfour) القريب لأنه مسؤولية الآباء، ولا الماضي البعيد لأنه حاضر السلف الصالح وهو مثلنا الأعلى. ولا أدل تعبيرا على هذه الآراء من أسلوب المدح الذي يرتب أحسن عناصر المجتمع بتبعيتها إلى السلف، فيقال إنها " أحسن خلف لأحسن سلف".  فضلا عن أسلوب انتقاد الحاضر باللجوء إلى تمجيد الماضي وهو يسمح بتجاوز الحدود المفروضة على التعبير الحر وذلك بالاختفاء والتخفي وراء المرجعية السلفية. كما أن الخوف من المستقبل المجهول مع إرادة التحكم فيه يجعل المرء يتشبث بالماضي ويمجده عن وعي أوعن غير وعي (A ،Bounfour).

وإذا طبقنا هذا القول على موقف الحضر من مدينتهم ونظرتهم إليها نلاحظ أن الفرق ضئيل بين ما قاله الشيخ الحداد منذ قرنين مضت، وما يتداوله سكان قسنطينة في أيامنا هذه. وما يصح عن قسنطينة يصح عن مدينة أخرى مثل الجزائر[40] أو تونس أو غيرها من الحواضر.  

لنرجع إلى فساد المجتمع بفساد الأخلاق: لقد هلك كل شيء وفسد ولم تعد قسنطينة تشبه المدينة أو البلدة حسب الشيخ الرحموني. إنها صورة الماضي المجيد في موازاة الحاضر الرديء. وإذا أخذنا الصور البلاغية التي ظهرت عند الشيخ الحداد الرحموني نجد أن الآفات مرتبطة بالزمان أكثر مما ترتبط بالمكان لأن علامات الساعة قد قربت. ولكن هذا الزمن الذي مضى ومجده الرحموني كان قد شجبه عبد الكريم الفكون  ونوه بمن عاصروا جده ، إلا أن عمر الوزان، المعاصر لجده، قد انتقد عصره و بشدة لاضطراب الأحوال.

تعلل عمر الوزان، الفقيه القسنطيني الشهير، "آية زمانه"،  بفساد الوقت وانقلاب الموازين ليعتذر للباشا عن قبول خطة القضاء في قسنطينة، في منتصف القرن السادس عشر. وقد كتب للباشا حسن آغا رسالة شهيرة هي نموذج  في نوعها.  وبعد قرن من التاريخ،  جاء عبد الكريم الفكون ينتقد أهل زمانه فلم يجد بدا من ذكر سيرة رجل فاضل وعالم جليل كعبرة لمن يعتبر فوجد نفسه يمجد عصر عمر الوزان الذي عاصر جده هو. 

 يعد تمجيد الماضي لأزمة؟ في أدب الوعظ أو في البكاء على الأطلال والنقد السياسي والاجتماعي.

3.7. علامات آخر الزمن

      " ذلك حال الدهر الخوان                     من حضر لتواخر الزمـان 

           يشوف المنكر باعيــــان          ولا يطيـــــق يغيــــره "

  وقد بدأ القرن الثالث عشر منذ أكثر من عشرية. وفي كل نهاية قرن تكثر الأقاويل حول هذا الموضوع، بل وتستمر أحيانا طوال القرن. وتخوفا من التحولات المفاجئة التي أصبحت وشيكة في هذا القرن، وفي كل قرن.     

تنبثق علامات الساعة وإشارات آخر الزمن من روح القصيدة ونصها،  فبرزت في " شروط الساعة كي ريته". لقد ترددت فكرة قرب الساعة أو أجل الساعة أو ما يقصد بنهاية العالم. والمعروف أن اختلال التوازن والخوف على المستقبل يصور أنه من العلامات الإلاهية المنبئة بنهاية الأجل. يوجد أجل الإنسانية بأسرها مصور في محيطها المعروف والمعلوم والذي لم يعد يخضع لنفس النواميس.

  وكأن الطاهر وطار، وبعد قرنين من الزمن، يحاكي الشيخ الرحموني ويتقي خطاه لوصف اكتظاظ المدينة ورضوخها للكم الهائل والثقيل من الناس حتى تخر الصخرة وتسقط تحت وزر العباد وذنوبهم. تمثل ؟ الخيانة وضياع الهمم والانحطاط في السلوك الذي يخلط الموازين فتفنى الدنيا ؟.

4.7.   بلد دون بلدية

يظهر الاستعلاء على أهل الريف على لسان الراوي دون ذكر لأهل المدينة. لا توجد مقارنة ولا مواجهة في الصور: بقدر حضور الوافدين بقدر غياب الحضر. ولا نعرف عن نشاطهم ولا عن اهتماماتهم شيئا كأن النازحين أبعدوا أهل البلد معنويا مثلما زحزحوهم من أماكنهم فعليا.  كما لا يصف المدينة إلا وهي أطلالا معنوية. 

لا توجد صورة إيجابية واحدة عن قسنطينة في تلك الفترة من خلال القصيدة. وإذا أردنا أن نقرأ نفس الصور بعكس ما أراده الرحموني يصبح التوافد الكثيف دلالة على الحياة النشطة التي تعرفها قسنطينة واستقطابها لليد العاملة من كل نواحي البلاد، وعدد النازحين برهان على طاقة استيعابها، وتواجدهم في مختلف الحرف شهادة على انفتاحها...

إذا اخذنا المعلومات الواردة مجردة من روحها العنصرية والمعادية لكل من هم من غير الحضر، لاحظنا أن قسنطينة كانت نشطة، وتدب فيها حركة كبيرة. يأتي إليها العمال والسكان من "الغرابة" و"الشراقة"، من وادي سوف ووادي ميزاب، من "القبايل" و"الشاوية"، ومن البدو بصفة عامة. يظهر اليهود في دور مميز في النشاط الاقتصادي. كما تبدو قسنطينة كمركز عامر  ومحور المبادلات والمعاملات. تميزت المدينة بنشاط تجاري وحركة بشرية قوية: "هذا يجي وهذاك يغدا" ..."بني مزاب اقوات بسلعات"، ..."مغاربة وشراقة حفلات، جايين ليها بالكثرات، فازعين ليها الكل باثبات ..."

  عندما يشهرالرحموني بالغادي والرايح إلى قسنطينة فهو يبرهن عن مدى نشاطها ومدى حركيتها، إنها قطب الشرق بأكمله، من الجنوب البعيد من غرداية تأتي سلع بني ميزاب مرورا بوادي سوف إلى الجبال المحيطة بالمدينة.

تحمل القصيدة نظرة نقد و هجاء تجمع بين الملاحظة الاجتماعية وبين الحكم الجزافي، وينصب الحقد على "بني مزاب" بسبب مذهبهم الإباضي، فالشاعر يضعهم في أدنى مرتبة بين الأمم "الخومس عرات الامات « وبسبب هجرتهم الموسمية نحو المدن الشمالية من أجل التجارة التي تبعدهم عن ديارهم فيهملون بيوتهم ويتركون "نساهم وبنات" دون وازع ولا رقيب[41].

 وردت في القصيدة مواطن الهجرة ومصادرها مما يثبت أن "النزوح الريفي" كمفهوم (وليس كمصطلح) وظاهرة، ليس وليد القرن العشرين وإن كان الفرق يكمن في حجم الوافدين نسبيا.

ماهو عدد السكان؟ هل أن عدد النازحين قد يصل عدد الحضر؟ وما هي نسبة المؤقتين والموسميين من المقيمين الذين استوطنوا المدينة (Dj، Sari : 1974 ، 32- 40  و 1979 ، 63- 89) ؟

تبين دراسة القاطنين بقسنطينة من حيث الموطن الأصلي سعة الدائرة التي تتغذى منها المدينة بشريا، وهي دائرة واسعة القطر كثيفة النواة نحو الجبال الشمالية وتمتد إلى عنابة شرقا وبجاية وزمورة والمسيلة غربا وتشمل السهول العليا[42].  وبهذه النتائج  تؤكد  سجلات الزواج ـ في أرض الواقع  وبالأرقام ـ   احساس الرحموني بثقل الوافدين  وغلبتهم على  الحضر. بالفعل نسبة عالية جدا من سكان المدينة تمسكوا بنسبهم القبلي أو انتسبوا إلى موطنهم الأصلي. 

بعدما تعرفنا على التركيبة السكانية لمدينة قسنطينة ولو في خطوطها العريضة عن طريق الدراسة المسحية وفي فترة محدودة ومحددة، أردنا دراسة تطورها بعد خمسين عاما. وعمدنا في هذه المرة إلى البحث على المجموعات التي التقينا بها في مطلع القرن الثالث عشر للهجرة ومدى حضورها في المدينة بعد نصف قرن لدراسة مدى استقرار العائلات بها ومدى تجدد المقيمين.

نشير أولا بأن هذه العينات الاعتباطية أو العفوية لا تسمح إلا بقياس التيارات العامة ورسم التوجهات دون إعطاء نتائج قطعية. تبين قوائم الأسماء المسجلة سنة 1256 هـ/1840م بعض الاستمرارية في توزيع الأنساب الواردة في مطلع القرن. وإن كانت العينة قليلة، وهو سبر شمل مائة عقد وعقد (101) فقط ورد فيه نسب  "العمري"  ثلاث مرات بين الرجال  و مرتين بين النساء، أما  "المهناوي"  و"العجمي"  فمرتين اثنتين، و قد ظهر "العمراني" مرة واحدة وكذلك "الطلحي" و"الخنفري" و"الأموي" و"اليدري"... وهم مثل العمري يمثلون نسبة 3 % من الأنساب المذكورة وهي مكانة موازية لما كانت عليه من قبل.   فالنسبة معبرة إذن رغم صغر حجم العينة. كما نشير إلى أن نصف هذه الأسماء كانت في صدارة القائمة كثافة وتواترا قبل خمسين عاما.

 أما عن النسبة والانتماء تمثل المدينة البوتقة التي تنصر فيها الفوارق بعد مراحل التأقلم وتدمج أفرادها في قوالبها بوسائل متنوعة منها الحرفة والنشاط الاجتماعي والسياسي والعلاقات الأسرية...  "في كل الحرف وكل الأوساط، يختفي عند الجيل الثاني أو الثالث جد أو سلف أصله من الريف أو البادية. على أن الريف والقرية يمثلان المصدر الأساسي للوافدين الجدد على المدينة. وإذا كانت الهجرة تتعثر في أوقات وتقل في أخرى فإنها لم تتوقف عبر القرون. لا يمثل الريف منبعا يضمن غذاء المدينة وتموينها فحسب، إنه يغذيها بالرجال أيضا. فهو يغذيها بمنتوجاته الفلاحية والرعوية، بل ويطعمها أيضا بسواعد قوية من رجاله" (M، Garden) صورة تنطبق على قسنطينة في القرن الثامن عشر   وعلى جل المدن بصفة عامة وإن كتبت حول مدينة ليون (Lyon) الفرنسية في القرن الثامن عشر.

 حاولنا في البداية أن نجعل من هذا البحث منطلقا لمقاربة في الديموغرافية التاريخية فبحثنا عن كل الإمكانيات المنهجية لتوظيف هذه السجلات في هذا الباب، وبعد محاولات ومناقشات عديدة ومتنوعة مع أهل الذكر والاختصاص أرجئت العملية للديموغرافيين. والسبب الأساسي يكمن في أن المقاربة تكون منهجية أولا باقتراح فرضيات ورسم بناء لما يجب أن يتوفر من معطيات لتركيب عدد السكان أو لمعرفة متوسط أفراد العائلة أو السن عند الزواج بالنسبة للرجل والمرآة...     

وما قمنا به يفيد في كشف النقاب على ممارسات هامة لكنها محدودة زمنيا ولا يمكن تعميمها إلا بقياسات ومقارنات منهجية لامتحان الأدوات الموظفة من جهة، وبدراسات ميدانية أخرى في فترات متتالية أو متقطعة للمقارنة ورسم التيارات العامة والانكسارت الظرفية. وعليه يمكننا تقديم مقاربة لعدد السكان تكون مبنية على عدد المتزوجين واعتبار لكل زوج طفلين أو ثلاثة في المعدل في ظرف عشرية ولكل زوجين بعض أفراد العائلة من أب وأم وأخ أو أخت،  وبهذا التفكير المبسط إلى أقصى الحدود نلاحظ أن أدنى عدد لسكان مدينة قسنطينة يقارب الثلاثين الف نسمة إذا ما اعتبرنا من تقدموا للمحكمة دون غيرهم.

وفضلنا بكل تواضع ترك هذه النقطة إلى حين معالجتها في عمل مشترك مع الديموغرافيين لأنها تتطلب إعادة النظر في التقديرات السابقة وفي المناهج التي وظفت لهذا الغرض. لقد قام الباحث جيلالي صاري بهذا العمل في شأن تعداد السكان الإجمالي للجزائر ويوضح ذلك انطلاقا من وضعية نهاية القرن التاسع عشر واعتمادا على كل الأرقام المقترحة حول أزمة 1867 والمجاعة التي تلتها وكل الإحصائيات المتعلقة بها(Dj ، Sari : 1982). تناول كل المعطيات في أبعادها المختلفة من الولادات والوفيات إلى درجة الخصوبة ومتوسط عدد الأطفال ومتوسط العمر،  وفي الأمدين القصير والمتوسط، وبرهن أن عدد سكان الجزائر كان أعلى سنة الاحتلال من كل التقديرات السابقة ودليلـه أنه لولا ذلك العدد لما كان الجزائريون ليقاومـوا بشريا بهذه الطريقة، ويصمدوا أمام المعارك الفتاكة والمجاعات والأوبئة إلى نهاية القرن التاسع عشر حيث بدأت وسائل الإحصاء تتحسن. ... ويكمن الخلل في المعطيات العددية التي بُـنيت عليها الفرضيات وفي المنهجية التي وظفها الديموغرافيون لقياس مختلف العناصر ومقارنتها ببعضها البعض والتي اعتمدها الباحثون فيما بعد (A، Nouschi).

وعليه حوّلنا الاهتمام نحو العلاقات بين الأفراد والبحث في شبكة الحرفيين وشبكة المصاهرات التي تعيد السير والتراجم الفـردية إلى الواجهة بما تحمله من تفاصيل في الحياة العامة والخاصة كفيلة ببناء مسارات قد تكون نموذجية.  

ولذا سنعمد إلى دراسة تركيبة المدينة بقراءة جدلية بين ما تفيد به سجلات المحكمة من معطيات عشية القرن التاسع عشر وبيـن ما استقينـاه حول الحرف والحرفيين وسكان المدينة بعد هذه الفترة بخمسين عاما. وهذا موضوع الفصل السادس. وقبله نتوقف عند معالم المدينة وأعلامها للتعرف على المجال الحضري والنسيج العمراني الذي يعيش فيه أهل قسنطينـة. 

ببليوغرافيا:

- أبو القاسم، سعد الله.  رحلة ابن حمادوش الجزائري المسماة: "لسان المقال في النبإ عن النسب والحسب والحال"، (تقديم وتحقيق وتعليق)، الجزائر، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، إصدارات المكتبة الوطنية، 1983.

- أبوالقاسم، سعد الله. عبد الكريم الفكون رائد السلفية، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1987.

- عائشة، غطاس، "الصداق في مجتمع مدينة الجزائر 1672م-1854م" ،  إنسانيات المجلة الجزائرية ل في الانتروبولوجية والعلوم الاجتماعية ، وهران، مكرز البحوث الأنتروبولوجية الاجتماعية والثقافية، 1998. عـدد 4. ص ص، 23-40. 

- خليفة، حماش ." أهمية المصطلحات التركية في دراسة التاريخ والحضارة الإسلامية"، في : تحية وتقدير للأستاذ خليل الساحلي أوغلو، منشورات مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات،  زغوان، 1997 .

- رشاد لمام، سياسة حمودة باشا في تونس 1782-1814. تونس: منشورات الجامعة التونسية. 1976.

- أحمد، ابن ابي الضياف. اتحاف أهل الزمان باخبار ملوك تونس وعهد الأمان، تحقيق الشيخ محمد شمام، تونس ، الدار التونسية للنشر، 1990. 7 أجزاء.

- عبود أحمد، الخزرجي. أسماءنا: أسرارها ومعانيها، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990

- مصطفى، طلاس و نديم ،عدي : معجم الأسماء العربية.  طلاسدار، ط 2 ، 1990

- محمد، بن الزبير،(إشراف) : سجل أسماء العرب، موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب، عمان، جامعة السطان قابوس، 1991.  4 مجلدات.

- محمد، بن الزبير،(إشراف) : معجم أسماء العرب، موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب، عمان، جامعة السطان قابوس، 1991. مجلدان.

 

- Parzymies، A. Anthroponymie algérienne Noms de famille modernes d’origine turque. Varsovie : ed.  scientifique de pologne، 1985.

- Laroui، A.   Histoire du Maghreb، essai de synthèse، Maspéro، 1976.

-A، Badjadja  “Les anciennes tribus de l’Est -Algérien (1863_1887) ”، D.E.A en géographie، Constantine 1974.

- Bounfour، A. Le noeud de la langue.

- Cour، A. “Constantine en 1802 d’après une chanson populaire du cheikh Beqâcem Er

- Nouschi، A. Enquête sur le niveau de vie.

- Benmatti- Hamani، B. De la tribu à la  Révolution Agraire، les statuts fonciers dans l’Est Algérien، approche cartographique. Thèse de 3e cycle en géog. univ. de Montpelleir III. 1985.

- Benmatti-Hamani، B.  De la tribu à la révolution agraire، les statuts fonciers dans l’Est Algérien، approche cartographique، thèse de 3e cycle en géog. Univ. P. Valéry Montpelleir III. 1985.

- Borrmans، M. “Prénoms arabes et changement social en Tunisie”، IBLA 121، 1968،

- Collectif. L’Anthroponymie document de l’histoire sociale des mondes méditerranéens médiévaux.  Actes du colloque international organisé par l’Ecole de français de Rome avec le concours du GDR 955 du CNRS : “Genèse médiévale de l’anthroponymie moderne” (Rome، 6-8 oct. 1994). Recueillis par M. Bourin، J.M. Martin et F. Menant. E.F. de Rome، 1996. Bibliog.

-  Largueche D، et A.  Marginales en  terre d’ Islam. Tunis :  Cérès Productions، 1992. 185p.

- Sari Dj.  Le désastre démographique.  Alger : SNED. 1982.

- Sari Dj. “L’équilibre économique traditionnel des populations de l’Ouarsenis”. Revue de  l’Occident Musulman et de la Méditerranée. 1979.، n° 9.

- Sari Dj. “Problèmes démographiques algériens”. Maghreb-Machrek.  Paris، 1974. n° 63. 

- Estoublon، R. Lefébure، A.  Code de l’Algérie annoté... P. 395.

- Tillon G. Le harem et les cousins. Paris-Le Seuil. 1966. 

- Berque J.   Maghreb histoire  et société.  Alger. Duculot-SNED. 1974.

- Dupâquier J.  La démographie historique

- Dupâquier، J.   Population and social advances in historical demography: mariage et remariage dans les populations du passé.  Sous la direction J. Dupâquier.  H. Helin; M. Livi-Bacci et S. Sogner،. Academic press. London. 1981.

- Dupâquier، J.  Histoire de la démographie: la statistique de la population des origines à 1914. (pref. P. Chaunu)، Paris،  librairie académique Perrun- “Pour l’histoire”، 1985. 462 P.

- Romero، J. “Les bases de données historiques”.  Congrès International sur les systèmes d’information historique. Espagne ،Vitoria-gasteiz.  6-8 Nov. 1997.  (texte inédit).

- Sublet، J. Le voile du nom.  Essai sur le nom propre arabe. Paris : Duculot، puf écriture. 1979.

- L، Babes . Mythes d’origine.

-  Garden، M.   Lyon et les Lyonnais. 

- Marin، M. “Le nom de Hanas  dans l’onomastique arabe” Cahiers d’Onomastique Arabe،

-. Ben Achour M. A.”Quelques notes sur l’onomastique tunisienne à l’époque husaynite précoloniale (XVIIIe-XIXe siècles)”. Cahiers d’Onomastique Arabe . CNRS، 1979.

- Cherif M.H، Pouvoir et société dans la Tunisie de Husayn bin Ali، (1705-1740). 

- Onomasticum Arabicum. Répertoire alphabétique. Volume I. Roma. 1915.

- Paul، E. Lovejoy ،    % transformations in slavery. A  History of slavery in Africa،  New York، Melbourne-Cambridge Univ Press، 1983.  cité par : Harris، Memel-Fote. "La traite des négresses au XVIIIe siècle"،   article  inédit، 1996. 

- Estoublon R، et Lefébure، A.   Code de l’Algérie annoté. Recueil chronologiques des lois، ordonnances، décrets circulaires etc، formant la législation actuellement en vigueur، Alger 1896. P. 568. Cité par Anna Parzymies. Anthroponymie algérienne.

- Estoublon، R et A،  Lefébure .  Code de l’Algérie annoté. Recueil chronologique des lois.

- Bendjaballah، S. Etude de cas de stratégies foncières familiales dans les hautes plaines constantinoises pendant la colonisation française، Magister en droit.، univ. de Constantine، 1988.

- Joseph.   “A propos de la martaba: remarques sur l'étiquette dans le monde musulman médiéval”. Revue des Etudes Islamiques. XLI.، 1973، Fasc I.

- Memel-Fotê، Harris، “La traite des négresses au XVIIIe siècle”، art.

Rahmouni El-Haddad” ،  R.A. N°60. 1919.

- Bachrouch، T. “Le Sahel، essai de définition d’un espace citadin”.    Les Cahiers de Tunisie.  N° . 3°-4° trim.  1986. p. 209. ; voir aussi : M.A. Ben Achour. et M. H. Cherif. bibliog.

- Arama، Y. La propriété foncière des citadins singularité d’une structure agraire : l’exemple constantinois de 1830 à 1867. magister، Univ. de Constantine. 1995. 210P.


الهوامش

[1]  - عندما ذكر صالح بن مصطفى وهو الذي حكم بين 1771 و 1792 وكانت بمناسبة زواج إحدى معتوقاته ورد: "عتيقة السيد صالح باي" أو " ...مولانا صالح باي" أما في عقود الأوقاف التي أشرف عليها فكان "السيد الأرفع الأمنع صالح باي" أو ما شابه هذه العبارات.

[2]  - نظرا لطول القوائم نقتصر على نماذج فقط من هذه الفهارس وندرجها في الملاحق.

[3]  -  أنظر ملحق: ب1 : تركيبة قاعدة الزواج والطلاق والمسماة سجلStructure de SIJ‎ILL) وهي بالأحرف اللاتنية على برنامج Dbase III+  وهو ناطق بالأنجليزية.

[4]  -  تطرح هنا قضية الأمانة العلمية وإمكانية استعمال القاعدة من طرف باحثين آخرين  وإلى أي مدى يمكن التخلي عن المصدر الاصلي واللجوء إلى القواعد الموضوعة على الحاسوب  و قد استغرقت جهودا  وتتلخص القضية في جدوى  استعمال  الاعلام الآلي في هذا المجال وكيف تثمن هذه الأعمال. أنظر أعمال المؤتـمر الدولي حول نظم اللإعلام الآلي والتاريخ الذي عقد بفيتويا-قاسطسز (Vitoria_ Gasteiz) بإسبانيا 6-8 نوفمبر 1997. وخاصة :

[5] - ناقشت هذا الموضوع مع الزميل الاستاذ عبد الله بوخلخال لاختصاصه في فقه اللغة كان قد وضع مشروع بحث اهتم فيه باسماء سكان مدينة قسنطينة حاليا ودوافع الاختيار وكذا التأثيرات... لكن لم ينجز البحث بعد. كما أعارني سجل أسماء العرب الذي نشرته جامعة السلطان قابوس. فله جزيل الشكر. ناقشت الموضوع نفسه مع الاستاذة  منيرة رمادي -شابوتو  كباحثة في موسوعة الأعلام العربية المعروفة  تحت اسم "Onomasticum arabicum" تحت إشراف المركز الفرنسي للبحث العلمي. وأعطتني هي الأخرى الفصل المخصص للإسم في رسالتها حول مصر في العهد المملوكي. فلها خالص الشكر. ولا أقدم هنا من هذا الموضوع المتشعب والشيق سوى ما يفيد البحث مباشرة، على أن أنشر دراسة مستقلة مركزة على "الأسماء".  

[6]  -  في الأمثلة الموالية  : س : 456، 29-7-1202هـ. تزوج سليمان بن فتاتة  يمونة بنت الحاج ابراهيم ، بكرا،...؛ س: 1882، 9-7-1204هـ. تزوج سليمان بن الحاج احمد بن فتاتة يمونة بنت الحاج ابراهيم بن بلال الدباغ حرفة، بكرا مجبرة مطلقة قبل البناء؛ س: 3763: 15-6-1206هـ. طلق سليمان بن الحاج  أحمد  يمونة بيت الحاج ابراهيم بن بلال...

[7]  - فهرس الأزواج: (dictZ) رقم: 3154: ظهرت في زواج وطلاق من محمد بن رجب الميلي، في رقم:5077: في زواج من محمد بن الحاج عبد القادر. وتبين التواريخ أنه اسم  واحد لامرأتين .

[8]  - أنظر فهرس أسماء الرجال:ب7.                                           

[9]  - سجل: 1، ص127، 1203هـ، ( عقد بيع دار ).

[10]  - آمنة ومعناها غير خائفة، على وزن فاعلة، من الأمن نقيض الخوف. أنظر العماد مصطفى طلاس والأستاذ نديم عدي، معجم الأسماء العربية.  طلاسدار، ط 2 ، 1990. ص23.

[11]  - زينب:  تعني القصيرة السمينة، والزينب: شجر حسن المنظر طييب الرائحة وبه سميت المرأة، وواحد الزينب زينبة. وقد ورد الإسم مرة واحدة في صيغته المؤنثة. (معجم..)

[12]  - حفصة: الرخمة والحفصة من أسماء الضبع وسميت بها المرأة. وهي ابنة عمر بن الخطاب من أمهات المؤمنين.

[13]  - الأوامر السلطانية هي عقود موثقة بتوقيع الباي نفسه تمنح وتثبت إعفاءات من ضرائب وأعباء مخزنية لصالح من تمنح له. استفاد الإخوة كوجك علي من العيدي من هذه الأوامر فيما بين 1795 و 1820 ووجد البعض منها في الأرشيف الوطني بالجزائر العاصمة وأخرى عند المرحوم السيد سليمان بن كوجك  علي أحد الأحفاد الذي سمح لي بالاطلاع عليها ودراستها. تغمده الله بفسيح جنانه وأقدم الشكر لأولاده ومن سار على دربه بتشجيع البحث.

[14]  - سجل : 1، 26-7-1202 هـ. (س2286.)

[15]  - سجل : 2، 10-3-1207 هـ. (س 4770).

[16] - نماذج من الأسماء النادرة التداول: أنظر فهرس الأسماء، ملحق رقم:

[17]  - قاعدة "سجل "sijill))

[18]  - فهرس الأزواج الرجال dict1)) و به أسماء الرجال وكثافة كل واحد منهم حسب تردده في عقود الزواج والطلاق معا. أنظر الملاحق. وتوجد   فهارس مماثلة للنساء.  

[19]  ـ فهرس الأنساب للرجال (nasb1)، أنظر الملاحق رقم : ب 3.

[20]  - أكد لي الزميل الاستاذ ابراهيم بحاز  في مناقشة حول الموضوع أن نسبة "المزابي" لا يمكن أن تكون اسما لأحد الإباضيين وإنما قد تنسب لهم أو تنسب لغيرهم ممن أقاموا بينهم. كيف الفصل والحال أن النسبة وردت في تصريح بوفاة والهدف منها التعريف بصاحب هده الشهادة... دفتر الوفيات لسنة __   .1840/ 1256  

[21]  - سجل رقم : 3 ، عقد عتق، شوال 1213هـ.

[22]  - أنظر خريطة قبائل الشرق الجزائري حسب وثائق السناتوس كونسولت (Senatus Consulte) التي وضعها عبد الكريم بجاجة في دبلوم الدراسات المعمقة في الجغرافيا سنة 1974 بجامعة قسنطينة. ملحق رقم:

[23]  - ترفق في الصفحة الموالية نسخة مصغرة من الخريطة السالفة الذكر التي وضعها عبد الكريم بجاجة.

[24]  - أشرنا إلى هذه المسألة في سياق الحديث عقود الوقف وكيف توصف المنازل والمحلات اعتمادا على نقاط أربعة هي الشرقي والغربي والجوفي والقبلي... في الفصل السايق والمخصص للاوقاف.     

[25]  ــ انظر فهرس الأنساب حسب الكثافة. ملحق رقم: ب3. 

[26]  - للمزيد حول الموضوع أنظر: رشاد لمام، سياسة حمودة باشا  في تونس 1782-1814. تونس : منشورات الجامعة  التونسية. 1976.

   - أحمد، ابن ابي الضياف. اتحاف أهل الزمان باخبار ملوك  تونس وعهد الأمان، تحقيق الشيخ محمد شمام، تونس ، الدار التونسية للنشر، 1990. 7 أجزاء.

[27]  - رسم الخريطة وجسد الجدول الزميل الفاضل الأستاذ عبد الوهاب الاكحل، فله جزيل الشكر.

[28]  - سجل:  2416: 24-11-1202هـ.

[29]  - سجل:  2302: 15-8-1202هـ.

[30]  - سجل:  4621: 1-3- 1208هـ.

[31]  ــ فهرس الحرفيين (Artisan) في الأرقام : 143، 144، 137، 135 و171 على التوالي.

[32]  - هذه الأرقام من بين مجموع اسماء الزوجات Nasb2 وأسماء الأزواج Nasb1 وعقود 1840 وعقود 1856 وهي على التوالي: 898 و1485 و 107 و 233 وعليه فالنسبة تحتلف...

[33]  - وردت مرة كنسبة.

[34]  ــ فهرس الحرفيين (Artisan): رقم 214. ثم 379 ثم 1266.

[35]  ــ سنتطرق لهذا الموضوع للفصل المخصص لمعالم المدينة واعلامها.

[36]  ــ قمنا ببحث ميداني باستجواب أفراد العائلة وتصوير المقبرة المعروفة تحت غسم "المشايخ" لضمها أضرحة شيوخ العائلة الذين تقلدوا مشيخة البلد. تم التصوير شريط فيديو وصور شمسية سنة 1990. وتفيد الوثيقة في تخليد الفن المعماري والتاثيرات السائدة في بناء الاضرحة. تمت العملية بمعية زميلات من بينهن فتيحة شرقي وسعاد بن جاب الله من الجامعة ومركز الخدمات السمعية البصرية للجامعة وأعوان البلدية. فالشكر الخالص لكل من ساهم في هذا العمل لأن الدار والمقبرة كانت تهدد بالسقوط فمنع التردد عليها. 

[37]  - أنظر عقود الزواج التي أوردها ابن حمادوش في رحلته والخاصة به شخصيا:

  - أبو القاسم، سعد الله.  رحلة ابن حمادوش الجزائري المسماة: "لسان المقال في النبإ عن النسب والحسب والحال"، (تقديم وتحقيق وتعليق)، الجزائر، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، إصدارات المكتبة الوطنية، 1983.

[38]  - " في اليوم الخامس منه حضر المكرم محسن بن قصير المنزلي نسبا التبسي وطنا امام الشيخ القاضي في التاريخ أبي الحسن العلامة السيد [...] على الونيسي وشهيديه  واعترف طايعا أنه كان قد  دبّر جميع مملوكته المسمات عايشة العجمية البرنوية حمرانية اللون طويلة القامة بخدها تشليط العجم تدبيرا تاما معتبرا شرعا وهو بحال صحة وطوع وتقرر معرفة كما أنها أحضرت وثيـقة متضمنة جميع ذلك مؤرخة بتاريخ أواخر شهر ذي الحجة 1210 بشهادة  محمد بن أحمد بن محجوبة وحسين الفكون" أمام السيد بلقاسم المسبح 1213هـ."   (سجل رقم: 3. شوال عاشر شهور  1213 هـ.)

[39]  ــ أنظر نص القصيدة كاملا في الملحق أو في المجلة الإفريقية كما يتضح في الهامش الموالي.

[40]  ــ قصيدة لعبد المجيد مسكود،( مطرب معاصر لنا يعيش بالجزائر العاصمة ): "قولو لي يا سامعين ناس البهجـــــة وين  ؟ " وغيره كثير...

[41]  ــ أنظر نص القصيدة   ملحق د2 "قسنطينة سنة 1802".

[42]  ــ انظر أعلاه، خريطة الكثافة السكانية من حيث الموطن الجغرافي المرفقة نفس هذا الفصل.