Publications PNR du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Publications PNR

البرنامج الوطني للبحث، كراسك، رقم 9، 2005، ص. 35-80 | النص الكامل 


 

 

علي سموك

 

 

المقـدمـة:

لقد قرر الفعل الاقتصادي الدولاتي للمؤسسة الصناعية العمومية الجزائرية القيام بعدة أدوار متناقضة، كوظيفة الإنتاج، دون توفير شروط أدائها الموضوعية، ودور إعادة ترتيب المكانات والأدوار الاجتماعية الموروثة عن الحقبة الكولونيالية، وإقامة أخرى جديدة تتوافق والمنظور الإيديولوجي المهيمن عند بداية مسار التصنيع، هذا دون أخذ في الاعتبار الفروقات والمسافات الاجتماعية والثقافية المتجذرة بقاياها في سيكولوجيا وأفعال مختلف الفاعلين في المؤسسة الصناعية العمومية، كحقـل اجتـمـاعـي جـديد CHAMP SOCIAL، والذي يشكل بدوره امتدادا للحقل الاجتماعي الكلي، حيث يدور فيه الصراع من أجل الهيمنة على  الموارد المتاحة والتموقع وكسب النفوذ.

إن الفعل الدولاتي التراتبي القصدي خلق في النظام القيمي الرشيد خللا وتشويها إنجر عنه إنكسارا في التراتبات الاجتماعية المنطقية للمؤسسة الصناعية وخلق ولاءات غير منطقية (القبيلة الجهة، السّياسي ...) أكثر من ذلك، لقد أفرز ذلك الانكسار أقليات اجتماعية انشقاقية منغلقة على ذات سوسيو ثقافية.

يبدو أن التصنيع (غير السوي) الذي قامت به الفئة الاجتماعية المهيمنة على الحقل الاجتماعي الجزائري، والذي استغلته لتبرير شرعيتها، يعبر على تفكيرها وممـارسـاتهـا (الما قبل الصناعية) في تصنيفها للدلالات وترتيبها المنطقي.

لقد وهبتْ المصانع للإطارات مقابل استمرار احتكارها للسلطة والموارد المرتبطة بها ومن هذه المفارقة الإشكالية أثار وضع فئة الإطارات الصناعية الجزائرية سلسلة لا متناهية من الأسئلة الإشكالية، ليس على مستوى الحقل الاجتماعي الصناعي فحسب بل امتدت إلى صعيدي السوسيولوجيا والأنتربولوجيا الصناعية.

فقد بات واضح للوهلة الأولى أن فئة إطارات الصناعة الجزائرية لا تخضع لكثير من مقاييس نخب الصناعة عند مثيلاتها في الدول الصناعية.

وثانيا، أنها ذات تكوين اجتماعي واقتصادي متخلف كليًا، وهذا يعني أن دورها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي يختلف تمامًا.

وثالثا، أنها تتصدى لقضايا عملية ونظرية جديدة تماما، هي حصيلة عصر العولمة وما فوق الإقليمية الوطنية.

ومن المفارقات البارزة في تطور المجتمع الجزائري السياسي، أن القوى والعناصر التي تصوغ تفسيراتها الخاصة للظواهر العملية المتحركة هي ذاتها التي تخطط لعمليات التحرك والتغيير بطرق عشوائية أولا، ثم تنتقل أجزاء منها، شيئا فشيئا إلى مواقع ثانية وقوية، لذلك نجد أن تفسيراتها الأولى للظواهر تنطوي على شيء من التبرير اللاحق لسياسات سابقة. ومن ثم نجد أنفسنا إزاء معطيات تفسيرية لدور فئة إطارات الصناعة الجزائرية يمكن تصنيفها إلى صنفين:

الأول: المعطيات التقليدية التي لا زالت غير قادرة على إغناء ثقافة الانتماء إلى فئة إطارات الصناعة الجزائرية، والناتج البارز لذلك هو حصول الانفصال الطبيعي بين النظرية والعمل.

الثاني: المعطيات الحديثة، أن هذه الفئة لا زالت في دور نشوء، أو تطور، أو انتقال، فيؤدي ذلك إلى استحالة إعطاء فهم وتفسير نهائيين لفئة إطارات الصناعة الجزائرية.

أولا : فـي إشكـالـية الفـهم

إن اللحظة التاريخية التي ظهر فيها التصنيع في أوربا، جاء نتيجة لتلك الديناميكية الاجتماعية التي أنصهر فيها الأفراد بالمجتمع حول عمليات محددة باتجاه أهداف محددة بدقة.

هذه العملية لم تخضع لإرادة التفكير المستقل أو ذاك التشكيل المبيت أو المسبق، بل كانت عبارة عن حصيلة لعمليات اجتماعية تلقائية، إنها إنتاج مجتمع بكامله ولم تأت من إرادة ذلك المخطط.[1]

إن عملية التّصنيع التي ظهرت في الرأسماليات الكلاسيكية أو الحديثة لا يمكن ردّها إلى مسألة نماذج أو تقنيات أو تمثلات وليست أيضا عبارة عن نسق من الموضوعات التي تدفع إلى تكاثف مجموعة من القضايا: (نقص في الرأسمال، مهندسون، العامل المؤهل، سوء التسيير وسوء التخطيط ...).

إن العملية التصنيعية كعملية تغييرية توظف في مجتمع معين يؤديها أفراد فاعلون بحوزتهم تصورات محددة عن العالم، أي في إطار نسق من الموضوعات، يدخلون في عملية تنافسية من أجل إنتاج تراتب اجتماعي عن طريق تغيير نسق الموضوعات.[2]

لقد تبين في بعض الدراسات تجاهلها مشكلة الدور الذي تلعبه جماعة أو فئة أو نظام أو علاقة معينة داخل المؤسسة الصناعية دون ربطها بالصورة الكلية للعلاقة بين الطبقات، وفي هذه الحالة، فإننا ننظر إلى المؤسسة الصناعية على أنها نسق في حد ذاته.[3]

إن دراسة أي فئة اجتماعية داخل المؤسسة الصناعية أو داخل القطاع الصناعي ككل دون إبراز إفرازات الاحتكاك الاجتماعي، قد يجعلنا نتجاهل العنصر الدينامي في الموقف. ولكي نفهم مثل هذه المواقف، فإن ذلك يتطلب فهم الطريقة أو الوسيلة التي من خلالها تستند العلاقات والمعايير السائدة إلى توازن المصالح أو تضاربها بين الأطراف المختلفة داخل المؤسسة الصناعية الجزائرية من جهة، وفي إطار القطاع الصناعي برمته من جهة ثانية.   

ولقد بذلت جهود كبيرة ومناقشات كثيرة حول هذه الإشكالية في الحلقات الآكاديمية والمنظمات العامة التي تكاد تتفق على أن نخبة إطارات الصناعة زمرة اجتماعية بلغت داخل جماعة أكبر أعلى نسب النجاح.[4]

فبداية من <ميلز> وأتباعه نسترجع جوهر النظرية الوظيفية مـن < سان سيمون > مرورا < بكارل مانهايم >.

إلـى جـانب نخـب الإدارة والتـنظـيم <بارسونز وكيلر> وصـولاً إلــى <ماركوز  وهابرماز> القائلة بتعاون شرائح النخبة حفاظا على النظام، لكن <مليز> يضيف إلى هذه النظرية تفسيرا يقول إن هذه الشرائح تتعاون لأن النظام يصنعها في موقع المهيمن المسيطر.[5]

من جهته يشير < أنجلش  ENGHLSH> إلى أن التغيرات الدينامية داخل الجماعات الاجتماعية، ويقصد بالدينامية هنا علاقة العلية، وبينها أيضا كيفية تكوين الجماعة وكيفية أدائها لوظائفها.

كذلك يشير إلى دراسة الوسائل والإجراءات اللازمة لتغيير بناء أو تركيب الجماعة وسلوكها كجماعة وليس كأفراد.[6]

ومن ثم يعتقد < أنجلش > أن فئة إطارات الصناعة، ظاهرة اجتماعية تاريخية وليست معطى عرضي (...) ويضيف،  إن الطبقات والفئات النخبوية تتكون عبر تطور يستغرق مدة من الزمن، يتم خلاله تراكم الصفات (العرضية)  واستقرارها إلى الدرجة التي تتحول فيها إلى صفات ملازمة والصفات العرضية تظهر نتيجة مؤثرات بيئية واجتماعية متنوعة جدا في وسط متشابه، أو متقارب فتؤدي إلى تمايزات (ثانوية) ضمن المجموعات البشرية المتقاربة تأخذ في ظل شروط معينة بالاستقرار والتبلور والتلازم مع مجموعة بشرية دون غيرها، إلى حد صيرورتها سمة خاصة وميزة ذاتية[7]

ولئن كانت هذه السمات والميزات الذاتية التي تظهر في المجتمعات البشرية مجرد تمايزات ثانوية في مراحل النشوء الأولى، فإنها شيئا فشيئا تكتسب طابعا عميقا عندما تنشأ في مجال اقتصادي، نفسي، ثقافي جديد ناشئ.[8]

ومن ثم، إن التمايزات الراهنة بين الفئات الاجتماعية  تمايزات تاريخية، تكوينية وليست طبيعية بيولوجية بمعنى أنها حدثت نتيجة توافر شروط ملموسة واقعية يمكن إجمالها في:

  • الاختـلافـات الاقتصـاديـة
  • الاختلافات الاجتماعية النفسية
  • الاختـلافـات الثـقـافـيـة
  • الاختـلافـات الاستـراتيجية[9]

أ. خطاب الأنتربولوجيا الصناعية

لقد خلصت الأنتربولوجيا الصناعية إلى أن هناك ثمة ميل سابق وراهن لدى الفئات التي تتشكل منها المجموعات البشرية إلى التميز واكتساب أو إظهار صفات تتفرد بها دون بقية الفئات. فداخل المؤسسة الواحدة يميل (الفاعلون) في مختلف مستوياتهم إلى التجمع في جماعات تطمح لتحقيق امتيازات مادية ومعنوية. لكن هذا الميل يبقى في مرحلة تاريخية، وفي شروط معينة مجرد ميل (خاص) ضمن (كل) موحد، لا ينفصل عنه بل يرفض كل فكرة للانفصال. إنه مجرد تنوع (تلقائي) معنوي في الميزات الذاتية للفئات.[10]

ثم تبدأ هذه التمايزات في الموارد الاقتصادية باكتساب وجود مستقل ومتميز بصورة واضحة، عندما تدخل الفئات المادية للجماعة الواحدة في صراع داخلي على الموارد ومصادر الثروة والتوزيعات الجغرافية، فيكون ذلك إيذانا بتفكك التجمع وظهور علاقات فئوية واجتماعية جديدة ملازمة للصراع التاريخي، أي انتقال (فئة) إلى مكان آخر بعيد عن الجماعة التي تنتمي إليها.

وهذا بالضبط (مصدر)  التمايزات الفئوية الأولى والعداءات الفئوية الناجمة عن صراعات (اقتصادية – اجتماعية بقائية متداخلة ومتفاعلة)، تتحول إلى إطار لتكون جديد، يختلف عن سابقه الذي أنتج تلك الجماعة عبر الزمن، ينشأ عن ذلك وضع جديد تماما، طابعه العام خضوع كل فئة منشقة عن الجماعة إلى مؤشرات خاصة بها، تقرر اتجاه تكوينها التاريخي والثقافي والاجتماعي في المراحل السابقة، بل قد يصل الأمر في مرحلة معينة إلى حد فقدان الارتباط المباشر الثقافي والاجتماعي[11]

إن هذه التمايزات التي كانت ثانوية، ثم تحولت إلى تمايزات موضوعية رئيسية تتجلى في لغة خاصة وتكوين نفسي اجتماعي متميز حيث تستمر لفترة طويلة تاريخيا.

ب. خطاب سوسيولوجيا الصناعة:

إن كل سعي وراء التقسيم العلمي للطبقات ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار كون الأعضاء الفاعلين في المجتمع يظهرون كما لو كانوا يتحددون موضوعيا بنوعين متباينين من الخصائص.

فمن جهة، هناك التأويلات التي تتسلح بتوظيف موضوعي للإحصاء لإقامة جداول وتقسيمات بالمعنى الإحصائي والاقتصادي كذلك، وهي التعبير المكمم عن كيفية توزيع كمية محدودة من الطاقة الاجتماعية بين عدد كبير من الأفراد المتنافسين، وهذه الكمية تحدد من خلال مؤشرات موضوعية، أي من خلال خصائص مادية.

ومن جهة أخرى، هناك التأويلات التي ترمي إلى استخراج الدلالات وإبراز العمليات الذهنية التي ينتج عن طريقها هذه الدلالات والمعاني ويستخرجونها.[12]

يرمي الاتجاه الأولى إلى إدراك واقع موضوعي لا سبيل إلى أن تدركه التجربة العادية، كما يسعى إلى الكشف عن قوانين أي عن علاقات دالة، ولكنها ليست علائق عشوائية، تربط الأقسام فيما بينها.

أما الاتجاه الثاني، فيتخذ موضوعا له، لا  الواقع  وإنما التمثلات التي يكونها الأعضاء عنه، تلك التمثلات التي تشمل واقع  عالم اجتماعي يدرك على غرار الفلسفات المثالية كتمثل وإرادة هناك من يسلم بوجود  واقع  اجتماعي مستقل عن وعي الأفراد وإرادتهم.[13]

إن العوامل الاجتماعية التي تعمل فيها استراتيجيات الادعاءات والتمايزات تعطينا صورة تقريبية عن عالم يكون فيه النظام الاجتماعي الناتج عن عملية خلق مستمر، كل لحظة، حصيلة مؤقتة ممهدة لصراع طبقي يؤول إلى صراع ترتيب ومواجهة بين استراتيجيات رمزية، ترمي إلى تغيير الوضع بإدخال تحول على تمثلات الوضع كتلك التي ترمي على سبيل المثال إلى إنكار المسافات.[14]

ومن ثم، فالتعارض بين النظرية الماركسية في الصورة الموضوعية الضيقة التي تتخذها في أغلب الأحيان، وبين نظرية < ماكس فيبر > الذي يميز النخبة (الطبقة الاجتماعية) عن المجموعة التي تحتل منزلة ما والتي تتحدد بخاصيات رمزية كتلك التي تحدد أسلوب العيش[15].

إن هذا التعارض يشكل صيغة أخرى لا تقل وهما للتعارض بين النزعة الموضوعية والنزعة الذاتية.

فأسلوب العيش تحديدا لا يؤدي دوره ووظيفته في التمييز إلا بالنسبة للأعضاء المؤهلين للاعتراف به.

وتظل نظرية < فيبر > حول المجموعة التي تحتل مكانة ما شديدة الاقتراب من كل النظريات الذاتية عن الطبقات، تلك النظريات التي تدخل أسلوب العيش والتمثلات الذاتية في تشكل التقسيمات الاجتماعية، مثلما هو الحال عند (وارنر WARNER)، إلا أن فضل < فيبر > يتجلى في كونه لا ينظر إلى هذين الموقفين كما لو كانا متنافرين شأن معظم شراحه و أتباعه الأمريكيين، بل أنه يؤلف بينهما مقيما بذلك مسألة الأصل المزدوج للتقسيمات الاجتماعية على موضوعية التمايزات المادية والتمثلات.[16]

إن نظرية النخب الاجتماعية مضطرة لأن تتجاوز التعارض بين النظريات الموضوعية التي ترى في النخب مجموعات متناثرة ومجرد جماعات قابلة للقياس والحصر تفصل بينها حدود موضوعية متجسدة في الواقع وبين النظريات الذاتية التي ترد النظام الاجتماعي إلى نوع من التقسيم الاجتماعي الذي يكون حصيلة الجمع بين التقسيمات الفردية أو على الأصح بين الاستراتيجيات النظرية المقسِّمة والمقسََّمة، والتي يقسم وفقها الأعضاء أنفسهم ويقسمون غيرهم.[17]

من جهته يرى < بيار بورديو > P.BOURDIEU، إن التمثل الذي يكون لدى الأفراد عن وضعهم في الحقل الاجتماعي (وكذا التمثيل بالمعنى المسرحي كما هو عند < غوفمان GHOFMAN الذي يمثلون به ذلك الوضع)، يتولد عن منظومة من رسوم الإدراك والتقدير (HABITUS النزوع الشخصي الاجتماعي) التي تتولد بدورها عن وضعية معينة تحددها المكانة في توزيع الموارد المادية.[18]     

ويؤكد < بورديو >: علينا أن نرفض القول بأن الاختلافات والفروق لا توجد إلا لكون الأعضاء يعتقدون أو يوهمون بالإعتقاد بأنها توجد، ولكن علينا أن نقبل في الوقت ذاته أن الفروق الموضوعية التي توجد في الموارد المادية وما تدره من فوائد تتحول إلى امتيازات معترف بها في التمثلات التي تكون لدى الأعضاء.

وكل اختلاف أو فرق معترف به، مقبول كفرق مشروع، يعمل بفعل ذلك كرأسمال رمزي يخول فضل الامتياز.

وبالتالي، لا وجود للرأسمال الرمزي، مع ما يخوله  من فائدة وسلطة، ولا وجود له إلا في العلاقة بين ملكيات متميزة ومميزة، وبين أفراد وجماعات تتوفر على رسوم إدراك وإدراك وتقدير تمكنها من الاعتراف بتلك الملكيات والتعرف عليها، أي جعلها أساليب معبرة، وأشكالا محولة من الأوضاع داخل علاقات القوة. [19]

ولكي تعمل ممارسة أو ملكية كرمز متميز، يلزم ويكفي أن تدخل في علاقة مع ممارسات أو ملكيات يمكن أن تحل محلها في عالم اجتماعي معين أي أن توضع في عالم رمزي من الممارسات والملكيات التي تترجم الفروق الاقتصادية إلى علامات مميزة.[20]

ومن ثم، إن التراتبات لا تفسر كليا بالأهمية الوظيفية للمواقع الاجتماعية ولا بتراتب القيم المشتركة، ولا بتنظيم العلاقات الإنتاجية، فقط بعض جوانب التراتب يمكن تفسيرها بهذا التصور النظري أو ذاك، فمفهوم الأهمية الوظيفية لا يكتسب دلالته الدقيقة إلا في حالة  المؤسسات، وحتى في هذه الحالة، لا يسمح المفهـوم الوظيفـي بـوضـع راتوب Ordre  شامل أو جزئي لمجمل المواقع أو المراكز والقيم المشتركة قادرة في أحسن الأحوال على الإحاطة ببعض الفوارق بين المنظومات التراتبية، وأخيرا لا تستطيع علاقات الإنتاج أن تحدد راتوبا كليا أو جزئيا إلا في أحوال خاصة.[21]

وفي الواقع، ليست فوارق الامتياز والسلطة والمنصب ما بين (الجماعات، الفئات، النخب، الطبقات)، سوى نتيجة الأنظمة الاجتماعية، وربما يكون نموذج السوق هو الوحيد القادر على إدعاء بعض العمومية، إذ الامتياز والدخل و النفوذ والسلطة، هي على الدوام مكافآت وتعويضات متطابقة مع طلب اجتماعي معين.

لقد شكل التصنيع في الجزائر الكيفية الاستراتيجية لمعالجة التناقض بين التكوين الاجتماعي الجزائري ومخالفات البنى الاستعمارية الرأسمالية.[22]

إن محاولة بناء قاعدة اقتصادية وطنية عصرية تسمح بتطور وتمركز ذاتي مع تجنب تعميم العلاقات الرأسمالية، يعتبر أحد الطموحات الاستراتيجية للدولة الوطنية عند تحقيق الاستقلال مباشرة، إنه طموح مجزأ بصورة واسعة على مختلف تركيبات المجتمع الجزائري.

فبعد مرحلة التسيير الذاتي للمصانع المهجورة شرعت الدولة في عملية التأميم، كما وضعت الدولة نتيجة التراكم الاستعماري وجزء من العائد البترولي استراتيجية للتطور الاقتصادي واضحة المعالم، وذلك باستئصال كلية قوى الإنتاج الكولونيالية، مقابل ذلك، تنفيذ التطور المستقل والمخطط لكل الاقتصاد الجزائري. أما على المستوى الثقافي، كانت التركة الاستعمارية ضعيفة، فالنخبة الهزيلة قد اخترقتها التقسيمات اللغوية، وهي متجاورة مع عدد من الأميين مزدوجي اللغة.[23]

وقد أخذت الدولة على عاتقها تحويل البنى الثقافية الموروثة عن الاستعمار، وخلق أجهزة ثقافية وأيديولوجية وطنية جديدة. إن هذه العمليات خلقت تغيرات بنيوية في المجتمع الجزائري بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، تمثلت في حركة كبيرة للتحرك الاجتماعي، وذلك بمحاولة هدم التباين القديم والأنظمة الاجتماعية وأشكال العلاقات القديمة.

إن انتقال مركز الثقل في الجزائر من الأرياف نحو المدن، حرر رغبة جامحة للاستهلاك والصعود الاجتماعي.

وبمرور السنوات والاستفادة الفعلية من ريوع البترول أصبح مجال الإمكانيات مجالا لا متناهيا.[24]

إن الدولة الجزائرية الحديثة كانت تحتاج إلى سد الثغرات في كافة المصالح والمؤسسات الإدارية والاقتصادية. وفي ظل هذا الوضع، كان يكفي أي شخص بحوزته معلومات وخبرات محدودة بإمكانه أن يتحول إلى عاملا متخصصا أو يرأس مصلحة أو يتحول إلى إطار مسير. حيث يتسنى له ذلك من خلال امتحانات خاصة، يليه تكوين متمم في الشركات الوطنية في مراحلها الأولى من التأسيس، ويعد ذلك تأتي الترقيات على أسس لا تخضع لمنطق الرشادة والفعالية.[25]

لقد أفضت العديد من الدراسات إلى أن المؤسسة الصناعية الجزائرية عبارة عن مجموعة بنى وتراتبات، تجري فيها تحالفات وائتلافات، كما أن الإطارات فيها لا يشكلون سوى قلة من مجموع أعضائها ولا يمثلونهم تمثيلا صحيحا ومناسبا.

كما اتضح أنها منظومة منفتحة، بمعنى أن سير عملها لا يخضع فقط لشروط تنظيمية داخلية رشيدة، وإنما يتوقف أيضا على تبادلات المؤسسة وعلاقاتها بمحيطها الخارجي المناوئ لقيم الرشادة الصناعية ويخضعها كذلك لجملة من الواجبات والقيود المتنوعة.[26]

ومنه، لا يمكن وصف مواقف وقرارات إطارات الصناعة الجزائرية بأنها عقلانية، أي مختارة بمقتضى  العقل وحده. لقد بينت الملاحظة، تبلور إحساس عام داخل المؤسسة الصناعية الجزائرية، بأن مجتمع المصنع تعددي تراتبي انشقاقي، بمعنى أنه يتضمن عناصر متباينة ومصالح مختلفة وأعضاء ذوي اتجاهات وميول متنوعة، وحتى طرائق العيش باتت بادية على أفعال بعض المجموعات خاصة منهم الإطارات.[27]

ومن ذلك، إن الإشكالية هي معرفة، إلى أي حد هذه الفوارق يشعر بها كل الفاعلين في المؤسسة كفوارق أساسية أو أن الفوارق المحددة موضوعيا (اجتماعية، اقتصادية، ثقافية ومعرفية) بواسطة مراكز السلطة والأجور. تستلزم في البدء التساؤل: هل إطارات الصناعية الجزائرية كمجموعة واعية بذاتها؟ وهل هي في وضع تعارضي مع الفاعلين الآخرين ؟

ويزداد وضع إطارات الصناعة الجزائرية التباسا في حالة تموقعها في موقع النخبة مما يدعو للتساؤل مرة أخرى:

إن اعتبار إطارات الصناعة الجزائرية، نخبة مفردة جامعة وزمرة خاصة داخل شريحة اجتماعية يدعو إلى النقد والتحفظ. لماذا؟

ولأن هناك غموضا حول المعيارية الصالحة للتفريق بين حكم الخاصة وحكم العامة، فيما يتعلق بتعيين (النخبة الشريحة). فما تراه العامة نخبويا قد لا تراه الخاصة كذلك.

ولأن هناك تناقضا وتفاوتا في تقويم مختلف فروع النشاط الإنساني في المجتمع الجزائري، وبالتالي لا يمكن قياس (النخبوية الصناعية) بمقياس واحد عام. فبماذا نقيس إذا؟

ولأن المجتمع الجزائري، مجتمع تعددي انشقاقي، لا يقدم منظومة قيمية مشتركة واحدة (أو حد أدنى مشترك)  لكل الشرائح الاجتماعية ولكل الفعاليات الجمعية.[28]

وإذا افترضنا وجود منظومة كهذه، فهل يمكن اعتبارها دليلا قاطعا على وجود نخبة سائدة قادرة على فرض قيمها الخاصة على المجتمع ؟

ثانيا: في إشكالية المقاربة المنهجية

يقول < ألان توران  A.TOURAINE>: قد يكون ممكنا في فترات معينة التصرف بصورة لا منهجية، أي بدون اختيار موقف فلسفي أو كوني، أو اجتماعي ثابت. لكن الفعل الذي لا ينقطع من التأكيدات العملية على حتمية الاختيار تجعلنا نختار موقفا ما.[29]

إننا نعي جيدا أن كل عالم اجتماعي هو عالم من النوايا المسبقة: فالأدوار والرهانات التي تقدمها التراتبات والأفضليات التي يفرضها – أعني – مجموع الشروط الضمنية للانتماء.

كما أن الوضعية الطبقية التي يقف عندها الإحصاء الاجتماعي من خلال مختلف المؤشرات المادية عن الموقع داخل علاقات الإنتاج أو بعبارة أدق عن القدرة على الامتلاك المادي لوسائل الإنتاج المادي (الرأسمال الاقتصادي)  والقدرة على الامتلاك الرمزي لهذه الوسائل (الرأسمال الثقافي).[30]

إن هذه الوضعية تتحكم مباشرة أو بكيفية غير مباشرة، أو عبر المكانة التي يخولها لها التقسيم الاجتماعي في التمثلات التي تكون لدى كل عضو عن مكانته والاستراتيجيات التي ينهجها  في عرض نفسه  على حد تعبير < غوفمان GHOFMAN > أي الكيفية التي يعرض بها المكانة التي يحتلها.[31]

إن هذا الهاجس المنهجي  يعتقد < أميل دوركايم >، أنه بالإمكان تجاوزه بواسطة القطيعة مع التمثلات الشائعة عن العامل الاجتماعي،- أي ما يطلق عليها < دور كايم > المفاهيم المسبقة -  ثم هناك من يرد الواقع الاجتماعي إلى التمثل الذي يكون لدى الأفراد عن هذا الواقع، فيتخذ موضوعا له المعرفة الأولى للعالم الاجتماعي.[32]

وفي إطار هذا الهاجس المنهجي عند مقاربة عالم الاجتماعي كعالم إطارات الصناعة، حيث يرى < جار فينكل  GARFINIKEL >.

إن هذا العالم هو مجرد تقرير عن التقارير، والذي يتخذ موضوعا <علما > آخر هو الذي يمارسه الأعضاء خلال ممارساتهم، لا يمكنه إلا أن يسجل تسجيلات عالم اجتماعي لا يكون في نهاية الأمر إلا وليد البنيات الذهنية أي اللغوية.[33]

ومن ثم فإن دراسة مجتمع المصنع تعد دراسة مصطنعة إذا ما تجاهلت الحقيقة التي مؤداها أن مجتمع المصنع لا يخضع لتأثير المنظومات القيمية السائدة في مجتمع المصنع وتحكمها في المنظومات السائدة فيه.

لأن في هذه الدراسات الضيقة النطاق نجد عددا كافيا من المواقف المتبادلة التي تصلح لعقد مقارنات مختلفة، ومع ذلك، ولمبررات عملية خالصة، نجد جانبا كبيرا من البحث السوسيولوجي يواصل اهتمامه بالموضوعات الضيقة النطاق، ومن شأن هذا الموقف أن يفرض قيودا عديدة عليه لأنه يتجاهل العوامل الخارجية التي تحدد طبيعة موضوعات الدراسة.

أ-المقاربة التفاعلية :

إننا نعي جيدا أن مفهومي العلاقة الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي ليس مفهومين بسيطين، ولكنهما يرتكزان على عدد من المتغيرات الأخرى بحيث نستطيع أن نستنتج من هذه المتغيرات ثلاثة احتمالات هي:

- التعاون الكامل

- الانشقاق والصراع

- وفقدان المعايير

غير أن كلا من هذه المفاهيم يفترض مسبقا أن الفعل الذي يصدر عن المشاركين في عملية التفاعل ينتمي إلى النموذج الرشيد، فهذا يدفعنا إلى أن نخطو بالتحليل خطوة أعمق وأكثر تعقيدا من ذلك عن طريق تحليل نموذج الفعل الرشيد ذاته، وهنا سوف يتضح لنا أن مفهوم الفعل الرشيد لا يمثل سوى أحد الاحتمالات، كما أنه يطرح مجموعة افتراضات هامة حول الموقف الذي يتحرك فيه الفاعل (إطار الصناعة الجزائرية) بصورة غير كاملة دائما.

الأول: يجب أن نفترض أن الهدف الذي نفسر به سلوك الفاعلين (إطارات الصناعية داخل المؤسسة الصناعية) في ضوئه، لا ينطوي في ذاته على أية مشكلات، ومن ثم يتبين لنا أن نفترض أن الفاعلين في المؤسسة الصناعية الجزائرية لديهم القدرة على تحديد الأهداف التي يختارونها وأن لدينا بدورنا القدرة على فهم هذه الأهداف بوضوح.

الثاني: من المفترض أن تحديد الهدف بالنسبة للإطار أو للمؤسسة معناه وجود أنماط محددة للسلوك تدرك بوصفها وسائل ضرورية لتحقيق هذه الأهداف.

الثالث: من المفترض أيضا أن معرفة (الفاعل)  إطار الصناعة الجزائرية الوسائل والغايات في الموقف تجعله يستخدم نوعا من (الاستدلال المنطقي)  يشبه ذلك الذي يستخدمه (الإطار)  في المؤسسات الصناعية في المجتماعات الصناعية الفعالة.

ومن ثم إن كمية المعلومات التي يمكن أن نحصل عليها حول فئة إطارات الصناعة الجزائرية تبقى رهينة الطريقة التي تدعم بها أو لا تدعم بها  بنية هذه الفئة والتفاعلات وشكل العلاقات الاجتماعية والمسافات الاجتماعية بين الرموز المكونة لها، وشكل الصراع وآليات التجاذب والتحالف داخل المؤسسة الصناعية الجزائرية كحقل اجتماعي.

كما إننا نعي جيدا، أن المعلومات التي يمكن أن نحصل عليها من فئة  الإطارات  ليست موضوعية بالقدر الكافي الذي كانت توحي به، وإنما هي قبل كل شيء نتاج المؤسسة المنتمي إليها ذاتها التي هي أسيرة تاريخها وكيفية استقبالها لدراستنا هذه.

ولأن الاكتفاء بمعلومات المؤسسة يعني تجاهل بأنها مبنية على أساس لعبة مؤسساتية، ومن ثم لا نلتزم فقط بالمعلومات التي تعطيها المؤسسة، بل يجب القيام  بتفكيك أغراض هذا العمل المؤسساتي ومحاولة  فهم كيفية اشتغال المؤسسات وهذا بغرض القيام بمقاربة  تاريخية.

ومن الواضح أن  الخيال السوسيولوجي  على حد قول < رايت ميلز >  يمكن صاحبه من فهم  الاتجاهات التاريخية الكبرى في ضوء معانيها بالنسبة للحياة الداخلية والخارجية لمختلف الأفراد والجماعات، ويمكن أيضا من توضيح كيف أن الأفراد في معرض خبراتهم اليومية يكونون وعيا زائفا  بأوضاعهم.[34]

ب- وحدة الدراسة:

اعتمدنا في دراستنا هذه على عينة حجمها (50 خمسون)  إطارا، اختيروا بطريقة عشوائية من خمس مؤسسات تتواجد بأهم المناطق الصناعية لولاية عنابة، كما راعينا في المؤسسات المختارة قدمها من حيث النشأة وتموقعها القوي في القطاع الصناعي الجزائري.

وقد توزع أفراد العينة (بمعدل 10 إطارات)  على المؤسسات التالية:

  • ASMIDAL
  • M.M
  • FERSID
  • ALFATUB
  • HYDROSID

ج- الأساليب الإجرائية:

1- الملاحظة بالمشاركة: لقد أتاحت لنا الخبرة المهنية الخاصة، وإشرافنا على عدة مؤسسات ذات العلاقات الوطيدة بالمؤسسة العمومية الجزائرية، وكذا إجراء عدة دراسات ميدانية حول القطاع الصناعي من الاندماج الجيد مع هذه الفئة سواء داخل الإطار المؤسساتي أو خارجه.

وبالتالي إدراك الظاهرة عن قرب، ومن ثم ساعدتنا هاته الأداة في جمع كم هائل عن هذه الفئة ورصد تغيرات سلوكها وأفعالها وخطابها.

2- المقابلة: نظرا لخصوصية الدراسة وحدودها (فئة إطارات الصناعة الجزائرية كعينة خاصة)  اعتمدنا أسلوب المقابلة المفتوحة والتي أطرناها بمجموعة من الأسئلة (وعددها عشرون) التماسا لأثرها الإيجابي في إمكانية التعمق والشرح والتوضيح.

وهكذا فإننا نواجه في دراستنا هذه نوع من الصعوبة في ضبط النمط الرشيد للدوافع.

فعلى المستوى المبدئي لتفسير السلوك في ضوء وحدات الفعل، سوف نخلص إلى النتيجة التي مؤداها أنه ليس هناك مجرد نموذج واحد للفعل داخل المؤسسة الصناعية الجزائرية، وإنما هناك قائمة متنوعة من نماذج الفعل، إذ يوجد في المقام الأول تلك النماذج الرشيدة الخالصة حين يكون لدى الفاعل تصور واضح لأهدافه، أما الأفعال غير الرشيدة تختلف عما سبق تماما لأنها لم تبدأ أساسا من معيار رشيد وفي هذه الحالات تكون لدينا حالات غير واقعية.

ثالثا : التكوين الانشقاقي للمجتمع الجزائري:

لاشك أن النموذج النظري الشامل للمجتمع الجزائري يمثل بالنسبة للباحث أداة أساسية يستعين بها في فهم المشكلات المتخصصة.

يعرّف <بايتسون Paytisson> التكوين الانشقاقي Schismogenese  بما هو مسار التمايز داخل قواعد السلوك الفردي الناتج من التفاعل المتراكم بين الأفراد، وهو أيضا تفاعل قائم على رد الفعل وعلى رد فعل آخر.[35]

ويذهب < توماس وزنانيكي > إلى أن الانشقاق، يشير إلى نقص تأثير قواعد السلوك الاجتماعي على الأفراد أعضاء الجماعة، وقد يشير المصطلح أيضا إلى الانحراف عن القيم والمعايير المقررة في المجتمع.[36]

ويؤكد بعض الدارسين أهمية التغير الاجتماعي كعامل مؤثر في إحداث الانشقاق الاجتماعي.[37]

وتشير بعض الدراسات إلى العديد من أشكال الانشقاق الاجتماعي أو عدم التكامل والتعددية الموجودة في البلدان المتخلفة منها: عدم التكامل الوطني، عدم التكامل الإقليمي، عدم التكامل القيمي، عدم التكامل السلوكي، وعدم التكامل بين النخبة والفئات والطبقات الاجتماعية.[38]

ويجسد هذا الوضع، غياب الإجماع حول هوية واحدة في المجتمع ومؤسساته، كما يشير إلى ذلك تعدد الولاءات والانقسامات التي قد تشكل تهديدا للكيان الاجتماعي للمؤسسات الاجتماعية ذاتها.

ومن معاني الانشقاق عند <ميرتون  Merton>، كون البنية الاجتماعية تخص شريحة من السكان على التغيير الذي يمكنه ارتداء صورة (انحراف)  فردي أو تمرد جماعي.

ويكون ثمة  انشقاق، في حالة انعدام الوسائل الشرعية المباحة لبلوغ الأهداف المنشودة وفقا للقيم وللمعايير السائدة.

في هذه الحالة تظهر دعوات إلى رفض الأهداف والوسائل، كما أن مفهوم الأقلية يعني وجود انقسام داخل المجتمع وتفرعه على الأقل إلى فرعين أحدهما أكبر من الآخر أو أكبر من الفروع الأخرى حال وجود أقليات..[39]

يعتبر المجتمع الجزائري حقلا لتنظيرات عدة، ابتداء بالخلدونية مرورا  بالماركسية  و  السوسيولوجيا  الكولونيالية  و الانشقاقية.

وإذا كانت السوسيولوجيا الكولونيالية تفرض نفسها وبقوة على الباحث السوسيولوجي، نظرا لعوامل منها الالتقاء في التخصص أولا، والمعاصرة ثانيا، وثالثا لكونها استفادت من التراكم النظري الغربي من جهة  والأنتربولوجيا الخلدونية  من جهة أخرى.

وكما أنه لا يغيب عنا كونها  مرجعية الانشقاقية والفكر الاجتماعي الوطني المعاصر، كما أنها غير بعيدة عن التصور الماركسي لشمال إفريقيا.

أ - الأنتربولوجيا الخلدونية:

إن أي متصفح للمقدمة تقابله نصوص كثيرة تصف تاريخ المجتمعات المغاربية على أنها مبنية على الاختلاف والتنوع والتعدد والتفكك والزوال، بدل الوحدة والمركزية والاستمرار، حتى أن القوة استثناء والضعف هو القاعدة.[40]

ب- السوسيولوجيا الاستعمارية:

عملت على فصل البنيات الاجتماعية الجزائرية التقليدية ووصفها بالتقوقع والتفكك ولا مركزية عند مفهوم  اللف عند <مونطاني> و الإخس عند <بيرك> وقبلهما ركــز < ميشو > على مفهوم  القبيلة، الزاوية، الدولة دون ذكر آخرين.

ومن ثم، إن استناد السوسيولوجيا الاستعمارية على ابن خلدون مثلا في نظريتها المشهورة : القبيلة، الدولة مبـررة بالـواقـع مـن جـهة ولا تحمل أية قدرية من جهة ثانية.[41]

ورغم ذلك فالطابع الإختباري لهذه السوسيولوجيا وتواضعها النظري قد يعتبر عاملا مساعدا في فهم البنية الاجتماعية الجزائرية عبر تلك الأوصاف المونوغرافية والأتنوغرافية الدقيقة.

فإذا كانت هناك مجازفات تعميمية وتنميطية بالنسبة للخلدونية، فإن السوسويولجيا الاستعمارية بتراوحها بين استقراء مونوغرافي وبين تنظير طروحاتي يمكن أن تستعمل إلى الأقصى الحدود.[42]

ج- السوسيولوجيا الماركسية:

تعتبر السوسيولوجيا الماركسية أداة إجرائية بدراسة المجتمعات وذلك عبر التراكم الذي حصل لديها من جهة وكأداة إيديولوجيا تجاوزت موقع القوة إلى الفعل إضافة إلى علاقاتها مع التنظيرات الأخرى كاعتمادها على السوسيولوجيا الاستعمارية في تصورها للمجتمعات غير الأوروبية.

كما أن التنظير الأنجلوساكسوني عامة و  الانقسامية  خاصة جاء كرد فعل وكمحاولة تفنيد الماركسية.

ولقد شكلت الماركسية المنطلق الخفي تارة والواضح تارة أخرى لكثير من الطروحات.

يعتبر مفهوم نمو نمط الإنتاج الآسيوي  محور الماركسية حول المجتمعات غير الأوروبية، ويتميز هذا النمط بالخصائص التالية:

1- غياب الملكية الخاصة للأرض.

2- الاكتفاء الذاتي إنتاجا واستهلاكا في إطار القرابة.

3- مشاعات قروية أو قبلية كفافية.

4- مجتمع تراتبي لكن دون تمكن  الدولة الطبقة من الاستيلاء على وسائل الإنتاج.

5- أقلية محظوظة لكن بدون حق الملكية لقوى الإنتاج.[43] وكتلخيص مكثف للملامح العامة للمجتمعات الانشقاقية يمكن عرض الخصائص التالية:

1- أهمية النسب: وتكشف النسب القبلي

2- اللامركزية وتكشف تشتت السلطة

3- اللاتراتبية

4- عدم التخصص

5- الإرادة في الاستقلال

6- الهامشية تقابل المركزية

ومن ثم يجدر التساؤل: هل التفريق بين أقلية وأكثرية اجتماعية في مؤسسة ما ناجم عن انشقاق سياسي، اجتماعي، معتقدي، ثقافي، اقتصادي...؟

إذا كان الأمر كذلك، فمعناه أن وحدة الجماعة مكسورة وأنها جماعة صراعية في حالة تغالب وصراع، ويدل على انفصال سلوك شخص معين وتفكيره إلى فئات غير مترابطة، مع عدم اعترافه بتناقض سلوكه ومشاعره، وعن طريق هذه العملية الانقسامية، يمكن أن ينتمي فرد معين إلى مجموعة معايير مختلفة بل ومتناقضة في مواقف عديدة.

رابعا : العقيدة التصنيعية والإشكاليات السوسيو أنتربولوجية:

إذا كانت العقيدة التصنيعية الجزائرية ترمي إلى حل مشاكل من نوع اقتصادي فمن الوضاح أن هذه الأخيرة نفسها لم تكن اقتصادية فقط من حيث أسسها وإشكاليتها.

ولا يمكن للفكرة القائلة أن الاختيار الاقتصادي لا يخضع إلا لاعتبارات اقتصادية، إذ يتضح أكثر فأكثر، أن انعكاسات هذا الاختيار وكذا جوانبه الثقافية لا تقل أهمية عن غيرها من الجوانب الاقتصادية.

وقد كان التصنيع لزمن طويل يفهم على أنه مسار نشر وفرض القيم الآتية من مجتمعات يعتقد أنها أكثر مردودا، مما يجعل منها قدوة، والواقع أنه لا يمكن للمجتمع المتلقي أن يقبل هذه القيم دون مشاكل، إذ أنها لا توضع في مجال فارغ، بل تجد نفسها أمام قيم محلية راسخة في وسطها الطبيعي.

ويبدو جليا أن نظامي القيم (الأول يخص القيم التقليدية والثاني يخص القيم العصرية) يوجدان في أزمة، بسبب منطقهما الخاص لكن كذلك بسبب مجابهتهما.[44]

لقد شكل التصنيع الكيفية المناسبة في اعتقاد القائمين على مشروع التنمية، وبالتالي مشروع المجتمع المنشود، ومنه لمعالجة التناقض بين التكوين الاجتماعي الجزائري وبقايا الموروث الاستعماري.[45]

كما أن سياسة التصنيع الجزائري أعطت الأسبقية لبناء مؤسسات تركيب وتمركز مكثف لقوى الرأسمال الوطني، ومنحت الأفضلية لإرساء قواعد البناء التحتي  الصناعي الوطني، وفي نفس الوقت لإمتصاص أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل.

ومنذ ذلك الوقت دخل النمو الصناعي نتيجة التأميمات المبرمجة في استراتيجية التطور الاقتصادي في تناقض مع البنى الموروثة.

أ- في نقد العقيدة التصنيعية:

إن قراءة نقدية للعقيدة التصنيعية يظهر أنها لم تنشد التطابقية La conformité (بين العامل، المؤسسة الصناعية، والمجتمع) بحيث أن إنشاء مؤسسات صناعية لم يسبقه تغيير في نمط الحياة، ممثلا في منظومات التعليم العام، التكوين المهني، السكن، طرق الاستهلاك والانضباط الاجتماعي والصناعي... حيث ظلت هذه الأخيرة متخلفة أو مفقودة ولا تتماشى والمنظومة الاجتماعية والتنظيمية داخل المؤسسة الصناعية.[46]

ولأن ثمة قاعدة نفسية اجتماعية مفادها، أن نظام الحياة خارج المؤسسة الصناعية في حالة ترابط وتناسق مع هذه الأخيرة، فإن حصل الانسجام والتوافق بين العامل والمؤسسة فمردها أن عمليات الترقية القبلية قد تمت داخل المجتمع بنجاح وفعالية، وفي حالة حدوث العكس، أي فقدان ذلك التوافق والتطابقية بين المؤسسة والمجتمع ككل، ولدت صراعا داخل المؤسسة عموما وفي سلوكات وأفعال العامل على وجه الخصوص.[47]

إذا فاللاتماثل واللاتطابق بين العامل الاجتماعي والعامل الصناعي (حتى وإن كان إطارا) l’ouvrier social et l’ouvrier industriel، الذي يحمله ذلك الجزائري العامل بإحدى المؤسسات الصناعية، فهو نقيض ذلك العامل في اقتصاديات السوق المتقدمة على حد قول <أنطونيو غرامشي>، إذ أن العامـل فـي شـركـــة (فوردFord) مستقر Stable، لا يعاني من الانفصام الذي يعانيه العامل الجزائري، إذ الأول يحمل العلاقة والاستمرارية والتماثل بين نظام الحياة العامة اليومية وما يحتاجه رب العمل من الانضباطية العمالية. [48]

وبتعبير أدق، إن كان العامل في شركة فورد Ford  مشكلته الأساسية تنحصر في كيفية تعبئة قوة عمله والتمرس التقني، مقابل هذا فتمرسه الاجتماعي (شكل العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع وداخل المصنع)  محقق مسبقا، على عكس ذلك  يوجد العامل الجزائري في وضع علاقاتي غير منسجم ويدفع إلى اللاإنضباط واللااستقرار وإلى الانشقاق.[49]

وانطلاقا من هذا المعطى يجدر التساؤل انطلاقا من القاعدة التالية:

إن التعارف ضمن المؤسسة الصناعية الجزائرية هو صورة العلاقة بين الجماعات المختلفة والهويات المتباينة.

فما معنى انشقاق إطارات الصناعة الجزائرية إذن؟ وما دلالاته في المؤسسة؟

هل صراع إطارات الصناعة الجزائرية صراع بقاء؟ أم تنافس على خيرات المؤسسة؟ أم هو تعبير عن نوازع القصر والغلبة، أم تأكيد للذات في مواجهة الآخر؟ أم صراع هويات بما تحمله من قيم تترجم في أفعال ممأسسة؟.

عندما يعيش إطار الصناعة الجزائرية عالمين منفصلين متناقضين شخصي وعام نجد أن مشاكله غاية في التعقيد والحساسية.

إذ أن الخضوع لتأثير نمطين متناقضين من القيم يفترض قدرة على التمييز بين القضايا (الثانوية)  التي يمكن التساهل والمرونة  في إطارها. وبتعبير آخر ينبغي على إطار الصناعة الجزائرية أن يحدد مجموعة هائلة من القضايا.

- مع من يمارس إطار الصناعة الجزائرية قيمه الشخصية ؟

- مع من يمارس قيمه الخاصة والعامة؟

- متى  يرفض القيم العامة؟

- كيف يرفض القيم العامة والخاصة عند تعارضها مع قيمه الشخصية ؟

لقد أفضت الدراسة، إلى أن صعوبة تحديد وإعطاء إجابة على هذه الأسئلة تكمن في أن طبيعة القيم (انتقالية أو دائمة)  والتغيير السريع الذي يطرأ على جوانبها ومضامينها يترك إطار الصناعة حائرا ومترددا إزاء اختيار الطرق والأساليب. لقد اختلطت قيمه الشخصية والعامة والخاصة، وأصبح من الصعب عليه التمييز بين النمطين المتباينين، وهنا تبدأ أزمة إستيلاب حقيقي بالنسبة للبعض حتى أن مشكلتهم الجوهرية تصبح مشكلة قيم وبالتالي مشكلة هوية.

إننا نقبل المقولة التالية كمصادرة: إن الفعل الاقتصادي الدولاتي التحديثي لم يتمكن بأفعاله المختلفة المبلورة في أفعال مؤسساتية وعلى رأسها المؤسسة الصناعية، فشلت في تفكيك العلاقات النظامية والأنماط السلوكية القديمة السائدة في المجتمع الجزائري. وبالتالي، فإن بناء أنماط جديدة من السلوكات أو العلاقات محدودة التمثل والتمظهر.ومن ثم، فإن الفعل التحديثي لم يفلح في إعادة ترتيب أجزاء البناء الاجتماعي على المستوى الكلي، ومنه على المستوى الجزئي (المؤسسات الاجتماعية) .

ومن المهم هنا أننا ندرك جيدا أن التغير الاجتماعي كنتيجة من نتائج التغير الثقافي، ولأن التغير في الثقافة يؤدي إلى إحداث تغيرات عديدة في صور التفاعل في المجتمع، مما يهيء الفرصة إلى ظهور قيم جديدة على رأسها قيم وأنماط التفاعل وشكل العلاقات الاجتماعية المنبثقة من قيم الترشيد الصناعي ومؤسساته تنعكس بدورها على البناء الاجتماعي الذي بتغيره يؤدي إلى خلق  قيم جديدة أخرى.

لقد أراد المشرع الجزائري للمؤسسة الصناعية منذ إنشائها، ورغم ما تعرضت له من عمليات هيكلة والتي تفترض في نظره نوعية من الأداء وقدرا كبيرا من العقلانية الوظيفية وتصورا معينا للقانون وبناء معياريا ذا طابع معين، أن تقوم إطارات الصناعة في مجالها بممارسة أفعال التأطير لكل مراحل العملية الإنتاجية، والإبداع والتفكير الاستراتيجي الذي يضمن فعالية المؤسسة الصناعية وديمومتها في السوق.

إلا أن هناك مسألة (سوسيو أنتربولوجية)  أغفلت عند تطبيق المسار التحديثي في المجتمع الجزائري تتعلق (بإطار الصناعة الجزائرية)، ذلك الفرد الذي هو في نهاية الأمر محصل التشكيل الثقافي، وهذا ما يجعل الاستجابات الثقافية غير منظمة وتتم بلا وعي وكأن الأمر يتفق مع طبيعة الأشياء.

وما يزيد المشكلة حدة أن التشكيل الثقافي للفرد يمنح الممارسات السلوكية والتصورات العقلية طابعا انفعاليا أو عاطفيا يسهم في تحقيق التوافق الوجداني لأعضاء هذه الثقافة مع الأنماط الثقافية التقليدية السلفية.

هذه الحقيقة التي لمسناها أضحت تشكل أحد أجزاء النسق العام للمؤسسة الصناعية العمومية الجزائرية، يمكن تفسيرها بواسطة ما تمثله التحديدات المادية أو اللامادية عن الفرد والجماعة، وفي ضوء هذا التحليل يمكن أن نفهم ما يحدث من اضطرابات في الفعل ورد الفعل وفي أنساق الأدوار والمراكز والتوقعات نتيجة محاولة استحداث نظم أو تحديدات تعتمد على أسانيد منطقية تختلف مع الأسانيد التقليدية المقبولة لتصور الإطارات للحاجات.

ب- المؤسسة الصناعية كجهاز للإيديولوجيا:

الواقع أن المؤسسات الصناعية كأجهزة للتنمية (في العقيدة التصنيعية الجزائرية)، هي قبل كل شيء أجهزة بشرية تحمل طاقما من الأفكار والتصورات التي تنتمي إلى ثقافة معينة تحاول نقله وإرساؤه داخل مجتمع له بناؤه الثقافي وبالتالي لديه نمط محدد لتلبية الحاجات، شريطة أن تكون عملية التنشئة الاجتماعية والصناعية قد بلغت مستويات تتناغم مع الطفرة التكنولوجية وما تحتويه من أفعال التغيير في العادات والسلوكات.

أما في مجتمع متخلف كالمجتمع الجزائري لم تتفاعل فيه بعد المؤسسات الثقافية المصاحـبة للعلمية التصنيعية، الأمر الذي استثار مجموعة من ردود الفعل التي لم تؤخذ في عين الاعتبار عند وضع برامج التنمية والتصنيع على وجه الخصوص.

لقد اعتقد عند ممارسة الفعل الدولاتي، أنه يكفي استيراد التكنولوجيا وممارستها في المؤسسة الصناعية الجزائرية من شأنه أن يحد من الصراعات والإختلالات البنيوية  والمؤسساتية المشكلة للحقل الاجتماعي الجزائري، ومن ثم داخل الإنسان الجزائري كرأسمال بشري ورمزي. أكثر من ذلك، لقد بات الاعتقاد راسخا بأن التقدم التقني الذي أحدثه التصنيع، سيستجيب للحاجات الحقيقية والرغبات العميقة لكل فئات الصناعة الجزائرية. إلا أن الواقع الذي كشفته العديد من الدراسات بّين أن الحاجات الأساسية والعميقة تبقى غير مشبعة، بل هي أقل إشباعا من الناحية الوجدانية والمؤسساتية مما عليه الحال في المجتمع الجزائري وتمثلات مؤسساته التقليدية التي لا تزال ماثلة بقوة.

ومنه، لا يركن التحليل الذي نقدمه هنا إلى ضروب التقسير التي تناولت الأفعال الاقتصادية السياسية للدولة الجزائرية بمعزل عن سياقها البنائي التاريخي.[50]

ومن ثم، إننا نقبل المنحى الذي مفاده، أن سلوك الدولة وأفعالها مرده إلى إرادة الصفوة السياسية، أو حتى إلى إرادة زعيم سياسي واحد. وفي ضوء هذا المنحى تفسر الأفعال الاقتصادية السياسية للدولة في الجزائر على أنها تعكس خصائص الصفوة الحاكمة وخلفياتها ومواقفها الإيديولوجية، وتتبلور فيها مصالح طبقية جديدة تستجيب للتطورات التي تحدثها الدولة وتتواكب معها وتستغلها لمصلحتها عند بناء أسس جديدة للعلاقات الاجتماعية.

خامسا: الفعل الصناعي فعل منفصل عن دور إطارات الصناعة.

إن بناء قاعدة اقتصادية وطنية عصرية تسمح بتطور وتمركز ذاتي مع تجنب تعميم العلاقات الرأسمالية، ذلك هو طموح الدولة المقاولة والراعية في بداية التجربة التصنيعية. إنه طموح مجزأ بصورة واسعة على مختلف فئات المجتمع الجزائري.[51]  

لقد بذلت جهود كبيرة لتقريب المعاهد والمؤسسات الأكاديمية المختصة بالعلوم الأساسية من الإنتاج، مثل إعادة تنظيم بعض  الجامعات بحيث ترتبط بالصناعات المحلية الرئيسية السائدة من ناحية، ومن ناحية أخرى، أسهم تخطيط البحث والأولويات المقابلة مساهمة قصوى في ربط البحث ببعض المشاريع ذات الأهمية العملية.[52]

ومع ذلك أظهر عقدان من التجارب والخبرة أن التطبيق الناجح لخبرة إطارات الصناعة الجزائرية، لا يمكن أن يتجسد إلا إذا تجسد في مشاريع واستثمارات محددة وملموسة تعكس الحاجات الحقيقية في الممارسة والتطبيق الواقعي المعيش

أ- جنينية الطبقات الاجتماعية:

في كل مجتمع يسود نمط خاص من الوعي الاجتماعي يحدد نطاقي تفكير وممارسات طبقة اجتماعية أو أكثر في آن واحد، ومن ثم وجب الوقوف عند مميزات الوضع الجزائري.

تكاد تجمع معظم الدراسات السوسيو انتربولوجية على جنينية الطبقات الاجتماعية في المجتمع الجزائري وعدم خضوعها لنفس مخطط تطور الطبقات الاجتماعية في المجتمعات الغربية.[53]

إننا نعي جيدا، أنه في نطاق الفكر تسود الإيديوجيا بلا منازع وتقرر الاتجاهات الرئيسية لأفكار مجموعة من الناس.[54] أما في نطاق الممارسة فإن ثمة تأثير مزدوج تأثير الإيديولوجيا وتأثير الواقع وهذا التأثير ينصب على سلوك الإنسان. فالسلوك كقاعدة يخضع لضابط أعلى، وهو الإيديولوجيا عندما يتبدى في صور علاقات اجتماعية محددة، لكنه لا ينحصر بحركة بما تقرره الإيديولوجيا بصورة مسبقة، ولا يكتفي بما يوجد من تفسيرات منظرة.

وبالتالي، فالسلوك يتعامل مع ما هو  يومي وتفصيلي وخاص وجديد، إضافة لتعامله مع ما هو تاريخي وتعميمي وعام وقديم أي أنه يدخل يوميا في تجربة جديدة نحتاج لتفسير جديد، ومنه لقواعد جديدة تضاف إلى مجموع تراث الإيديولوجيا السابقة على السلوك والممارسة.[55]

هنا نجد أنفسنا إزاء عملية تفاعل متبادل: الإيديولوجيا تقرر لنا الاتجاهات الرئيسية في الممارسة، والممارسة تكتشف التفاصيل وتستجيب لضرورات الحاضر والمستقبل فتغني الإيديولوجيا وتسد ثغراتها التأملية.

< التأثير الأول> إذن، السلوك ينجم عن الالتزام بإيديولوجيا معينة، ولكن ليس كل سلوك اجتماعي يقرر سلفا وفقا للإيديولجيا. ثمة أمزجة وميول وتكوينات الفئة أو الطبقة التي ينتمي إليها الفرد، بتعبير آخر، تمة السيكولوجيا الاجتماعية التي تؤثر في الكيفية التي يتصرف فيها الفرد، بل قد تقرر أحيانا موافقة اتجاهاته الرئيسية، وهذا هو  < التأثير الثاني > على السلوك، والسيكولوجيا الاجتماعية لا ترتبط في جزء منها، بالبناء الفوقي مباشرة وإن كان الجزء الآخر نتاج البناء الفوقي، بل ينشأ هذا الجزء (المستقل)  عبر مراحل تاريخية متعاقبة، ويخضع لتأثير أكثر من نمط إنتاج، حتى يستقر على شكل أمزجة وميول عامة.[56]

ب- غموض في الأدوار:

إننا نعي جيدا أن البناء المجتمعي للمؤسسة الصناعية الجزائرية، يشتمل على أنماط عديدة من العلاقات تمتد من جماعات الأصدقاء داخل الورشة إلى تنظيمات كبرى داخل المؤسسة أو خارجها. كما أن كل إطار يكون عضوا في عدد من البناءات المؤسساتية الفرعية المختلفة، وبدرجة متفاوتة تمارس عليه نوعا من التأثير.

ومع أنه يصعب تحديد شكل هذا التأثير ودرجة قوته، ومدى التأثيرات الجماعية الأخرى. إلا أن ذلك يمكن أن يحدد مدى فعالية فئة إطارات الصناعة عن طريق معرفة طريقة بناء جماعة إطارات الصناعة وأدائها وتمثلات الهوية لديها.

وتحت ضوء ما تقدم استخلاصنا الآتي:

أولا: يميل إطار الصناعة الجزائرية إلى الاقتناع بالإيحاءات التي يعتقد أنها تصدر من الأشخاص ذوي المكانة داخل التراتب الاجتماعي للمؤسسة، أو التي يعتقد أنها تمثل رأي الأقلية.

ثانيا: لا يستقر إطار الصناعة الجزائرية على تواتر واحد في الأفعال، فهو انقلابي المواقف.

ثالثا: لقد لوحظ تذررا وتفتتا اجتماعيا بين إطارات الصناعة، كما لاحظنا أن الولاء للعصبة يتخذ رمزا لوحدة الجماعة ومحركا لمقاومة الآخر (الجماعات الأخرى)

رابعا: كما اتضح  أن إطارات الصناعة ينسجون شبكة من الولاءات والأنماط السلوكية داخل المؤسسة الصناعية تشكل في مجموعها نمطا خاصا من اللاعقلانية المؤسساتية، وهي بطبيعة الحال امتدادا واستمرارية للمجتمع الكلي دون قياسها على تأسيس جديد ينشد الرشادة والعقلانية.

خامسا: اتضح أن مدة الامتثال للجماعة ضئيل، وبالتالي فإن الانحراف على معاييرها أكثر ترددا، بحيث أن الإطار ينتقل من جماعة إلى أخرى سعيا وراء مجالات أوسع للسلوك بعد أن يتبين أن جماعته لم تعد تلبي حاجاته، أو أن الجماعة الأخرى هي أكثر قدرة على تحقيق حاجاته، بحكم أن أعضائها أكثر قربا من مصادر القرار داخل المؤسسة وخارجها.

سادسا: لقد تبين لنا، أن الجماعة ليست الوسيلة الفعالة لتغيير سلوك إطار الصناعة الجزائرية، ومعنى ذلك أن إطارات الصناعة يظهرون حساسية شديدة، بل تمردا على أساليب الجماعة في الضبط الاجتماعي.

ومنه، فإن جماعة إطارات الصناعة داخل المؤسسة الصناعية العمومية ليست لديها القدرة على فرض الضبط على سلوك أعضائها، بل أن إطار الصناعة الذي تناط به سلطة بيروقراطية يكون أكثر فعالية في فرض النظام والانضباط داخل الجماعة، إذ تبين أن أفراد الجماعة يشخصون أفعاله البيروقراطية في أفعاله الاجتماعية ويمزجون بينهما حتى لا تكاد تنفصل، إذ أن فعله البيروقراطي (السلطة)  يعتبر أداة نفوذ  (بحكم تحكمه في مصائر الآخرين).

سابعا: إن فئة إطارات الصناعة تعاني من ضغوط واكراهات عديدة تؤدي إلى وجود أفعال اجتماعية مختلفة، نتيجة التزاماتهم المهنية من جهة والإربتاط بالمفاهيم البيروقراطية من جهة ثانية، وضرورة الوفاء للعلاقات الشخصية من جهة ثالثة.

إن هذا النمط من الأفعال المتناقضة يرجع بالأساس إلى التفكك الاجتماعي الناتج بدوره عن الأخطاء في ترتيب عمل المراكز والأدوار داخل المؤسسة الصناعية الجزائرية.

ثامنا: لقد أدركنا بواسطة الملاحظة، أن مجتمع المصنع الجزائري لا يقدم منظومة ثقافية مشتركة إلى حد ما، محددة المعالم بين فئة وأخرى، بمعنى أن المؤسسة الصناعية تحتوي على ثقافات فرعية تتميز بخصائص مختلفة.

أ - فئة الإطارات العليا: حين ننظر إليهم من زاوية القيم الاجتماعية يمكننا تعريفهم بأنهم الأفراد الذين يحملون خبرة أو أهلية علمية ومهنية، حيث يظهرون اهتماما خاصا بالقيم المركزية السائدة على هرم السلطة السياسية الحاكمة.

فالمستفيدون من التعليم الجامعي يتوزعون في المؤسسة الصناعية توزعا لا متكافئا على مختلف الفئات الاجتماعية داخل المؤسسة.

ونظرا لنقص عددهم يستلزمون ويطالبون باستمرار بتغيير مكانتهم التراتبية داخل المؤسسة وخارجها، أما اهتمامهم بقيم المؤسسة المركزية فقد لاحظنا أنه يرتدي أشكالا بالغة التنوع والتعارض، لخصناها في شكلان لهذا الاهتمام.

الأول: شكل العقلنة، وتمثله فئة قليلة من الإطارات الملتزمة إلى حد ما بالمسار العقلاني في المؤسسة.

الثاني: تمثله أغلبية مطلقة، همها الوحيد هو الوفاء للانتماء السلطوي المهيمن داخل المؤسسة وخارجها.

ب- الفئة المتوسطة من الإطارات: والتي تنشطر هي الأخرى إلى زمر وجماعات ذرية يجمعها شعور الإقصاء من المنظومة التسييرية والمنظومة التشاركية في اتخاذ القرار. ما يجعلها (تنكص)  إلى ممارسة أفعال من الثقافة السلفية و بالتالي تقوم بتنشيط القيم القديمة، وهذه الأفعال نستطيع أن نطلق عليها ميكانزمات للدفاع عن النفس في مواجهة فعل الإقصاء من جهة، ومن جهة ثانية هروبا من السلطة البيروقراطية المستبدة داخل المؤسسة الصناعية.

على العموم لقد اتضح لنا أن ممارسة أفعال من الثقافة والعادات السلفية، ما هي إلا تحريك للقدرات الآداتية والرمزية لتحقيق الذات المؤسساتية.

سادسا: تباين الأدوار وازدواجها القيمي:

إن عملية تقسيم العمل داخل المؤسسة الصناعية لم تأخذ بعين الاعتبار الخلفية السوسيو ثقافية لطبيعة تقسيم العمل في المجتمع الجزائري. كما أن المنظومة التكنولوجية المستوردة وما تحمله من رشادة وانضباطية اجتماعية وصناعية لم تؤخذ بعين الاعتبار، بحيث طغى الطابع  الشعبوي  على تقسيم العمل، مما انجر عنه تضارب بين القيم الموروثة الممثولة في مجتمع المصنع، والقيم المنقولة  المستوردة بواسطة الفعل التكنولوجي الموازي للفعل التحديثي الكلي.

إن إناطة الأدوار والوظائف الناجمة عن  التقسيم العشوائي للعمل  وضعت أفراد غير مناسبين في أدوار غير مناسبة، انجر عنه عدم تحقيق الأهداف العامة للمؤسسة، بحيث تحولت المؤسسة إلى وسيلة لتحقيق أغراض ضيقة خاصة ومصلحية.

لقد أدى ذلك إلى بروز مجموعة من الأفعال والسلوكات تحولت إلى عقائد وأفكار ومبادئ ثابتة تنبذ أي محاولة لتغيير الأدوار بغرض تحقيق الفاعلية وبالتالي تحقيق أهداف جديدة واضحة ومحددة ومعلومة تقوم على الرشادة المؤسساتية والصناعية.

لذلك أدى التباين في الأدوار وتداخلها وتصارعها إلى بروز مجالات أخرى يشبع فيها إطارات الصناعة حاجاتهم للانتماء وعواطفهم والمشاركة الوجدانية، وتظل على رأس هذه المؤسسات (القبيلة) .

إن المؤسسة الصناعية الجزائرية وصلت إلى أعلى درجات التفكك الاجتماعي المؤسساتي، وصارت أكثر ميلا إلى التمايز وتباين الأدوار، اتخذت الصفة الشخصية مما ساعد على بلورة اتجاهات التموقع والانعزالية في (الجماعات)  بحيث أضحت هذه (الجماعات) هي النموذج المتكرر والأكثر شيوعا للسلوك الاجتماعي داخل المؤسسة الصناعية. وبالتالي  بات إطار الصناعة يشكل قيمه وسلوكه ضمن هذه الجماعات. ومن ثم، إن القيم المكتسبة داخل الجماعة هي المحدد لموقفه في مجالات عديدة ونواح مختلفة من سلوكه خارج نطاق الجماعة. أكثر من هذا صارت الجماعة تمارس وظيفتها في وضع أعضائها وتحديد مكانتهم في النسق الاجتماعي الكلي للمؤسسة.

لقد اتضح لنا، أن الوضع الانشقاقي لإطارات الصناعة الجزائرية يحدث نتيجة لعدم تناسق أو عدم تحديد الأهداف والرغبات الخاصة بالأطراف المشتركة في الفعل الجمعي لإطارات الصناعة الجزائرية.

إن هذا الوضع الانشقاقي بعث بقوة الجماعات العصبية وبلور بنيتها، حيث أضحت تشكل أحد مكونات البناء المجتمعي للمؤسسة، أكثر من ذلك لقد كرس الإحساس بالنوع العصبي إلى إدراك زمر من إطارات الصناعة لتشابه مصالحهم وقيمهم الاجتماعية، والجماعات بدورها تقوم بربط أفراد مجتمع المصنع ببعضهم داخل مجرى معين من العلاقات الاجتماعية من خلال كونها أداة لشغل مراكز اجتماعية مترابطة تكون بمجموعها مجرى الحياة الاجتماعية داخل المؤسسة.

إن تصادم العصبيات بدأ يكرس  الأفعال الانشقاقية العدائية الكامنة وبدأ يطفو على الأفعال الظاهرة في المؤسسة.

لقد أضحت المؤسسة الصناعية الجزائرية مكانا ليس لإنتاج الثروة والاستثمار وإنتاج القيمة المضافة، بل أضحت وسيلة وغاية لإخضاع العاملين فيها ومواصلة الهيمنة عليهم ما دام الفعل الاقتصادي الدولاتي المجسد في المؤسسة الصناعية العمومية هو المهيمن. وبتعبير آخر إن إنشاء المؤسسة الصناعية يشير إلى الحاجة إلى إيجاد نوع من العلاقة المستجيبة المتبادلة بين النظم القائمة داخل المجتمع الجزائري.

أ- لا سلطة بدون مصانع:

 إن الكثير من العلماء يجمعون على أن العمر التقني لعصرنا يمنح للتقنيين سواء المتخصصين في التقنية أو في إدارة المؤسسات إمكانية أداء دور هام في تسيير المؤسسات وبذلك أصبح التكنوقراطيون في الاقتصاديات الحرة المتقدمة يكونون الطبقة الحاكمة والمالكة للسلطة.

لو محصنا جيدا هذه الآراء المختلفة حول  السلطة  لوجدناها تتناول مسألة السلطة دون إقامة علاقة بعلاقات الإنتاج السائدة، أو بعبارة أدق الرجوع إلى الميكانزمات التي تحكم هذه العملية (السيطرة والتبعية)  والتي ترتبط بالنظام السياسي السائد في مجتمع ما.[57]

وعلى العموم تتفق هذه الآراء على أن السلطة داخل المؤسسات تتمظهر بالدرجة الأولى في عملية الخضوع Soumission للقواعد التنظيمية وبالتالي لمالكي المؤسسة

ويتفق < كارل مارس > في هذه النقطة مع باقي المفكرين حيث يرى: أن لعلاقات الإنتاج دوران في العملية الإنتاجية، دور التابع ودور القائد، وذلك تبعا للوضعية التي يحتلها الفرد بالنسبة لملكية وسائل الإنتاج وبالنسبة لتوزيع المنتوجات علاوة على هذا تبين أن < ماركس > يربط مسألة بإطاريها العام والخاص معا، ويقصد بالعام النظام السياسي القائم وما يمثله من علاقات إنتاج، أما الخاص فيقصد به المؤسسة ذاتها وفي تناوله للسلطة، استعمل < ماركس > مفهوما التبعية الرسمية والتبعية الواقعية.[58]

ويفرق بين هذين النوعين من التبعية في قوله: إن الخصائص العامة للتعبية الرسمية، هي تبعية عملية الإنتاج المباشر للرأسمال، بغض النظر عن الطرق التكنولوجية المستخدمة. ونستشف من هذا الرأي، أنه بتغيير وسائل الإنتاج(التكنولوجيا) تتغير التبعية أو علاقة السلطة وعلاقات الإنتاج بصفة عامة، وفي هذا الصدد يرى كل من < ماركس وأنجلس > أن الصناعة الحديثة حولت الورشة الحرفية الصغيرة إلى مؤسسة صناعية تعمل فيها جماعات من العمال المنضمين في شكل عسكري تحت رقابة البورجوازي نفسه.[59]

إن غموض فعل السلطة في المؤسسة الصناعية الجزائرية مرده بالأساس إلى الغموض الذي يكتنف الأهداف العامة والخاصة التي يطلب من المؤسسة الصناعية العمومية تحقيقها.

فالمؤسسة كمنظومة تكنولوجية مستوردة مستوحاة من منظومة ثقافية محددة تستدعي بالتالي منظومة سلطوية مناسبة لها. خلقت صراعا، ولا تكافوء ثقافي، وبالتالي تحولت العلاقة بين إطار الصناعة من جهة والمؤسسة في الجهة المقابلة، إلى علاقة إيديولوجية عوض علاقة اقتصادية كما تتطلبه المنظومة التكنولوجية للمؤسسة والمنظومة التسييرية التي توازيها، ومن ثم فإن اللاتكافوء الثقافي يصاحبه لا تكـافـؤ اقتصـادي (عدم فعالية المؤسسة) .

إن محاولات الدولة من خلال عمليات الهيكلة العديدة، لم تفرز في الواقع علاقات سلطوية جديدة، ومرد ذلك أن نسق العلاقات العام الذي يشكل البنية الفوقية الاقتصادية تقوم على اللاتكافؤ بين مكوناتها وطبيعة التحالفات الإقليمية والقبلية التي تنعكس على المؤسسة بطريقة غير مباشرة.

وإذا انطلقنا من هذا المنظور، فإن تحديدنا للظروف البنائية التاريخية للدولة الجزائرية وأفعالها لن يركز على العوامل الداخلية فقط بل على العوامل الخارجية أيضا وممارستها من خلال المؤسسات الاقتصادية خاصة منها ذات البعد الاستراتيجي.

ولا نعتقد أن الاهتمام بالمحددات الخارجية للمؤسسة لا ينبع من مجرد إضافة عامل أو محدد آخر إلى مجموعة العوامل الداخلية التي تتحكم في نظام السلطة داخل المؤسسة، فهو يعني أكثر من ذلك، إنه يعني الاهتمام بدراسة فعل الدولة من خلال مركب من العلاقات الاقتصادية والطبقية والثقافية والسياسية. يتفاعل مع مركب من العلاقات الداخلية للمؤسسة المتشابهة، ليفرز لنا في النهاية نظاما سلطويا ذا خصوصية معينة، كما أنه يعني أن الدولة (كمجموعة من الأجهزة لها خصائص معينة وأفعال قصرية معينة).

وفي الواقع، ليست فوارق الامتياز والسلطة والمنصب ما بين الجماعات سوى نتيجة لمنظومة متغيرات يختلف تركيبها وبنيانها باختلاف الأنظمة الاجتماعية.

وربما يكون نموذج السوق هو الوحيد القادر على إضفاء بعض العمومية، إذ الامتياز والدخل والنفوذ والسلطة هي على الدوام مكافآت وتعويضات متطابقة مع طلب اجتماعي معين.[60]

لقد شكل التصنيع في الجزائر الكيفية الاستراتيجية لمعالجة التناقض بين التكوين الاجتماعي الجزائري ومخلفات البنى الاستعمارية الرأسمالية. حيث وضعت الدولة نتيجة التراكم الاستعماري جزء من العائد البترولي واستراتيجية للتطور الاقتصادي واضحة المعالم، وذلك بمحاولة استئصال قوى الإنتاج التي تركها الاستعمار وتنفيذ التطور المستقل والمخطط لكل الاقتصاد الجزائري، أما على المستوى الثقافي، كانت التركة الاستعمارية ضعيفة، فالنخبة الهزيلة قد اخترقتها التقسيمات اللغوية والثقافية، وهي متجاورة مع عدد من الأميين مزدوجي اللغة وقد أخذت الدولة على عاتقها تحويل البنى الثقافية الموروثة من الاستعمار وخلق أجهزة ثقافية وأيديولوجية.

إن هذه العمليات خلقت تغيرات بنيوية في المجتمع الجزائري بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، تمثلت في حركة رهيبة للتحرك الاجتماعي.

إننا نعي جيدا أن ثمة قوتان تساهمان بصورة متضامنة في تصفية القيم التقليدية: قوة الشروط الموضوعية ممثلة في تغيير المناخات الاقتصادية والاجتماعية التي تجبر الناس تلقائيا على اختيار أنماط سلوكية جديدة ومغايرة للأنماط التقليدية، والقوة الثانية هي قوة العامل الذاتي، والعامل الذاتي هنا هي فئة إطارات الصناعة  بصفتها المؤسسة القائدة للتحولات العامة الشاملة الجذرية والتي تمارس تأثيرا مزدوجا، بصفتها الجهة التي خططت لتحقيق التحولات الاقتصادية والاجتماعية، أي توفير وإنضاج الشروط الموضوعية من جهة أولى، وبصفتها قوة الدفع التي تعجل بإذابة جليد القيم القديمة عبر إثبات ضررها العملي وتناقضها من جهة ثانية.

ب- اللامعنى وسلب الإرادة:

إننا نفهم من هذا، أن هناك تعارضا أساسيا في الحاجات الأساسية لإطار الصناعة الجزائرية وحاجة المشاركة وحاجات تحقيق الذات بدرجة أساسية من جهة، وفي الجهة المقابلة، العالم المنظم والآلي والعقلاني (الذي تنشده نظريا المؤسسة الصناعية)، إنه عالم اصطناعي يشعر فيه إطار الصناعة الجزائرية  باللامعنى والانفصام، لقد ساهم هذا الشعور بدوره في بروز ميول نحو السيطرة والتذمر والقلق وعدم الثقة بالغير (الإدارة، النقابة، خطاب الدولة وأفعالها) .

وفي ظل هذا الشعور أضحت المؤسسة الصناعية في نظر إطار الصناعة الجزائرية أداة للحصول على المزايا المادية للمهيمنين على إدارتها، كما أن هذا الفعل هو الباعث الرئيسي لكل الجماعات الأخرى للاستيلاء على السلطة وليس لتحقيق القيمة المضافة.

لقد اتضح لنا، على مستوى المؤسسة الصناعية الجزائرية وجود قوى داخلية مرتبطة أساسا بالتشكيل السلطوي الموجود على مستوى الهيئات العليا للدولة (الفريق السلطوي الذي أفرزه الصراع الجهوي والقبلي على مستوى أعلى من الدولة) وعلى ضوء ما سبق تفهم السلطة من خلال علاقة بين داخل المؤسسة يتشكل في ثنايا الخارج (الدولة وأجهزتها صاحبة الفعل) وذلك الداخل (المؤسسة) الذي لا يَتَبَدَّل إلا بتبدل الفاعلين فيها نتيجة تغير موازين القوة في الخارج.

لقد بينت الملاحظة أن السلطة داخل المؤسسة الصناعية لا تتوقف على أوضاع أصحابها وأساليبهم، بل تتوقف أيضا على طريقة استقبال إطارات الصناعة لأوامر الفاعلين في السلطة على مستوى أعلى من أجهزة الدولة، وبالتالي لقد تحول الفاعلون في السلطة مصدر حرمان وإحباط لأولئك الذين تمارس عليهم.

كما أن عمليات الهيكلة وإعادتها (الشكلية) كرست هيمنة البيروقراطيين، وتدل هذه الأفعال عن تخوف المهيمنين على السلطة من عواقب اقتسام سلطتهم التقريرية. ومن ثم تفسر وتفهم هذه الأفعال، أنه يصعب تجاوز علاقات السلطة التي تحجرت منذ زمن بعيد.

لذلك تبدو على فئة إطارات الصناعة الجزائرية أفعال الانشقاق المعززة بسلوكات عدم الإكتراث واللامبالاة بمهام الإبداع والتجديد والاستشراف الصناعية، بقدر ما هم منشغلون بالمسائل المتعلقة بتحسين ظروف العمل اليومي.

وبالتالي إن انسلاخ شريحة كبيرة من فئة إطارات الصناعة الجزائرية والتزامها بإيديولوجيا الطبقة العاملة واعتبار حلف العمال أساسا اجتماعيا (لعملية النقص الطبقي)، أمر محتمل وممكن بالرغم من الصعوبات التي تعترض إنجاز هذه العملية والانقسامات التنظيمية التي قد تحدث.

النتائج العامة:

يجمع إطارات الصناعة الجزائرية على أن العمل لا  يعتبر القيمة المركزية التي تؤطر المجتمع عموما والمؤسسة الصناعية على وجه الخصوص، ومنه أضحت فئة إطارات الصناعة تشعر بالإقصاء لأنها باتت متيقنة أن النظام الاجتماعي يمنح المفاضلة لاعتبارات أخرى غير تلك المبنية على التبرير الاقتصادي.

إنهم يشعرون بغربة شاملة كونهم لا يساهمون في إبداء الرأي وأن ما يقولونه غير مهم، أكثر من هذا هم مجبرون على تطبيق التعليمات الفوقية دون مناقشة ما يجعلهم يفقدون قيمة المسؤولية تجاه دورهم الاستراتيجي وتجاه قيادتهم والمؤسسة ككل. ما يدفعهم للانزواء والانعزال وتوجيه اهتمامهم إلى المشاكل العائلية والتموقع في الأحياء التي يسكنونها.

إن الشعور بالهيمنة والشتات واللاوجود في ميدان العمل وخارجه قد تعزز أكثر بغياب إطار أو هيئة تؤطر هذه الفئة، كون المؤسسة الصناعية الجزائرية لم تتحول بعد إلى مجال تتم فيه التنشئة الاجتماعية المؤسساتية، يسمح فيها لإطارات الصناعة بتبادل المعارف والإبداع، أكثر من ذلك لم ترق إلى تلك الوحدة الاجتماعية التي تساهم في بناء علاقات بين الإطارات، حيث أضحت مجالا للانضباط البيروقراطي والذي خلق بدوره وحدات اجتماعية موازية يهرب إليها الإطارات كبديل على المؤسسة يبنون فيها علاقات تقوم على عناصر الانتماء الفكري أو السياسي في الأعم الأغلب.

لقد بينت الملاحظة تبلور إحساس عام داخل المؤسسة الصناعية الجزائرية بأن مجتمع المصنع  تعددي، تراتبي  انشقاقي، بمعنى أنه يتضمن عناصر متباينة ومصالح مختلفة وأعضاء ذوي اتجاهات مختلفة وميول متنوعة غير مستقرة، ولا حتى  في طرائق العيش التي باتت بادية في أفعال بعض المجموعات خاصة منهم الإطارات.

إن تمثلات التراتب الاجتماعي داخل المؤسسة الصناعية وتعارضها أضحت واضحة بفعل تباين منظومة الأجور التي ما انفكت توسع المسافة الاجتماعية بين مختلف الفاعلين وحتى داخل فئة إطارات الصناعة، حيث أخذت كل فئة تتموقع وتتحصن في موقع معين، إذ أن فئة من الإطارات جعلت من الولاء للسلطة السياسية غطاءها ومجال مناورتها.

كثيرا ما يشكل المتنفس القبلي والجهوي والعائلي تركيبا يمتص إطار الصناعة ويخضعه إلى ضرورات أخلاقية وتذويبه في بنية تراتبية داخل المؤسسة لا تعرف شكلا محددا، تؤمن له في المقابل ضمانة التضامن والتماثل الاجتماعي، بنسبة أرقى مما يؤمنه له الشكل الرسمي للمؤسسة،  وفي هذا الصدد بينت الملاحظة استمرار فكرة القرابة الاجتماعية داخل المؤسسة الصناعية الجزائرية لتعزيز أفعال السلطة، بحيث ما تزال تعاش القرابة الاجتماعية داخل المؤسسة مثل(القرابة البيولوجية) .

والغرض من هذا الفعل خلق قابلية التخفيف من الإنشقاقات والنزاعات المحتملة، ويرفع نسبة التضامن بوجه الآخر، ليس ذلك التضامن الذي يخدم أهداف المؤسسة.

لكن الملاحظ أنه مهما كانت  الانضباطية القبلية  متجذرة داخل المؤسسة لم تعد تكفي وحدها لدرء كل التناقضات المصلحية التي تظهر داخل الفريق القبلي المهيمن، ما يخلق صراعات بين مجموعات نسبية مختلفة تطمح إلى وظائف نفوذ.

إن طغيان هذه الأفعال التي لم يفلح المسار التحديثي في قلع جذورها مردها بالأساس إلى قوة ومقاومة الأنساق الخارجية للمؤسسة، وعلى رأسها أفعال الدولة الاقتصادية والسياسية التي جعلت من المؤسسة الصناعية أحد أدواتها لتكريس تراتب معين لا يزال مهيمنا على مستوى المجتمع الجزائري.

لقد ساهم التراتب الوظيفي الذي تستدعيه العملية الإنتاجية وفقا لرؤى إيديولوجية، في توسيع المسافات بين مختلف المراتب، حيث ظهرت أقليات أحاطت نفسها بسياج من الإجراءات البيروقراطية، بمرور الوقت انفصلت عضويا وسلوكيا عن باقي الفاعلين في المؤسسة، وعلى رأسها زمرة من إطارات الصناعة.

كما أفضت الملاحظة، أن المؤسسة الصناعية الجزائرية أضحت تعيش تمفصلا تنظيميا بين أقلية من الإطارات وأغلبية من العمال المنفذين وظهور ميل إلى الخلط بين المسار التنظيمي والتنسيقي (تنسيق المهام المختصة)، ومسار التفاعل الاجتماعي داخل المؤسسة الصناعية وما يحمله من قيم وتمثلات اجتماعية ومن ثم أضحى من الصعب على مسيري المؤسسة إدارتها عقلانيا، ومرد ذلك للمتغيرات التالية.

< الأولى >: ازدياد المراتب والفئات داخل المؤسسة الصناعية بسبب سياسات التشغيل العشوائية التي جاءت تطبيقا للدور الاجتماعي للمؤسسة على حساب الدور الاقتصادي ما نتج عنه فائض عمالي، أفرز سلوكات ستاتيكية وأفعال مناهضة لكل محاولة تغييرية تستهدف فعالية المؤسسة.

< الثاني >: إن علاقات المؤسسة الصناعية بمختلف الأوساط (مصدر الفعاليات التقنية والمالية والبشرية)  أخذت تتسم بسمة إشكالية بحيث أن الأهداف التي ينشدها إطارات الصناعة ما تزال تحدد فوقيا، أي بعيدا عن واقع المؤسسة الموضوعي وحاجات المحيط المتحكم فيه، وبالتالي تجد إطارات الصناعة في تحديد مسار المؤسسة وأهدافها من العمليات المستحيلة. كون المؤسسة لا تزال تخضع لنفس القيود والموجبات غير الرشيدة المنقولة من قيم الحقبة الاقتصادية الإدارية، بسبب هيمنة نفس الفئات الاجتماعية وتحالفتها مع الفئات المتحكمة في مختلف الموراد.

< الثالث >: إن التركيب الفئوي للمؤسسة الصناعية الجزائرية أضحى أكثر تعقيدا. وبالتالي بات من الصعب رفع مواردها وتفعيلها بصورة عقلانية، كون المؤسسة تغص  بالجماعات الفئوية الانشقاقية  تتنافس على تحقيق ريوع خاصة.

< الرابع >: إن إطار الصناعة الجزائرية يواجه نمطين متناقضين ومتداخلين من القيم تقوده إلى الاستسلام، فهو كما أشرنا يحاول الاندماج في الفعل المؤسساتي الرسمي من جهة، ومن جهة مقابلة يحاول التملص من قيم المجتمع المناوئة للرشادة المؤسساتية، التي هي تعبير اجتماعي عن علاقات إنتاجية تاريخية كانت سائدة وظلت باقية وتعمل كموجهات للسلوك.

ومنه، فإن المؤسسة الصناعية الجزائرية تتمثل فيها قوتان متضادتان، قوة القيم القديمة، وتبلور القيم الجديدة يكون إطار الصناعة في خضمها مضطرا للخضوع لمؤثرين متناقضين.

لقد لاحظنا أن التناقض يحسم في مجمله باتجاه التنازل لضغط القيم القديمة في إطار ما هو (غير جوهري) أي مالا يتعارض مع جوهر القيم الجديدة التي فرضها الفعل التحديثي، لكنه بنفس الوقت يصر على التمسك بجوهر قيمه لأن ذلك شرط تحقيق ذاته.

إن هذه المسلمة لا تحل مشكلة القيم بالنسبة لإطار الصناعة الجزائرية، إذ أنه أضحى يواجه مشكلتين: كيف يميز ما بين ما هو جوهري عما هو ثانوي في قيمه الجديدة، التي أساسها ومصدرها الوحيد ليس الواقع المادي كما هو الحال مع القيم القديمة، حينها يلجأ إطار الصناعة الجزائرية إلى سلوك فعل التمرد، والتمرد قيمة استلاب، فلئن كان إطار الصناعة مزدوج القيم يعيش حالة حيرة وقلق ناجمتين عن اختيار أحد احتمالين، أو احتمالات.

ولأن الإطار المتمرد، يعيش حالة رعب وانسحاق تامين يعبر عنهما في أحيان كثيرة بفعل متطرف، حينها يعدم الأشياء، وهذا يؤشر لأمر واحد فقط هو فقدان الهوية.

الخلاصة:

ومما تقدم يمكن القول: أن التأسيس لهوية إطارات الصناعة الجزائرية عملية تاريخية متدرجة يشترك فيها الآلاف من إطارات الصناعة تفاعلا وكثيرا من النظم، فتحمل السمات المشتركة لتلك النظم ولأولئك الإطارات والتي تمثل الأوجه المتنوعة لتطور هذه الفئة.

وعند تقييم هذه الأخيرة لا يمكن اعتبارها فئة المستقبل لأن تقييمها يستلزم تحديد درجة تطورها وعلاقاتها بالطبقات الأعلى والأدنى منها. كما يوجب إدراكا شاملا لمستوى التناقضات الاجتماعية في المكان والزمان المعينين.

لقد كرس التنظيم البيروقراطي الانشقاقية وحرص على بقائها وتكريسها باعتبارها وسيلة استمرار لنفوذه واحتكاراته في المجتمع الجزائري.

ومن ثم فإن الشكل التعددي لم يفرض نفسه وكأنه الشكل السوي للمؤسسة الصناعية العمومية الجزائرية والذي من شأنه أن يحفظ وجودها في ظل الانقلاب الجذري للاقتصاد الجزائري.

لقد أضحت الأفعال الإحباطية تتمثل كظواهر عامة داخل المؤسسة الصناعية، وقد حركت هذه الأفعال بدورها القدرات الأداتية والرمزية الكامنة والتي يعتقد إطارات الصناعة صراحة بأنها غير رشيدة وأن مجال المؤسسة غير مجالها، وقد تمثلت هذه القدرات الأداتية والرمزية في استعمال العصبية القبلية والسياسية وتحريك النفوذ خارج المؤسسة الذي لا يخفي تواطؤه البنيوي العصبي مع مصالح الفئة الحاكمة.

إننا نرى في الختام أن أزمة المؤسسة الصناعية الجزائرية ومشاكلها تنعكس فيها الآراء الفردية والأبعاد الفئوية والاختلافات التشريحية للمجتمع الجزائري.

لذلك نرى إطار الصناعة الجزائرية ينحو تارة منحى علميا بينما يجنح بعد ذلك إلى تشنجات عاطفية تجعله يناقض منطلقاته الأولى بتخريجات غريبة مناقضة وذات طابع وسطي يتصل بأطرافه مع مختلف الاتجاهات المتباينة وهذا ضرب من الانتقائية يتميز عن الضروب الأخرى في قدرته على التملص وإعطاء التبريرات.


الهوامش

[1] Jean Claude Thoeing : L ère des technocrates, ED. d’organisation, Paris, 1973, P.P. 58-79.

[2] IBID, P.P. 88-102

[3] IBID, P. 107

[4] IBID, P. 109

[5] Bruno Lussato : Introduction critique aux théories d’organisation, Paris, 1970, P.12.

[6] IBID, P. 58.

[7] IBID, P. 60.

[8] IBID, P. 65.

[9] Renaud Sainsaulieu : Les relations de travail à L’usine ED. Organisation, Paris, 1972, P.P.271-296.

[10] Jean Louis Lemoigne: Les  systèmes de décision dans les  organisations, ED. PUF, Paris, 1974, P.P.240-244.

[11] IBID, P.P.245-248

[12] Amiti  Etzioni : Les organisations modernes, ED. Duclot, Paris, 1991, P.154.

[13] IBID, P.P. 158-162.

[14] IBID, P. 163.

[15] IBID, P. 169.

[16] IBID, P. 179.

[17] W. R. Bion :  Recherche sur les petits groupes, ED. P. U. F., Paris, 1985,  P.P 105-110.

[18] P. Bourdieu : Capital symbolique et classes sociales, IN, l’Arc N° 72, P.P.12-15.

[19] IBID, P. 16.

[20] IBID, P. 17.

[21] Wright Mills : L’élite de  Pourvoir, ED. Maspero, Paris, 1965, P.125.      

[22] عبد القادر جغلول : تاريخ الجزائر الحديث، ترجمة فيصل عباس، دار الحديث، بيروت، ط.2، 1982، ص. 182.

[23] نفس المرجع: ص.ص.221- 230.

[24] نفس المرجع: ص231.

[25] Michel Baleau : L’expérience industrielle dans les pays sous développes, ED. Plon, Paris, 1989, P.188.

[26] IBID, P.190.

[27] IBID, P.194.

[28] عادل صدقي إبراهيم: المغرب العربي في خطاب الأنتربولوجيا، دار الحداثة بيروت، 1995، ص.115

[29] أحمد بهاء ناصر: الإشكالية المنهجية في البحث السوسيولوجي، دار الشروق، مصر، 1988، ص.23.

[30] Michel Amiot: L’interxention sociologique, in sociologie du travail, 4/80, P.P.415-424.

[31] IBID, P.426.

[32] IBID, P.432.

[33] IBID, P.444.

[34] Alain Touraine : Sociologie de l’action, ED. , le seuil, Paris, 1965, P.P.100-145.

[35] Edgard Morin : Le paradigme perdu la nature humaine, ED. le seuil, Paris, 1973, P.112.

[36] IBID, P.115.

[37] Ralf Dahrendorf : Classes et conflits de classes dans la société industrielle, ED. mouton, Paris, 1957, P.105.

[38] Alain Touraine : Production de la société, ED. du seuil, Paris, 1973, P.P.88-103.

[39] IBID, P.P.104-130.

[40] محمد عابد الجابري: فكر ابن خلدون – العصبية والدولة-، دار الطليعة، بيروت، ط3، 1982، ص.ص.245-319.

[41] أحمد صبري: الإشكالية التاريخية في المغرب العربي، دار المستقبل، المغرب، 1991، ص.ص.21-45.

[42] نفس المرجع: ص.ص.46-52.

[43] نفس المرجع: ص.ص 58-73.

[44] ناجي سفير : محاولات في التحليل الاجتماعي، ترجمة ع.بن ناصر د.م.ج، الجزائر ـ 1984، ص.ص.224-242.

[45] عبد القادر جغلول: نفس المرجع السابق، ص.ص.224-232.

[46] J. Perin : Les transferts de technologie, ED. Maspero, Paris, 1983, P.101.

[47] Said Chikhi : Non identité au travail et société En Algérie,  in revue tunisienne du travail, S.1.N°09, 1987, P.P.41-42.

[48] D. Bleiracha Et A. Chenu : L’usine Et La Vie,  ED. Maspero, Paris, 1979, P.41.

[49] S. Chikhi : Op.Cit.P.41.

[50] Ali El Kenz : Monographie D’une Expérience Industrielle En Algérie, Thèse D’Etat Université de Paris, 1984, P.587.

[51] عبد القادر جغلول: نفس المرجع، ص.ص.224-232.

[52] G. Pevot : Expérience Algérienne, In Revue Canndianne L’économie – Québec, 1993, P.167.

[53] عدي الهواري: الاستعمار الفرنسي في الجزائر- سياسة التفكيك الاقتصادي والإجتماعي (1930-1960)، ترجمة جوزف عبد الله، دار الحداثة، بيروت، ط/1 1983.ص.ص.18-44.

[54] Herbert Georg Mead : L’esprit , Le Soi Et La Société, ED, P.U.F., Paris , 1963, P.55.

[55] IBID, P.P.56-79.

[56] IBID, P.P. 82-102.

[57] Ralf Dahrendorf : Op.cit, P. P.112-125.

[58] IBID, P.P.128-131.

[59] IBID, P.P.132-144.

[60] Georges Balandier : Sens Et Puissance, ED. P.U.F., Paris, 1986, P.P. 84-102.