Publications PNR du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Publications PNR

البرنامج الوطني للبحث، كراسك، 2005، ص.135-152 | النص الكامل




الزبير عروس

 

 

 الجمعيات العاملة في ميادين حقوق الإنسان:

النتيجة الأولى التي توصلت إليها الدراسة حول هذا الصنف تقول أنه إذا أريد أن تضطلع الحركة الجمعوية العاملة في ميدان حقوق الإنسان لابد من الخروج من إستراتيجية  العمل التي تقوم على توجيه نتائج عملها إلى الخارج ، ضرورة تحريرها من الضغوط و العوائق الداخلية المعرقلة لأداء مهامها في مجالات الدفاع حماية، وترقية حقوق الإنسان ، و هذا لا يمكن أن يتأتى إلا إذا تم:

  • التحرر من الضغوط البيروقراطية التي تعيق من تطورها و تفعيل أدائـها وهذا يتطلب تغيير الحالة القانونية المنظمة لفعل الجمعيات التي يحكمها قانون ديسمبر 1990.
  • العمل على تجاوز ذهنية التنظيم الإداري التي شكلتها قوانين السبعينات، وذلك بالتخفيض من الإجراءات الاحتياطية المانعة لحرية التأسيس و تحجيم سعة إرادة التدخل للإدارة في سيرورة الأعمال و طبيعتها و حصر أداة التدخل فيما ينص عليه القانون حصرا، كذلك الخروج من حالة المفاضلة بين الحركة الجمعوية وقطاعاتها المختلفة
  • تطبيق الحصانة القانونية التي تحمي الجمعيات من تعسف الإدارة وجعل القاضي وحده المؤهل و الصادر لإجراءات التعليق و الحل كما ينص عليه القانون
  • تحرير إمكانية الحصول على المداخيل من مصادر غير اشتراكات الأعضاء وذلك بالتخفيف من الإجراءات التي لا تتماشى و الروح العامة الهادفة إلى تطوير خدمات الجمعيات العاملة في ميدان حقوق الإنسان خاصة تلك العاملة في ميدان الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية وحرية الرأي.
  • الخروج من حالة المعاملة غير المتساوية و الغير واضحة على مستوى الحق في:

ـ توفير المقرات و مساحات النشاط و خاصة بالنسبة للجمعيات التي تعمل في ميدان حقوق الإنسان.

ـ التمويل التفضيلي لبعض الجمعيات على حساب أخرى و ذلك وفق معادلة الاقتراب و الابتعاد من سلطة القرار.

  • الخروج من حالة التسميات و النعوت المبهمة للجمعيات و التي غالبا ما تكون محل جدل معرقل بين السلطة و الفاعلين في هذه الجمعية أو تلك، وهو أمر يعيق في الكثير من الحالات العمل الطبيعي و إخضاعها لاعتبارات سياسية، و هذا الأمر ينطبق على الجمعيات العاملة في ميدان حقوق المرأة خاصة.
  • العمل على فك الارتباط بين الجمعيات العاملة في ميدان حقوق الإنسان والتنظيمات الحزبية .
  • العمل على مطابقة نشاط الجمعية، الفعل و الأهداف الواردة في القوانين الأساسية للجمعيات، إذ الكثير من النشاطات تخرج عن التحديد المسبق و هو ما يعطي للجمعية عدم الفعالية.
  • إدراج تمويل الجمعيات العاملة في ميدان حقوق الإنسان ضمن استراتيجية التمويل و إخراجه من إطار الإجراءات البيروقراطية ... مثل التعاقد من الإدارات "الاتحاد" و الوصاية.
  • تمكين جميع الجمعيات بمختلف تقسيماتها من التمويل الخارجي بالتساوي وتجاوز حالة الجمعيات الوسيطة في هذا الشأن.
  • اعتماد استراتيجية جديدة تعتمد على العنصر المتطوع في الجمعيات العاملة في ميدان حقوق الإنسان و تنمية قدراته بفترات تدريبية مكثفة.
  • تفعيل أداء النخبة التأسيسية للجمعيات و تجنيدها و توزيعها على المستوى الوطني بفتح فروع جديدة للجمعيات العاملة في ميدان حقوق الإنسان.
  • التنقية الذاتية لوضع الجمعيات العاملة في ميدان حقوق الإنسان و تصفية قطاعها من جمعيات التصريح التي تستنزف الإمكانيات المادية المخصصة لهذا القطاع.
  • الخروج من دائرة التسيير الداخلي القائمة على فكرة "الرئيس" و تنويع طرق التسيير و المعالجة إن كان على مستوى التخطيط، إدارة المشاريع، إنجازها، المراقبة و الفعل التجنيدي.
  • الخروج من حالة عدم التنسيق بين الجمعيات العاملة في ميدان حقوق الإنسان، الذي يُرد في الكثير من الأحيان إلى الخلافات السياسية والإيديولوجية بين نشطاء القطاع و كذلك التنافس على مصادر التمويل الخارجي.
  • إشراك الجمعيات العاملة في ميدان حقوق الإنسان بفعالية في إعداد ومناقشة قانون الجمعيات المقترح على البرلمان حاليا.
  • ترقية مخزون المعلومات حول قضايا حقوق الإنسان و ذلك لتمكين الجمعيات العاملة في الميدان حقوق الإنسان في عموم لفظها من رسم استراتيجية  عملها وفق واقع هذه القضايا.
  • ترقية الإعلام حول النشاطات التي تقوم بها الجمعيات وكذلك أهدافها ومهامها.
  • العمل على إعادة تأسيس أشكال التنظيم الجمعوي العامل في ميدان الفضاء الإعلامي و ما يخدم رجل المهنة الغير ملون بتبعات الأزمة و جعله طرفا فيها و لا في الصراعات الناتجة بل و العمل على ترقية مهنته لكي لا يكون مجرد حامل لخطابات سياسية متناقضة و أحد العاملين على إقصاء هذه الخطابات أو محاولة تدجينها أو تهميشها أو إساءة تأويلها.

جعل التنظيمات الصحفية تعمل وفق تصور مخطط يعمل على إعادة هيكلة العقل الإعلامي بما يجعل الصحافة الجزائرية أكثر اقترابا لـممارسة العمل الصحافي برؤية احترافية خالية من المنطق النضالي الذي يحد من مصداقيتها و يكرس تبعيتها الايديولوجية، كل ذلك من أجل جعل الصحف قادرة على الفصل بين القناعات السياسية و الخبر الإعلامي القائم على الاحترافية.

كذا توصلت الدراسة الي حالة تقييم عامة أسسها، ان الليونة التي ميزت قانون الجمعيات لسنة 1990، أنتجت حالة من الإهمال و عدم متابعة القطاع الجمعوي وطرق أدائه إلى حد تراكم التجاوزات التي بررت الإجراءات غير المدروسة التى اتخذتها السلطة اتجاه بعض الجمعيات المخالفة  لها ايديولوجيا سنة 1993، مما عمق طابع العلاقة التنافرية التي تربط السلطات العمومية مع الجمعيات و خاصة تلك الفاعلة على الساحة الاجتماعية و عطل طابع العمل الطوعي النافع اجتماعيا.

طابع هذه العلاقة المحرجة يتمثل اساسا فى المعاملة غير المتساوية وغير الواضحة على مستوى :

ـ توفير المقرات و الأماكن الضرورية للنشاط الجمعوي.

ـ التمويل التفضيلي لبعض الجمعيات على حساب الأخرى، و هو ما تشكو جل الجمعيات التي وصل عدها الإجمالى سنة 2003 سبعة وخمسون(57) ألف جمعية محلية وألف وخمسة مائة(1500) ألف جمعية وطنية ليعدل حاليا و يصل إلى 64 ألف جمعية، و هو ما يمثل زيادة معتبرة إذا ما قارناه بسنة 1994 حيث بلغ عدده خمسة و ثلاثون(35) الف جمعية علي المستوى الحلي، موزعة توزيعا غير متوازي بين الولايات كما يوضحه الجدول الموالي:

عدد الجمعيات المحلية المعتمدة (قائمة سنة 1994)

و ستة مائة و تسعة عشر(619) جمعية وطنية موزعة حسب الصنف كما يوضحه الجدول الموالي:

 إحصائيات الجمعيات الوطنية مع نشاطها (قائمة سنة 1994)

 

لكن مهما كانت نوعية و مقاييس الحكم على هذا العدد الضخم، لا بد من القول أنه يعتبر مؤشرا إيجابيا و يعبر على حالة متقدمة من محاولات تنظيم أفراد المجتمع و تطلعهم إلى أشكال تنظيمية بديلة لتلك التي كانت قائمة على الاحادية التنظيمية و مركزية السلطة و ذلك للقيام بفعل إجتماعي مستقل يساعد المجتمع على الخروج من محنته، خاصة محنة الفقر المتزايد، لكن هذا الشكل من التنظيم و الفعل الإجتماعي المستقل يواجه تطوير قدراته الكثير من العراقيل، و هو ما يعبر عن النتائج الفئوية و منها:

1- التصنيف الغير المناسب للجمعيات، إذ غالبا ما يكون التصنيف محل جدال، لأنه يؤدي إلى تصنيف هذه الجمعية أو تلك في خانة إيديولوجية قد تعيق تعاملها الطبيعي مع السلطات العمومية، لأن موضوع تأسيس الجمعيات مهما كان نشاطها يخضع دوما لاعتبارات سياسية و هذا ينطبق خاصة على جمعيات النوع الإجتماعي و الإسلامية منها خاصة  العاملة في الحقل الإجتماعي.

2- تعاني الجمعيات من محاولات هيمنة السلطة و الاستغلال الحزبي بكل تناقضاته على مستوى الخريطة الحزبية في الجزائر، مما أدىإلى عرقلة نشاطها المصوب اتجاه الفئات  الأكثر حاجة لفعلها.

3- استفحال المواقف التي لا تساعد على تقدير فعلي لقدرات هذه الجمعيات وامكانياتها على مستوى الفعل الاجتماعي و خاصة من طرف السلطات العمومية.

4- ـ تداخل و عدم وضوح نشاط الجمعيات إلى درجة التناقض بين ما ورد في نية التأسيس والنشاط الفعلي للجمعيات.

5- سيادة طابع الوصاية الذي يميز علاقة السلطات العمومية مع الجمعيات وخاصة في ميدان الاعتراف بالحقوق و صفة المصلحة العامة لهذه الجمعية أو تلك.

6- عدم وضوح مقاييس تحديد الفئات، و بالتالي عدم وضوح مكونات ونشاط الجمعية على مستوى الدوائر الرسمية، بل و تناقضها بين مصلحة وأخرى.

 إلى جانب:

7-عدم التوازن في التعامل مع الجمعيات و إعطاء الأولوية من طرف الحكومة لقطاع و نشاط جمعوي على حساب أخر.

8- ضعف الجمعيات الاجتماعية بكل أنواعها إذ لا تمثل من حيث النسبة إلا 5.46% من المجموع الكلي لأصناف الجمعيات و هذا يمثل ثقل على جمعيات النوع الإجتماعي العاملة في ميادين محاربة الفقر بكل أنواعه، و في ما يخص جعيات النوع الإجتماعي نلاحظ:

*غلبة الجمعيات النسوية التي تركز في نشاطها على ترقية حقوق المواطنة بالنسبية للمرأة على جمعيات النوع الإجتماعي التي تناضل من اجل تحسين حالها الاجتماعي.

*ضآلة التمويل المقدم للجمعيات العاملة في الحقل الاجتماعي و خاصة جمعيات النوع الاجتماعي منها، زاد من حدته نقص التمويل القرار الذي اتخذته السلطة  مع بداية سنة 2000 و القاضي بتجميد أشكال الدعم المقدم للجمعيات لاعتبارات عدّة، و ربط في حالات الاستفادة منه بشروط منها: وجود مشروع و الخبرة و الاعتماد المالي. لكن تطبيق هذه الشروط يبقى مرهونا في كل الحالات بتقديرات الإدارة وأحكامها، و السبيل الأوحد الذي بقى للجمعيات هو الاستفادة من مصادر التمويل التقليدية مثل التبرعات، مساهمات القطاع الخاص، و الأموال المحصلة من الواجبات الدينية و هذا يمثل أكبر عائق يواجه جمعيات النوع الاجتماعي لأسباب ثقافية خالصة.

* استحواذ الجمعيات الوطنية على التمويل الحكومي على حساب الجمعيات المحلية ذات العلاقة المباشرة بمعاناة المواطن و المرأة خاصة.

وعليه، إذا كانت السلطة العمومية تمثل المصدر الأول للتمويل بالنسبة للجمعيات الوطنية والمحلية، فإن هذا العامل يتحكم إلى أبعد الحدود في قدراتها التجنيدية وهذا لأسباب عدة منها:

ـ حجم التمويل هذا يخضع لتقديرات المصالح العمومية و يرتبط بخاصية الصالح العام و المنفعة العامة الذي تتمتع به بعض الجمعيات المتميزة، مما أدى إلى حرمان الجمعيات المحلية عامة و جمعيات النوع الإجتماعي منها خاصة من الإستفدة من هذا المصدر من التمويل.

ـ خضوع هذا التمويل لإجراءات بيروقراطية معقدة مثل التعاقد المسبق مع الوزارة الوصية، و هذا يثنى الكثير من جمعيات  المحلية من المطالبة به لغياب القدرة على ذلك.

هذا العامل يعيق الانتشار الجغرافي لجمعيات النوع الإجتماعي خاصة ويفسر إلى حد كبير تمركزها في المناطق الحضرية على حساب المناطق الريفية التي تشكل المراكز الأهم للفقر.

ـ ضعف التمويل الذاتي، المحصل من التبرعات الفردية التطوعية العينية منها والنقدية، لأن الجزء الأساسي من هذا التمويل يأتي من اشتراكات الأعضاء و هو ضعيف بضعف المبلغ المحدد عموما بـ 100 إلى 200 دينار جزائري عن كل عضو سنويا، الشيء الذي يعرقل أي مجهود لبناء المقدرات  و هو ما تأكده الدراسة التي أجراها الاتحاد الأوروبي على عشرين جمعية للنوع الاجتماعي سنة 1998، إذ أبرزت الدراسة أن إسهامات الأعضاء تشكل 45%، القطاع الخاص23%، الممولون الأجانب 16% تبرعات، الأفراد 13%،  آخرون 3%.

ـ تتميز جل جمعيات النوع الاجتماعي بالنخبوية و هيمنة جماعة التأسيس خاصة، مما كان له انعكاس سلبي على تواجدها على الساحة الاجتماعية، بل هذه النخبوية مثلت قدرة خاصة مكنت بعض الجمعيات من الاستحواذ على مصادر التمويل الخارجي على حساب الجمعيات الأخرى  مما جعل هذه الأخيرة تابعة لمصادر التمويل، و هو ما يفسر إلى حد ما توقف البعض منها عن النشاط الفعلي وخاصة تلك الجمعيات التي ينصب فعلها الاجتماعي على الفئات الأكثر حساسية وضعفا على المستوى الوطني والمحلي.

أن القطاع الجمعوي بالجزائر يعاني على العموم من ضعف القدرات، و عدم التمكن من  تجنيد العنصر المتطوع، الي جانب إفتقاره للعنصر المسير الدائم مما أدى إلى  عدم تراكم الخبرة في مجال النشاط الخاص بكل صنف من أصناف الجمعيات.

ـ يعاني من تعطل قدرات التسيير الداخلي الجماعي، بسبب سيادة تمط التسيير القائم على فكرة "الرئيس" و ذلك على مختلف المستويات، التوقع، التخطيط، إدارة المشاريع و إنجازها، التنظيم، المراقبة، التجنيد و توظيف المصادر.

و عليه فإنه في الكثير من الأحيان، و نتيجة لهذا الشكل من أشكال التسيير، يقع الخلط بين تسيير الجمعية و تسيير المشاريع، هذه الخاصية قد لا تنطبق على بعض الجمعيات ذات النمط الإسلامي سواء من صنف جمعيات النوع الاجتماعي أو أخرى.

ـ ضعف القدرة على تسيير المشاريع نتيجة الاتكالية على مصدر التمويل  العمومي، الشيء الذي يجعل بعض الجمعيات الفاعلة على مستوى التخطيط، محدودة من ناحية الفعل المباشر.

ـ ضعف التنسيق بين الجمعيات الوطنية و العاملة في نفس القطاع وهذا يرجع إلى:

ـ التنافس السياسي و الأيديولوجي للسيطرة على الساحة الاجتماعية خدمة لأغراض حزبية قطاعية أو إيديولوجية ذات الطابع المشروعاتي.

ـ  الخلط بين مفهوم العمل الحزبي و مفهوم العمل الجمعوي، نتيجة لحداثة التجربة المستقلة للقطاع الجمعوي بالرغم من خلفياته التاريخية التأسيسية القديمة نسبيا.

ـ يتم بناء إستراتيجية العمل الجمعوي و ترقيته على أساس المنافسة للوصول الى المصادر المالية  على قلتها، مما أدى إلى التناحر بدل التنسيق  و التعاون.

ـ العوامل الفرعية الثلاثة أدت بدورها إلى انعدام المصداقية بالنسبة للجمعيات الوطنية ذات التجربة الرائدة، مما جعلها عاجزة عن القيام بمهمة التنسيق بين الجمعيات المحلية العاملة في نفس ميدان نشاطها بل و التنافس المضعف للطاقات بين الجمعيات الوطنية العاملة في نفس القطاع و نموذجها الجمعيات النسوية ذات الطابع الوطني و التي طغت على جمعيات النوع الاجتماعي المحلي.

ـ  تعمل جل الجمعيات بطاقة بشرية لا تتجاوز العدد المطلوب قانونا، ما عدى الإسلامية منها بكل أصنافها، إلى جانب هذا تعاني جل الجمعيات من

ـ ضعف شروط العمل الأساسية  مثل:

ـ انعدام المقر.

ـ الافتقار للوسائل اللوجستيكية الحديثة.

 و عليه نستخلص أن القطاع الجمعوي بالجزائر يمثل طاقة تنظيمية من حيث العدد و الإمكانات البشرية قابلة للتطوير و الترشيد للمساهمة في استراتيجيات التنمية الإنسانية ورفع حالة الةعي العام في المجتمع، خاصة و على الأقل إذا توفرت جملة من الشروط و منها

توظيف وسائل التقييم الحقيقية لرصد قدرات هذا القطاع المتعددة بعيدا عن عقلية محاولات الهيمنة و الوصاية الهادفة إلى تدجين هذا القطاع لأغراض سياسية، سواء كان ذلك من طرف مراكز السلطة و دوائر الحكم أو من طرف الجهات المانحة دوليا، إقليميا، هذا لا يتأتي على المستوى الوطني على الأقل الا إذا تم تدارك و اخذ بعين الاعتبار القضايا الارتكازية التالية:

ـ  معالجة عدم الرضا بين مكونات القطاع الجمعوي الاوسع و الناتجة عن العزل و الاقصاء المقصود من المشاركة فى مناقشة القانون الجديد الذي سينظم القطاع الجمعوي، وبالتالي عدم الاكتفاء بالاستشارة الانتقائية حول هذا المشروع الذي تخشى بعض الجمعيات أن يكون حاملا لبنود و مواد قانونية تكون معطلة لفعل و قدرات الجمعيات بكل أصنافها، هذه الحالة يمكن تجاوزها بتنظيم استشارة موسعة و مفتوحة على الجميع، على المستوى المحلى و الوطنى معا، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة مشاركة جمعيات النوع الاجتماعي العاملة في حقل التنمية و محاربة الفقر بين النساء و ربات البيوت المعيلات.

ـ تدارك ضعف مخزون المعلومات و المعطيات الصالحة الدقيقة، ذات المصداقية والآنية حول القطاع الجمعوى وعدم إخضاعها للاعتبارات السياسية و ذلك لتمكين ذوي الاهتمام، من أصحاب الميدان في الفعل الجمعوى وأصحاب الاختصاص لرصد قدرات الجمعيات و إبراز ما يمكن أن يعرقل استراتيجية فعلها الجمعوي و تطوير قدراتها المستقبلية على مستوى مكانيزمات التمويل، رسم المشاريع، المراقبة، المتابعة حتى تتمكن من المساهمة في تنفيذ المشاريع.

ـ التطوير الإيجابي في سياسة السلطة اتجاه الجمعيات، و ذلك على مستوى الخبرة و وسائل التوجيه الذي لا يؤدى إلى الوصاية.

ـ إعادة النظر في أنماط تعامل السلطة العمومية و تحديث خبرة المشرفين على القطاع الجمعوي في الدوائر الوصية و ذلك بالتركيز على:

ـ تطوير أساليب التواصل و توزيع المعلومات.

ـ تمكين الجمعيات من الخبرة العارفة بميكانيزمات الأداء الجمعوي و خاصة في المناطق الريفية الأكثر فقرا.

ـ تطوير و إدخال ميكانزمات جديدة في طرق التعامل مع الجمعيات، مما يمكن من إقامة علاقة مباشرة بين مراكز السلطة العمومية ذات الاهتمام والجمعيات.

ـ إعادة رسم دور الجمعيات في أجندة الدوائر الحكومية و بالتالي تغيير المواقف السلبـية المتراكمة تاريخيا حول دور الجمعيات.

ـ العمل على تحقيق التوازن و التمركز الجغرافي للجمعيات و محاولة تشجيع تأسيسه على مستوى المناطق الريفية و إعطاء الأفضلية لجمعيات النوع الاجتماعي و جمعيات الفئات الأكثر ضعفا فيها؛ هذه المناطق التي تعاني من اشد مظاهر الحاجة إلى الفعل الجمعوي المصوب و خاصة اتجاه المرأة الريفية.

هذا التوازن يمكن الشروع فيه بإعادة إحياء الأشكال التنظيمية التقليدية  و تمكينها قانونيا من الوصول الى التمويل و دوائر رسم السياسات التنموية مع الأخذ بعين الاعتبار الكامن الثقافي المعرقل.

ـ تطوير القدرات الذاتية للجمعيات و تطويرها.

مهما يكن، و في إطار الخلاصة العامة، القطاع الجمعوي بالجزائر بالرغم من العوائق الموصوفة سلفا استطاع أن ينمي جملة من القدرات و استراتجيات العمل، وهو قادر جزئيا على الاستجابة لرهانات المستقبل على مستوى الآجال، القصيرة، المتوسطة و الطويله، شريطة أن تطور قدراته وفق بعض المعطيات التى نراها ممكنة  و هي:

ـ في حالة الدعوة للمساهمة في البرامج التنموية المصوبة مثل برامج محاربة الفقر، العمل على ترشيد القطاع الجمعوي لقدراته و التخلي عن الفردانية وخاصة بين جمعيات النوع الاجتماعي التي تتحول في كثير من الحالات إلى جمعيات نسوية متصارعة سياسيا حول الحق الواحد و العمل على تطوير ميكانيزمات التعاون بين الجمعيات على المستوى المحلى و الوطني.

هذا يمكن الوصول إليه بتأسيس العمل وفق ميكانيزمات التلاقي في شبكة معينة تتكون من الجمعيات العاملة في حقل من حقول التنمية الإنسانية.

ـ خلق بنك للمعلومات حول قضايا التنمية موجه خصيصا للجمعيات العاملة في ميادينها.

ـ إعادة النظر في توزيع مصادر التمويل و إخضاعها لإجراءات صارمة وتحديد مقاييس الاستحقاق تحديدا دقيقا و شفافا و بعيدا عن الانتقاء ذو الطبيعة السياسية  و الأيديولوجية.

ـ إعادة رسم سياسة أسبقيات التمويل و إعطاء الأولوية للقطاع الجمعوي العامل في حقول التنمية الاجتماعية خاصة.

ـ تطوير مصادر التمويل المحلى و معالجة القضايا الثقافية المحددة لمصادره ليصبح لجمعيات النوع الاجتماعي حقها المشروع فيه.

ـ جعل القانون المقبل أكثر واقعية و ليونة في مسألة الحصول على مصادر الدعم الوطني و الأجنبي و بالتالي إعطاء الفرصة للقطاع الجمعوي لكى يكون اكثر تفتحا على مصادر التمويل الخارجي، بتطوير وسائل الاتصال والخبرات مع تسهيل قنوات الاتصال مع المانح الخارجي و جعل هذا المانح اكثر اتصالا و انغماسا في عملية تقييم الحاجات و رسم المشاريع الممولة و بالتالي الخروج من دائرة الجمعيات الواسطة التي هي سمة هذا الصنف حاليا.

ـ تجسيد مطلب الحاجة إلى تأسيس مجلس وطني للجمعيات، و خلق دار للجمعيات لتسهيل التواصل بين الجمعيات مع دوائر المنظمات الدولية العاملة في حقول التنمية.

أخيرا فإن التحدي الذي يواجه القطاع الجمعوي، الذي اصبح مطلبا اجتماعيا لمعالجة خطورة الوضع الاجتماعي و الاقتصادي و الذي أصبحت تعاني من تداعياته جل الشرائح الاجتماعية بالجزائر، يفرض عليه إعادة رسم استراتيجية بناء قدراته للمساهمة في البرامج الدولية و الوطنية. غير أن ذلك يبقى غير ممكن ما لم تأخذ المنظمات الدولية و المصالح الوصية الوطنية بالحسبان ضرورة إعادة صياغة علاقتها مع الجمعيات الواسطة المبذرة لمصادر التمويل، الشيئ الذي يقودنا الى التركيز في الأخير على ضرورة تطوير مخزون بنوك المعلومات المتوفرة  لدى الهيئات الدولية والوطنية حول أمور التنمية وجعلها سهلة الحصول بالنسبة للجمعيات العاملة على المستوى الحلي وإعادة الناضر في سياسة الجمعيات الوسطة العاملة وفق عقلية الاستحواذ و الانقطاع عن الواقع المستهدف و هذا يتطلب بدوره:

ـ تحديد مفهوم النوع الاجتماعي و دوره في تحقيق التنمية الإنسانية المستديمة والدائمة وفق مبدأ الإنصاف، المساواة  في معاملة المرأة أسوة بالرجل و النظر إليهما مساواة من حيث الوضع للخروج من حالة عدم التوافق عند معالجة ظاهرة الفقر التي مست المرأة خاصة و ذلك باتخاذ الإجراءات الضرورية للحد من الهوة التي تفصل بين المرأة و الرجل عند معالجة هذه القضية بالذات و هذا لا يمكن أن يحصل إلا بإعطاء وسائل القدرة على سلطة التسيير المستقل للمرأة لتلبية حاجياتها و ترقية مشاريعها الاجتماعية، وإحدى وسائل هذه السلطة، ترقية جمعيات النوع الاجتماعي العاملة مع التركيز على  ضرورة:

ـ المساواة عند تحديد المصادر المتوفرة و جعل سبيل التحكم فيها متساوية بين المرأة و الرجل.

ـ مشاركة المرأة في المشاريع المشتركة التي تهدف إلى تحسين وضعية الفقراء  و خاصة في المناطق الريفية.

ـ ضمان حد التساوي في الحصول على تكوين مهني جاد و خاصة بالنسبة للفتاة قليلة التمدرس بفتح فرص للتكوين في مناطق الإقامة و ذلك بتفعيل دور جمعيات النوع الاجتماعي في هذا المجال.

ـ التركيز على التكوين المؤدي الى تحسين قدرات تسيير المشاريع بالنسبة للمرأة، سواء كان ذلك على مستوى مناطق الإنتاج الفلاحي أو مناطق الإنتاج الصناعي مع تأطيرها جمعويا.

ـ تشجيع جمعيات الدفاع عن حق المرأة في الشغل و خاصة في المناطق الريفية مع التركيز على فئة المطلقات، الأرامل المعيلات لأسرهن.

ـ تقوية إمكانية المرأة في الصعود و احتلال مراكز القرار بشكل يوسع من إمكانيات تمرير مشاريعهن الانمائية.

ـ خلق ميكانيزمات جديدة منتجة من طرف النساء العاملات في القطاع غير الرسمي  و تنظيمهن جمعويا لتمكينهن من الحصول على العائد منه.

و أخيرا، العمل في إطار منظم و مؤطر  لتطوير الدراسات الإحصائية الهادفة لفهم أكثر لمنصب عمل المرأة لإخراجه من حالة الضل و إدخاله في إطار المجهود العام لمحاربة الفقر.

 دور هذه الجمعيات النسوية لا يمكن أن يكون فعّالا إلا إذا تمّ تجاوز التركيز على البعد السياسي والاهتمام بالبعد الاجتماعي لأن ظاهرة الفقر هذه تحولت من موضوع المحرم ايديولوجيا الى مفهوم تخوض فيه وتلجه حتى الدوائر الرسمية والإعلامية، لان واقع انتشارها بين الفئات الاجتماعية المتعددة يعد بالملايين في السنوات العشر الأخيرة و اتسعت دوائرها إلى حد ضرورة خروج الباحث عن التنظير المبسط للفقر إمكانيات معالجته، إذ لم تبقى ظاهرة الفقر مسألة عرضية مقيمة ومحصورة résiduel بإمكان النمو croissance والتطور الاقتصادي أن يؤديا إلى القضاء عليها وفق التصورات التي وردت في بعض التقارير الدولية و الوطنية العديدة، و منها تقرير المجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي و المشار إلى أرقامها سابقا والتي تؤكد جميعها على ارتفاع معدلات الفقر و بشكل مخيف الى جانب انتشار رقعته الفئوية و الجغرافية، نتيجة سياسة إعادة الهيكلة و طرق تطبيقها المترددة، التي أدت إلى ركود الاقتصاد و تراجع في عرض مناصب الشغل وغلق الآلاف فعلا والتي مست الفئات الاجتماعية الأكثر ضعفا و زادت من تهميش المرأة مهنيا واجتماعيا و ذلك لعدة أسباب منها:

1. عدم توفر المؤهلات المطلوبة في مناصب الشغل الجديدة المعروضة.

2. العيش في مناطق تنأى عن مناطق توفر مناصب الشغل الجديدة والمحصورة.

لقد زادت هذه الأسباب في حدة ارتفاع معدلات الفقر بين هذه الفئات النسوية منها خاصة التي كانت تعاني من بعض مظاهره فعلا.

وعلى ستوى تنظيمات الشباب :

 ـ تقارب الجمعيات موضوع الدراسة في مضامين برامجها طرح صعوبة كبيرة ، في عملية تقييم اعمالها المنجزة ، في اطار البرامج التعاقدية .

ـ أغلب اهداف التنظيمات المدروسة صيغت بصفة عمومية، يصعب معها  قياس نتائجها، وتأثيرها في الميدان، وكذا عملية المراقبة والمتابعة من طرف الجهات المانحة للدعم المالي .

ـ أغلب قيادي هذه التنظيمات سبق لهم ممارسة العمل الجمعوي في اطار الحزب الواحد، لذلك لم تتبدل نظرتهم الى دور واهمية هذه التنظيمات في بناء أسس المجتمع المدني.

ـ تبني هذه التنظيمات لتلبية الحاجات المادية والمعنوية للشباب بشكل مبالغ فيه، مما أفشل الكثير من المشاريع التي تبنتها بسبب نقص الخبرة، المالية والإدارية  والتسييرية لمؤطريها.

ـ عدم التقدير الرشيد لتكاليف إنجاز المشاريع التعاقدية تسبب في رفض الكثير من المشاريع التعاقدية المهمة، من طرف الجهات المانحة للدعم المالي.

ـ أغلب التنظيمات المتعاملة مع الشباب تميل الى اعتماد النشاطات الإحتفالية وهذا لسهولة الإنجاز، وسهولة التقديرات المالية التي تتطلبها هذه العمليات والتي يعتبرون مشروعها التعاقدي مضمون التمويل.

ـ أغلب التنظيمات الجمعوية الوطنية المتعاملة مع الشباب ليست لها تنظيمات محلية ( البلديات ) وإن وجدت فأهدافها ليست مستمدة من أهداف التنظيم الوطني الذي تنتمي اليه. وهو ما يؤدي الى فتور العلاقة بينهما. وعدم التقيد بالتزامات التنظيم الوطني، الذي ليس له أية وصاية على قواعده إن وجدت، على عكس التنظيمات الرياضية والمهنية الى حدما.

ـ لم تتمكن الجهات التي لها حق الإعتماد من ضبط عدد التنظيمات من الناحية الإحصائية، حيث توقف العديد من التنظيمات الجمعوية عن النشاط، دون أن تعلن عن حلها، وتبقى مدرجة في الإحصائيات الوطنية

ـ بعض التنظيمات الجمعوية، المتعاملة مع الشباب، والتي أسستها الإدارة في البداية لتشجيع العمل الجمعوي، تحولت مع مرور الوقت، الى مجرد ادارة رسمية تحت غطاء جمعية، فتقدم الأموال اليها من طرف الجهات المانحة دون حساب، لإستعمال هذه الأموال فيما بعد، وعند الضرورة  في أنشطة مختلفة. فتحولت هذه التنظيمات الى صناديق مالية !

ـ أغلب التنظيمات الجمعوية المتعاملة مع الشباب والمسماة وطنية، تتمركز مقرات ادارتها في الجزائر العاصمة، واغلب أعضاء المكتب المسير يقيمون بالعاصمة. وهذا مايجعل مشاريعها التعاقدية، مقومة بشكل مبالغ فيه. اذا كانت المشاريع تنفذ في ولايات بعيدة عن العاصمة :

ـ أغلب التنظيمات المتعاملة مع قطاع الشباب ليس لها مقرات خارج مؤسسات الشباب مما يخلق ازدواجية إدارية للنشاطات في هذه المؤسسات.

ـ امكانيات الجمعيات المادية والبشرية والفنية في الوقت الحاضر لا تمكنها من القيام بعمليات المحاسبة والتدقيق المالي…الخ. وعليه على الجهات المانحة أن توفر عملية التكوين الضروري في هذا المجال .    

 ـ ضرورة تكوين مؤطري الأنشطة العلمية والثقافية والفنية، وترفيه الشباب،  ضمانا لترقية هذه الأنشطة، وضمان الإنجاز المقبول عند التعاقد مع هذه التنظيمات.

 ـ  ضرورة تدريب وتكوين قيادي التنظيمات المتعاملة مع الشباب، على تقنيات إعداد المشاريع التعاقدية، من ناحية البرمجة والتنفيذ والتقويم .

  ـ  ضرورة تكوين قيادي التنظيمات الجمعوية المتعاملة مع الشباب حسب خصوصيات المناطق التي تتواجد فيها الجمعية. ريف، بلدة، مدينة. وحسب المناطق الجغرافية.

  وأخيرا يمكن القول، أن التنظيمات الجمعوية في الجزائر، أصبحت تمثل واقع تنظيمي لم يكن متوقع على مستوى ذهنية التخطيط العام في رسم إستراتيجية عملية التغير في المجتمع الجزائري إن كان على مستوى عملية التحول الدمقراطي او على مستوى المساهمة في عملية التنمية المستدامة و كذا في عملية التكامل إن كان على المستوى الوطني، الإقليمي، القاري و الدولي. أن النموذج التنظيمي الذي أصبح ينظر إليه من ناحية الدور كبديل عن الدولة الوطنية و عليه و بالرغم مما توصلت إليه هذه الدراسة من نتائج ثمينة يمكن الإستفادة منها في خطوات التنمية البشرية و الإنسانية إلا أن الدراية بكل قضياها لم تصل إلى حد الإلمام الشامل من حيث الدراية بفئاتها المتعددة إلى جانب نقص المعرفة السوسيولوجية بالملمح السوسيولوجي لقيادات الحركة الجمعوية  و مسارهم المهني و سلمية تدرجهم الإجتماعي و هو ما يمثل  حقل الدراسات المتطلع إليها مستقبلا.