Publications PNR du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Publications PNR

البرنامج الوطني للبحث، كراسك، رقم 9، 2005، ص.7-12 | النص الكامل 


 

 

 

 

 

يمثل الإطارات إحدى المجموعات التي أفرزها المسار التاريخي الذي عرفته المجتمعات الصناعية الغربية خاصة مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. إن بروز هذه الفئة قد نتج عن ظاهرتين أساسيتين هما: التصنيع الكبير من جهة و انتشار التنظيمات الصناعية الحديثة وارتفاع حجمها باستمرار من جهة ثانية.و قد كان لعملية الفصل التي تمت في أواخر القرن التاسع عشر في أوربا ثم في أمريكا الشمالية بين ملكية الشركات من جهة و وظيفة تسييرها من جهة أخرى دور كبير أيضا في ترسيخ ظاهرة التأطير و من ثم في بروز مجموعة القائمين على آداء تلك المهمة و نعني بذلك " الإطارات ".

و بما أن مفهوم الإطار يعتبر مفهوما أساسيا في هذا البحث، يتوجب علينا فيما نعتقد و منذ الآن تحديد ما نعنيه من هذه العبارة لإضفاء حد أدنى من الدقة نحن في أشد الحاجة إليها و إن كانت المهمة ليست سهلة. و لعل ما قاله لعياشي عنصر كفيل بإعطاء صورة عما يمكن أن يطبع تداول هذا المفهوم عندما يؤكد على أن هذه العبارة، على غرار الكثير من المفاهيم "العلماجتماعية"، يكتنفها الكثير من الغموض و اللبس بسبب ما تعرفه من انتشار في الاستخدام و نقص في دقة المعنى.

و مع ذلك، فإن إلقاء نظرة على تعاريف المفهوم المقترحة من طرف بعض الباحثين و الملاحظة الميدانية لما يقوم به "الإطار" في الحياة المهنية، يسمح لنا باقتراح هذا التعريف :

يعتبر إطار كل فرد يعمل، في إطار علاقة عمل، في إحدى القطاعات الاقتصادية و كان يقوم، بتفويض من قيادة التنظيم، بإحدى مهام الدراسة أو التخطيط، أو الرقابة، سواء امتلك سلطة أو لا مع اعتراف رسمي له باحتلال تلك المكانة مع ما يترتب عن ذلك الاعتراف من نتائج على موقعه و أجره وواجباته و حقوقه.

و لما كان بحثنا يهتم بإطارات القطاع العام نضيف بأن الإطار الذي نقصده هو كل فرد تتوفر فيه المواصفات التي ذكرنا و كان يعمل في إحدى القطاعات العمومية من مؤسسات أو إدارة أو غيرها. و إن كان الجزء الأكبر من عينة البحث هم إطارات المؤسسات الاقتصادية العمومية. و من الناحية الإجرائية إن إطارات البحث هم إطارات المستويات الوسطى، أي أننا لا نعني الإطارات القيادية الذين تختلف وضعياتهم و مكاناتهم  كل الاختلاف عن الإطارات الذين نقصدهم وهم اطارات المستويات الوسطى.

بعد هذا التعريف نعود لنقول بأن هذه الفئة قد لفتت انتباه العديد من الباحثين في المجتمعات الغربية خاصة في الستينيات و السبعينيات و حتى في الثمانينيات من القرن العشرين و كان الاهتمام ينصب على "التعريف" بهذه المجموعة. و نعني بذلك أن الأبحاث كانت تسعى إلى تحديد الخصائص المهنية و الاجتماعية و الثقافية. و بصفة أدق لقد كان الاهتمام يتمحور حول "هوية" هذه الفئة من خلال الكشف عن الأصول الاجتماعية لأفرادها، ومساراتهم التكوينية، و ما يحملون من قيم و من طموحات و مشاريع و مدى تجانسهم كفاعل اجتماعي و بالتالي عن الاستراتيجيات التي يحتمل أن يعتمدوها لتحقيق تلك الطموحات و التطلعات.

و في هدا الإطار، حاول الباحثون تحديد موقع هذه الفئة و دورها في المجتمع الصناعي المعاصر الذي أفرزها في خضم ما يعرفه ذلك المجتمع من ديناميكية و صراع بين مختلف قواه و مكوناته. و حسب المنطلقات التي ينطلق منها كل باحث، فإن التركيز يتم إما على إمكانية المشاركة في التغيير أو في المساهمة في الحفاظ على بناء المجتمع و استقراره.

أما بالنسبة لمجموعة هذا البحث، و انطلاقا من الواقع المحلي، فإن اهتمامنا بالإطارات في إطار هذا العمل الذي قمنا به بين سنتي 2001 و2004، ضمن المخطط الوطني للبحث، تحت إشراف مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية يكتسي، في تصورنا، أهمية مزدوجة و لا يندرج ضمن الخلفية التي ذكرناها إلا جزئيا. لقد كنا بالفعل نسعى بطريقة أو بأخرى إلى الكشف عما يميز الإطارات الصناعية في بلادنا مهنيا، واجتماعيا، محاولين المساهمة في تحديد معالم هويتها والتعريف بظروفها الحالية و كذلك استشراف مستقبلها كفئة مهنية اجتماعية لم تنل الكثير من الاهتمام في البحوث الاجتماعية الوطنية.

و من هنا و بالاعتماد على تقنيتي المسح بالعينة الذي مس 150 إطارا والمقابلة التي أجريت مع 30 إطارا كلهم يعملون بمؤسسات* اقتصادية عمومية متواجدة بمنطقة عنابة التي اتخذناها نموذجا، حاولنا بلوغ الهدف الذي سطرناه و ذلك من خلال تحديد الأصول الاجتماعية و المسارات التعليمية، لهؤلاء الإطارات، و ظروف عملهم، والكشف عن تصوراتهم عن أدوارهم والمؤسسة و المجتمع و كذلك عن طموحاتهم والصعوبات التي تواجههم كفاعلين داخل التنظيمات و كذلك على مستوى النسق الاجتماعي العام.

إن ما يعطي لإهتمامنا بهذه الفئة خصوصية هو أنه يندرج في سياق اجتماعي وطني له خصوصياته و يتميز عن الإطار الغربي للمجتمعات الصناعية خاصة بما يلي:

أولا : لقد كان بروز الإطارات في بلادنا بروزا خاصا، يمكن وصفه بـ "الإداري" من خلال سياسات و قرارات اتخذتها السلطة القائمة بعد الاستقلال خاصة في أواخر الستينيات في ظل نمط تنموي مخطط ومركزي،يهيمن عليه القطاع العام و تمويل من طرف دولة تمتلك عائدات بترولية تقوم بإعادة توزيعها على  الفاعلين حسب ترتيب حددته السلطة السياسية دون مشاركة.

ثانيا : إن اهتمامنا بالإطارات يأتي في مرحلة حساسة ناتجة عن تغيرات كبيرة حدثت طوال السنوات الماضية و مازالت تحدث على كل المستويات: الاقتصادية والاجتماعية و السياسية و في إطار إنهيار النمط القديم و أزمة خانقة أضعفت وضعية المؤسسات الاقتصادية العمومية، و من ثم وضعية إطاراتها و هو ما جعل طرح السؤال حول وضعيتهم الحالية و المستقبلية أمرا ملحا تساهم الإجابة عليه في تحديد موقع هذه الفئة، و تطورها المحتمل وانعكاسات ذلك على مصير هذه الفئة و على أوضاع المجتمع باعتبار أن لهذه الفئة أدوار حساسة و ضرورية لأي حركة انتاجية أو تنموية مهما كانت الأنماط الأيديولوجية و الاقتصادية المنتهجة.

و حتى نكون أكثر دقة جسدنا هدف هذا البحث و إشكاليته في السؤال التالي: في هذه الفترة التاريخية من تطور المجتمع الجزائري المتسمة بتحولات هيكلية كبيرة على مختلف المستويات و الأصعدة و التي تتميز بمحاولة الانتقال من نمط سياسي أحادي و اقتصاد موجه إلى نمط سياسي تعددي و اقتصاد حر في إطار أزمة حادة تميزت بإنخفاض لمعدل النمو وارتفاع قوي لنسب البطالة و غلق الكثير من المؤسسات الاقتصادية العمومية و تسريح عمالها و إطاراتها و تدهور الحالة المالية للأغلبية الساحقة منها، و انخفاض القدرة الشرائية لمعظم الشرائح العاملة  إلخ، ما هي خصائص الوضعية المهنية و الاقتصادية و الاجتماعية لفئة الإطارات ليس فقط كوحدات إحصائية و لكن كفاعلين اجتماعيين فعليين أو محتملين و بالتالي ما هي معالم الهوية الاجتماعية لأفراد هذه الفئة و ما هي خصائص هذه الهوية ؟

إن هذا السؤال قادنا إلى التساؤل عن خصائص الوضعية الحالية للإطارات من حيث مواقعهم في تنظيم المؤسسة، و في المجتمع، و تمثلاتهم لأدوارهم في المؤسسة و في الحياة الاجتماعية العامة و عن أصولهم الاجتماعية و مساراتهم التعليمية و عن أهدافهم و تطلعاتهم و عن مدى استعدادهم للبروز كفاعل اجتماعي. و في الوقت نفسه إننا نحاول المساهمة في إعطاء عناصر أولية لتحديد طبيعة الشروط النفسية و الاقتصادية و خاصة الاجتماعية التي تتحكم في تواجد هذه الفئة حاليا و محاولة توقع تطورها في المستقبل.

و إلى جانب هذا أو بالأحرى تتمة لهذا، لقد تضمنت تساؤلاتنا انشغالا بوضعية المرأة الإطار لأننا نعتقد أنه و مهما كانت أوضاع الجنسين متقاربة فإن وضعية المرأة العاملة تبقى جديرة بالاهتمام  لأن ذلك يساهم في الكشف عن وضعية قد تكون لها خصوصياتها التي تحتاج إلى معالجة خاصة.

كخلاصة لهذا يمكننا تجسيد اهتمامات هذا العمل في هذه التساؤلات :

  • ماهي خصائص الأصول الاجتماعية و التعليمية لأعضاء فئة الإطارات ؟
  • ما هي طبيعة تصوراتهم عن أدوارهم و عن المؤسسة ؟
  • ما هي أهدافهم و طموحاتهم و هل لهم استراتيجيات محددة ؟
  • ما هي درجة وعيهم بوضعيتهم و مدى تجانسهم و تماسكهم كوحدة اجتماعية ؟
  • ما هي درجة التزامهم و مساهمتم في الحياة الاجتماعية ؟
  • ما هي وضعية المرأة الإطار المهنية ؟
  • كنتيجة لكل هذه التساؤلات، هل بالإمكان رسم معالم أولية لهوية هذه الفئة في بلادنا و هل بالإمكان توقع مسارها المستقبلي ؟

إن محتوى هذا الدفتر ينقسم إلى ثلاة أقسام بحسب عدد محاور الإشكالية، تولى كل واحد من أعضاء فرقة البحث واحدا منها و ذلك على النحو التالي :

  • المحور الأول : " محاولة من أجل تحديد بعض العناصر الأساسية المكونة لهوية إطارات المؤسسات الاقتصادية". لـ : حسان مراني .

نحاول في هذا المحور تحديد بعض معالم هوية فئة الإطارات من خلال : الأصول الاجتماعية، المسار التعليمي، الوضعية الاقتصادية و المهنية والاجتماعية.

  • المحور الثاني : " التكوين الانشقاقي" للإطارات الصناعية الجزائرية من أجل مقاربة سوسيو - أنثروبولوجية". لـ " علي سمــوك.

من خلال أشغال هذا المحور، يحاول علي سموك، معتمدا على مفهوم "التكوين الانشقاقي" تحليل وضعية الإطارات و خاصة تحديد المعوقات العامة و الخاصة التي تحول دون بروز هذه الفئة كمجموعة حديثة على غرار ما حدث في المجتمعات المصنعة.

  • المحور الثالث : " الوضعية السوسيو- مهنية للمرأة الإطار" لـ جهيدة زرزوني.

في هذا المحور الثالث و الأخير، تحاول جهيدة زرزوني تحليل الوضعية المهنية والاجتماعية للمرأة الإطار بوضعها إشكالية خاصة لها  ما يميزها، في إطار إشكالية عمل المرأة، عن وضعية زملائها من الذكور.


الهوامش

* إنها على الخصوص مؤسستنا : ISGA-ALFASID-SONELGAZ-ASMIDAL و كذلك : مفتشية الضرائب.