Publications PNR du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Publications PNR

برنامج وطني للبحث كراسك، 2005، ص. 71-83 | نص كامل


 

 

يسمينة زمولي

 

 

يعد محور هذه المداخلة "نظام التلقيب في الجزائر" جزءاً من موضوع مذكرة الماجستير في التاريخ حول "الألقاب العائلية في الجزائر من خلال قانون الحالة المدنية أواخر القرن التاسع عشر الميلادي -مدينة قسنطينة نموذجا-" والتي لم يُنته من إعدادها بعد. ولهذا تم اختيار هذه الإشكالية علّها تساهم في طروحات الملتقى، وما تلقاه من تقييم وتقويم من طرف المختصين الأفاضل وذلك في أربع محطات أساسية:

التطور التاريخي للقب – من النبز إلى التقنيين-

-قانون 23 مارس 1882 - قراءة بين الظاهر والباطن

معايير الاختيار -بين الامتداد الوراثي والذهنية الجزائرية-

معايير الإجبار –اللقب بين إكراه الرافض وارتجال للغائب-

التطور التاريخي للقب-من النبز إلى التقنيين-

تكون البداية بتحديد مفهوم مصطلح "اللقب العائلي"، الذي شهد تطوراً في مدلوله اللغوي، حيث استعمل قبل التواجد الفرنسي بالجزائر، مثلما هو الحال بالعالم العربي الاسلامي، على أنه الاسم الذي يأتي بعد الاسم الشخصي للفرد في لفظ يدل على المدح أو الذم، وفي الغالب لم يقصد به التحقير أو الاساءة[1]. حيث استعمل كاسم شهرة في العديد من المرات، وقد يكون لقبا وكنية في الوقت ذاته مثل"أبو هريرة"؛ لحمله لهرة، أو بنوة مثل: "ابن الكتب" وهو لقب السيوطي الذي ولد بمكتبة والده، أو اسماً مركباً من اسم علم وعبارة الدين مثل: سراج الدين، تاج الدين، وقد يستعمل بمفرده في تعيين الشخص، أو ضمن السلسلة التسموية التقليدية الطويلة.[2] مع العلم أنه لا يورث للأبناء والأحفاد، على عكس المدلول الحديث للقب المرادف للفظ الفرنسي « nom patronymique ».

أضيف للفظ "لقب" عبارة "عائلي" تمييزاً له عن المدلول اللغوي الأول، وأصبح يدل بعد مجيء الفرنسيين للجزائر وفرضهم لنظام الحالة المدنية، ذلك اللفظ الذي يساعد على تسمية الأفراد والتمييز بينهم في الحياة الاجتماعية والقانونية رسميا وفق القانون المدني، وهو الاسم الذي ينتقل ويورث بين أفراد العائلة عن طريق البنوة، باعتباره ملكية خاصة لها[3]. بينما عُرف في وثائق الإدارة الفرنسية بالجزائر على أنه "الاسم النسبي"، أو "اللقب الأهلي"[4]، في حين درج الاستعمال عندنا على أنه "اللقب العائلي" أي "النقمة" أو "النكوة" حسب اللسان الدارج شرق البلاد وغربها[5] واستمر إلى الوقت الحاضر.

قانون 23 مارس 1882 قراءة بين الظاهر والباطن

لم يحاول المستعمر الفرنسي التأقلم مع نظام التسمية في الجزائر، القائم على القاعدة الرباعية أو الثلاثية في أغلب الأحيان من بنوة، نسب أو نسبة. وفضل بسلطة المستعمر القاهر إرساء نظامه التسموي على الجزائريين، القائم على الاسم الشخصي والاسم العائلي فحسب، خاصة عندما ظهرت الحاجة إلى إدماجهم في الحياة المدنية من أجل الحفاظ على الحقوق ومعرفة الواجبات. عندها تطلبت الأهمية الإدارية التمييز بين الأفراد باعتبارهم وحدات معزولة عن بعضها البعض، فتوجب على التلاميذ الملتحقين بالمدارس الكولونيالية وبالموظفين والمستخدمين العاملين بالمصالح والإدارات الفرنسية المختلفة تقديم وثائق إثباتية لشخصهم، من أجل التمييز بينهم والتفريق على سبيل المثال بين "محمد بن علي" و "محمد بن علي ".

و مع ذلك لم تظهر الحاجة إلى نظام التلقيب بشكل جدي إلا بفرض قانون فارني Warnier للملكية، عندما لم تتمكن مكاتب الرهون العقارية التمييز بين مختلف العقود المسجلة وتوزيعها على أصحابها بسبب تطابق الأسماء[6]. ومن ثمة اتجه اهتمام الإدارة الاستعمارية لفرض اللقب العائلي بين التداول الجزائري، والقضاء بصفة رسمية على نظام البنوة بالنسبة للجزائريين.

فنص القانون لا يوحي بتحطيم الرصيد الاجتماعي والتاريخي ولا حتى النفسي للجزائريين، إلا أن باطنه يفصح عن تفكيك للنسب العائلي وتغييبه بأذهانهم، مما نتج عنه تنكر معظمهم للأنسابهم، وأرسى عملية التأقلم مع الوضع بالتعتيم الدلالي للألقاب المتداولة، كما يعكس قبول الذهنية الجزائرية للألقاب الجارحة منها والمشينة إما عن وعي أو دون وعي وهنا تكمن المشكلة.

معايير الاختيار-بين الامتداد الوراثي والذهنية الجزائرية

شاع لدى الذاكرة الجماعية الجزائرية أن المستعمر الفرنسي عمل على تشويه المنظومة الاسمية للجزائريين، بفرضه نظام الألقاب العائلية المتنافي حسب اعتقادهم مع هويتهم. وهذا يدعو إلى طرح السؤال الآتي هل أرغمت الإدارة الفرنسية الجزائريين على تبني نظام التلقيب ذي النمط الفرنسي؟ أم أن الجزائريين فهموا ذلك خطأَ وانجروا وراءه؟

أراد المستعمر الفرنسي أن يجعل المنظومة الاسمية للجزائريين مماثلة لنظامه التسموي، فألزم بصفة رسمية ومنتظمة كل سكان المنطقة التلية المدنية بحمل ألقاب عائلية ابتداء من تطبيق القانون، بعدما اقتصر في المرحلة الأولى على طبقة المالكين فحسب وفق المادة (17) من قانون فارني Warnier لسنة 1873. ثم أعطى صورة واضحة عن العائلة العربية من وجهة نظر قانون الحالة المدنية، وبيّن من له أحقية اختيار اللقب العائلي من بين أفرادها، وهذا بالرجوع إلى الابن الأكبر بعد أبيه أو عمه حسب مكانتهم، وفي حالة عدم وجود رجال أو وفاتهم يؤول الأمر إلى النساء، حسب نفس النمط والتسلسل: إلى أم الأب، ثم إلى زوجته، أخته فابنته وهكذا، أما إذا كان المعني بالاختيار قاصر فينوب عنه وليه[7]. و في حالة غياب المعني بالأمر عن مقر إقامته وتعذر الاتصال به يرجع الحق إلى أحد هؤلاء الأطراف مثلما أشار إليه القانون. ومن ثمة كان حمل الجزائريين على تبني الألقاب العائلية عملية إجبارية، إلا أن القانون فوَّض لهم حق الاختيار.

يلاحظ قارئ قانون 23 مارس 1882 أن المشرع الفرنسي لم يهدف إلى فرض التسمي بالاسم العائلي بصفة مقننة لكي يكسر القاعدة السائدة في التسمية آنذاك، أو يشوه صورة الجزائري من خلال بطاقته التعريفية، بقدر ما كان هدفه عملية تنظيمية تسهل عليه التمييز بين الأفراد.

كما أن المتفحص لقانون التلقيب ولأوامره التنظيمية المكملة، يشعر بحرص المشرع الفرنسي على أن يتم اختيار الجزائريين لألقابهم العائلية من تراثهم المحلي أو من موروثاتهم الاسمية، وعدم تشجيع أولئك المتبنيين للألقاب الغريبة وليست لها علاقة بشخصيتهم الحضارية والاجتماعية. على الرغم من أن هذه الاختيارات مشروعة وأصلية، ذلك أن هدف القانون هو حمل الجزائريين على تبني نظام التلقيب بصفة اعتيادية ومقننة، وليس سلخهم عن تراثهم وميراثهم التسموي. فمن الأفضل لهم أن يتبنوا أسماءهم وأسماء آبائهم خاصة إن كانت كافية لأن تكون مميزة عن الاسم الشخصي، بدلا من تبني ألقاب عائلية لا تمت لهم بصلة. وهذا ما دفع بالحاكم العام إلى إصدار أمر تنظيمي بتاريخ 20 سبتمبر 1887 للقائمين بالتنفيذ على عدم مسايرة هذه الظاهرة التي بدأت تنتشر [8].

ولقد فُهم القانون في البداية خطأ من طرف الجزائريين مما جعل أبناء العمومة الواحدة ينفصلون عن بعضهم البعض ولو شكليا، وهذا باختيار ألقاب عائلية متباينة مثلما حدث مع "محمد بن عبد الله بن أحمد" من دوار أعطية الذي تبنى اللقب العائلي "جويما Djouima"، في حين اختار ابن أخيه "محمد بن صالح بن عبد الله بن أحمد" لقب "بوقرباع Boukorbaa "[9] .

ويفترض أن هذا التنوع والتمايز في الألقاب العائلية ضمن العائلة الواحدة، مرده تشديد الإدارة الفرنسية على مفوضي الحالة المدنية بعدم منح نفس اللقب العائلي مرة أخرى في نفس المنطقة[10]. من هنا جاء اعتقاد الجزائريين بأنهم مجبرين على التخلي عن أسمائهم القديمة، وتبني أسماء جديدة، كما أدى إلى تساهل المفوضين معهم وتشجيعهم على حمل ألقاب عائلية مختلفة ومتباينة، مما وسع من خريطة التلقيب.

إلا أن الملاحظ أن اختيارات الجزائريين يشوبها بعض الغموض، مما يدفع إلى الاعتقاد بعدم وعيهم لتشويه هويتهم التعريفية باختيار ألقاب عائلية مفرغة من القيم الحضارية والإنسانية ومن الدلالات الجمالية مثلما يوضحه الجدول التالي:

جدول (1)[11]:

يلاحظ أن ثلاثة ألقاب عائلية لها امتداد وراثي، واحد منها ُأخذ من اسم الأب "كعوان"-الذي يدل على عاهة جسدية، في حين استمد لقب "هامل" من اسم الجد، بينما بوشوشة- دلالة جسدية؛ تسريحة الشعر- يحتمل أنه كنية لرابح.

الأكيد فقط أن الدلالة اللغوية لهذه الألقاب العائلية ترمز إلى جسم الانسان وعاهاته (بوأدينة، بوعوينة، بوضرسة، بوشارب، بوكرع، بودبزة، كعوان، مقرون)، الأمر الذي يطرح التساؤل لماذا هذه الاختيارات؟ هل القاموس التسموي للجزائريين عاجز على إعطاء ألقاب ذات دلالات جميلة تنم عن نفس الجزائري وصفاته وقيمه الجمالية؟ أم أن السبب في ذلك، هو الاستعمار الفرنسي الذي شوه المنظومة الفكرية والثقافية الجزائرية بغرسه لكل ما هو سيئ وشائن؟ أم أن الجزائري حرص كثيرا على التمسك بموروثه التسموي القائم على الكنى والأنباز ولم يجد بديلا عنها؟ فمن الصعوبة البث في هذا الطرح حاليا، كونه يتطلب البحث الجدي والموضوعي للتوصل إلى نتائج صادقة، وليس إصدار أحكام تعسفية تطغى عليها الذاتية الوطنية برمي كل اللوم على الاستعمار الفرنسي. خاصة إذا اعتمدنا على قوائم الأسماء الشخصية التي تعد اختيار صريح من طرف الأهل دون ضغوطات خارجية، فمن المستفيد الأول في إدراج مثل هذه الأسماء: مطيشة (Mtaicha, Metaicha)، مجذوب (Medjedoub)، أحمد ناقر (Ahmed Nègre)، خامج (Khamedj)[12]؟ ألا يمكن تفسير ذلك بتأثير المنظومة الفكرية الجزائرية القائمة على الاعتقاد في أمور غيبية كالعين واعتقاد في الأولياء والرجال الصلحاء بالدرجة الأولى؟

الواضح فقط في هذه المرحلة، أن ممارسة حرية الاختيار بالنسبة للجزائريين كانت واقعا لا غبر عليه، حيث دلت الوثائق الأرشيفية لعمالة قسنطينة على ذلك، فمن مجموع 884 لقب عائلي يوجد ثلاثة عشرة لقب فقط فرض بصفة تلقائية من طرف مفوضي الحالة المدنية بسبب عدم العثور على المعنيين بالأمر[13].

أما فيما يخص القواعد التي اعتمد عليها الجزائري في اختياره لألقابه العائلية فهي متنوعة ومتباينة فيما بينها: بنوة (بن عبد الله، بن مرزوق، بن زيان...)، كنية، بوطالب، بوضرسة، بوراس، بومترد، بومعزة، ....)، نسبة (ماضوي، الشمخي، عمري، غربي، زكري،...)، من العلامات الخصوصية (لاطرش، شلغوم، فرطاس، لاكحل،....)، حرفة (قهواجي، جزار، حداد، ....)، نسبة إلى بلدة (فرجيوي، تلمساني، مستغانمي، جربي،...)، أسماء تركية (صالح باي، عاشق يوسف، بن دالي عمر، نعمان باي، تشاندرالي براهم، ...)[14]. وهي لا تختلف عن مدونة الأسماء العائلية التي عرفتها قسنطينة على سبيل المثال خلال القرن الثامن عشر. ولقد تعذر معرفة نسب أي الألقاب العائلية الغالبة مقارنة بالفترة السابقة من أجل الوقوف على التحولات التي شهدتها الجزائر أم لم تشهدها من جراء الاستعمار الفرنسي. الأكيد فقط أن بعض الأسماء الفرنسية دخلت التداول المحلي، وأصبحت أسماء شخصية لبعض أبناء العائلات القسنطينية لكلا الجنسين إما بسيطة أو مركبة: (ألفونسو، لويس، لويز، قرمية بلونش، مباركة جوزيفين، بوجمعة شارل) [15].

معايير الإجبار- اللقب بين إكراه الرافض وارتجال للغائب

وفي الوقت ذاته فرض الاستعمار الفرنسي على الجزائريين ألقاباً عائلية، بتفويض حرية التصرف لمفوض الحالة المدنية بمنح الألقاب العائلية بناء على نص المادة الخامسة من القانون مبينة الحالات التي يلزم فيها الجزائري بحمل اسم نسبي بصفة تلقائية حيث ورد ضمنها: »في حالة الرفض أو الامتناع من طرف الفرد الذي له حق اختيار الاسم النسبي من بين أفراد العائلة، أو الإصرار على تبني اسم سبق التداول به من طرف أحد الأفراد أو العديد منهم، فمنح الاسم النسبي سيكون من طرف المفوض بإقامة الحالة المدنية« [16].

إلا أن التساؤل المطروح كيف يهتدي المفوض في مثل هذه الحالات إلى اختيارات اسمية. هل تمنح الألقاب العائلية بطريقة عشوائية دون معرفة لدلالتها اللغوية؟ أم أنها تمنح بناء على قاموس محدد من طرف الإدارة الفرنسية؟ ومدى التزام المفوض بالتعليمات الممنوحة؟

حاولت الإدارة الفرنسية من الوجهة النظرية-النظرة القانونية- عدم التعسف عند منح الألقاب العائلية تلقائيا، فعمدت إلى وضع دليل للألقاب [17] يحدد معايير الاختيار بالنسبة لمفوضي الحالة المدنية، تفاديا لتهرب الجزائريين أو امتناعهم عن القانون، وتبديد المخاوف والشكوك التي أحاطته..

إن دليل الألقاب العائلية المقترح من الإدارة الفرنسية لم يخرج عن المألوف في نمط التسمية والتلقيب الجزائري في الإجمال، حيث حاولت أن تكون مرجعيتها في ذلك التراث المحلي عندما اقترحت أسماء بعض الشخصيات الذائعة الصيت بالجزائر كأسماء بعض الفاتحين، أو الأبطال الأسطوريين أو أسماء بعض الأولياء الصالحين. ولم تكتف بذلك، بل وسعت دائرة الأسماء المقترحة سواء منها المستمدة من الحرف التي كانت شائعة منذ بداية الإسلام بالمنطقة واتخذت كأسماء عائلية خاصة أثناء التواجد التركي بالجزائر [18]، أو النسبة إلى الموطن الأصلي [19]، أو من بعض العبارات الشائعة الاستعمال مثل (زعما، خيار، ..). أو حتى التلقيب بالصفات والعاهات وهي عادة العرب منذ القدم في التلقيب والتكني.

لكن ما هي الحالات التي أجبرت مفوضي الحالة المدنية على تطبيق المادة الخامسة من القانون؟ دلت بعض الوثائق الصادرة عن الإدارة الفرنسية أن تطبيق نص المادة الخامسة من القانون، كان سببه في الغالب تعذر العثور على المعني بالاختيار بسبب عدم معرفة مقر إقامته، وعدم إمكانية إرجاع ذلك الحق إلى من يليه مرتبة، مما دفع بمفوضي الحالة المدنية إلى منح ألقاب عائلية. ومن هنا تسقط فرضية رفض الجزائريين لنظام التلقيب ولو من الوجهة النظرية.

ما هي الألقاب العائلية الممنوحة بصفة تلقائية من طرف مفوضي الحالة المدنية؟ وهل هي تتطابق مع الدليل الذي وضعته الحكومة العامة في مثل هذه الحالة؟

يمكن التعرف على هذه الألقاب من خلال الجدول التالي المستمد من بعض دواوير عمالة قسنطينة ما بين 1886- 1890:

جدول رقم (2) [20]: يوضح الألقاب العائلية المفروضة من طرف المفوضين بسبب غياب المعنيين بالأمر، وإصرار أحدهم على حمل لقب اختير سابقا في نفس الدوار.

تعد نسبة الألقاب العائلية الممنوحة تلقائيا من طرف مفوض الحالة المدنية بموجب المادة الخامسة من القانون ضعيفة مقارنة مع نسبة الألقاب العائلية المختارة من طرف المعنيين من خلال الوثائق التي تم الاعتماد عليها [21]، خاصة تلك التي تدل على كيفية الاختيار فمن مجمل 884 لقب عائلي مختار من طرف أصحاب الحق يوجد ثلاثة عشر اسماً نسبياً منح من طرف مفوض الحالة المدنية تلقائيا؛ في حين ستة حالات منها اقترح فيها اللقب العائلي من طرف أحد الأقرباء، وفي حالة واحدة كان إصرار المعني على تبني لقب منح من قبل لأحد الأفراد. أما بقية الحالات كان تطبيق نص المادة الخامسة من القانون بسبب عدم معرفة إقامة المعنيين بالاختيار.فكانت نسبة الرفض أو الغياب بالأحرى ضعيفة جدا، إذ قدرت بـ 1.33% وهذا دليل على خضوع الجزائريين لنظام الحالة المدنية طوعاً ودون تمرد إلى أن تثبت الوثائق العكس.

ومع ذلك ظهرت تجاوزات للتعليمات التنظيمية، ولقانون 23 مارس 1882 من طرف مفوضي الحالة المدنية، الذين كانوا ضباط صف مبعدون في أغلبهم من الجيش لعدم كفاءتهم المهنية، أو لاستهزائهم، أو من طرف مفوضين عنصرين عارفين بأمور الجزائريين بمنح ألقاب عائلية جارحة ومهينة، فذهبوا إلى درجة منح أسماء فرنسية لحيوانات، وفي أحسن الأحوال تم تعريبها، أو أسماء العديد من الحيوانات بلسان العربي كما فرضت ألقاب مضحكة، بسبب استخفاف الجزائريين بهذه العملية، أو بحجة رفضهم لنظام التلقيب [22].

ومع ذلك لم يكن سبب ظهور هذه الأسماء العائلية المشينة رفض الجزائريين المسلمين لحملها، إذ لم يعثر على وثيقة تحمل منح لقب عائلي بسبب الرفض ماعدا وثيقة واحدة من مجموع وثائق الملفات الثلاث المعتمدة في الدراسة؛ رفض فيها أحمد بن مخلوف بن ضيف حمل اللقب العائلي "ضيف" لعدم معرفته بهذا الاسم في عائلته، وأعرب عن رغبته في حمل اسم جده "جابر" كلقب عائلي [23]. ولا يعد هذا التصرف من طرف أحمد بن مخلوف رفضاً لحمل اللقب العائلي في حد ذاته، بل يعتبر اعتراضاً على اللقب العائلي الذي ليس لديه امتداد وراثي عائلي، وهذا ما ذهبت إليه آنا برازيمي (Anna Parzymies) [24] التي توصلت إلى أن منح الألقاب العائلية بناء على المعلومات التي تمكنت من جمعها؛ بأن الجزائريين لم يرفضوا الخضوع إلى نظام التسمية الفرنسية الجديدة المفروض بموجب قانون 23 مارس 1882 حتى وإن وجدت حالات نادرة إما بسبب جهلهم أو ريبتهم من العملية نفسها. أما الرفض فكان من طرف مفوضي الحالة المدنية للألقاب المقترحة من طرف أصحاب الحق في الاختيار، حيث رفضوا في بادئ الأمر الأسماء الأبوية التي تكررت كثيرا وأدخلتهم في دائرة مغلقة من جديد، ثم فيما بعد الأسماء العائلية التي تكررت كثيرا في إقليم واحد، خاصة أسماء القبائل في الأرياف وأسماء العائلات الكبرى في المدن [25].

ومع ذلك، وُجدت ألقاب عائلية جارحة لا يمكن تصورها، ولا حتى قبولها ساهمت في تشويه الهوية الوطنية، وتعتبر تجاوز في حق الإنسانية مثل: بخيشة، بخوش، بلبخوش، بقة، بن بولة، بولة، بوزبيلات، جاحشة، بوحلوف، بوجران،حمار، طاكوك ...)، وهناك ألقاب يتعذر الحديث عنها بسبب ما تحمله من دلالات معنوية عن الأعضاء الجنسية [26]. وغيرها من الألقاب الأخرى الدالة عن: السَبّ، الفحشاء،....[27]

ولم تقف تجاوزات مفوضي الحالة المدنية عند هذا الحد، بل اخترقت كل الأعراف المتعامل بها بين الأفراد، وتفننت في أساليب القمع والتعتيم بأن أجبرت قرى القبائل إلى حمل ألقاب عائلية لم ينص عليها القانون؛ بأن تبدأ أسماء الدشرة الفلانية بحرف الألف، والأخرى بالباء، وهكذا دواليك، فقط من أجل التعرف على الأشخاص وعروشهم ومواطن إقامتهم بسهولة بمجرد ذكر اسم الشخص. [28]

ولم تكتف بهذه الأساليب في التلقيب، بل ابتدعت نمط جديد في التسمية يتمثل في "عدم إمكانية التسمي" بإضافة ثلاثة حروف مكان اللقب العائلي: SNP وهي اختصار لعبارة (sans nom patronymique) أي دون لقب عائلي، ولم يوجد لها تفسير مقنع.

جدول (3) [29]: يدل على تعويض اللقب العائلي لعدم وروده بعبارة "دون لقب عائلي"، وتصبح متداولة.

واعتقد الرأي العام الجزائري أن كل من يحمل هذه العبارة SNP يعد شخصا غير شرعيا، إلا أن الحالات المماثلة، حمل فيها الأطفال اللقب العائلي لأم، وبهذا تدحض هذه الفرضية. ولقد سبب الانكار التسموي للخاضعين له تعقيدات نفسية واجتماعية جسيمة[30].

ما يمكن استخلاصه مرحليا هو عدم المطابقة بين النص القانوني، وممارسات التطبيق، مما أدى إلى تشويه الهوية الاسمية للجزائريين باسم القانون الفرنسي. الذي َأفرغ الألقاب العائلية الجزائرية من قيمها الحضارية والتاريخية والدينية والإنسانية، وأعطى –القانون- معجما [31] من الألقاب المشوهة دلاليا.

ومع ذلك، ليس من الموضوعية التاريخية في شيء أن نرمي كل اللوم على المستعمر الفرنسي، ذلك أن الدراسة بينت أن أغلبية الألقاب العائلية التي تم الوقوف عندها، باستثناء الألقاب الجارحة، تعكس الذهنية الجزائرية بشكل كبير، مما يعاني أن الجزائري تساهل أو تعامل مع منظومته الاسمية بكل عناصرها بتهاون وتخاذل كبيرين، فمن غير المعقول أن يختار اسم لابنائه مطيش، خامج،...، فقط لاعتقادات غيبية وتفسيرات تفاؤلية أو تشاؤمية ويلقب نفسه بوبغلة، بودابة، كحل الرأس، بوالعينين،....[32] ويسمح للمستعمر الفرنسي بأن يصفه ويلقبه بأشنع الألقاب لفظا ودلالة عندما يتخلى عن حقه في اختيار اللقب العائلي الذي يناسبه. واستمر هذا الوضع إلى الوقت الراهن، وهو الأكثر ايلاماًً، عدم اهتمام مواطنينا بالاختيارات الدلالية لأسمائهم، وعدم محاولتهم لاستبدال الألقاب التي يحملونها رغم إساءتها لهم ولآبائهم وأبنائهم، إما جاهلا لقيمها ودلالاتها، أو اندفاعا لتقليد الغرب والشرق، والتنكر لموروثه الحضاري بكل ما فيه من قيم، أو تهربا من الإجراءات القانونية والإدارية الشاقة. أو قناعة ورضا.

الأكيد فقط أن الموضوع يحتاج إلى تعمق كبير وتضافر كل التخصصات خاصة منها الأنثروبولوجية، وعلم اللسانيات ذلك أن عدد كبير من الألقاب العائلية يبقى مجهول الدلالة اللغوية في غياب الدراسات اللغوية للهجات المحلية، وكذلك علم التاريخ الذي يكشف الفاعلين الحقيقيين في الحركية التاريخية.


الهوامش

[1]  محمد عبد الروؤف المناوى (952-1031هـ)، التعاريف، ح1، ط:1، تحقيق: محمد رضوان الداية، دار الفكر المعاصر، دار الفكر، بيروت، دمشق،  1410هـ، ص624.

[2] -Sublet (Jacquline), Le voile du nom –essai sur le nom propre arabe, 1er édition, Presses Universitaires de France, Paris, 1991, pp.80-82.

[3] -Encyclopaedia Universalis, France SA 1999, matière patronyme, CD-Rom.

Benramdane (Farid), « Qui es-tu ? J’ai été dit. De la destruction de la filiation dans l’etat civil d’Algérie ou éléments d’un onomacide sémantique », In Insaniyat, n° 10, janvier-Avril 2000, p.81.

[4] - Dossier C P E Condé-Smendou 1886-1887 état civil, Arrëté, Le Secrétaire Général du Gouvernement, Alger, 31 décembre 1886, in Boïte 3, I.R, Archive de la Wilaya de Constantine. 

[5] -Ageron (Charles-Robert), Les Algériens musulmans et la France (1871-1919), tome premier, 1er édition, 1er trimestriel, presses universitaires de France, Paris, 1986, p.181.

[6] -Larcher (Emile), Traité élémentaire de législation Algérienne, tome second, n° 643, Arthur Bousseau, Paris, Adolphe Jourdan, 1903, p.152.

[7] -République Française-Algérie, Bulletin officiel des actes, Loi du 23 mars 1882, art. 3-4, tome XXII°, vingt-deuxième, imprimerie de l’association ouvrière, Alger, 1883, p.165.

[8] -Gouvernement Général de l’Algérie,  Instruction faisant suite aux instructions générales du 17 aoüt 1885 sur la constitution de l’état civil des indigènes musulmans de l’Algérie, 20 avril 1888, imprimerie administrative Gojosso et Cie, Alger, (s.d.), p.13.

[9] -Dossier C P E Condé-Smendou 1886-1887 état civil, résultat de la mise en demeure de choisir un nom patronymique, et, l’arbre généalogique n° 129,à Cheraia, le 13 mai 1886, op-cit.

[10]  -Cornu (E.), Guide pratique pour la constitution de l’état civil des indigènes (Titre 1er de la loi du 23 mars 1882), librairie Adolphe Jourdan, Alger, 1889, p.38.

[11] -Dossier C P E Condé-Smendou 1886-1887 état civil ; Douar Sferdjela ,Liste 2 des indigènes avant droit au choix du NP,  Douar Saoudek, Liste 2 des indigènes avant droit au choix du NP, Constantine, 2 avril 1887, op-cit.

[12] - Registres des Naissances Musulmanes (1870-1873-1889-1893), APC de Constantine, service de l’état civil.

[13] - Dossier C P E Condé-Smendou 1886-1887 état civil, Arrëté, Le Secrétaire Général du Gouvernement, Alger, 31, décembre 1886, op-cit.

[14]  -Registres des Naissances Musulmanes (1870-1900), op-cit.

[15]  - Ibid. 

[16] - République Française-Algérie, Bulletin officiel des actes, Loi du 23 mars 1882, op-cit. p.159.         

[17]  -Cornu (E.), op-cit. pp.35-38.

[18]  قشي(فاطمة الزهراء)، قسنطينة المدينة والمجتمع في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، من أواخر القرن الثامن عشر على   منتصف القرن التاسع عشر، رسالة دكتوراه الدولة في التاريخ، إشراف الشريف محمد الهادي، جامعة تونس الأولى، كلية العلوم الإنسانية، سنة 1419هـ/ 1998م، ص 201-203.

[19] المرجع نفسه، ص ص.190-192.                                                                                                                                    

[20]  - Dossier C M du département Etat civil des indigènes 1891,  listes des indigènes avant droit au choix du NP et qui sont absents. 

- Dossier CPE Condé-Smendou Etat civil 1886-1887, listes des indigènes avant droit au choix du NP et qui sont absents.

[21] -Trois Dossier de l’état civil de C P E Condé-Smendou (1886-1887), CM Ain el Ksar (1890-1893) et C M du Département 1891, in Boïte 3, IR, op-cit.

[22] َ   -Ageron (C. R.), op-cit. p.181.

[23] Dossier C P E Condé-Smendou état civil 1886-1887, envoi d'une formule, n°533, Oued el Aneb, 27 septembre 1886, op-cit.

[24] Ibid..  

[25] Ibid.

[26] Registre de Naissances Musulmanes (1874-1900), op-cit.

[27] Benramdane (F.), op-cit. p.83

  Lacheraf (Mostefa), Des noms et des lieux mémoire d’une Algérie oubliée, Casbah édition, Alger, 1998, p.170.

[28] Ibid. p. 171.

[29] Registres des Naissances Musulmanes (1895-1897-1898), op-cit.

[30] Benramdane (F.), op-cit. p.83.

[31] ولإطلاع أكثر يمكن الرجوع لتصنيف الذي وضعه الدكتور: بوخلخال، عبد الله، " الأسماء والألقاب في الجزائر دعوة إلى دراستها دراسة لغوية دلالية وحضارية"، في، أعمال الموسم الثقافي، مدونة -المحاضرات الملقاة عام 2000، منشورات المجلس الأعلى للغة العربية، الجزائر،

[32] -Dossier C P E Condé-Smendou 1886-1887 état civil, liste 2, Etat civil des indigènes musulmans, commune de Condé-Smendou, territoire de colonisation, Constantine, 2 aoüt 1887, le commissaire M.Boët, in Boïte 3, op-cit.