Publications PNR du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Publications PNR

البرنامج الوطني للبحث، كراسك، 2005، ص.99-144 | النص الكامل


 

 

 هدى جباس

 

 

مدخل

يعدُّ فعل التسمية، فعل إدماج وترقية؛ فبفضله نُؤهل الطفل ونُدخله ضمن النظام الرمزي لمجتمعه كما نصله بالفضاء الروحي والتراث الاجتماعي ـ الثقافي لأهله؛ ذلك أنه " لا يمكن للإنسان في علاقته مع محلِّ استقراره أن يوجد كـ "لا شيء" دون اسم دالًّ عليه"[1].

لقد أظهرت الدراسات التِّي أجريت على الاسم ووظيفة التسمية أنّ تأثير الاسم على المُسّمى يتم من خلال شحنته الدلالية، فلا تسمية دون دلالة: "نحن نَدُلُ دوما سواءً تعلَّق بالآخرين أو بأنفسنا " [2]، وبأنّ التّصنيف مُقوم أساسي للفعل التسموي: "إنّنا لا نُسمي إذن أبدا: إننا نصنف الآخر. إذا كان الإسم الذي نمنحه إياه مجموعة خصائص يمتلكها أو نصّنف أنفسنا، إذا اعتقدنا الإمتناع عن إتباع أيّة قاعدة "[3]. وهو ما ينفي أيّ حُرية للاختيار فما نعتقده حرية إنّما يكون نابعا في الواقع من خُصوصيتنا الذاتية " نُسمي الآخر »بحرية« هذا يعني تماشيا مع الخصائص التِّي نمتلكها، وغالبا ما نقوم بالأمرين معا"[4]

تُوضحُ فكرة »نمو الاسم وتطوره« نتيجة تحميله كلّ مرّة بحمولة مختلفة؛ تشهد على »الزمن« وتمثّل »الفضاء« وتعكس »الواقع« وتعبِّر عن »الانتماء« للوسط الذي يظهر فيه أو للهوية الثقافية لمانحه (المسمي)، فالاسم »تواصل اجتماعي ـ ثقافي« بين المولود ومجتمعه. والحديث عن الشخص لا يتّم في الأحوال العادية إلاّ من خلال ذكر اسمه، أمّا التعامل معه باسمه (الشخصي) فقط فلا يدلُّ إلاَّ على حميمية أكثر في العلاقة. 

لا يمكننا التوصل إلى تفسير أنجع لدلالة الاسم بالاعتماد على عامل تفسيري واحد فقط، فتنوع الشحنات الدلالية وثراء المرجعيات التعبيرية للفعل التسموي؛ أوجب الرجوع إلى العديد من العوامل الممكن تجميعها تحت مفهوم العوامل النفسية، أو العوامل الاجتماعية التاريخية أو الثقافية والتراثية. لكن هل يمكن للاسم أن يترجم منحدر الفرد الاجتماعي والثقافي بصدق؟ بمعنى هل يمكن للفعل الانتقائي للاسم أن يعكس المكانة والمظهر الاجتماعي حقا؟ وما معنى أن تكون أسماء الجزائريين ذات خاصيّة جزائرية؟ وهل يمكن حصر هوية مجتمع في معاني أسماء أفراده أو في اختياراتهم الدلالية؟ وهل أنّ أسماءنا إسقاطات لهوية اجتماعية مشتركة، أم تجسيدٌ لهوية ثقافية خاصة؟ وهل يعتمد أهالينا (من يقوم بوظيفة التسمية) عند إطلاقهم أسماءنا على ضرورة مُصالحتها أو توافقها مع شخصياتنا بفعل التنشئة الاجتماعية أو بتطابق المقومات الفيزيقية؟ فهي غالبا ما تُتوارث مما يطرح إمكانية انقلاب تأثير محاولة إفضاء قُدُسِيَةٍ على جسد الطفل بمنحه اسما ذو دلالة مقدسة إلى ضدِّه؛ ولكم أن تتصوروا تدنس كلّ قيمة دلالية أرادها المسمي الذي أطلق اسم »إسلام« على شخص أضحى فيما بعد عنوانا للرذيلة والفساد أو أتى بأفعال تتنافى وتعاليم ذلك الدين الذي يحمل اسمه، أو أن تشعروا بمعاناة حامل اسم »وسيم« حين يؤكد له محيطه أنه »اسم على غير مسمى«.

إذا كان كلُّ عامل من العوامل السابقة سيقودنا إلى نموذج تسموي مختلف، فكيف يمكن للوُصلة [فضاء اجتماعي – تراث محلي – هوية ثقافية] أن تُحدد ملامح المخيال التسموي في قسنطينة، وأن تعبِّر عن التمثُّلات الذهنية الأنوماستيكية (أسماء الأشخاص) لأهلها ؟ وإن لم تحدث هذه الوُصلة فما هي أهم الوحدات الدلالية للمنظومة التسموية ـ لا سيَّما في عنصرها المُتعلِّق بـ »الاسم الشخصي« ـ القسنطينية وما هي ضوابطها ؟.

سنحاول باختصار تقديم إجابة عن كلِّ هذه التساؤلات وغيرها، من خلال هذا المقال المستوحى من مذكرة بحث قدمت لنيل شهادة الماجستير في الأنثروبولوجية الاجتماعية والثقافية، وسمناها بـ «الاسم: هوية وتراث، مقاربة أنثروبولوجية لدلالة الأسماء في قسنطينة» وحصرنا مجال بحثها في مبحث الأنثروبونيمية أو علم دراسة أسماء الأعلام البشرية، كما اعتمدنا لبلوغ نتائجها على منهج وصفي تحليلي وجُملة من المصادر والأدوات البحثية المُتنوعة:

الملاحظة

  • المقابلة: وفيها اعتمدنا التبادل اللفظي مع المبحوثين حول الأسماء ومُمارساتهم لفعل التسمية من خلال أربع محاور (items)، وسوف نركز حديثنا في المقال التالي عن النتائج التي أسفرت عنها.
  • الوثيقة: تفرّعت إلى نوعين:
  • وثيقة شجرة العائلة: وهي التّي تضمنتها سجلات الشجرة العائلية بمصلحة الحالة المدنية لبلدية قسنطينة.
  • وثيقة الميلاد: تمثّلت في شهادات الميلاد التي تضمّنتها سجلات الحالة المدنية للولادات بمصلحة الحالة المدنية لبلدية قسنطينة؛ حيث أخضعنا المُعطيات المُتوفرة في هذه السجلات إلى مُقاربة إحصائية بالعيِّنة، أفرزت لنا مُدونة واضحة المعالم: 7200 وثيقة ميلاد مُوزعة على اثنتي عشر سنة[5] (3600 وثيقة للمواليد الإناث + 3600 وثيقة للمواليد الذكور)

I - المعجم الوطني للأسماء، يجب أن تكون الأسماء ذات خاصيّة جزائرية؟!:

لأنّ في دلالة الاسم إسقاط للهوية الحضارية لصاحبه، ولأنّ للهوية الجزائرية من المميِّزات ما يجعلها تختلف عن غيرها؛ فقد اقتضى المشَّرع الجزائري بأن تكون الأسماء الشخصية ذات خاصيّة جزائرية (Consonance algérienne)؛ ولم يكتف بذلك فقط بل لقد وضع قاموسا أو مُعجما ينبغي على ضباط الحالة المدنية الوقوف على احترام وتطبيق بنود القانون الذي أحدثه أثناء تسجيلهم لأسماء الأهالي. ما مدى تطبيق نصِّ القانون بمصلحة الحالة المدنية بقسنطينة؟ وما مدى استناد ضُباطها إلى معجم الأسماء؟ هذا ما سنحاول مناقشته فيما سيأتي

لقد أولى التشريع الجزائري أهمية خاصة لفعل التسمية، فنص على وجوب أن يكون لكلّ شخص لقب (Nom) واسم شخصي (Prénom) فأكثر، وبأنّ لقب الشخص يلحق أولادهُ، وقد تضمن المرسوم[6] رقم 81-26 المُؤرخ في 1 أول جمادى الأولى عام 1401 الموافق لـ7 مارس سنة 1981 إعداد قاموس وطني لأسماء الأشخاص، حيث كلِّفت المجالس الشعبية البلدية بإعداد قائمة بمجموع أسماء الأشخاص الواردة في سجلات الحالة المدنية، وإرسالها إلى وزارة الداخلية قصد إعداد قائمة وطنية، على أن تكتب تلك الأسماء باللُّغة الوطنية وتتولى الوزارة الترجمة الصوتية لها.

كما تضمّن المرسوم أيضا وجوب أن تكون أسماء الأطفال الجزائريين ذات خاصيّة جزائرية حتّى إذا كانوا مولودين من أبوين مجهولين[7]، حيث يُعيّنون بمجموعة من الأسماء الشخصية يتّخذون أخرها كلقب عائلي، كما يمكنهم تغيير أسمائهم إذا كان لها سجع أو أصل أعجمي، بموجب نص المادة الأولى من الأمر رقم 69-5 المؤرخ في 12 ذي القعدة عام 1388ه الموافق لـ30 يناير 1969 والمتعلق بالحالة المدنية للأولاد المولودين في الجزائر من أبوين مجهولين: "إن أسماء وألقاب الأولاد المولودين في الجزائر من أبوين مجهولين إذا كان لها سجع أو أصل أعجمي، فيمكن أن يطلبوا تغييرها بموجب حكم تُصدره دائرة مكان ولادتهم"[8]

لقد أثبت لنا تعاملنا مع سجلات الميلاد بمصلحة الحالة المدنية بقسنطينة، وجود هُوة عميقة بين نص القانون وتطبيقه على أرض الواقع، فعلى الرغم من أننا صادفنا أطفالا عديمي الهوية الأونوماستيكية[9] إلاّ أننا لم نصادف ولو حالة واحدة ـ ضمن مدونتنا ـ تمّ فيها طلب تغيير الاسم على الرغم من وجود العديد من الأسماء ذات السجع الأجنبي؟!‍‌‍

وعندما سألنا[10] أحد الضباط عن ما إذا كان أحدهم قد لجأ إلى تغيير اسمه الشخصي أخبرنا بأنّ التغيير ـ على مستوى المصلحة ـ يحدث عادة في حالة وجود لقب عائلي غريب أو مشين، لكنّه على الرغم من ذلك ذكر بأنه يعرف شخصا يمتلك اسما غريبا[11] »ڤرمي«، رغب في تغييره إلى »رفيق«، لكنه ووجه بالعديد من الصعوبات ذلك أنّ التعديل تعدّى وثيقة الميلاد إلى الكثير غيرها من الوثائق الإدارية كشهادة السوابق العدلية... ولأنّ الأمر يحتمل إمكانية التزوير كما ينطوي على الكثير من الصعوبات، فلقد تقرر أخيرا الرجوع إلى الاسم الأصلي »ڤرمي«...

وعن البند القائل بأحقية اعتراض ضابط الحالة المدنية على بعض الأسماء أفادنا ضابط[12] آخر بأنّ تلك القوانين غير مطابقة للواقع، حيث صرّح بأنه لا يوجد تقيُّد لا بالقوانين ولا بقائمة المعجم:«بإمكاننا رفض اسم ما، لكننا نفاجئ فيما بعد بأنه قد سُّجل عن طريق المحكمة أو بحكم قضائي...» وهو ما يُؤكد مرة أخرى الهوة الكبيرة بين نص التشريع الجزائري وما هو حاصل فعلا بمصالح حالتنا المدنية.

وعلى الرغم من أنّ المادة الرابعة من المرسوم رقم 81-26[13] تنص على أن يتم كلّ تسجيل جديد لاسم الشخص في سِّجلات الحالة المدنية أو تعديله على أساس هذا القاموس، وأنّ المادة الخامسة تنص على وجوب مراجعة القاموس الرسمي لأسماء الأشخاص كلّ ثلاث سنوات حسب إجراءات تُحدد بقرار وزاري مُشترك بين وزير الداخلية ووزير العدل، إلاّ أننا وقفنا على غياب كُلِّي للتعامل بهذا القاموس في مصلحة الحالة المدنية لبلدية قسنطينة حيث أخبرنا رئيس المصلحة بعدم امتلاكه لنسخة من القاموس[14] وبأنّه قد أعطى كلّ الصلاحية لضباط الحالة المدنية في اعتمادهم لبعض الأسماء أو رفضها.

وضعتنا إجابة رئيس المصلحة هذه أمام تساؤلات كثيرة دارت في معظمها حول المرجعية التي يمكن أن يستند إليها ضباط الحالة المدنية بقسنطينة في اعتمادهم لأسماء دون غيرها؛ بمعنى حول المعايير التِّي يعتمدها أولئك الضباط في تصنيفهم للأسماء ذات الخاصيّة الجزائرية؟، وعندما توجهنا بالسؤال إلى ضُباط الحالة المدنية أخبرنا أحدهم بأنهم ـ أي جميع الضباط ـ يعتمدون على عامل الخبرة[15] وعلى درجة تداول الاسم، فالأسماء غير المتداولة هي أسماء غير جزائرية بالضرورة ؟! وهو ما يعني تطبيقا عشوائيا لنص المادة 28 من القانون المدني.

لكن هل يمكننا إلقاء اللّوم فقط على ضباط الحالة المدنية الذين تكاد وضعيتهم تتساوى في جميع أنحاء القطر الجزائري، خاصة وأنّ المتصفح لذلك المعجم سيتضح له بأنه "ليس معجما بالمعنى الحقيقي للكلمة وإنما هو كتيب طريف يحتوي على مجموعة من الأسماء للمواليد الذكور وأخرى للمواليد الإناث وهي في معظمها قديمة أو غريبة بالنظر لما هو شائع ومطلوب في عصرنا الحالي، في حين أنه يضم كذلك أسماء اتفق دينيا على أنها محرّمة أو مكروهة..."[16]، كما لا يمكن أن يخفى على المُطّلع على نص المادة  28 أنّ المُشَّرع لم يوضِّح ما المقصود بالضبط من وراء أسماء ذات خاصيّة جزائرية؛ وهو ما ترك المجال مفتوحا أمام ضباط الحالة المدنية للارتجال في تحديد هُويّة الأسماء المُقترحة باعتمادهم على (ثقافتهم الخاصة)[17]، وإلاّ ما الذي يُفسر رفض ضابط ببلدية عين توتة[18] تقييد الأسماء الأمازيغية «ﭭايا» و «مسيبسا»، وقُبول آخر بمصلحة الحالة المدنية لبلدية قسنطينة تسجيل اسم «رمساس»[19] المنتم إلى الموروث الحضاري المصري.

وقد كشفت لنا مدونة البحث عن عديد الأسماء ذات الخاصيّة غير الجزائرية، أسماء أقلّ ما يمكن أن تُوصف به؛ هو أنّها غريبة على المخزون الأونوماستيكي (الأنثروبونيمي) للجزائريين، ومُنافية لأبسط قيّم هُويتهم الثقافية أو مبادئ عُرفهم التسموي، ومن أمثلة تلك الأسماء نورد ذكرا لا حصرا[20]: صراب، عسيلة، إنجي، دوغيا، مجدولين، مالي، كوكب، رعيل، فاني، سحير، كملية، دورصاف، سريال، رزان، رمقي، مسكة، لارا، وفيد، زمان، زيزو، سبيل، بابا، بلة، حمة، نزيم لوجي، خلاف، رفع، ميسر، غريب، ريمي، نجيد، صحيح، نديم، كاتب، رسيم، ميسم، الحوري، صديق، رمان وجاد، شهرمان، قايس، سبيل، مولاي، تامر، ميلاد[21].... وللأمانة العلمية نجدنا مجبرين هنا أن ننوه بقائمتين من الأسماء الغريبة التي تمّ رفضها من طرف بعض ضباط الحالة المدنية بمصلحة قسنطينة:

قائمـــــــــة رقم: 01[22]

رُجينة  Roudjina

رضاب الفتون  Roudab El Foutoune

سوزان  Souzane - Souzanne - Suzane

 رشال Rachal - Rachale 

إنجي  Indji

رَوَنْد - دليندا ـ كاسندرا ـ روزا

أنڤالا  Angual

جولينة  Djoulina

شناز  Chanez

إليسا  Ilissa- لارا  Lara- كوسية  Koussia

ميسن  Maïssene

رمسي  Ramsi

رئيف  Raïf

ماسيل  Massil

عدي لُهان Louhane

رُوهان  Rouhen

ميسر  Meisser

سُفيدة  Souffeida

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قائمـــــــــة رقم: 02[23]

روشان  -  مليسة 

بيسن -  بيلسان

ليليان -  أغيلاس 

روجان  -  مروة ليليان

لينيا  -  إيلان

نادين -  دورسين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سُهار - ليديا أندرا ( أخبرنا الضابط بأنّ سبب رفضه لهذا الاسم يرجع لشقه الثاني "أندرا")

يولاندا ( قال الضابط بأنه شاهد رسوما متحركة في إحدى الفضائيات العربية تحملُ بطلتها هذا الاسم، وقد أبدى استياء شديدا من الأمر).

أناغيم (عندما سألناه عن سبب رفضه لهذا الاسم، أجاب غاضباً «هذا تْبُودِيعْ، تْبُوهِيتْ...أنغام نورمال normal وعْلاهْ حَتَّى أناغيم»[24] )

II- الاسم الشخصي، هيكلته بين الماضي والحاضر :

1. تقليد منحه بين المُمارسة الاجتماعية والعُرف الديني:

لقد اقتضت طقوس التسمية في الفضاء القسنطيني قديما عدم تسمية الابن حتّى بعد ولادته بأيام[25] خوفاً من إلحاق الضرر به )العين أو الحسد(. وغالبا ما تُعْزَى عملية اختيار اسم المولود إلى الجدَّين من الأب )الجد أولا ثم الجّدة في حالة وفاته( أو إلى الأب في حالة وفاتهما خاصة إذا كان المولود ذكرا ً فالمجتمع القسنطيني مجتمع ذُكوري.

 عادة ما كان يُمْنَحُ للولد البكر اسم »محمد« في حين تُمنح البنت اسم »فاطمة« تبركا باسم الرسول الكريم وأصغر بناته، كما جرى العُرف على أن يحمل أول المواليد الذكور[26]ـ من الأبناء الذكورـ بعد وفاة الجدّ للأب اسم هذا الأخير، وأن تحمل أولى البنات اسم جدّتها لأبيها أو حتّى لأمها، فالأمر يختلفُ مع الإناث ذلك أنّ الذكر هو المُخَولُ أكثر للحفاظ على إرث عائلته الروحي فهو الذي يُبقي على ذكرى أبيه بحمل اسمه إن توفي هذا الأخير تاركاً إياه في بطن أمه، كما أنه هو الذي يحمل اسم عمه إن توفي ولم يُنْجب أطفالا أو تركهم صغاراً. وقد كشفت مُمَارسات أخرى عن إمكانية أخذ ابن العم اسم عمه لابنه في حالة ما إذا وُلد هذا الأخير قبل ولادة ابن عمه، ولنا في حالة »الطيب« خير مثال على ذلك؛ ففي حين أخذ ابن عمه المولود قبله اسم جدّه لأبيه، أخذ هو اسم عم أبيه.

ونفس العادات ـ تقريباـ المُتَّعلقة بمنح اسم المولود رصدتها "نفيسة زردومي" عند أهالي تلمسان حيث تُصّرح على لسان القدماء "لم نكن في القديم، نُعطي اسما (un nom) لمولود جديد إلاّ في اليوم السابع، خلال حفلة (مراسيم) مُشرقة (cérémonie brillante) تتضمنُ وحدة من الطقوس المتجانسة والمتكاملة[27] (unité de tableaux rituels) مُفعمة بالشاعريّة والأصالة والتِّي اختفت ذكراها نفسها في العديد من المناطق الجزائرية"[28]

كما وجدتها فوزيّة ديّاب عند المصريين من أهل الريف: "جرت العادة عند كثير من أهل الريف أن يسمى الطفل باسم الجد إذا كان ذكرا، وباسم الجدة إذا كانت. ويفضل في المحل الأول اسما الجدين من ناحية الأب، ثم يأتي بعد ذلك اسما الجدين من ناحية الأم. والاعتزاز بتسمية الوليد باسم الجد أو الجدّة مظهر من مظاهر قيمة احترام الوالدين..."[29]

وإذا كان السبر الأولي الذي قمنا به حول الشائع والدارج من الأسماء الشخصية في الفضاء القسنطيني، والذي كاد أن يُوصلنا إلى الإعتقاد بأنّ العُرف التسموي غالبا ما كان يقتضي بتسمية التوائم من الذكور بـ«الحسن» و«الحسين»، فإنّ النتائج التِّي أوصلنا إليها الفرز الإحصائي لمدونة البحث قد كشفت لنا عمّا هو مُناقض لذلك تماما، فمن بين الـ19 توأما[30] ذكرا الذين ضمّتهم مُدونة بحثنا، وُجد توأم واحد فقط وُلد في شهر جانفي من سنة 2001 سمي بـ »الحسن« و»الحسين«.

وفي العقيقة مُمَارسة دينية استّحب الإسلام العمل بها، فأوصى أن يُذبح عن المولود الذكر شاتان وعن المولود الأنثى شاة واحدة وأن لا يمسّ رأس المولود بدم» لا يحب الله العقوق، ومن ولد له ولد فأحبّ أن ينسك عنه فلينسك، عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة[31]« (عن ابن عمر، حديث شريف)، كما أنّ فاطمة ابنة الرسول تصدّقت بزنة شعر ولديها الحسن والحسين فضة إمتثالا لأمر أبيها »يا فاطمة! احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضةً[32]« (عن علي، حديث شريف).

والعقيقة مُناسبة لتسمية المولود أيضا »كلُّ غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق رأسه ويسمى[33]« (عن سمرة، حديث شريف)، ولا يجوز الأمر لمن أراد أن ينسكَ عن ولده إلاّ بذكر اسمه عزّ وجلّ، و بالإفصاح عن اسم من عُقّت عنه: »يعقُّ عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة اذبحوا على اسمه وقولوا: بسم الله والله أكبر، اللهم لك وإليك، هذه عقيقة فلان[34]« (عن عائشة، حديث شريف).

1 .1 بعض العوامل المُتَّدخلة في اختيار الاسم:

قد أسفرت المُقابلات والمحادثات التّّي ًًًًًُقمنا بها في الوسط القسنطيني عن تضافر عدّة عوامل في توجيه المخيال التسموي للقسنطينين، حيث ثبت لنا دورها الفعال في توجيه عملية اختيار (أو انتقاء) اسم دون آخر؛ من تلك العوامل ما جاء مُرتبطا بالخصائص المُتعلقة بالهوية الثقافية لمن مارس فعل التسمية أو المُسَّمِي، ومنها ما جاء مُرتبطا بتداعيات الظرف السياسي المُتزامن وظهور الاسم، ومنها أيضا ما ارتبط بميزات العُرف التسموي السائد في مجال جغرافي دون آخر... وفيما يلي ذكرٌ مُقتضب لأهم تلك العوامل:

  • الرغبة في إظهار التميُّز:

أبدى القسنطينيون رغبة شديدة في إظهار التميُّز من خلال أسماء أبنائهم، حيث برز الاسم الغير مألوف وقعه أو تداوله بين الناس كأكثر الأسماء تفضيلا لدى البعض، وقد رسِّخ هذا التوجه في السنوات الأخيرة بظهور كثيف للأسماء المُستقاة من الثقافات الأخرى[35] ومن بين الحالات التِّي عكست هذا التوجه نذكر حالة السيِّدة »ر«[36] التِّي أسمت ابنتها »مَلَك دور صاف«، والتِّي كشفت لنا إجاباتها عن أسئلتنا حول أسباب اختيارها لهذا الاسم وهذه التركيبة بالذات عن رغبة شديدة في إظهار التمُّيز والتفرُّد؛ فالاسم مُتميِّز من حيث رنّته الموسيقية، حيث أشارت السيِّدة إلى أذنها فور سؤالنا لها عن غرض التسمية وعند استزادتنا في الاستفهام قالت بأنّ سماع الاسم له وقع خاص في الأذن. كما أنّ الاسم ـ حسب كلام السيِّدة دوما ـ مُتفرد في شقِّه الأول »مَلَك « من حيث المصدر بالنسبة لما كان سائدا في محيطها من أسماء «بَنْتِي أَسَمْهَا مَلَك مَاشِي ملاك[37]، مَلَك من التُرك[38]...» وكذلك من حيث التواتر إذ صرّحت بأن ابنتها كانت أول من سُمي بـ »مَلَك «بين معارفها قبل أن ينتشر استعمال الاسم ويذيع «... مَنْ بَعَدْ وَلاَّوْ بُكُل أَسْمْهُمْ مَلَك...كَانُو مْعَ لَوَلْ مَا يَعْرْفُوهَشْ... »[39]

أمّا بالنسبة للشق الثاني من الاسم »دور صاف «فقد صرّحت السيِّدة بأنه اختير أيضا لتميُّز وقعه الموسيقي على الأذن، ثم تأكّد الاختيار فيما بعد بفضل الدلالة الجمالية التِّي يتضمنها معناه «سْمَعْتُو… وْكِي سَقْصِيتْ ڤَالُولِي … لؤلؤة جميلة C'est une perle»[40]

ويبدو أنّ السيِّدة قد فضلت في تعاملها مع ابنتها استخدام الشق الثاني من الاسم والذي لاحظنا أنها كانت تؤكِّد في كلِّ مرّة تتلفظه فيها على نُطق الحرف الفرنسي«r» بدل الرّاء العربي[41]. لدرجة أضحت معها البنت تجهل اسمها الكامل «بنتي ما تعرفش مَلَك بَصَّحْ تَعْرَفْ Dorsaf »

  • العُرف التسموي السائد:

يُضفي الفضاء الاجتماعي الذي يحيا فيه من يُمارس فعل التسمية بضلاله على عملية الاختيار، حيث جرت العادة بمنح أسماء الآباء للمواليد الذكور، كما اقتضت الضرورة كذلك منح الأطفال أسماء تتوافق وحروف لغة المجتمع ومعتقده[42]. هذا فضلا عن تبّني أسماء بعض الأولياء الصالحين كتعبير عن الاحترام والتقديس؛ حيث أنّ "الفكر الاجتماعي والثقافي وجد في الأولياء وسيلة اعتقادية ليعلن انتمائه العقائدي تقربا إلى الله من خلال تقديسه واحترامه للولي الصالح "[43] ولا يقتصر الأمر على قسنطينة فقط بل يتعداه إلى كلِّ شبر في التراب الجزائري "...وقد يصل الأمر في بعض القرى ان كل عائلة تقدس وليا خاصا بها. كما قد تحمل اسمه وتعتز بانتمائها اليه...وتشاء الخريطة الجغرافية ان تتقاطع مع الخريطة العقائدية حيث نجد أن كل مدينة كبيرة الا وارتبط اسمها بولي صالح يقدسه سكانه ويزورونه بمناسبات مختلفة [...]حيث كل تجمع سكاني كبير ام صغير الا وله وليه الصالح الخاص به وكلت له المهام العقائدية والطقوسية الخاصة...يحمونه ويحتمون به.[44]

  • تداعيات الظرف السياسي المُتزامن وظهور الاسم:

لقد لاحظنا تأثير الظرف السياسي السائد في بُروز بعض النماذج التسموي الجديدة على الساحة الأونوماستيكية القسنطينية، كالأسماء التِّي جسّدت فكرة النصر، أو تلك التِّي خصّت بعض رموز المقاومة العربية: »جمال عبد الناصر« فترة الاستقلال (1962-1963)، »صدام حسين« و»طارق عزيز« فترة حرب الخليج....

وفي حالة السيّد »عبد الحميد«[45] توضيح مُزدوج لكيفية تأثير التوجُّهات السياسية في توجيه الفعل التسموي لدى بعض ممن تأثروا ببعض الشخصيات التاريخية أو رجالات السياسة الفاعلين، حيث صرّح بأنّ أباه كان من أصدقاء الشيخ »عبد الحميد بن باديس «ومن أشد المتأثرين بشخصه[46] لذا فقد أسماه عليه، كما صرّح لنا أيضا بأنه كان من أشد المتأثرين بالثورة الإيرانية والمتتبعين للصراع بين »روح الله الخميني « و»ميشال قيرون « لذا فقد أراد تسمية ابنه المولود سنة 1981 »روح الله « على اسم »الخميني « أو «غلام رضا» على اسم ابن شاه إيران، لكن يبدو أن آلام الوضع قد أنست الزوجة الاسمين «مْعَ الدوخة نْسَاتْ» فلم تحفظ ذاكرتها إلاّ اسم غلام الذي ألحقته باسم محمد، وهكذا مُنح المولود اسم »محمد غلام«  لكن على الرغم من هذا أكّد لنا الأب بأنّه كان السّباق في منح اسم »غلام« لابنه، حيث لم يلحظ ظهورا للاسم في محيطه الاجتماعي إلاّ بعد ثلاث أو أربع سنوات من منحه لولده؛ وهو ما تنافى مع ما وجدناه في مُدونة بحثنا حيث صادفنا هذا الاسم في سجلات الميلاد[47] لسنة 1951.

  • الانطباع الشائع عن بعض حاملي الاسم:

أمّا البعض الآخر فيرجع اختيارهم للاسماء إلى ما انطبع عن بعض حامليها من صفات مُحبذة إلى النفوس كالنباهة والذكاء، حتّى وإن شابتها أخرى غير مُحبذة أو مُستحبة، ولنا في حالة اسم»أيمن« خير نموذج عن ذلك، حيث لمسنا لدى العديد من القسنطينين[48] اعتقادا مفاده أنّ حاملي هذا الاسم أطفال يتحلَّون بصفتي النباهة والذكاء، وقد أكد لنا الأمر حديث دار بين موظفتين بالبلدية[49]، اشتكت فيه الموظفة الأولى من الشغب المتواصل لابنها المدعو »أيمن   «  بالبيت ومنزل أمها التي تتولى الاهتمام به أثناء عملها: «أيمن البارح هبَّلني وهبَّلهم في الدار، il est turbulent  والله ما خلاَّني نرڤد» لترد عليها الموظفة الثانية برد أرجعت فيه السبب الرئيسي في شغب الطفل إلى اسمه «تَسَّاهْلِي انْتِ ثَانِي عْلاَهْ سَمِِّيتِيهْ َأيْمَنْ، أَيْمَانَاتْ[50] بُكُلْ طَايْرِينْ» ويبدو أنّ لهذه الموظفة قريبا اسمه أيمن يمتلك نفس الطبع لأنها أرادت أن تضيف في سياق إخباري «أنا أيمن... »، لكن الموظفة الأولى قاطعتها قبل أن تسترسل في حديثها قائلة " بصَّح[51] ils sont intelligents" لتؤكد لها الثانية الأمر مع تحفُظها فيما يخص طبعهم الحاد: «هِيهْ...بَصَّحْ طَايْرِينْ».

كما أُكّد لنا الأمر أيضا من خلال نقاش آخر[52] أجرته موظفة ثالثة مع نفس الموظفتين السابقتين، وطرحت فيه مسألة قريبة لها تنتظر مولودا ذكرا وتريد تسميته باسم سَيْفْ: «هي حابّة سيف ولاّ[53]...»، وقبل أن تُكمل قاطعتها الموظفة الأولى مُنَوِهَةً بضرورة أن يُستكمل الاسم «بَصَّحْ سَيْف لاَزَمْ تْكَمْلُو بـ "الدين" وَلاّ "الإسلام"... » لتستدرك الموظفة الثالثة قائلة بأنّ قريبتها تنوي استكمال الاسم بإضافة لفظ «الدين»: «هِيهْ حَاتْكَمْلُو "سيف الدين"»[54]. وهنا تتدخل الموظفة الأولى مُجددا لتقترح منح المولود اسم أيمن، لكن الموظفة الثانية رفضت الفكرة بحدّة «آه مَا تْسَمِيهُمْشْ أيمن، طايرين، لِّي نَعْرَفْهُم أنا بُكُل جْنُونْ تعرفي»[55] وقد أبدت الموظفة الثالثة موافقتها على الأمر ...لكن الأولى عادت وأكّدت على ميزة الذكاء التِّي يتمتع بها الأطفال الذين يحملون هذا الاسم، وهو ما اتفق عليه الجميع ولا سيّما  الموظفة الثانية «آه هاذي صح والله des intelligents »

  • المُعتقدات السائدة:

لقد تدّخلت المعتقدات بصفة كبيرة في اختيار الأسماء الشخصية على عدّة أوجه: كأن تُمنح أسماء قبيحة للأبناء قصد حمايتهم من الحسّد والعين، مثل اسم طلية[56]، أو أن تُمنح أسماء أخرى بقصد التفاؤل للمولود أو بدافع حمايته من الأرواح الشريرة وهي حالة السيِّدة »س «التِّي منحت ابن أخيها اسم ولقب الرئيس السوري الراحل[57] »حافظ الأسد «لأنّه تصادف وحلمت بموت الرئيس ليلة وفاته، ولأنّ الحلم مقدّس خاصة عند كبار السن فقد اعتبرت تلك السيِّدة الأمر وكأنّه رسالة مُوجّهة إليها يجب عليها الالتزام بما جاء فيها، وإلاّ تعرّض ابن أخيها ـ الذي تزامن يوم ميلاده مع وفاة الرئيس السوري ومنامها ـ إلى مكروه.

أو أن تُمنح أسماء للتعبير عمّا أحدثه ميلاد الطفل في نفوس أهله، وقد برز هذا التوجُّه التسموي خاصّة في سجِّلات الأسماء الأنثوية؛ حيث لاحظنا بُروز أسماء من قبيل »حدّة« الذي تردّد استعماله خاصّة في بداية القرن العشرين (1901-1951)[58]، و»بركاهم«، و»ختيمة«[59] الذي لمسنا ظهوره بدايات التسعينيات؛ لقد بلور هذا التوجه التسموي الصدمة التّي كانت تُحدثها ولادة البنت في أوساط العائلة الجزائرية؛ حيث ترجمت تلك الأسماء الخوف والهلع ـ الذي كان ينتاب الوالدين ـ من الشرف المُغتصب الذي كان يُمثِّله ولادة الفتاة؛ فاسم »حدّة« مُشتق من حدّ، يحدُّ، وفي ذلك رغبة للحدِّ من إنجاب البنات، ونفس المعنى يرمي إليه اسم »بركاهم« الذي يحمل رغبة في أن يتوقف إنجاب الفتيات في العائلة؛ فهي ـ أي العائلة وخاصّة الرجال فيها ـ غير راغبة في أن تحمل هم أو عبئ ذلك التهديد المتواصل الذي يُحدثه وجود البنات بها، والذي تتفاقم خطورته على الرجل[60] عندما يكنّ خارجا "عندما تكون الفتيات خارجا، يكون الرجل في خطر"[61]. أمّا الآن فقد تغيّرت النظرة إلى المرأة بتغيّر معايير الصورة المثالية التّي صارت مطلوبة منها الآن خاصة من قبل الأجيال الجديدة: "...مبهمة ومفارقة تلك هي صورة المرأة التي يعرضها شبابنا، صورة مثالية للمراة التي يريدونها متعلمة ومتقدمة دون أن تفقد روحها بتقليد المرأة الغربية عنا وعن تقاليدنا..."[62]  

لقد انعكس ذلك التغيّر في النظرة للمرأة في الكثير من الممارسات، لكننا سوف لن نتحدث هنا إلاّ عن تبدّل الممارسات التسموية في الفضاء القسنطيني خلال فترات زمنية مختلفة؛ حيث سنحاول فيما سيلي رصد التغيّرات التّي طرأت على السّجلات الدلالية الأنثوية على مدى قرن من الزمن، والحديث عن اختفاء بعض الأسماء التي ترجمت صدمة الأسرة تجاه ولادة الفتاة من قائمة الاختيارات التسموية للقسنطينين فاسحة المجال بالتالي لظهور أخرى مُعبأة بشحنات مُغايرة عكست خُصوصيات انتقائية جديدة للوظيفة الدلالية للاسم في قسنطينة. 

ولقد ارتأينا تدخل عوامل أخرى في توجيه عملية اختيار الأسماء داخل الفضاء القسنطيني، وبالتالي في توجيه فعل التسمية لأهله وفي نسج أهم ملامح منظومتهم التسموية (الاسم الشخصي)، وفي الرسم البياني التالي توضيح لأهمها:

رسم بياني رقم (01): » توضيح لبعض العوامل المُتدخلة في اختيار الاسم

 


1-1-1 لمن يرجع حقُّ الاختيار؟:

ليس من السهل تقديم إجابة عامة على هذا السؤال، ذلك أنّ الأمر سيبدو أقرب إلى التعسُّف في توجيه مسار البحث إلى دفة تخدمُ وجهة نظر باحث أو آخر؛ منه إلى الطرح العلمي الصحيح؛ لكننا سنحاول الكشف عن ما توصلنا إليه من خلال المقابلات والمحادثات التي قمنا بها حول الموضوع.

لقد سمح لنا التعامل مع الأسماء طيلة قرن من الزمن من استكشاف مُقاربتين للاختيار، حيث أوضحت لنا المقابلات التِّي أجريناها مع أشخاص من أعمار مختلفة أنّ أحقّية الاختيار تختلف مرجعيتها باختلاف الزمن...

فبعد أن لم يُترك حق اختيار أسماء الأطفال قديما للمرأة والتِّي كان مجرد ذكر اسمها قذارة وانتقاصا للرجولة، وأمرا من الضروري على الرجل تقديم اعتذار عند ذكره، وقد عاشت  »عائشة «بطلة قصة أحمد رضا حوحو[63]ـ مثلها مثل باقي النساء الجزائريات ـ ذلك الوضع الذي كانت تُعانيه المرأة آنذاك، إذ "كثيرا ما سمعت والدها يتحدث مع جاره فيقول: عبادي حشاك " يقصد جميع نساء الاسرة فيعتذر عن ذكر أسمائهن كما يعتذر حينما يتلفظ بلفظ قذر أمام شخص محترم".  

وبعد أن كان حق اختيار الاسم يكاد يقتصر على الرجال خاصّة بالنسبة للمواليد الذكور[64]، ذلك أنّ اسم الطفل الذكر غالبا ما يُترجم جانبا هاما من تراث العائلة، وجزءا أساسيا من هُويتها الاجتماعية[65]؛ إنه اسم الطفل ـ الملك[66] الذي يرث أباه ويخلِّد اسمه ونسبه؛ فهو المُخول الوحيد للحفاظ على التراث الرمزي الجماعي للعائلة الجزائرية، تلك العائلة البطريقية التي يكون "الاب فيها والجد هو القائد الروحي للجماعة العائلية وينظم فيها أمور تسيير التراث الجماعي وله مرتبة خاصة تسمح له بالحفاظ وغالبا بواسطة نظام محكم على تماسك الجماعة المنزلية "[67]

أصبح اليوم من حق الكلّ أن يُدلي بدلوه في مسألة الاختيار، حيث أرسى مبدأ التفاوض جذوره عميقا بين كلِّ أفراد الأسرة الواحدة؛ فالأسرة البطريقية أضحت نووية يُخيِّم عليها الجو الديموقراطي و"ذلك لعدة اعتبارات منها تساوي منزلة الزوج مع منزلة زوجته وذلك بفضل المستوى الثقافي العلمي الذي تحصلت عليه المرأة في هذه السنوات إذ حسنت كثيرا من وضعيتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية على الوضعية التي كانت عليها"[68]

لكن على الرغم من هذا فانه توجد بعض الاستثناءات في وقتنا الحالي، خاصّة عندما لا يكون هناك اتفاق على مبدأ اختيار الاسم بين الزوجين، وهي حالة السيدة «ل» التِّي اعترض زوجها بشدة على اختيارها اسم[69]» رولا أنفال« حيث قام بتغييره رسميا إلى »أنفال« حاذفا بذلك شقِّه الأول بحجة أنه اسم غربي أو غير عربي.

في حين حافظ البعض على الطقوس القديمة للاختيار والتِّي تقتضي تدخلا أكبر لأفراد عائلة الزوج خاصة، لكن بأسلوب يحمل الكثير من المرونة والديموقراطية، أدخل البعض الآخر عناصر تعدّت النطاق الضيِّق للأسرة الواحدة، لتصل أحيانا حتّى للأجانب عن فضائها العائلي، كالأصدقاء والممرضات اللائي لاحظنا أنهنّ يُسهمن بشكل كبير في توجيه عملية اختيار الأسماء.

 ولقد مثّلت الأسماء المُركبة النموذج التسموي الذي وفّر أكبر حيِّز للتدخل في الفضاء القسنطيني؛ فمثلا تُخبرنا المدعوة »نادية ربيعة فريدة« بأنّ عمها هو الذي اختار لها اسم »نادية«، في حين اختارت لها عمتها اسم »فريدة«، واختار لها جدها اسم »ربيعة« لأنّ ولادتها تمت في فصل الربيع، لكن »نادية ربيعة فريدة« لم تحتفظ باسمها كاملا في المناداة اليومية حيث تمّ اختصاره إلى »ميمة«[70].

كما صرّحت لنا السيِّدة (ن.ر.) والتِّي لاحظنا أنّ أسماء أولادها الثلاثة هي أسماء مركبة، بأنّ السبب في ذلك يعود إلى مشاركة أكثر من شخص في عملية الاختيار، وبأنها ولإرضاء الجميع قد تقبّلت كلّ الاقتراحات؛ فمثلا اسم ابنتها »ماية بديعة «لأنّ »بديعة « كان اسم جدة أبيها[71]، ولأنّ »ماية «اختيار ذاتي خاص بها ترجمت فيه اهتماماتها الموسيقية[72]، أمّا ابنتها » ذرية دوغيا بدرة « فلقد تدخل في تركيب اسمها فضلا عن الزوج الذي فضّل اسم جدّته »بدرة «حتّى أشخاص أجانب عن العائلة؛ كالمختصّة في أمراض النِّساء (gynécologue) التي اختارت اسم» دوغيا«. أمّا الولد فقد اشترك في تركيب اسمه »رشدي بلال حمزة « ثلاثة من أهله حيث اختارت له خالته اسم »رشدي « وهو لأحد أبطال مسلسل تلفزيوني مصري، في حين اختار له أبوه اسم »حمزة«، وجدّه لأمه اسم »بلال «.

وتقول السيّدة (ح.ج) بأنّ اسم ابنها »ضوء المكان «البالغ من العمر خمسا وثلاثين سنة، قد كان من اختيار المُمرضة التِّي ساعدتها على الوضع، ولأنّ الاسم قد بدا لها غريبا وصعب التلفظ آنذاك؛ فلقد لجأت إلى اختيار اسم آخر لابنها ذو دلالة مُتلائمة وتوجُّهها الخاص: »لزهر  «في إشارة إلى الجامع الأزهر الذي صار مرجعا دينيا بالنسبة للمسلمين.

وعليه نخلص إلى أنّ عملية التركيب قد أعطت دينامية أكثر للاسم، حيث أضحى الاسم الواحد إنجازا لأكثر من شخص واحد؛ وبالتّالي تركيبا دلاليا لأكثر من توجُّه تسموي ودلالي.

2- الفضاء القسنطيني، موروث أنوماستيكي مُتميِّز:

تمكُنت قسنطينة تلك المدينة المُوغلة في عُمق التاريخ من أن تترك لأهلها موروثا أنوماستيكيا مُتميِّزا ألبسته معالم فضاءاتها الثقافية، الإجتماعية والجغرافية. وعلى الرغم من محاولات التشويه الدلالي الذي تعرضت إليه تلك المعالم إلا أنّ تسميات بعضها مازالت شاهدة على التجارب المُعاشة سلفا، ومُحتفظة بأهم معالم المخيال الأنوماستيكي القسنطيني.

بما أنّ مجال بحثنا يدور حول دلالات أسماء الأعلام البشرية أو الأشخاص، سوف لن نتعرض بالذكر إلاّ إلى الموروث الأنثروبونيمي[73] لأهل قسنطينة؛ أي أننا سوف لن نتعرض بالذكر، لا لأسماء شوارع المدينة وحوماتها، ولا لأسماء الحرف التِّي مارسها أهلها والتصق بعضها بأسماء الأعلام الجغرافية للمدينة[74]، ولا حتّى لأسماء جسورها الشهيرة أو أسماء أبوابها التِّي اختزنتها الذاكرة الأنوماستيكية للأجيال رغم قدم تاريخ زوالها.

لا يُمكننا تفسير دواعي اختيارنا هذا بغير الضرورة البيداغوجية والمنهجية التِّي تقتضيها أبجديات كلُّ بحث علمي، ذلك أن لكلِّ موضوع أهله من المهتمين ومجال بحثه المستقل[75]

2-1- العلماء من أهل المدينة، أسماء راسخة:

غالبا ما وُسمت أم الحواضر بمدينة العلم والعلماء، ولطالما اقترن اسمها باسم علامتها الشيخ المصلح »عبد الحميد بن باديس«. لكن قبل هذا المصلح كان هناك كثيرون، مثلما وجد بعده كثيرون أيضا من علماء، لم يبرزوا في العلوم الدينية فحسب وإنّما ذاع صيتهم في مختلف العلوم العقلية الأخرى... حيث كانت قسنطينة بحق حاضرة ثقافية وملتقا لكلِّ طالب علم أو مدرس له، وقد ساعدها على ذلك موقعها الإستراتيجي المُتميِّز الذي سمح لها أن تتوسط "قطبين ثقافيين هامين هما مدينة تونس من الشرق ومدينة بجاية من الشمال الغربي، لأنّها محطة عبور لقوافل التجارة والحج والطلاب على حدّ سواء، حتى صارت نافذة من نوافذ الأمة التي يُطِّل منها أهل المدينة خاصة وأهل المغرب الأوسط عامة على بلاد المشرق"[76]

ومن رجالات الفقه والعلم والأدب الذين ارتبطت الهوية الأنوماستيكية لبعضهم باسم هذه المدينة العريقة نذكر: »أبو العباس أحمد بن حسن بن علي بن الخطيب القسنطيني«[77] المشهور بـ »ابن القنفذ القسنطيني «[78] و»أحمد بن يونس بن سعيد شهاب الدين القسنطيني«[79] المعروف بـ »أحمد بن يونس القسنطيني«[80] اللذان حملا كليهما اسم الرسول الذِّي ذُكر في الإنجيل من قِبل سيِّدنا عيسى للتدليل على النبي الذي يأتي من بعده؛ والذي يعدُّ ثان أسماء الرسول الكريم من بعد اسم »محمد« مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم »أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر. وانا الحاشر الذي يحشر على قدمي«. وأنا العاقب«[81]؛ ولقد تمتّع اسم«أحمد» بشعبية كبيرة في الوسط القسنطيني حيث ورد ذكره 131 مرّة من بين الـ 2266 اسما ذو إيحائي دلالي ديني.

لا يعني اقتصارنا على ذكر ما سبق من العلماء[82]، بأيِّ حال أنّ قسنطينة لم تنجب غيرهم ممن استطاعوا تسجيل أسمائهم بحروف من ذهب في شتّى المجالات، قدماء كانوا أم محدثين، كـ» أبي علي حسن بن خلف الله بن حسن بن باديس القسنطيني «القاضي والخطيب والفقيه المالكي النابغ و»عبد العزيز بن خليفة القسنطيني «صاحب الكرامات الذي قيل انه وصل إلى مرتبة الغوث والقطب و»أبو العباس أحمد بن سعيد العباسي «من علماء المدينة الذين تفقهوا في علوم الشريعة وفنون البلاغة وآداب البحث والمناظرة و»محمد بن محمد بن أبي القاسم الغربي الميلي القسنطيني «صاحب كتاب »الافتتاح من الملك الوهاب في شرح رسالة سيدنا عمر بن الخطاب« الذي غالبا ما يشار إليه على أنّه »الافتتاح للقسنطيني«، و»محمد بن الحاج محمد بن ابراهيم بن أحمد الصولي «المعروف باسم محمد الشادلي القسنطيني، وصالح العنتري ذلك المترجم العسكري الذي اعتبره البعض "بدون شك أول أخصائي اجتماعي  (Sociologue) قسنطيني"[83] وغيرهم كثيرون، فقسنطينة كانت ولازالت عاصمة للأسماء الكبيرة والمتميِّزة، ولكنها خصوصية موضوع المداخلة وإرادتنا رصد بعض الأسماء التِّي شاع تدوالها في الفضاء القسنطيني دون غيره كالاسم الشخصي للعلامة المصلح بن باديس، الذي اقترن باسم المدينة فيما بعد...

2-1-1- عبد الحميد بن باديس، اسم آخر للمقاومة:

هو »عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس«، وُلد بقسنطينة في 5 ديسمبر 1889 من أسرة عُدّت من أعرق الأسر القسنطينية وأشهرها علما وثراء وجاها. تلقى تعليمه الإبتدائي على يد الشيخ محمد بن ماداسي، ثم واصل دروسه على يد الشيخ حمدان الونيسي ليكملها بجامع الزيتونة فيما بعد. تولّى التّعليم العربي بالجامع الكبير في قسنطينة قبل أن يتوجه لأداء فريضة الحج، أين تسنى له الإحتكاك برواد الفكر العربي الإسلامي فتأثّر بأفكارهم، وقرّر السير على خُطاهم بعد عودته إلى بلده، وفعلا عمل ابن قسنطينة على توعية أهله وتحريكهم ضدّ المستعمر بأفكاره الإصلاحية التِّي نجح في غرسها في نفوسهم عن طريق دروسه وخطبه التّي تفرّغ لإلقائها بالجامع الأخضر؛ حيث أخذ على نفسه مهمة إحداث نهضة فكرية وتعليمية بالجزائر للنهوض بها.

       لقد استحق عبد الحميد بن باديس بحق لقب زعيم الإصلاح في الجزائر، ذلك أنّ أفكاره الإصلاحية لم تتوقف عند قسنطينة فحسب وإنّما توسعت لتشمل كلّ شبر في الأراضي الجزائرية، وهو ما جعل الرجل يكتسب شعبية كبيرة لدى أهل قسنطينة؛ حيث كشف لنا التحليل الإحصائي لمدونة بحثنا بأنّ اسم» عبد الحميد« قد احتّل الرتبة الثانية تواترا في قائمة الأسماء الذكروية بعد اسم »عبد الرحمن« ذلك الاسم صاحب المكانة المُقدّسة في المخيال التسموي للقسنطينين لحديث الرسول » أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن«[84]

ولقد حاولنا أن نقدم عرضا لتواتر اسم "عبد الحميد" عبر سنوات الدراسة في الجدول التالي:

جدول رقم (01): " عرض لتواتر اسم "عبد الحميد " عبر سنوات الدراسة"

 

Année

Date de Naissance

Prénom Arabe

Prénom Français

1926

1 février 1926

/

Abdelhamid

1926

1 mars 1926

/

Abdelhamid

1951

1 février 1951

/

Abdelhamid

1951

1 juin 1951

/

Abdelhamid

1951

1 juin 1951

/

Abdelhamid

1951

1 octobre 1951

/

Abdelhamid

1951

1 octobre 1951

/

Abdelhamid

1962

1 février 1962

/

Abdelhamid-Nabil

1962

1 avril 1962

/

Abdelhamid

1962

1 juin 1962

/

Abdelhamid

1962

1 juin 1962

/

Abdelhamid

1962

1 juillet 1962

/

Abdelhamid

1962

1 octobre 1962

/

Abdelhamid

1962

1 octobre 1962

/

Abdelhamid

1962

1 novembre 1962

/

Abdelhamid

1962

1 décembre 1962

/

Abdelhamid

1962

1 décembre 1962

/

Abdelhamid

1963

1 février 1963

/

Abdelhamid

1963

1 mars 1963

/

Abdelhamid

1963

1 avril 1963

/

Abdelhamid

1963

1 mai 1963

/

Abdelhamid

1963

1 juillet 1963

/

Abdehamid

1963

1 juillet 1963

/

Abdelhamid

1963

1 août 1963

/

Abdelhamid

1963

1 septembre 1963

/

Abdelhamid

1963

1 septembre 1963

/

Abdelahmid

1963

1 décembre 1963

/

Abdelhamid

1976

1 avril 1976

/

Abdelhamid

1988

1 janvier 1988

عبد الحميد

Abdelhamid

1989

1 avril 1989

عبد الحميد

Abdelhamid

1989

1 août 1989

عبد الحميد

Abdehamid

2001

1 mai 2001

عبد الحميد

Abdelhamid

      

وإذا كان اسم «عبد الحميد» قد سبق اسم «عبد الله»[85] في اختيارات القسنطينين التسموية، فإنّ في الأمر دلالة واضحة على مكانة الرجل في نفوس أهله، حيث بلغ أعلى تواتر له سنوات الإستقلال الوطني (سنة 1963 بتردُّد 10 مرّات، وسنة 1962 بتردُّد 9 مرّات مُفردا ومرّة واحدة مُقترنا باسم آخر)؛ ولم تقترن التسمية باسم الرجل عند القسنطينين بمناسبة الاحتفال بالعلاّمة، وهُو ما أرجعناه[86] إلى عدم اقتران التسمية باسم الرجل في نفوس القسنطينيين بمناسبة الاحتفال به فقط، وإنما بكلِّ المناسبات وفي كلِّ الأيام[87].

أمّا عن انخفاض نسب تواتر الاسم خلال الجيل الرابع والخامس وسنوات الأزمة الوطنية، فلا يعود لزوال الدلالة المُقدّسة للاسم في نفوس القسنطينيين؛ وإنّما يمكن إرجاعه لاختلاف المعايير الدلالية التي صار يُبنى عليها فعل التسمية لديهم، حيث استبدلت الدلالة الدينية الصريحة[88] بأخرى ضمنية حسب ما بيّنته لنا مختلف المقابلات والمحادثات والملاحظات التي أجريناها حول أنثروبولوجية التسمية في الفضاء القسنطيني...

2-2- مساجد المدينة وجوامعها:

تمكّنت الحركة العلمية التِّي غذّتها مساجد قسنطينة وجوامعها من أن تفرض على الفضاء القسنطيني التعايش مع جدلية [انغلاق / انفتاح]، فقسنطينة المدينة الداخلية المُنغلقة على ذاتها حدّ المبالغة والتزمت أحيانا، كانت متفتحة على العلم وطلابه الوافدين عليها من كلِّ حدب وصوب بشكل ملفت للنظر بفضل مساجدها التِّي استطاعت أن تلحق بدورها الطبيعي المُتمثل في استقبال المصلِّين لأداء العبادات دورا آخر تجسَّد في استقطابها لطلاب العلم من كلِِّ الأنحاء وعقدها للحلقات الدراسية والعلمية في مختلف العلوم كالمنطق والنحو والصرف والفقه والأدب والبيان... خاصة قبل تأسيس المدارس.

تضاربت الإحصاءات حول عدد المساجد والجوامع في قسنطينة، فحسب فيرو (Feraud) فقد بلغ عددها في "عهد صالح باي، الذي اعتنى بإحصاء المساجد وترميمها وتشييدها كما في السِّجل الذي أمر به، خمسة وسبعون مسجدا وجامعا، بالإضافة إلى سبعة مساجد تقع خارج المدينة "[89]

أمّا أبو القاسم سعد الله فيفيدنا استنادا على وثيقة تعود إلى سنة 1006 بأنّ عددها قد بلغ واحدا وسبعين مسجدا، في حين يُشير الرحّالة الورتلاني إلى أنّ قسنطينة كانت تضم نهاية القرن الثاني عشر )18م( "...خمسة مساجد جمعة.....وقد اكتسب نتيجة ذلك شهرة علمية في العالم الإسلامي لا تضاهيها سوى شهرة فاس والقاهرة "[90]

كما ضمّت قسنطينة في عهد الأتراك " أكثر من مائة جامع ومسجد وزاوية وكُتاب يعمل بها أئمة، ووعاظ، مرشدون، ومؤذنون، وقيمون، حزاب، ومعلمون للقرآن الكريم، ومدرسون للعلوم الدينية والأدبية... "[91]

أيّاً كان عددها في قسنطينة فقد كانت بحق مراكز للإشعاع العلمي[92]، تمكّنت من رفع قسنطينة إلى مصاف الحواضر العلمية الكبرى...

تميَّزت مساجد قسنطينة وجوامعها حتّى في أنماط تسميتها، فمنها ما ارتبط بأسماء شخصية سُبقت أحيانا بسمة »سيدي[93]«، واقترنت في أحايين أخرى بالاسم العائلي للشخص الذي منح اسمه للمسجد أو الجامع؛ ومن أمثلتها: جامع سيدي علي بن خلوف، جامع سيدي الكتاني، مسجد أبي عبد الله الصفار، مسجد سيدي الحسن بن مخلوف، مسجد سيدي النقاش، مسجد سيدي محمد بو عبد الله الشريف، جامع سيدي قموش، جامع سيدي فتح الله، جامع سيدي عبد المؤمن، جامع سيدي راشد، جامع عمر الوزان، مسجد السيِّدة حفصة....

ومنها ما ارتبط بأسماء أعلام جغرافية: جامع القصبة، جامع سوق الغزل، جامع رحبة الصوف، جامع الاربعين شريف......

ومنها ما ارتبط بوصف، أي سُمِّي على أساس سمة غالبة على بنائه أو شكله كالجامع الكبير والجامع الأخضر)لخضر(.

وقسنطينة اليوم هي أيضا مدينة مسجد الأمير عبد القادر، ذلك الإنجاز العمراني والمعلم الحضاري المُتميِّز.

III – الهوية وفعل التسمية :

  • الهوية الأونوماستيكية:

لم يكن الغرض من وراء إدراج هذا المبحث، التطرق إلى مفاهيم نظرية بالعرض أو بالبحث، بقدر ما كان محاولة لفتح زاوية ـ صغيرة ـ أردنا من خلالها التعرُّض إلى الأمر من منظور إجرائي أكثر، سعينا بواسطته إلى الإطلالة على خصوصية المشهد الأونوماستيكي في الفضاء القسنطيني باعتباره جزءا من الفضاء الجزائري في عُمومه؛ يشترك معه في مُجمل خُصوصياته العامة ويتميّز عنه ـ من دون اختلاف ـ في بعض الجزئيات الخاصّة.

لا يعني منح الهوية الأنوماستيكية (الاسم الشخصي) للمولود، إظهاره كمُتميِّز داخل نسق أصناف انتماءاته وفقط، وإنما يعني أيضا إدخاله ضمن شبكة من العلاقات الاجتماعية، سبق لنا وأن أشرنا إلى ارتباط اكتساب الهُوية الأولى (l'identité première) عند الطفل في المجتمعات البلقانية بتسميته التِّي تضمن تقييده مثل جميع البشر في»كتاب الحياة «الموجود في السماء. ورغم أنّها هوية أولى إلا أنّ آثارها تستمر على شخص المولود الجديد طيلة حياته لتفرض عليه فيما بعد نوعا من الالتزامات أو المحظورات الاجتماعية، كأن تدفع بالسَمِيِّ إلى التقيُّد ببعض الاعتبارات القرابية: "...إنّ مجرد حملك نفس اسم شخص آخر، يخلق بينكما نوعا من القرابة التِّي تبقى حدودها غامضة، ولكنها أكيدة. تستطيع حتّى أن تُحدث حظرا على الزواج. وهي معروفة عند كلِّ المجتمعات المسيحية البلقانية، حتّى وإن كانت نادرا ما تذكر"[94]

  • عندما كان اللقب اسما شخصيا في الفضاء الجزائري!:

لقد بيّنت آنا بارزيمي (Anna Parzymie) امتلاك أسماء الجزائريين[95] في نهاية القرن VII وحتّى القرن XIX نفس مركبات وطول الاسم العربي الكلاسيكي[96]، كما لاحظت إيزابل غرونغود (Isabelle Grangaud) أنّ الهويات التسموية (identités nominales) المُشكلة في الوسط القسنطيني، إنّما " نُسخت في مجملها من «الإسم العربي ـ Nom arabe» كالذي عرّفت جاكلين سيبلي (Jaqueline Sublet) نماذج بِنائه ومعانيه"[97] بمعنى أنها مُشَّكلة من النسب (La généalogie)، النِسبة(nom de relation) ، اللقب والكنية (La kuniya) ذلك العنصر الذي ترى أنّه " بخلاف غيره، غير مُستعمل في مُدونة (Le corpus) القسنطينيين "[98] .

وقد ركّزت المُؤلفة على الأهمية التّي تكتسيها تلك الأسماء "هذه الأسماء (noms) تُعطينا الفرصة النظرية لقراءتها كمجموع (ensemble) عناصر تخبرنا بصفة جيِّدة ومُستنضبة عن الأصل العائلي لدرجة تبدو معها كسير ذاتية (biographies) حقيقية"[99]

كما أشــارت إلى تــأثير هذا النموذج للبناء الأنوماستيكي على الهويات (modèle de construction onomastique sur les identités) ، حيث قالت بعدم تطابقها في تصريحات الوفيات والمواليد أو في الشهادات لـ"درجة أنّ نفس الشخص يُمكن أن يظهر تحت عدّة «هويات» ضاربةً لنا مثالا عن ذلك بخيّاط، تقدّم للشهادة خمس مرات لمؤازرة مصرِّحين مختلفين لم تتضح لها طبيعة الروابط التي تربطهُ بكلِّ واحد منهم "...عَمِل على تقديم نفسه كلّ مرة تحت هوية مختلفة. لقد وجدناه تحت اسم «محمد الطاهر» أو «سي الطاهر»، مع ذكر لنشاطه المهني في الحالتين، لكن أيضا تحت هوية «سي محمد الطاهر السڤني»، «محمد الطاهر السڤني الخياط»، وأخيرا «سي الطاهر بن محمد السڤني» "[100]. وإذا كانت المؤلفة قد صرّحت بجهلها للسبب الذي حفّز الرجل على تسبيق أحد وُجيهات (facettes) هُويته عن الآخر، فقد اعتبرت كلّ واحدة منها بمثابة «اسم كامل لوحده»؛ وأنّ الرجل قد أراد من كلِّ العناصر التي استخدمها أن يقول بأنّ محمد هو اسمه (un nom-ism) واسم أبيه أيضا (بن محمد)، وبأنّ الطاهر هي كنية يستعملها أيضا كاسم  (nom)، وبأنّ السڤني هو اسم نِسبة (nom de relation) يكشف عن أصل عائلته الجغرافي والقبلي. وبأنّ الخيّاط هي مهنته، وفي سي «سيدي» تعبير عن اعتراف ببعض التوقير الاجتماعي الذي يسمح بتأهيله.

بتأمل بسيط في النماذج التسموية التي عرضتها علينا بارزيمي (Parzymie) وغروغود (Grangaud) تتضح لنا: المكانة الأساسية التِّي احتلها الاسم الشخصي في تكوين الهوية الأنوماستيكية[101] الجزائرية في ذلك الوقت (خمس أسماء شخصية ونسبتين، إضافة إلى اللفظين "أبو" و"ابن". وعليه يمكننا القول "أنّ النظام الأنثروبونيمي الجزائري لم يكن نظاما عائليا ولا حتى لقبيا، فهو لم يكن ضاما لجميع أفراد العائلة تحت اسم واحد ولا حتّى مُورثا من جيل إلى جيل آخر، فالابن لم يكن يحمل من التراكمات التسموية لأسلافه سوى أسمائهم الشخصية prénoms والتِّي كانت مُرتكز النظام التسموي التقليدي"[102]

لم يناسب النظام التسموي الجزائري السياسة الإدماجية الفرنسية خاصة على الصعيد الإداري حيث "اصطدمت الإدارة الفرنسية بنظام أنثروبونيمي مختلف كليا عن نظامها، لم تفهمه ولا حتّى حاولت فهمه. لم يروا إلاّ فوضى..."[103]، فسعت إلى مسخ الهوية الأنوماستيكية الجزائرية بما يُوافق نظمها الأنثروبونيمية الخاصّة، مُعتقدة أنّ "العقبة الكبيرة لتسمية الأشخاص تظهر في الغياب المتواتر للاسم العائلي".[104]

وقد انتهجت الإدارة الاستعمارية لفرض نظامها الأنثروبونيمي الخاص مرحلتين قانونيتين:

- قانون 23 جويلية 1873: المُنظم للملكية الفردية في الجزائر والذي نصّ بنده السابع عشر على ضرورة إلحاق اسم العائلة (nom de famille) بالأسماء الشخصية (prénoms) أو الكنيات لكلِّ مصرِّح بملكية [105].

- قانون 23 مارس 1882: الناص على تأسيس الحالة المدنية للأهالي المسلمين الجزائريين[106] من خلال إجبارية استعمال الاسم العائلي؛ حيث اقتضى بنده السادس[107] بإجبارية بطاقة الهوية (carte d'identité) ، كما اقتضى بنده الخامس[108] على أن يُسند اختيار الاسم الباترونيمي إلى ربِّ العائلة، كما تضّمن بنده الرابع عشر على أن "يكون لكلِّ فرد ليس لديه سلف ذَكَر ضمن خط نسبه الأبوسي، ولا عم ولا حتىّ أخ أكبر، الحق في اختيار اسم عائلي"[109]. لكن هل ضَمن التطبيق الفرنسي للقانون فعلاً حرية شخصية (آمنة) أساسُهَا معرفة صحيحة لصيغة القانون وأهدافه ؟!، خاصة ونحن نعلم أنّ السياسة الاستعمارية قد سعت بكلِّ قوتها إلى تحطيم البنية الثقافية للشعب الجزائري ومحاربة كلِّ مظهر من مظاهر هُويته الجزائرية المستقلة ومن بين أوجه محاربتها تلك نذكر:

سياسة طمس المقومات الثقافية عن طريق إحراق الكتب والمؤلفات وإلغاء بعض الأدوار التعليمية التي كانت تمارسها بعض المؤسسات الدينية كالمساجد والزوايا، ففي حين حوّلت دور الأولى إلى مجرد أماكن للعبادة يُشرف عليها رجال دين خاضعين لأوامر إدارتها، حوّلت الثانية إلى فضاءات لنشر الخرافات. هذا فضلا عن عملها المستمر على خفض نسبة التعليم بين أفراد الشعب، بغلقها للمدارس وفرضها عقبات أمام الجزائريين الراغبين في تعليم أطفالهم.

السعي إلى القضاء على الأصول العائلية للجزائري من خلال تخريب الوثائق التّي تؤرخ لنسبه العائلي وذلك حتّى تقطع كلّ مرجعية له مع آبائه؛ وبالتاّلي مع أرضه وقد كان "هدف الفرنسيين هو القضاء على الأصول العائلية وقطع آثار الماضي بعد أن ثبت لديهم أن معظم الثورات كانت بإيعاز أو بقيادة الأشراف والمرابطين والأجواد، وكلّ هؤلاء يرجعون في أصولهم إلى أنساب عريقة..."[110]

السعي إلى إضعاف الملكية الجماعية؛ بُغية القضاء على الروح الجماعية والتعاونية لدى أبناء الشعب وبالتّالي تحطيم أسُّس اتِّحاده ومصادر قوته، مما يضمن لها عدم مقاومتهم لمشروعها الإدماجي بفعل القوانين المنظمة والإجراءات المنظمة التي اتخذتها لمحاربة أهم معالم الهوية الثقافية للجزائري: كقانون الملكية الفردية و قانون الحالة المدنية.

فرنسة المحيط بمنحها أسماء جنرالاتها ورجالاتها لمختلف الفضاءات الجزائرية من مدارس وشوارع وحتّى منازل؛ ولنا في فيلا »عبد اللطيف« خير مثال على ذلك، فالفيلا كانت "تنسب كما هو واضح من الإسم، إلى عائلة عبد اللطيف التي اشتهرت في القرن الثامن عشر بالثروة والجاه والسياسة والأدب. وكان من هذه العائلة وزراء وقضاة "[111] وقد أراد الفرنسيون " طمس اسمها العربي"[112] فغيّروه إلى فيلا »مديشي الجزائرية«، وفي ذلك دلالة واضحة على نيّة المُستعمر في تجريد الفضاء الجزائري من أسس هُويته الثقافية.

المشروع الإدماجي وأبعاده القيمية في ترتيب تنازلي للثقافات والحضارات، والنظرة الإحتقارية للعربية والعرب والأهالي الذين صنّفتهم على أساس عرقي؛ أظهره ربطها المُتزامن بين صورة العربي وما تُمثِّله بالنسبة إليها الشُحنات الدلالية لبعض الأسماء الشخصية مثل »محمد« و»فاطمة«: فكلُّ عربي هو محمد، وكلّ محمد هو ذلك الراعي الجاهل المسكين الذي يرعى غنم سيِّده؛ وكلّ فاطمة هي تلك الخادمة الجاهلة المغلوبة على أمرها[113].

لكن وعلى الرغم من السياسة التشويهية الفرنسية، إلاَّ أنّه قد تّبقت بعضُ مكانةٍ للاسم الشخصي في النظام الأنثروبونيمي الجزائري (القسنطيني)، "فعلى الرغم من اختفاء بعض المركبات التسموية التِّي كان يدخل في تركيبها كالنسب والكنية، حيث نجده تدّخل في تكوين العديد من أسماء العائلة المُتصدرة بلفظ "بن" وتخصُّ كبار العائلات القسنطينية. وبإمكان المتصفح لسجلات الشجرة النَسَبية العائلية[114] لسنة 1889 بمصلحة الحالة المدنية لقسنطينة إحصاء أكثر من 126 اسماً عائلياً مركباً تركيباً إضافياً (بن + إسم شخصي): بن شريف، بن جلول، بن باديس، بن شعبان، بن خليل... الخ، فضلا عن العديد من الأسماء الشخصية المُفردة: خوجة، محمد، حمادي، بوجمعة، شهر الدين...الخ"[115].

ويرى "فريد بن رمضان" بأنّ السُّلطات الفرنسية قد نجحت في "تجريدنا من الجنسية" من خلال أسماء أعلامنا الشخصية، وذلك بتفكيكها للنسب العائلي الجزائري في حالته المدنية، وهو ما أوْرَثَ الجزائري هُوية أونوماستيكية مُشّوهة خاصّة على صعيد الكتابة أو النسخ الخطِّي "... تنطقُ الهوية الأنوماستيكية الجزائرية (L'identité onomastique algérienne) تاريخياً ولغوياً بماهية مُتفجرة: نفس الذرية مُتضمَنة في أسماء عائلية مُختلفة أو مُجزّأة، في أفضل الحالات في نُسُّوخات خطِّية مختلفة مثلا: Benhocine Belhicine، Belhoucine، Benhoucine، Belhoçine، Belhouçine، Belhoucine "[116].

 كما يضيف بأنّ هذه النُسُوخات الخطِّية الكثيرة وغير الموحدة إنّما تشهد على العنف الرمزي الذي مُورس على الحقل الأونوماستيكي الجزائري من خلال التهديم وإعادة البناء الذي تعرّض له في وقت قياسي مُقارنة بغيره، ففي حين استغرق فرض الاسم العائلي كنمط تسموي في فرنسا أكثر من عشرة قرون، لم يستغرق تنفيذه في الجزائر سوى 13 سنة تقريبا "الكتابة الفرنسية أو المفرنسة، العربية أو المُعرّبة للأسماء الجزائرية في وثائق الحالة المدنية، كما في الوثائق القضائية، الحسابية، الضرائبية، المسحية... الشكل الحالي لكتابة أسماء الأعلام الجزائرية الموجود في الوثائق الرسمية، هو امتداد للتسيير الاستعماري للهوية الأنوماستيكية الجزائرية..."[117]

كما يرى عبد الله بوخلخال[118] بأنّ أسماء الجزائريين وألقابهم وأنسابهم بعد أن كانت تحمل قيما حضارية وتاريخية وثقافية ودينية واجتماعية وإنسانية وفق نظام مُتميِّز نظيف، قد تحولت إلى معجم لـ:

  • الحيوانات والطيور الأليفة والمتوحشة مفردة وجمعا وما تعلق بها من أدوات.
  • الأدوات الفلاحية والحرفية وغيرها.
  • النباتات والبقول والحبوب بأشكالها وأنواعها.
  • الحرف والمهن المختلفة.
  • العيوب والعاهات والجسدية والأمراض والفضلات والروائح الكريهة.
  • أعضاء جسم الإنسان الخارجية والداخلية.
  • المأكولات والمشروبات.
  • الألوان المختلفة.

وعليه نخلص إلى أنّ السُلطات الاستعمارية قد نجحت فعلا في زحزحة المكانة المحورية للاسم الشخصي ضمن النظام الأنثروبونيمي الجزائري بطمسها لأهم ملامح الهوية الأنوماستيكية الجزائرية القديمة؛ ومن خلال القطيعة التِّي أحدثتها مع الأنماط التسموية التقليدية الجزائرية. كما ساعدتها السلطات الجزائرية فيما بعد بسياسة اللامبالاة أو التخاذل التِّي اتخذتها لمعالجة الموضوع أو التعامل معه...

لكن بعيدا عن كلِّ ما يمكن أن تكون قد أحدثته السلطات الفرنسية أو حتّى الجزائرية بعدها من تخلخل في هيكلة هُويتنا الأونوماستيكية، تضعنا الأنماط الجديدة للتسمية التِّي اعتمدها القسنطينيون مؤخرا أمام مشهد أونوماستيكي جديد، يُجسِّده انبعاث لهوية أونوماستيكية حديثة أو مُغايرة لتلك التِّي سادت قبلها، هُويةٌ تكاد تزول فيها أهم مُقومات الاسم الجزائري (القسنطيني) الذي يتجلى لنا أحيانا نُسخة في تركيبه عن نظيره العربي (المشرقي)، وفي أحايين أخرى صورة عن مُقابله الغربي....

IV- الاسم الشخصي، شاهد عيان؟!:

تعكس التسمية باعتبارها منتوجا اجتماعيا بعض الأبعاد الاجتماعية التِّي تُحرك حياة المجتمع، حيث تظهر النماذج التسموية لكلِّ حضارة خُصوصياتها وقيّمها الاجتماعية تماما كما تُجسد أنماطها الثقافية (Patterns Culturels) وأعرافها وطقوسها وتقاليدها التِّي تنفرد بها عن غيرها؛ فالأسماء تعكس "صورة الزمان والمكان والتكوين الاجتماعي والثقافي والمنظور العقلي"[119]، كما تُظهر الأسماء "أبعاد الثقافة والحضارة، وتصبغها بصبغتها، وتطبعها بطابعها"[120]

إذا كانت ولادة الطفل تُعتبر من أهم الطقوس الانتقالية(Les Rites de passages)   التِّي تنقلهُ إلى عالم الأحياء أو الموجودات، فإنّ التسمية تُعدُّ من أهم الممارسات الاجتماعية التِّي تُؤهلهُ وتُكسبُ وجوده صفة الإنسانية التِّي تسقط عنه بانعدامها "فلكي تكون موضوعا داخل العالم الإنساني يجب أن يكون لك اسم"[121] وإلاَّ أصبحت مُرادفا لـ» اللاَّتعيين« أو »اللاَّوجه«، ذلك أنّ الاسم هو "المُقابل الحسِّي للوجه تماما كما أنّ الوجه هو المُقابل اللغوي للاسم"[122]

تُؤمِّن التسمية للفرد أولى خطوات تنشئته الاجتماعية وبناء هويته، وعلى هذا فإنّ الاسم الشخصي يُوفر أكثر عناصر المنظومة التسموية بداهة، كما يُدخل الإنسان ضمن النظام الرمزي والاثني والأنثروبولوجي والثقافي والهُوياتي لفضائه الاجتماعي.

يقودنا اختلاف النماذج الثقافية المتواجدة داخل نفس المجتمع ليس فقط إلى طرح إشكالية ثقافية المجتمع، وإنّما إلى إعادة النظر في واقع الرهانات الثقافية والاجتماعية التِّي تبني الحقل الرمزي في الفضاء السوسيولوجي لذلك المجتمع، وفي مسألة الانتماء الثقافي لأهله (التراث الإجتماعي والثقافي المشترك)؛ ذلك أنّ الاختلاف وصل إلى التضاد في بعض الأحيان وكأنّ أفراد المجتمع الواحد قد تلقو عدّة أنماط ثقافية مُتباينة المرجعيات، فالفرد الجزائري الذي أثبت رفضه لمختلف مُحاولات المُستعمر لطمس هويته الجزائرية بتمسكٍ أكبر بالثقافة العربية الإسلامية، ورفضٍ قاطع لكلِّ شائبة دخيلة عليها سنوات الاستعمار وفجر الاستقلال الوطني؛ حيث ارتأى فيها أهم مُقومات هُويته الجزائرية؛ وجد نفسه مذ أواخر الثمانينيات أمام العديد من الوضعيات الصراعية التِّي استوجب عليه تسويتها. ولبلوغ ذلك برزت نَزعات أسَّست لانشطار الذات الوطنية الواحدة إلى عدّة ذوات مُتصارعة فيما بينها بعد أن شكّلت على مرِّ الزمن الخصوصية الإثنية للمجتمع الجزائري الذي عرفت إنسجامه "منذ سنة 1988 شرخا خطيرا، وفعلا تدميريا مس جميع أسس مكونات الذات الجزائرية "[123].

ظهر صراع السيادة بين الأنماط الثقافية المحلية والأنماط الوافدة الجديدة على عدّة أصعدة، وقد شكّل هاجس الاختيارات الدلالية إحداها؛ ففي حين ترجم البعض رفضهم للنماذج الثقافية الغربية على هُويتهم الوطنية بتمسك أكبر بالعادات والتقاليد، تماثل البعض الآخر معها وحاكاها.

وعليه عرفت قائمة الاختيارات التسموية تنوعا دلاليا كبيرا في السنوات الأخيرة مقارنة مع بدايات القرن الـ 19. أولى الملاحظات الممكن استخلاصها هو عدم استجابة الرصيد (المخزون) التسموي القديم للمتطلبات التسموية الجديدة....

      فقسنطينة مثلها مثل كلّ شبر في الأراضي الجزائرية، قد عاشت الاستعمار الفرنسي وحملته الشرسة لتشويه الهوية الثقافية والأونوماستيكية لأهلها، كما عاشت فترة الأزمة الوطنية بكلِّ تداعياتها، وواكبت الانفتاح على الثقافات الأخرى بكلِّ ما عرضه من نماذج للمُحاكاة حيث شكَّل الآخر صورة تقمصية سعى القسنطيني إلى التماثل معها ومُحاكاتها في العديد من نماذجها.

  • فترة الاستعمار، عندما تعكس الأسماء الانتماء؟!:

لم يخف على المستعمر الفرنسي الأهمية الكبيرة التِّي تكتسيها دلالات الأسماء المواقعية والشخصية، في شحن القومية الوطنية وبلورة الهوية الثقافية للشعب الجزائري، فهي بما تحمله من دلالات تلعب دورا نوعيا في التعبير عن القيَّم الإجتماعية والمُقدَّسات الدينية للشخصية الجزائرية، لذلك فقد قام بحملة تشويهية واسعة على معالم الهوية الأنوماستيكية الجزائرية بدءاً بتغييره أسماء المواقع بأخرى تتناسب ومرجعياته الدلالية الخاصة حيث شنّ "... حربا على كلِّ ما له صلة بالتراث الوطني، وحتّى أسماء الشوارع والمدن حوّلها إلى أسماء علماء وأدباء وفلاسفة وضباط فرنسيين"[124] ومُروراً بوضعه قوانين تُكيِّف الحالة المدنية للجزائريين حسب نموذجه الخاص، ووُصولاً إلى قيامه بحملة واسعة ضدّ الهوية الأونوماستيكية للجزائريين استهدفت تحقيرا دلاليا لأهم صورها الرمزية، وما في عبارة«Tous les arabes s'appellent  Mohamed» ، والتِّي طالما ردّدها الضباط الفرنسيون إلاَّ تعبيرا عن ضيق شديد من نجاح هذا الاسم/الرمز[125] كمقدس ديني في جمع الجزائريين حول قيمة دلالية واحدة وهو ما لم يتناسب والأطماع الإحتلالية والنزوات التدميرية للمحتل الفرنسي.

وقد بيّن الفرز الإحصائي لمدونة البحث بالنسبة لسنوات الاحتلال الفرنسي (1901، 1926، 1951)، انطباع الممارسات التسموية في الفضاء القسنطيني آنذاك بحضور قوي للدلالة الدينية الصريحة في إطلاق التسميات، وهو ما أكّد نجاح الاسم الشخصي في التعبير عن الانتماء الثقافي للهُوية الجزائرية التِّي ميّزها طابع تراثها الإسلامي العربي، حيث كشفت الكثافة الكبيرة لتواتر الأسماء التي ضمّها هذا السجل ـ عند الإناث والذكور على حد سواء ـ عن التفاف حول الثقافة الإسلامية؛ في اتجاه عام ومُشترك تقاسمه جميع أفراد مجتمع البحث ليؤكدوا من خلاله مرجعيتهم الدينية وتمسُّكهم بأهم ملامح هويتهم الثقافية والأونوماستيكية.

الاستقلال، النصر خلدته الأسماء الأنثوية!:

يرى أمين خان(Amin Khan)  أنَّ الاحتلال الفرنسي للجزائر )1830-1962( قد نجح في أن يُورِّث الجزائريين حقلا ثقافيا مُنشطرا بعمق على الصعيد السياسي، يُعاني من عقم دينامي سبَّبته التصَّدعات الثقافية واللُّغوية التي أُحدثت به، تماما كما نجح في أشكلة هوية الشعب الجزائري بعنف مُنقطع النظير" لن نستطيع أبدا الإفصاح بما يكفي عن العنف الأصلي للإحتلال الفرنسي، الذي شكَّل منذ وصوله مشروعا لنفي الهوية الثقافية للمجتمع الجزائري"[126] لذلك فقد عبّر الجزائري عن استقلاله بفرح كبير، ضمّنه دلائل أسماء بناته خاصة اللائي استطعن أن يُخلِّدن حدث الاستقلال الوطني من خلال معان عُبِّئت بالكثير من دلائل النصر وبشائر الحرية، ومن أمثلة تلك الأسماء نذكر «حورية»، «نصيرة»، «نصرة» و«فتيحة» الذي قدرنا أن يكون معناه أنّ الله قد فتح علينا بنصر مُبين[127]، وعليه يتأكد لنا أننا لا نستطيع ـ أبداـ التسمية دون خلفية دافعة فأسماؤنا »مرآة عاكسة« للأحداث التاريخية، الوطنية، اليومية والشخصية المُعاشة من طرف المجتمع وفي المجتمع، و»هوية شخصية ثقافية« يُكسبها أهلنا لجسدنا لحظة ميلادنا؛ أو كما يُصرِّح بروندال (Brondal) فإنّ : "كلُّ واحد يُجهر باختياره عن طابع اهتمامه وحدود أفقه"[128]

أواخر الثمانينيات، رهان المحافظة والانفتاح:

عرفت الجزائر بدءا من أواخر الثمانينيات منزلقا اجتماعيا خطيرا، وأزمة حادة في هويتها الاجتماعية والوطنية وجدت معها نفسها أمام العديد من الوضعيات الصراعية التِّي استوجبت على أهل القرار فيها تسويتها من أجل إعادة التوازن النفسي والإجتماعي للبلاد.

وقد شهدت الأوضاع في البلاد ذلك التفاقم الخطير نتيجة تراكمات من الأخطاء لساسة وضعوا مشروعا للدولة الجزائرية مُستورد البرامج، وحاولوا فرضه على الشعب الجزائري دونما أدنى تهيئة فكرية أو ثقافية أو سياسية على جميع أصعدة الحياة الإجتماعية والإقتصادية وحتّى التربوية (لقد استوردوا برامج تربوية وطبقوها على أبنائهم دونما أدنى دراسة). نتيجة لذلك عانت جميع قطاعات الحياة من تدهور مس جلَّ نواحيها...

انعكس الأمر على الجانب الاجتماعي لحياة السكان بما يشبه الكارثة..... في مُقابل فساد كبير وتبذيرٍ للأموال العامة..... لقد هُمِّش شعب بأكمله لصالح فئات معينة استنزفت ثرواته واستغلّت معاناته.

حتّى تتدارك الدولة الوضع إرتأت الخيار الديمقراطي مُنفتحة على التعديدية الحزبية، كما انفتحت أيضا على التعددية اللُّغوية "الانفتاح على التعددية مسَّ أيضا ميدان الإتصال حيث شاهدنا ولادة العديد من الجرائد الأمازيغية" [129]

حمل كلّ حزب سياسي إيديولوجيته المُضادة للأحزاب الأخرى، وهو ما زاد في إنشطار الذات الوطنية الواحدة إلى عدّة ذوات متصارعة فيما بينها؛ لقد برز على الساحة المعربين، الفرونكفونيين الأمازيغيين والمحافظين الإسلاميين واللائكيين من أنصار الحداثة ومظاهرها، بعبارة أخرى لقد أصبح المجتمع الجزائري "يُعاني من عدائي مجاني بين ذوات كانت تمثل مكونا موحدا لوجدانه وضميره الجمعي. هذا العداء أخذ الطابع العنيف بين فئات اجتماعية كانت لوقت قريب تبدوا منسجمة عقائديا   وثقافيا" [130]

انعكست أفكار وإيديولوجيات كلّ حزب في مُمارسات وسلوكات مُؤيديه، فانشطرت الساحة الثقافية الجزائرية إلى حلبة للصراع بين ذوات متباينة المرجعيات الإيديولوجية، رأت كل واحدة منها في وجود الأخرى تهديدا لوجودها وضربا لمصالحها. ويرى الزبير عروس أنّ أولى ضحايا هذا التناقض بين ذوات محلية شكلت تاريخيا وثقافيا الذات الجزائرية كانت "إنسجامية المجتمع التي عرفت منذ سنة 1988 شرخا خطيرا، وفعلا تدميريا مس جميع مكونات الذات الجزائرية "[131]

ولاْنَّ الفعل الانتقائي للاسم ذو صبغة ثقافية ـ اجتماعية، فلقد شحن الجزائريون أسماء أبنائهم بمختلف دلالات انتماءاتهم الإيديولوجية، فظهر على الساحة أسماء عُبِّئت بحمولات دلالية مختلفة، منها ما عبّر عن تمسك بلإرث التسموي القديم، ومنها ما عبّر عن سخط ممزوج بسخرية مبالغ فيها أحيانا عن وضع قائم؛ كالجزائري[132] الذي أسمى ابنته »شمعة« تيَّمنا بالشمعة التي لجأت إليها القابلة أثناء عملية الوضع حين انقطع التيار الكهربائي، ومنها ما عبّر عن موقف سياسي مُحدد كالتسمية بالاسم الشخصي للرئيس العراقي »صدام حسين« أو باسمه ولقبه فترة حرب الخليج للتأكيد على موقف مؤيد ومناصر لسياسته، ومنها ما عبّر عن انتماء اثني جسّده انبعاث التسمية بالأسماء الأمازيغية أو التركيز على خصوصية نطقية محلية خلال القيام بفعل التسمية (الأسماء ذات السكون في قسنطينة)، ومنها ما بالغ في تعبيره عن تأييده لحزب سياسي معيّن بأن استعار من اسم الحزب لتسمية ابنه[133]، ومنها ما أكّد على انتمائه العقائدي بابتكاره لأسماء تحمل نفس الشحنات التعبيرية لما هو مألوف من الأسماء ذات الإيحاء الديني الصريح، ولكن تحت أشكال مُغايرة ارتأى أصحابها (مُطلقوها) في دلالاتها أبلغ تعبير عن انتمائهم الديني، ومنها ما عبّر عن نزعة تطوُّرية خالصة كالأسماء ذات المرجعية الأجنبية والرّنة الغربية أو ما اصطلح عليه أغلب المبحوثين "أسماء تاع وقتنا هذا، تاع العصر". وهنا يمكننا أن نفتح قوسا لنُشير من خلاله إلى أنّ القسنطينين وعلى غرار كلّ الجزائريين قد تأثروا من خلال عملية تثاقفية عميقة بالنماذج التِّي قدمتها الثقافات الأخرى بفعل احتكاك مُباشر أو غير مُباشر معها.

ولقد شُخِّص اختيار الأسماء التي عُبِّئت بإيحاءات دينية بالفضاء القسنطيني في نمطين: نمط أول ذو دلالة صريحة ميّزته أسماء آل البيت وأسماء الأنبياء، والرسل، وأبنائهم، وزوجاتهم، وأسماء تعبيدٍ للذكور رُكِّز في اختيار شقِّها الثاني على كلِّ ما فيه رجاء أو حمد من الأسماء الحسنى... و نمط ثان دلالته ضمنية غالبا ما أتى التعبير عنها بصفة خفية غير صريحة، اقتضت بتسمية الأبناء بما ورد ذكره في القرآن الكريم من ألفاظ التنزيل وما سُّميت به الجنّة وأنهارها وأبوابها، إضافة إلى أسماء بعض السور، وبعض المناسك الدينية.

وعليه فقد تضّمن هذا السِّجل الدلالي العديد من التوظيفات التسموية الجديدة والتٍّي لم يسبق لها الظهور في التاريخ الإسلامي كتوظيف اسم هذا الدين في تسمية الذكور، وتوظيف بعض الأسماء الحسنى التِّي ظلّ استعمالها لوقت طويل من الزمن حكرا على أسماء الذكور في تسمية الإناث كمركب إضافي ثاني في الاسم يأتي بعد لفظ «عبد» الذي عُوض في الأسماء الأنثوية بصفة مفردة، أو بصفة مسبوقة باسم…

لقد أسهم الانفتاح على الثقافات الأخرى من خلال حركة الهجرة نحو الخارج أولا، ومن خلال انتشار استعمال الهوائيات المُقّعرة أو الفضائيات، في جميع أوساط المجتمع كوسيلة إعلامية بالغة التأثير ثانيا، في استدخال العديد من الأنساق التسموية الجديدة، التِّي بدت دلالاتها غير مُتلائمة والخصوصية الإجتماعية والثقافية للوسط القسنطيني حينا، وغير واضحة المعالم الدلالية حينا آخر منها أسماء لأبطال مسلسلات مصرية، سورية، مدبلجة (مكسيكية أو برازيلية). لم تترجم تلك الأسماء رغبة شديدة في مُحاكاة نُظُم عيش الآخر فقط وإنما عكست انتشارا ثقافيا لعب فيه الفرد الجزائري دور المتلقي الذي يتأثر ولا يؤثر؛ بعد أن استطاع في وقت حُوصرت فيه هويته الاجتماعية وشُوهت معالم ثقافته وأعلامها على نحو مُخطط ومدروس، أن يُصدِّر اسم بطلته الثائرة جميلة (بوحيرد) إلى كلِّ البلاد العربية، بشكل صار معه مجرد ذكر الاسم سببا في استدعاء بطولات ومفاخر الثورة الجزائرية.

خلاصة:

لقد اشتمل التشكُّل التاريخي للمنظومة التسموية في مختلف المجتمعات على عناصر نفسية ومخيالية وإثنية لم تُسهم في بلورة تشكيلة خاصّة بكلِّ جيل فحسب بل وحتّى في نسج مخيال تسموي شعبي خاص مُعتمد على المخزون التراثي للفضاء المعيش، ومشحون بالعديد من الدلالات التِّي تشهد على أنّ وظيفة الاسم قد تعدّت الجانب التعريفي إلى آخر تعبيري ترجم الأحاسيس ونُظُم التفكير والمعتقدات ومختلف الإيحاءات والأحداث التِّي وجهت فعل التسمية عبر الزمان وفي المكان.

إنّ التسمية ظاهرة معقدة ومتشابكة، تستدعي من الباحث نظرة شمولية (لا إقصائية) حتّى يتوصل إلى فكِّ رموزها وتفسير مُسبباتها، ذلك أنّ النظر إليها من زاوية واحدة سيقصي العديد من العوامل المساهمة الأخرى وسيحصر التفسير في نطاق ضيِّق؛ فالتسمية نتاج لتظافر العديد من العوامل: لغوية: نحن لا نسمي إلاّ بحروف لغة مجتمعنا، أي أنّ أسماءنا لا تنتمي في الغالب إلاّ للسان آبائنا (أو مُطلقيها)، تاريخية: للاسم مسار تاريخي مليء بالتحولات التِّي تشهد على الأحداث المختلفة عبر الزمان وفي المكان، نفسية-اجتماعية: ما الاسم إلاّ شكل من أشكال إحداث بصمات ذاتية ومجتمعية في شخص المُسَّمى، تشهد على الحدث والاعتقاد السائد وتُعبِّر عن الثقافة المحلية الموروثة والهُوية الجمعية المشتركة...

لا يمكن تقديم تفسير دقيق للظاهرة التسموية إلاّ بمزج بين كلِّ تلك العوامل، ولعلّ في التفسير الأنثروبولوجي ربطا بين مختلف العوامل النفسية، الاجتماعية، اللّغوية، التاريخية... فأحيانا تستجيب الممارسات التسموية لظروف سوسيولوجية أو تاريخية أو ثقافية أو تراثية مشتركة بين أفراد المجتمع الواحد، وأحيانا نستجيب لظروف نفسية أو ذاتية خاصة. وهو ما يؤكد أنّه لا يمكننا الاكتفاء بعامل واحد فقط لتحديد نوع السجل الدلالي لبعض التوجهات التسموية في قسنطينة.

لم يسمح الاسم بوصفه فعلا اجتماعيا ـ ثقافيا بتخطِّي الفرد أولى خطوات جتمعته أو تنشئته الاجتماعية ـ فحسب، بل شكّل أيضا مرآة عاكسة للمخيال التسموي الشعبي للفضاء السوسيولوجي الذي ينتمي إليه صاحب الاسم أو من مارس فعل التسمية. ولقد أسفرت المُقابلات والمحادثات التِّي قمنا بها حول الفاعلين في عملية اختيار الاسم في الفضاء القسنطيني عن تضافر عدّة عوامل في توجيه عملية انتقاء الاسم، وبالتالي في التأثير على نسج أهم ملامح المخيال التسموي للقسنطينين؛ من تلك العوامل ما ارتبط بالهوية الثقافية للمُسَّمِي (أو من مارس فعل التسمية)، ومنها ما جاء مُرتبطا بتداعيات الظرف السياسي المُتزامن وظهور الاسم، ومنها أيضا ما ارتبط بميزات العُرف التسموي السائد في مجال جغرافي دون آخر، كما أكّدت لنا نتائج التصنيفات الدلالية التّي أسفر عنها التحليل الإحصائي والدلالي لمدونة البحث هذه النتائج.

من المفروض أن ينطبع المخيال التسموي لأفراد ينتمون إلى نفس الفضاء بمميِّزات مشتركة، لكن ذلك لا يُلغي الخصوصية الذاتية لكلِّ فرد (مسِّمي)، فكما أنّ هناك رصيدا تسمويا خاصا بكلِّ مجتمع تتحدد سماته العامة من خلال الميزات الثقافية والسوسيولوجية والهوياتية والنفسية الخاصة به، وتتميّز حتّى عن تلك التِّي تخصّ بعضا ممن يتقاسم معهم بعض الخُصوصيات المُشتركة (المجتمعات العربية الإسلامية)، فانّ هناك بعض الأسماء التِّي تنفرد بالظهور لدى فئة (جماعة) دون غيرها حتّى داخل المجتمع الواحد (الجزائر) بفعل تأثير: الأصل الجغرافي، الفضاء المعيش، الخُصوصية اللُّغوية، الجانب التاريخي، الهيكلة الاجتماعية...

وحتّى داخل الجماعة الواحدة يُمكننا تسجيل الاختلاف الذي يُمكن أن يُوجهه: نوعية المحيط المعيش، المستوى الثقافي والسوسيولوجي، الانتماء الجغرافي، المنحدر الاجتماعي، التمثّلات الذهنية، الجماعة المرجعية...

وقد ثبت لنا مُساهمة العوامل الاجتماعية ـ التاريخية في هيكلة مُتماثلةٍ للهُوية الأنوماستيكية، من خلال بعض الأسماء المُعبأة بالدلالات الوطنية والتاريخية والتِّي نجحت في أن تؤكد للآخر (الاستعمار الفرنسي) مدى اختلافها عنه ورفضها له.

كما انكشف لنا أيضا نجاح النماذج التسموية الجديدة التِّي اعتمدها الفعل التسموي داخل الفضاء القسنطيني ـ بالنسبة لمدونة بحثنا ـ مع بداية التسعينيات استجابة لما أحدثه انتشار استعمال الهوائيات المقعرة؛ في أن تعكس خطابا دلاليا خاصا وهاجساً فرديا لرسم الاختلاف وتسجيل التميُّز والابتكار؛ كاد أن يُشكّل فيه كلُّ اسم وِحدة دلالية مكثفة، مع بداية القرن الواحد والعشرين الذي صحبه تحوُّل كبير على الصعيد المورفولوجي والدلالي للأسماء في الفضاء القسنطيني؛ وعليه يتأكد لنا أننا لا نحمل في الواقع إلاّ اسما اختير لنا سلفا من قبل آخرين معبء دوما برغباتهم وإسقاطاتهم.

من كلِّ ما سبق نستطيع القول بتحكُّم الوُصلة الثلاثية [فضاء اجتماعي- تراث محلي- هوية ثقافية] في تحديد أهم ملامح المخيال التسموي في الفضاء القسنطيني، وعليه يُمكننا أن نختم بالتأكيد على أنّ فعل التسمية قد أصبح يكتسي أهمية بالغة في ذلك الفضاء، فبعد أن كان الاسم مُلتزما بحدود الفضاء الذي أنتجه، فهو مُقيّد لا يُمكنه التحرك وتخطِّي حدود فضائه، وإن تمّ له ذلك تمَّ له ببطئ؛ أضحى الاسم شاهد عيان عن واقع اجتماعي ورسالة تبليغية يُراد من خلالها تسجيل الاختلاف أو إبراز موقف معيّن أو الإشارة إلى خصوصية ثقافية أو لغوية مُحددة أو الإعلان عن ذوق خاص، أو أداة للتحبُبِ والتقرب والتدليل، ووسيلة لتسمية المحلات والدكاكين[134] والمكتبات[135] والشوارع والأماكن، ودليلا على الاندماج[136] واثبات الانتماء إلى ثقافة الفضاء المُسْتَكْنَى؛ حيث أوضح عالم الاجتماع «فيليب بينار» والخبير الديموغرافي «غي ديبلانك»، واضعا طبعة كتاب مراتب الأسماء لعام 2003، أنّ اختيار أسماء مثل «راين» و«يانيس» و«اينيس» في مقابل تراجع للأسماء الإسلامية للمواليد في فرنسا هو نتيجة اختلاط السكان، ودليل قوي على اندماج الأجيال الجديدة من المهاجرين.

وفي الأخير لا يسعنا إلاّ التأكيد على أنّ هذا المقال لم يكن إلاّ محاولة منا للكشف عن أهم الدلالات المُتحكمة في المخيال التسموي للقسنطينيين، في اتجاهٍ لإعادة قراءة جانب من موروثهم الحضاري، وفي مُحاولة لرصد أهم تفاعلاتهم السوسيولوجية ورهاناتهم الثقافية التي أسهمت في بناء حقلهم الرمزي.

على أن تُسهم النتائج المُتوصل إليها من خلال المقاربة المعتمدة، في فتح آفاق جديدة أمام غيرنا من الباحثين من ذوي الاختصاصات المختلفة، نرجو أن نكون قد أعطينا جانبا من الموضوع حقّه من البحث والتحليل...

المصادر والمراجع:

1 - بالعربية :

الوثائق الأرشيفية :

  • مصلحة الحالة المدنية لبلدية قسنطينة:
  1. سجلات الحالة المدنية للولادات، للسنوات (1901، 1926، 1951، 1962، 1963، 1976، 1988، 1989، 1990، 1991، 1992، 2001 )، مصلحة الحالة المدنية، بلدية قسنطينة.

الكتــب والدراسات:

  1. الألباني. محمد ناصر الدين: » سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيئ من فقهها وفوائدها«، المجلد السادس، القسم الثاني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، 1417ه – 1996م.
  2. البرهان فوري. علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي: » كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال«، صححه ووضع فهارسه ومفتاحه الشيخ صفوة السقا، ج. 16، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1413ـ1993.
  3. بقيوة. عمار: »التشريع الجزائري الحالة المدنية – وثائق السفر- الأسرة - الجنسية«، د.ت.
  4. بوتفنوشنت. مصطفى: «العائلة الجزائرية، التطور والخصائص الحديثة»، ترجمة دمري. أحمد، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1984.
  5. خريوش. حسين يوسف: »التسمية ماهيتها وفلسفتها وخصائصها الدلالية«، عمادة البحث العلمي والدراسات العليا، جامعة اليرموك، 1991.
  6. دياب.فوزيّة: »القيم والعادات الاجتماعية مع بحث ميداني لبعض العادات الإجتماعية«، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1980.
  7. سعد الله. أبو القاسم:»تاريخ الجزائر الثقافي«، الجزء السابع (1830-1954)، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، 1988.
  8. سعد الله. أبو القاسم:»تاريخ الجزائر الثقافي«، الجزء الثامن (1830-1954)، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، 1998.
  1. السعيد يوسف. سوزان: «المعتقدات الشعبية حول الأضرحة اليهودية»، دراسة عن يعقوب أبي حصيرة بمحافظة البحيرة، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، ط. 1، 1997.
  2. بن العنتري. محمد الصالح: »فريدة منيسة في حال دخول الترك بلد قسنطينة واستيلائهم على أوطانها أو تاريخ قسنطينة«، مراجعة وتعليق د. بوعزيز. يحي، ديوان المطبوعات الجامعية، 1991.
  3. فيلالي. عبد العزيز: »مدينة قسنطينة في العصر الوسيط (دراسة سياسية عمرانية ثقافية)«، دار البعث للطباعة والنشر، قسنطينة (الجزائر)، 2002م- 1423هـ.        
  1. القرطبي. أبي عمر يوسف عبد الله بن عبد البرّ النمري: »التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد«، الجزء التاسع، تحقيق سعيد. أحمد أعراب، 1401ه- 1981.

المقالات:

  1. بن مالك. رشيد: «تحليل سيميائي لقصة "عائشة" للكاتب أحمد رضا حوحو»،«مجلة العلوم الإنسانية»، عدد 16 ديسمبر، جامعة منتوري –قسنطينة، 2001، ص. 114
  2. بوخلخال. عبد الله:» الأسماء والألقاب في الجزائر دعوة إلى دراستها دراسة لغوية دلالية وحضارية«، في: »أعمال الموسم الثقافي، مدونة المحاضرات الملقاة عام 2000«، منشورات المجلس الأعلى للغة العربية، الجزائر، 2000.
  3. جباس. هدى: » الأسماء في قسنطينة بين سنتي 1901-2001، معالجة دلالية «، في: » أسماء.. وأسماء الحالة المدنية والأنثروبونيمية في الجزائر«، أيام دراسية، تحت الطبع، مستغانم 18 و 19 مارس 2003.
  4. جباس. هدى: »التسمية في قسنطينة: بين ترسيخ الماضي ومُواكبة الحاضر«، في: «الجزائر: 50 سنة بعد: أمة، مجتمع، ثقافة»، ملتقى علمي انعقد تكريما للمفكر مصطفى الأشرف (مسيرة حياة، أعمال، مرجع)، تحت الطبع، جمعية A.D.R.E.S.S. ومجلة NAQD، المكتبة الوطنية الحامة- الجزائر، أيام 18-19-20 ديسمبر 2004.
  5. سعيدي. محمد:« من أجل تحديد الاطار المعرفي والإجتماعي للمعتقدات والخرافات الشعبية. ظاهرة زيارة الأولياء والأضرحة نموذجا »، مطبوعات مركز الأبحاث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، جوان 1995.
  6. سعيدي. محمد:«"الاسم" دلالته ومرجعيته. مقاربة أنثروبولوجية»، في: « وقائع الملتقى أي مستقبل للأنثروبولوجيا في الجزائر؟»، منسق من: نذير معروف، فوزي&خديجة عادل، منشورات CRASC، تيميمون 22، 23، 24 نوفمبر1999.
  7. طالب الإبراهيمي. خولة: » "أحنا أولاد دزاير انتاع الصح" ملاحظات حول لغة شباب الوادي«، ترجمه عن الفرنسية: عمر بلخير، في:«لغات ومجتمع«، إنسانيات، عدد 17-18، ماي- ديسمبر (مجلد VI، 2-3)، CRASC، 2002.
  8. عروس. الزبير: » الذات الممزقة بين "الأنا" و"الأخر" حول طبيعة الصراع الثقافي في الجزائر«، نقد، العدد الخامس: »ثقافة ونظام تربوي«، شركة النشر والتنشيط العلمي والثقافي، سارل، باب الزوار –الجزائر، أفريل- أوت 1993.
  9. عقون. محسن: «تغيير بناء العائلة الجزائرية»، «مجلة العلوم الإنسانية»، عدد 17 ـ جوان، جامعة منتوري – قسنطينة، 2002.

المذكرات والرسائل:

  1. جباس. هدى: » الاسم: هوية وتراث، مقاربة أنثروبولوجية لدلالة الأسماء في قسنطينة«، مذكرة مقدمة لنيل الماجستير في الأنثروبولوجية الاجتماعية والثقافية، جامعة منتوري-قسنطينة، 2004-2005.

الجرائد:

  1. جريدة الخبر، يومية وطنية، ص.7، الأربعاء 13 جوان 2001.
  2. جريدة » الخبر «، يومية وطنية، مقال: » الأسماء الاسلامية للمواليد تتراجع في فرنسا«، صفحة "أحوال الناس"، ص.14، الأحد 15 سبتمبر 2002.
  3. جريدة »الشروق«، تحقيق: ليلى حفيظ، العدد: 588، من 15 إلى 21 ديسمبر 2003

2 – بالفرنسية:

الوثائق الأرشيفية :

  • مصلحة الحالة المدنية لبلدية قسنطينة:

Registre de l'arbre généalogique de la commune de Constantine, n° 1-2, 1989, APC de Constantine.

  • مصلحة أرشيف ولاية قسنطينة:

1. Bulletin officiel du gouvernement général de l'Algérie, Arrêté ministériel 18 déc.1882, imprimerie de l'association ouvrière, Alger, 1883 :

Lois du 23 mars 1882, T. XXIIe, 22 années, 1882, imprimerie de l'association ouvrière, Alger, 1883.


المعاجم و القواميس:

  1. Encyclopedia Universalis, Corpus 16, « Nation-Orchidales », éditeur à Paris, France, S.A, 1996.

الكتــب والدراسات:

  1. AGERON (Ch-R) : «Les Algériens musulmans et la France (1871-1919)», Tome Premier, Presses Universitaires de France, Alger, 1987
  2. Berrahal . (S), Merdaci .( A): « Constantine itinéraires de culture 1962-2002» Simon, 2003.
  3. Djebar ( A) : «Les impatients», Juilliard, Paris, p.163 1958.
  4. Grangaud (I): « La ville Imprenable, une histoire sociale de Constantine au 18e Siècles », Editions de l'école de Hautes Etudes en Sciences Sociales, Paris, 2002.
  5. Guenoun .(A): « Chronologie du mouvement berbère, Un combat  et des hommes», Casbah Editions, Alger, 1999.
  6. Lévi-Strauss.( C) : «La pensée sauvage», Librairie Plan, 1962.
  7. Saugnieux ( J)l: « Les mots et les livres. Etudes d'histoire culturelle », Presses Universitaires de Lyon, Lyon, 1986.
  8. Zerdoumi, (N) : «L'enfant d'hier (l'éducation de l'enfant en milieu traditionnel algérien)», François Maspero, Paris, 1970.

المقالات:

  1. Benramdane (F), Qui es-tu ? J'ai été dit .De la destruction de la filiation dans l'Etat civil d'Algérie ou éléments d'un onomacide sémantique, p.p. 79-87 in : Insaniyat, Janvier-Avril, CRASC, Oran, 2000.
  2. Khan (A): «Les Intellectuels entre Identité et Modernité», in: EL-Kenz. Ali dir.:«L’Algérie et la Modernité», CODERSIA, DAKAR/Sénégal, 1989.
  3. Merahi (Y): «De l'Inefficacité du Décret N° 81-26 du 07 Mars 81, portant établissement d'un lexique national des personnes. Cas d'espèce : les Jumeaux Belkhiri», in : «Des noms et…des noms Etat civil et anthroponymie en Algérie», 18 et 19 mars 2003, en cours
  4. Parzymie (A): « Anthroponymies algérienne. Noms de familles modernes d'origine turque », éditions scientifiques de Pologne, Varsovie,1985.
  5. Paul-(H): « Soi – même et les autres, quelques exemples balkaniques », in: « L’identité », Séminaire dirigé par Claude Lévi-Strauss, Puf Quadrige, 4e éd., France p. 289, 2000.
  6. Taleb-Ibrahimi. (K): « Entre toponymie et langage, balades dans dans l’Alger plurilingue. Les enseignes des rues de notre ville », in : «Langues  et société, Langue et discours », Insaniyat, N° 17-18, Mai – Décembre (Vol. VI, 2-3), CRASC, 2002.

الهوامش

[1]جباس. هدى: » الأسماء في قسنطينة بين سنتي 1901- 2001، معالجة دلالية «، في: » أسماء.. وأسماء الحالة المدنية والأنثروبونيمية في الجزائر«، أيام دراسية، تحت الطبع، مستغانم 18 و19 مارس 2003، ص. 2

[2] Lévi-Strauss. (C) : «La pensée sauvage»، Librairie Plan، 1962، p. 220

[3] Idem، p.218

[4] Ibid، p.219

[5] ضمّتها مُقاربتين: «تولدية» تضمّنت خمسة أجيال مُتتابعة على مدى قرن من الزمن بما يُوافق خمسا وعشرين سنة لكلّ جيل:1901، 1926، 1951، 1976، 2001. و«تزامنية» خصَّت تواريخ مقصودة ارتأيناها مُؤثرة في نسج التمثُّلات الذهنية للقسنطينيين، وفي توجيه مخيالهم التسموي لمُساهمتها في صُنع التاريخ السوسيو ثقافي للجزائريين ككُل بما حملته من تغيُّرات اجتماعية وإفرازات ثقافية مُختلفة شهدها الفضاءان الجزائري والقسنطينى على حدٍّ سواء: 1962-1963، 1988، 1989، 1990، 1991، 1992.

[6] بقيوة. عمار: »التشريع الجزائري الحالة المدنية – وثائق السفر- الأسرة - الجنسية«، د.ت، ص.35، بتصرف.

[7] ويجوز أن تكون خلاف ذلك بالنسبة للأطفال المولودين بالجزائر من أبوين غير جزائريين أو من أبوين جزائريين غير معتنقين للديانة الإسلامية.

[8] بقيوة. عمار: » نفس المرجع السابق«، ص.35

  [9]نتكلم هنا عن شق الهوية المتعلق بالاسم الشخصي فهو التسمية الوحيدة للهوية الحميمية للشخص، والتِّي افتقدتها الطفلة "س" المولودة سنة 1992، حيث لم تتلقى اسما حتّى آخر أيام تواجدنا بالبلدية، بالرغم من أنّ لضابط الحالة المدنية كلّ الحق في تسمية المولود إن هو لم يسمى بعد عام من ولادته وليس للولدين الحق في الاعتراض....  

[10] تمّ ذلك بتاريخ 6/أوت/2001.

[11] كذا.

[12] تمّ ذلك بتاريخ 6/11/2002.

[13] المُؤرخ في 1 أول جمادى الأولى عام  1401الموافق لـ7 مارس سنة 1981.

[14] أمّا الضباط فقد أفادونا بأن المعجم خاصّتهم قد ضاع وبأنّ وزارة الداخلية لم ترسل لهم معجما آخر منذ 1981، ولسنا ندري ما إذا كان قد قدم طلب رسمي أم لا، فلا أحد يدري عن الأمر شيئا...

[15] عندما طلبنا المزيد من التوضيح، أجابنا بأنه بحكم تعامله الطويل مع الأسماء اكتسب خبرة التفريق بين الاسم الجزائري وغير الجزائري. وقد ضرب لنا الضابط مثالا عن اسم صوفيا على الرغم من أنه اسم متداول في الوسط القسنطيني حيث صادفنا وروده أكثر من مرة في مدونة بحثنا.

[16] ينظر، تحقيق: ليلى حفيظ، جريدة »الشروق«، العدد: 588، من 15 إلى 21 ديسمبر 2003، ص.ص. 12، 13. وقد أوردت المحققة عدّة مآخذ على هذا المعجم منها أنه يضم الكثير من الأسماء المحرّم التسمية بها شرعا كأسماء الله عزّ وجل -غير المسبوقة بلفظ عبد- وكنية الرسول الكريم، والأسماء التي فيها تزكية للنفس... فضلا عن العديد من الأسماء الغريبة وغير المعقولة مثل: بهلول، ماء السماء، ماء العينين، بولقين، رام الله، جار الله، أسد الله....

[17] والتِّي غالبا ما تكون محدودة، وقد سجلنا على مستوى مصلحة الحالة المدنية بقسنطينة رفض أحد الضباط تسجيل اسم «ماسيل» لأنه كان يجهل أنه اسم أمازيغي. 

[18] Merahi.(Y): «De l'inefficacité du Décret N° 81-26 du 07 Mars 81، portant établissement d'un lexique national des personnes. Cas d'espèce : les Jumeaux Belkhiri»، in : «Des noms et…des noms Etat civil et anthroponymie en Algérie»، Edition CRASC، 2005

[19] لم نصادف اسم »رمساس« في مُدونة بحثنا، لكن أحد المستجوبين أخبرنا بأن ابن أخيه قد قيِّد بهذا الاسم بمصلحة الحالة المدنية لبلدية قسنطينة، عن طريق تقديم رشوة للموظف المسؤول، وهنا نطرح سؤالا عن مدى التزام مصالح حالتنا المدنية بتطبيق نص القانون؟!، أو بالحفاظ على أهم ملامح هويتنا الأونوماستيكية...

[20] هذا دون أن نأخذ بعين الاعتبار بعض الأسماء المشينة التي عكست بعض المعتقدات (طلية، مطيش...) أو الأسماء المبتكرة التي كانت الغاية من وراء التسمية بها تسجيل الاختلاف ورسم التميُّز ( من مثل: الاسم الذكروي "زين الصباح " والأسماء الأنثوية "ورق الذهب"، كوكب الصباح"، "جادل غصن البان"......).

[21] قد يكون لبعض هذه الأسماء دلالة بالنسبة للفضاءات التيِّ أنتجتها، لكن الملاحظات والمقابلات التي أجريناها في الفضاء القسنطيني حول الاسم الشخصي وفعل التسمية، قد أثبتت لنا بأنها إما أسماء دخيلة على الموروث الأونوماستيكي القسنطيني (الجزائري)،  أو أسماء ذات دلالة لا تتلاءم والملامح العامة للهوية الثقافية أو القيّم الحضارية للجزائريين (القسنطينين).

[22] حصلنا على هذه القائمة شفاهةً من أحد ضباط الحالة المدنية في أوت 2001، وقد أرجع الضابط سبب رفضه تقييد الأسماء التِّي تضمنتها القائمة إلى عدم ملائمتها لطبيعة المجتمع الجزائري، كما أكّد عدم رجوعه إلى معجم الأسماء في كلِّ حالات الرفض بسبب فقدانه من المصلحة «ما كَايَنْ مَا نْشُوفُوهْ».

[23] حصلنا على هذه القائمة شفاهةً أيضا من ضابط آخر للحالة المدنية في نوفمبر 2002، وقد أرجع سبب رفضه للأسماء التي تضمنتها إلى كونها أسماء دخيلة آتية من ثقافات أخرى غريبة عنا-حسب قوله-كما حمَّل الضابط النساء مسؤولية تواجد هذا النوع من الأسماء في الفضاء القسنطيني! حيث قال بأنّ المصدر الرئيس لتلك الأسماء هو المسلسلات المصرية والمدبلجة، وبأنّ النساء هنّ أكثر المتتبعات لها.

[24] كما قال الموظف برفضه لعدد من الأسماء التِّي كانت متداولة قديما، ومنها اسم «حدّة» الذي رفض تسجيله مرتين، أفهمَ في إحداها الأب بأنّ سبب الرفض هو التأثير السيئ الذي يمكن أن يسببه الاسم على شخص حاملته فيما بعد خاصة ونحن في عام 2002، كما أخبرنا بأنه ترك الحرية في الأخير للأب حتّى يثبت الاسم أو يغيِّره، وباستفسارنا عن قرار النهائي للأب أفادنا بأنه فضَّل التغيير، لكنه نسي الاسم الجديد الذي اعتمده، تماما كما نسي الكثير من الأسماء الأخرى التّي رفض تقييدها، على الرغم من مُحاولاتنا المُتكررة لتنشيط ذاكرته....

[25] غالبا ما يتِّم الأمر يوم السابع (أو السبوع)

[26] وفي حالة ولادة متزامنة لحفيدين ذكرين من ابنين مختلفين فإنّ الابن الأكبر هو الذي يستأثر باسم أبيه لولده كما يستأثر الذكور بأولوية منح اسم أبيهم لأولادهم على أخواتهم الإناث.

[27] أو وحدة من الجداول الطقوسية.

[28] Zerdoumi. (N)، L'enfant d'hier (l'éducation de l'enfant en milieu traditionnel algérien)»، François Maspero، Paris، 1970، p.83

[29] دياب.فوزيّة: »القيم والعادات الاجتماعية مع بحث ميداني لبعض العادات الإجتماعية«، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1980، ص.319

[30] حيث قدِّر العدد الإجمالي للتوائم الذكور والإناث بـ102 توأم، مع العلم أننا لم نأخذ بعين الاعتبار شهادات المواليد الذين وجدنا أمامهم عبارة توأم لكننا لم نجد شهادة توأمهم الثاني؟!

[31] البرهان فوري. علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي: » كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال«، صححه ووضع فهارسه ومفتاحه الشيخ صفوة السقا، ج. 16، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1413ـ1993، ص. 431

[32]  نفس المرجع السابق، ص. 431

[33] نفس المرجع السابق، ص. 431

[34] نفس المرجع السابق، ص. 434

[35]  والتِّي شكّلت المسلسلات المشرقية ( المصرية والسورية)، والمدبلجة المادة الأساس لها.

[36] أُجريت المقابلة مع السيدة التي كانت مُطلقة والتِّي بلغ سن ابنتها آنذاك حوالي الست سنوات، يوم 27/05/2002.

[37] لقد أرادت الأم التأكيد على تفرد اسم ابنتها وذلك من خلال تفريقها بينه وبين اسم ملاك الذي أضحى شائع الاستعمال في الفضاء القسنطيني خلال تلك الفترة سواء في الاستعمال الرسمي أو التداول اليومي كاسم بديل...

[38] حيث أرجعت الموظفة مرجعية اختيارها للاسم إلى زوج جارتها التُركي الأصل...

[39] والعبارة تعني « ...بعد ذلك أصبح الجميع اسمه ملك...لم يكن الاسم معروفا من قبل»

[40]  والمعنى « سمعته ولما سألت أخبروني بأنها لؤلؤة جميلة»   

[41] لاحظنا هذا التعامل اللفظي مع الكثير من الأسماء المتضمنة لحرف الراء لدى العديد من الأشخاص الذين لمسنا فيهم ميلا كبيرا إلى النطق الفرنسي لبعض الكلام وليس الحديث بالفرنسية، وكأنهم يريدون أن يتركوا فقط انطباعا بأنهم يحسنون تلك اللغة التي أصبحت مرادفا في أذهان البعض لـ: المتحضر، الفاهم، القاري أو الذي وصل إلى درجة متقدمة من التحصيل الأكاديمي...وعليه فان هؤولاء الأشخاص يستبدلون الراء بالـ « r» في نطقهم لبعض الأسماء من مثل: فريال، رانيا، سندرة....ولا يفوتنا هنا أن نذكر حالة أستاذة الأساسي العاطلة عن العمل والتي لا تنطق اسم ابنتها سيرين إلاّ بالـr ....

[42] وهذا ما يفسر ربما الغياب الشبه الكلِّي للأسماء الأمازيغية من مدونة بحثنا على الرغم من أن الفضاء القسنطيني يضم العديد من العائلات المُنحدرة أصولها من القبائل الكبرى والذين يصطلح القسنطينيون على تسميتهم » قُبَاَيَلْ نِغَاسْ« لتفريقهم عن سكان القبائل الصغرى أو » قُبَاَيَلْ حَضْرَة«، وقد قدرنا ذلك على أنّ طبائع وتمثُّلات الأشخاص الذين يَحيون مع بعضهم في رقعة جغرافية واحدة، ستنطبع لا محالة بنفس السمات والخصائص المُشتركة التِّي تُميِّزهم عن غيرهم بحُكم تعايشهم مع نفس الظروف وتعرُّضهم لنفس المؤثرات؛ الأمازيغية ولاسيّما القبائلية منها، خاصّة وأنّ محادثاتنا مع بعض العائلات الأمازيغية عن سبب تبنيهم لبعض الأسماء العربية في تسمياتهم لأبنائهم قد أسفرت عن جواب يكاد يكون مُجمعا عليه بين تلك العائلات، وهو أنّ تلك الأسماء إسلامية أكثر منها عربية...لقد تبنوا مبادئ التسمية العربية كتأكيد منهم على انتمائهم للدين الإسلامي، وكحركة اندماجية منهم في فضائهم الاجتماعي المعيش.

[43] سعيدي. محمد:«الاسم، دلالته ومرجعيته. مقاربة أنثروبولوجية»، في: « وقائع الملتقى أي مستقبل للأنثروبولوجيا»، منسق من: نذير، معروف وخديجة عادل، منشورات CRASC، تيميمون 22، 23، 24 نوفمبر1999.

[44] سعيدي. محمد:« من أجل تحديد الاطار المعرفي والإجتماعي للمعتقدات والخرافات الشعبية. ظاهرة زيارة الأولياء والأضرحة نموذجا»، مطبوعات مركز الأبحاث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، جوان 1995، ص.12

[45] أجريت المقابلة يوم الأربعاء 24/أفريل11/2002.

[46]«بَّابَّا كان باديسي، كان يمشي مْعَاهْ»

[47] Registre de Naissances Musulmanes de la Commune de Constantine، 1951، APC de Constantine.

 [48] بعض المستجوبين وبعض الأهل والمعارف والأصدقاء...

 [49]تمّ هذا الحديث بتاريخ 13/جويلية/2002 على الطاولة الكبيرة التي يتم عليها العمل الجماعي، ولقد وُجِّهت إلينا المشاركة فيه باعتبار أن الأسماء هي موضوع عملنا والسبب الرئيس لتواجدنا بالبلدية، لكننا فضلنا عدم التدخل واكتفينا بالملاحظة، حيث تظاهرنا بانهماكنا في العمل.

 [50]والمعنى «تستحقين ما يحدث لك فجميع الأطفال الحاملين لاسم "أيمن" مشاغبين أو لديهم طبع حاد »

[51] بصَّح تعني" لكن" في المحكي المحلِّي القسنطيني.

[52] أجري الحديث يوم 26/جويلية/2002 على نفس الطاولة الخاصة بالعمل الجماعي.

[53] "ولاّ" تعني "أو" في المحكي المحلي القسنطيني.

[54] لقد أبدى أحد ضباط الحالة المدنية بقسنطينة نفس الاعتراض على اسم « حسام » حيث قال بأنه اسم غير كامل " ناقص" وبأنه لا يدل على شيئ، كما قال بأنه من الواجب أن يكون « حسام الدين ». 

[55] والعبارة معناها " لا تسمونه أيمن، إنهم مشاغبون، كل الذين أعرفهم على درجة كبيرة من الشغب و أنت تعرفين ذلك "، ففي قسنطينة يُدللون على وصول أحدهم إلى أعلى درجات المشاغبة بوصفه على أنه« جن»، حيث يشبهون الطفل بالجني في إشارة إلى أنه قد بلغ أقصى درجات المشاغبة والوقاحة. 

[56] Registre de Naissances Musulmanes de la Commune de Constantine، 1963، APC de Constantine.

[57] لقد لاحظنا أنّ أهل قسنطينة يُدْمجون الاسم مع اللقب أثناء منحهم أبناءهم أسماء مشرقية خاصة، وذلك لأنّ ألقابهم –أي المشارقة- على العموم عبارة عن أسماء شخصية.

[58] Registre de Naissances Musulmanes de la Commune de Constantine، 1901، 1951، APC de Constantine.

[59] يتضمنُ المعنى اللُّغوي للاسم دلالته، فختيمة من ختم، يختم، والخاتمة من كلِّ شيئ عاقبته وآخرته؛ وفي هذا رجاء أن تكون المولودة آخر مواليد جنسها، وأن يختم أو أن يختم بها الأبوين إنجاب الإناث.

[60] المسؤول الأول على حماية شرف العائلة، أو السهر على صيانة حُرْمَتها في الأسرة التقليدية.

[61] Djebar. (A) : «Les impatients»، Juilliard، Paris، 1958، p.163

[62] طالب الإبراهيمي. خولة: » "أحنا أولاد دزاير انتاع الصح" ملاحظات حول لغة شباب الوادي«، ترجمه عن الفرنسية: عمر بلخير، في:«لغات ومجتمع«، إنسانيات، عدد 17-18، ماي- ديسمبر (مجلد VI، 2-3)، CRASC، 2002، ص. 12

 [63]ذُكر من طرف: بن مالك. رشيد: «تحليل سيميائي لقصة "عائشة" للكاتب أحمد رضا حوحو»،«مجلة العلوم الإنسانية»، عدد 16 ديسمبر، جامعة منتوري –قسنطينة، 2001،  ص. 114

[64] وأحيانا يتعدّى الأمر حتّى لأسماء الإناث، حيث أخبرنا أحد المبحوثين بأن أسر أزواج بنات إخوته الذكور لا يسمحون لقريباته باختيار أسماء بناتهن، فهم لا يعترفون حتّى بأحقية المرأة في الوجود، إذ يعتبرونها بمثابة الصخر: «"بْنَاتْ الإخوة دَّاوْهُمْ نَاسْ مْعَقْبِينْ، يْسَّمِيوْ مَنْ عَايْلاَتْهُمْ، َلمْرَا عَنْدْهُمْ وَالصْخَرْ كِيفْ كِيفْ»

[65]  فالمجتمع الجزائري مجتمع ذكوري، والعائلة الجزائرية هي عائلة أكناتية النسب فيها ذكوري والانتماء يبقى انتماء أبويا.   

[66] بوتفنوشنت. مصطفى: «العائلة الجزائرية، التطور والخصائص الحديثة»، ترجمة دمري. أحمد، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1984.

[67] بوتفنوشنت. مصطفى: » نفس المرجع السابق«، ص. 37

[68] عقون. محسن: «تغيير بناء العائلة الجزائرية»، «مجلة العلوم الإنسانية»، عدد 17 ـ جوان، جامعة منتوري – قسنطينة، 2002،  ص. 129

[69] لقد أخذت الزوجة اسم «رولا» من اسم منشطة لبنانية، وتقول ابنة أخ الزوج ـ الذي كان ذا ثقافة الفرنسية حيث لا يمكنه إكمال جملة واحدة باللُّغة العربيةـ بأنّ عمها محق في اعتراضه على اختيار زوجته ذلك أنّ اسم «رولا» اسم غير عربي: « اسم مَاشِي عَرْبِي».  

[70] وذلك لأنّ التلفظ بالاسم كاملا كان أمرا جدّ ثقيل، ولأنّ الاقتصار على استخدام أحد الأسماء دون غيره كان سيُغضب أحد الأطراف المُتدخلة في الاختيار.

[71] أي أب الفتاة الذي أوصى بتسميتها عليها.

[72] لقد أرادت تسمية ابنتها على نوتة المايا الموسيقية لأنها من مُحبِّي الموسيقى الأندلسية.

[73] ما يرتبط خاصة بأسماء الأشخاص.

[74] تُعرف بعض الفضاءات في قسنطينة بأسماء المهن الممارسة فيها: الجزّارين، الصيّاغين، رحبة الجمال، رحبة الصوف... 

[75] ولو كان استقلالا نسبيا، مثلما هو الحال في كلِّ البحوث الإنسانية والإجتماعية.

[76] فيلالي. عبد العزيز: »مدينة قسنطينة في العصر الوسيط (دراسة سياسية عمرانية ثقافية)«، دار البعث للطباعة والنشر، قسنطينة (الجزائر)، 2002م- 1423هـ، ص. 83         

[77] المُتأمل في تركيب الاسم الكامل لهذا العالم الجليل لا يخفى عليه أنّ الاسم الشخصي هو أساس تشكيله.

[78] 740-810 هـ/ 1239-1407م

[79]  لا يخفى أيضا للملاحظ لتركيب الاسم الكامل لهذا العالم الجليل أنّ الاسم الشخصي هو أساس تشكيله.

[80] 813-878 هـ/ 1410-1474م

[81] القرطبي. أبي عمر يوسف عبد الله بن عبد البرّ النمري: »التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد«، الجزء التاسع، تحقيق سعيد. أحمد أعراب، 1401ه- 1981، ص. 151

[82] والذين ستكشف مدونة البحث عن كثافة استعمال أسمائهم على مدى قرن من الزمن.

[83] Berrahal . (S)، Merdaci . (A)i: «Constantine itinéraires de culture 1962-2002 » Simon، 2003، p.13

[84] الألباني. محمد ناصر الدين: » سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيئ من فقهها وفوائدها«، المجلد السادس، القسم الثاني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، 1417ه – 1996م، ص. 888

[85] الذي احتل المرتبة الأولى ذكرا في الحديث الشريف.

[86]  وحاولنا إبرازه من خلال تعمّدنا وضع تواريخ ميلاد الأطفال –الحاملين لاسم عبد الحميد- في الجدول.

[87] ولقد أشرنا إلى أسباب ذلك في مذكرة بحثنا في خضم تعرضنا لسيرة الرجل، وحديثنا عن بعض أنشطته النضالية...

[88] بعد أن كان اختيار الأسماء ذات الدلالة الدينية يُستند إلى أسماء الأنبياء والرسل وأهلهم، أضحى الإستناد يُعزى أكثر إلى ما يحتويه القرآن الكريم من ألفاظ يمكن استعمالها كأسماء....  

[89] ذكره سعد الله. أبو القاسم: »تاريخ الجزائر الثقافي، من القرن العاشر إلى الرابع عشر هجري(16-20) «، مرجع سابق ص.246

[90] نفس المرجع السابق، ص.171

[91] بن العنتري. محمد الصالح: »فريدة منيسة في حال دخول الترك بلد قسنطينة واستيلام على أوطانها أو تاريخ قسنطينة«، مراجعة وتعليق د. بوعزيز. يحي، ديوان المطبوعات الجامعية، 1991، ص.24.

[92] لطالما وُسِم أهل قسنطينة بالمُحافظين، ولعلّ ذلك يرجع إلى الحركة الفكرية والأدبية التي غذّتها مساجدها وما زالت. 

[93] »سيدي«، من الألقاب الفخرية، وغالبا ما يختصر في المناداة اليومية إلى »سي«.

[94]  Stahl. (P-H) : « Soi – même et les autres، quelques exemples balkaniques »، in: «L’identité»، Séminaire dirigé par Claude Lévi-Strauss، Puf  Quadrige، 4e éd.، France، 2000 ، p. 289

[95] كلُّ الجزائريين بما فيهم البربر المُعربين حيث قالت بتبنيهم لمبادئ التسمية العربية.

[96] للمزيد ينظر: Parzymie. (A): «Anthroponymies algérienne. Noms de familles modernes d'origine turque »، éditions scientifiques de Pologne، Varsovie، 1985.

جباس. هدى: »الأسماء في قسنطينة بين سنتي 1901- 2001، معالجة دلالية«، مرجع سابق.

[97] Grangaud. ((I) : « La ville Imprenable، une histoire sociale de Constantine au 18e Siècles »، Editions de l'école de Hautes Etudes en Sciences Sociales، Paris، 2002، p. 40

[98] Idem، p. 41

[99] Ibid، p. 41

[100] Grangaud. (I) : «Op-Cit »، p.41

[101] Benramdane. (F)، Qui es-tu ? J'ai été dit .De la destruction de la filiation dans l'Etat civil d'Algérie ou éléments d'un onomacide sémantique، p.p. 79-87 in : Insaniyat، Janvier-Avril، CRASC، Oran، 2000، p.80

[102] جباس. هدى: » نفس المرجع السابق«، ص.4، بتصرف.

[103] Parzymie. (A) : «Op- Cit»، p.23

[104] Idem، p.23

[105] Ageron. (C-R) : «Les Algériens musulmans et la France (1871-1919)»، Tome Premier، Presses Universitaires de France، Alger، 1987، p.178

[106] Lois du 23 mars 1882، T. XXIIe، 22 années، 1882، Bulletin officiel du gouvernement général de l'Algérie، Arrêté ministériel 18 déc.1882، imprimerie de l'association ouvrière، Alger، 1883.

[107] Ageron. (C-R) : «Op-Cit»، p.180

[108] Idem، p.180

[109] Parzymie. (A)a: «Op- Cit»، p. 24

[110] سعد الله. أبو القاسم:»تاريخ الجزائر الثقافي«، الجزء السابع )1830-1954(، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، 1988، ص. 318 

[111] سعد الله. أبو القاسم:»تاريخ الجزائر الثقافي«، الجزء الثامن )1830-1954(، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، 1998، ص.384

[112] نفس المرجع السابق، ص.387

[113] لقد رجعنا إلى هذه النقطة بمزيد من الشرح والتفصيل في الفصل السادس من مذكرة البحث.

[114] Registre de l'arbre généalogique de la commune de Constantine، N° 1-2، 1989، APC de Constantine.

[115] جباس. هدى: »الأسماء في قسنطينة بين 1901- 2001، معالجة دلالية«، نفس المرجع السابق، ص. 4-5.

[116] Benramdane. (F):: «Op- Cit»، p. 80

[117] Idem، p.81

[118] بوخلخال. عبد الله:» الأسماء والألقاب في الجزائر دعوة إلى دراستها دراسة لغوية دلالية وحضارية«، في: »أعمال الموسم الثقافي، مدونة المحاضرات الملقاة عام 2000«، منشورات المجلس الأعلى للغة العربية، الجزائر، 2000، ص.183

 [119]السعيد يوسف. سوزان: «المعتقدات الشعبية حول الأضرحة اليهودية»، دراسة عن يعقوب أبي حصيرة بمحافظة البحيرة، عين للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية، ط. 1، 1997، ص. 204

[120] خريوش. حسين يوسف: »التسمية ماهيتها وفلسفتها وخصائصها الدلالية«، عمادة البحث العلمي والدراسات العليا، جامعة اليرموك، 1991، ص.21

[121] Encyclopedia Universalis، Corpus 16، «Nation-Orchidales »، éditeur à Paris، France، S.A، 1996. p.384

[122] Idem، p.384

[123] عروس. الزبير: »الذات الممزقة بين "الأنا" و"الأخر" حول طبيعة الصراع الثقافي في الجزائر «، في: »ثقافة ونظام تربوي«، نقد، العدد الخامس،  شركة النشر والتنشيط العلمي والثقافي، سارل، باب الزوار ـ الجزائر، أفريل ـ أوت 1993، ص.4

[124] السويدي. محمد: »نفس المرجع السابق«، ص.38

[125] لقد نجح هذا الاسم في احتلال المرتبة الأولى بالنسبة لتواتر الأسماء الذكروية طيلة قرن من الزمن بالنسبة لمدونة بحثنا، للمزيد ينظر:

-جباس. هدى: »التسمية في قسنطينة: بين ترسيخ الماضي ومُواكبة الحاضر«، في: «الجزائر: 50 سنة بعد: أمة، مجتمع، ثقافة»، ملتقى علمي انعقد تكريما للمفكر مصطفى الأشرف (مسيرة حياة، أعمال، مرجع)، تحت الطبع، جمعية A.A.D.R.E.S.S. ومجلة NAQD، أيام 18-19-20 ديسمبر 2004، المكتبة الوطنية الحامة- الجزائر

[126] Khan. (A): «Les Intellectuels entre Identité et Modernité»، in: EL-Kenz. Ali dir. :«L’Algérie et la Modernité»، CODERSIA، DAKAR/Sénégal، 1989، p.270

[127] و خاصّة أنّ هذا الاسم قد بلغ أعلى كثافة لهما سنوات الاستقلال (1962-1963).

[128] Brondal Cité par Lévi-Strauss.(C): «Op-Cit»، p.230

[129]Guenoun .(A) : « Chronologie du mouvement berbère، Un combat et des hommes Casbah Editions، Alger، 1999، P.76

[130]عروس. الزبير: » الذات الممزقة بين "الأنا" و"الأخر" حول طبيعة الصراع الثقافي في الجزائر «، نقد، العدد الخامس: »ثقافة ونظام تربوي«، شركة النشر والتنشيط العلمي والثقافي، سارل، باب الزوار –الجزائر، أفريل- أوت 1993، ص.4

[131] نفس المرجع السابق، ص، 4

[132] أنظر جريدة الخبر، الأربعاء 13 جوان 2001، ص.7

[133]و هي حالة السيِّد "ص" الذي أخبرنا أنه أسمى ابنه »محمد المنقذ« تيمنا بحزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، لأنه كان من أشد المؤيدين لها.

[134] Taleb-Ibrahimi.( K) : « Entre toponymie et langage، balades dans l’Alger plurilingue. Les enseignes des rues de notre ville »، in : «Langues et société، Langue et discours »، Insaniyat، N° 17-18، Mai – Décembre (Vol. VI، 2-3)، CRASC، 2002.

[135] قسنطينة فضاء تحمل المحلات فيه العديد من الأسماء الشخصية التي غالبا ما تسبق باللفظ "عند" أو "Chez" إذا ما تعلق الأمر بالمحلات التي تمارس أنشطة خدماتية كالمقاهي و محلات الحلاقة و المكتبات وقد أحصى  Saugnieux في الفصل الرابع من كتابه ـ التالي ذكره ـ و الذي تمحور الحديث فيه عن أسماء المكتبات في فرنسا 48 مكتبة تحمل اسما شخصيا في تسميتها، دون أن يأخذ بعين الاعتبار المكتبات التي تحمل أسماء شخصية من المحتمل أن تكون أسماء عائلية مثل: Robin، Thomas، Simon، وللمزيد من المعلومات ينظر:

Saugnieux. (J): « Les mots et les livres. Etudes d'histoire culturelle »، Presses Universitaires de Lyon، Lyon، 1986.

[136] جريدة » الخبر «، يومية وطنية، مقال: » الأسماء الإسلامية للمواليد تتراجع في فرنسا«، صفحة "أحوال الناس"، ص.14، الأحد 15 سبتمبر 2002.