Publications PNR du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Publications PNR

البرنامج الوطني للبحث، كراسك، 2005، ص. 9-25 | النص الكامل


 

 

 

 جيلالي ين يشو

 

 

ملخص الدراسة:

هذا الموضوع بحث ميداني لإحدى اللهجات العامية الجزائرية، و هي لهجة ترارة (Trara) في أقصى الشمال الغربي للجزائر بولاية تلمسان، طرحت من خلاله إشكالية الفصحى و اللهجات العامية، كما درست فيه أهـم التغـيـيـرات التي طرأت على أصوات اللهجة من حيث المخارج والصفات، و قد أرجأت موضوع الأصوات الصائتة، و المقاطع الصوتية إلى دراسة أخرى مستقلة.

بين الفصحى و اللهجات العامية:

إن قضية الفصحى واللهجات من أهم القضايا التي تثير الجدل، والمناقشة بين علماء اللغة في مختلف البلاد العربية، و في ظن الكثير من هؤلاء أن اللهجات العامية الحية المعاصرة ليست إلا انحطاطا من العربية الفصحى، فهي رديئة تتميز باللحن، و الرطانة، و العجمة، منحطة، صورة فاسدة من الكلام العربي الفصيح الصحيح، لا تجري على قواعد، أو أصول، لا يمكن الكشف عن قواعدها، ووصف حقائقها1

لايجوز علميا تسميتها بلغات، لأنها فقدت النظام الغْراماطِيقي، والقاموس الأساسي الذي تستعيرهما من اللغة الأم، وهي راكدة خاملة 2 . فهي في البلاد العربية أو غيرها من البلدان الأخرى لغة قاصرة جدا في التعبير إلا في المجالات البسيطة، كما أنها فقيرة فقرا شديدا في مفرداتها، ولا يشتمل متنها على أكثر من الكلمات الضرورية للحديث العادي فقط، وهي فوق ذلك لغة مضطربة كل الاضطراب في قواعدها و أسالبيها و معاني ألفاظها، و تحديد وظائف الكلمات في جملها3.  

غير أن هذا الظن عند البعض الآخر ليس إلا سرابا خداعا، و حججهم في ذلك:

1- يستحيل على أية مجموعة بشرية تشغل مساحة شاسعة من الأرض أن تحتفظ في لهجات الخطاب بلغة موحدة، كما أن الاستعانة باللهجات العامية تمكننا من تحسين طرق تلقين العربية الفصحى للأطفال، وذلك بمقارنة هياكل الفصحى بهياكل العامية، و لفت نظر الطلاب إلى أوجه الائتلاف، و أوجه الاختلاف، بهدف تبيان الصلات بينهما، لأن هذا الواقع المزدوج الذي نعيشه يملي علينا أن نتجند لوصفه من باب الاعتراف بغنى الميدان اللغوي العربي، فلا ينبغي أن يستهان بالمادة اللغوية التي تشترك فيها جميع اللهجات العامية الحالية لكونها محلولة في صورتها عن الأصل الفصيح، فكل ما هو مشترك وأصيل في نفس الوقت فهو من التراث اللغوي الذي يجب الاحتفاظ به، بل الحث على استعماله قبل غيره شرط أن يوافق النطق الفصيح، و يتفق مع مقاييس الفصحى : » يملي هذا الموقف المتفهم للواقع المزدوج الذي يعيشه كل متحدث باللغة العربية أن نقلع عن الابتعاد عن دراسة اللهجات العربية، و أن نتجند لوصفها من باب الاعتراف بغنى الميدان اللغوي العربي.« 4

2- إن وجود اللهجات العامية في نظر الكثير من الباحثين اللغويين أحد وجوه تطور، و تطوير، و تحديث اللغة العربية الفصحى، و يملي هذا الموقف على اللغويين المشتغلين باللغة الفصحى، و العامية أن يتفهموا الازدواجية اللغوية القائمة في نفس كل متحدث باللغة العربية، فهو في الوقت نفسه متحدث عامي، و فصيح، و أن يعملوا على توجيهها، ويحسنوا استثمار الزخم الموجود فيها إغناء للعربية الفصحى، وتبقى المسؤولية ملقاة على عاتق معلمي، و مدرسي اللغة العربية، و آدابها في تقبل هذا الواقع، و العمل على فهمه، و استيعابه، و تسخيره في خدمة فهم، و إتقان طلابنا اللغة العربية الفصحى، لان السبب الأساسي الذي يستدعي منا اليوم أن نعير اللهجات العامية جانبا مهما من اهتماماتنا اللغوية، يتمثل في أمر بسيط غفل عنه الاكثرون، و ذلك أنه لا يمكننا من الناحية البيداغوجية أن نعلم أطفالنا لغة من اللغات بدون أن نراعي المتاع اللغوي الذي يجيئوننا به إلى المدرسة، يقول الطيب البكوش : » مثل المعلم يعلم تلميذه لغة بدون اعتبار المادة اللغوية الأولىـ أي اللهجةـ التي يحملها كمثل المهندس يبني جسرا على نهر بدون دراسة طبيعة الأرض التي يبني عليها، فما دراسة اللهجات العربية إذن  و وصف هياكلها الصوتية، و الصرفية، و التركيبية، و المعجمية وصفا ألسنيا إلا مرحلة أولى تعيننا عن طريق المقارنة و المكافحة على تحسين طرق تدريس اللغات الأخرى من عربية فصحى، و غيرها التي نريد تعليمها لتلاميذتنا.« 5

3- من الأسباب التي تستدعي منا اليوم أن نعير اللهجات العامية جانبا هاما من اهتمامات اللغويين، و توجيه العناية لها، أنها تمكننا من تحسين طرق تعليم اللغات، ذلك أن علماء اللغة في فرنسا قد اهتدوا بفضل دراساتهم انه لا يمكن تعميم تعليم اللغة الفرنسية للطفل الفرنسي، أو الطفل العربي، أو الطفل السينيغالي باستعمال نفس الكتب، و نفس الطريقة، و إنما ينبغي مراعاة الطبقة اللغوية السفلى التي تعلمها الطفل أي العامية substrat 6 كما أن هذا  المستوى جدير بالبحث و النظر باعتباره نشاطا اجتماعيا للناطقين به إذ تؤدي دراسة كل من الفصحى، و عامياتها إلى فوائد محققة بالنسبة للآخر.

إن بين العامية و الفصحى ستارا موهوما، علينا  أن نجلو غشاوته عن العيون، ليس من خير الفصحى أن يقوم بينها و بين العامية هذه العزلة الموحشة 7

4 ـ إن بين الفصحى و اللهجات العامية تآنس و تآلف و تجانس، هما فصيلتان من لغة واحدة، مثلهما مثل ثنائية الجنس و العقل من الإنسان الواحد، هذه الثنائية تخلق نوعا من التوازن في اللطيفة هكذا الفصحى وعامياتها8. فالتمييز بين هذين الوجهين : لا يعني أن هناك هوة بينهما... فالوضع اللغوي بين هذين الوجهين هو وضع تمازج، و تفاعل مستمرين يؤدي في العديد من الأحيان إلى استعمالات لغوية تمزج الفصحى بالعامية، و العامية بالفصحى في مستوى الأصوات، و المفردات، و العبارات، والجمل9 .

5ـ إن بعد العاميات العربية عن الفصحى شيء مبالغ فيه، فالفرق لا يزال ضئيلا و أن الكثير من الألفاظ العامية ليست إلا ألفاظا  فصيحة طرأت عليها تغيرات عديدة من نحت و إبدال و قلب و زيادة و حذف، فما نراه من تغيير في نطق بعض الأصوات، و في تراكيب بعض الصيغ و المفردات، وتغيير البنية، و قواعد الاشتقاق،و الجمع، و الوصف، و النسب، و غيرها ما هي إلا فروق ضئيلة نتجت عن حاجة الناس إلى التعبير عن أفكارهم بسهولة و وضوح، و من نزوعهم إلى الاقتصاد في الكلام.

إن الناظر إلى أمر اللهجات العامية المختلفة في البلاد العربية يجد أنها لا تشكل لغات مستقلة بالمعنى الاصطلاحي و العلمي لكلمة لغة، لكنها تتفاعل مع اللغة الفصحى الأم، لم تبتعد عنها ابتعادا ملحوظا فهي مرتبطة بها، ليست مستقلة عنها، تبقى محتفظة في بنيتها العميقة بمعدنها العربي الأصيل، من هذه اللهجات لهجة منطقة ترارة.

التعريف بمنطقة ترارة:

إن منطقة "ترارة " هي تلك المنطقة المشرفة على البحر الأبيض المتوسط في أقصى الشمال الغربي للجزائر تنحصر بين عدة منخفضات منها منخفض وادي كيس، سهول زليفة و انقاد المغربية غربا، وادي تافنة، و روافده شرقا، وادي مويلح جنوبا تتخللها جبال فلاوسن، و تاجرة، و سيدي سفيان، أما تركيبتها البشرية فتتشكل من مجموعة قبائل هي:بني منير وبني مسهل و بني عابد و بني خلاد و بني وارسوس و ولهاصة الغرابة.

إن إحتواء "ترارة" لعدد من قبائل الكومية لا يعني المفهوم الحقيقي لهذه المجموعة بيد أنه من الممكن أن يكون نفود ترارة قد شمل جزء من مدغرة في فترة معينة قبل القرن السادس عشر، و كذلك بني زناسن ومسيردة و جبالة10.

و على عكس ما هو معروف فإن التسمية التي تحملها ترارة منذ القرن السادس عشر لا تمجد عظيما من عظمائها في الفكر و الدين، فظروف نشأتها غامضة مجهولة، وما ورد الحديث عن ترارة و رجالها لأول مرة إلا في عقد ميثاق الوحدة 1548 بين القبائل البربرية، و العربية لشمال الغرب الوهراني، و المغرب الشرقي تحت لواء الولي الصالح سيدي عبد الرحمان اليعقوبي لمحاربة الاسبان المقيمين بتلمسان11.

و عرش ترارة بطن من بطون كومية يقول مبارك الميلي :" و كومية كثيرة العدد، جمة الشعوب، لم يكن لها في قديم الدهر، و لا حديثه ذكر في رياسة، و لا حظ من نباهة، و إنما كانوا أصحاب فلاحة، و رعاة غنم، وأصحاب أسواق يبيعون فيها اللبن، و الحطب، و هي ثلاثة بطون: ندرومة، صغارة،بني يلول، و أفخاذهم كثيرة منهم: بنوعابد قوم عبد المؤمن بن علي مواطنهم سيف البحر من ناحية أرشقول و تلمسان "12.

تحمل المنطقة أصولا أمازيغية نظرا لوجود دعائم ثقافية، و أنتروبولوجية لا زالت تحافظ على اسمها الأصلي، و يتجلى ذلك في أسماء بعض النباتات مثل تيغيغت أَزِير، أَمِريو و أسماء بعض الأدوات التي يستعملها الإنسان في حياته اليومية مثل أجديو –أَقلال –أشباي ،أرصان و كذلك أسماء بعض الأماكن مثل تيزاغن،تافسوت،تاوية،زايلو،زاغو،أزغادة.

شكلت المنطقة طيلة تاريخها الحضاري ممرا للجيوش، و الأقوام، و القوافل التجارية، و الحضارات العسكرية التي تعاقبت عليها منذ فجر التاريخ13.

تعربت القبائل الأمازيغية بفعل التزاوج الحضاري عبر العصور، حيث نشر المرابطون الإسلام في نواحي المنطقة و عمت الثقافة و الدراسات الدينية، و قد لعب الدين الإسلامي دورا حاسما في توحيد القبائل كما استوطنت عدة قبائل عربية بالمنطقة خاصة بعد الحملة الهلالية، حيث اغتنمت قبائل بني هلال الاضطرابات المزمنة التي كانت تنتاب المغرب الأوسط، فانتشرت في أرجاء التل، و كان الأدعياء يعتمدون على نصرتها ويجازونها بالإقطاعات و حق الجباية، و تذكر الروايات أن العرب بسطوا نفوذهم، و كانوا يتوسعون في ربوعها، فضعف سلطان قبائل كومية و زناتة أمام سطوة العرب الذين ساهموا في تقوية العنصر العربي بمنحه الأموال الطائلة و أراضي واسعة و تسليمه موارد كثيرة14.

و قد حصل انصهار بين بدو زناتة و العرب الرحل القادمين من الشرق بفضل تشابه عاداتهم، فتعربت المنطقة، و كانت اللغة العربية عامل وحدة بين البربر و العرب، و قد تدعم هذا التزاوج بينهما في عهد الدولة الإدريسية حيث اصبح التقاطع و التصالب الذي بنيت على دعائمه دولة الأدارسة هو عنوان الوحدة و الإنصهار بين الأنساب و السلالات15.

و لما ضعف نفوذ المسلمين بالأندلس أخد أهالي اشبيليا، قرطبة، غرناطة، وغيرها من المدن الإسبانية يغادرون أرضهم متجهين نحو المغرب العربي تحت ضغوط و قساوة الإسبان المسيحيين و في سنة 1548 عقد ميثاق الوحدة لقبائل طرارة تحت لواء الولي الصالح سيدي عبد الرحمان اليعقوبي لمحاربة الإسبان المقيمين بتلمسان16. و في منتصف القرن السادس عشر استولى رايس باشا الجزائري على تلمسان باسم العثمانيين فتوافد الأتراك على المنطقة، واختلطوا بسكانها فتداخلت التقاليد و العادات و امتزجت اللهجات.

ظلت المنطقة تابعة سياسيا لندرومة في عهد الأتراك حتى عام 1845 حيث انفصلت عنها بعد تأسيس الأمير عبد القادر عام 1839 اتحادا يضم قبائل بني وارسوس، بني سهل، بني منير ووضعها تحت قيادة خليفة له وشاركت هذه القبائل في احداث ثورة 1845 التي ميزتها مجزرة سيدي ابراهيم بجبالة17.

بعد مجزرة سيدي ابراهيم و استسلام الأمير عبد القادر، عان سكان المنطقة من ويلات الإستعمار الفرنسي حيث أقدمت سلطات الاحتلال على مصادرة املاكهم و اراضيهم، و سلطت عليهم أنواع العذاب.

شارك أهالي المنطقة و قاوموا الاستعمار الفرنسي بكل الوسائل فكانت معركة فلاوسن18 المشهورة جويلية 1956 ثم اشتباكات مع العدو في شهر أبريل سنة 1957 (معركة فلاوسن الثانية).

إن منطقة ترارة بأصولها الأمازيغية شكلت طيلة تاريخها الحضاري ممرا للجيوش و الأقوام و القوافل التجارية، و الرباطات العسكرية التي تعاقبت عليها منذ فجر التاريخ فامتزجت بها ألسن متعددة بدء باللغة العربية منذ الفتح الإسلامي التي كانت عامل وحدة بين قبائل هذه المنطقة، إلى اللغة الإسبانية، و التركية، و الفرنسية،  فانعكس ذلك على لهجتها في مختلف مستوياتها، و بخاصة الصوتية منها.

الخصائص الصوتية للهجة ترارة:

من الخصائص العامة المتعلقة بأصوات لهجة ترارة أن بعضها قد يصيبه التغير من ناحية المخرج، و البعض الآخر من ناحية الصفة بالتحول من الشدة إلي الرخاوة: أو من الهمس إلى الجهر، أو من الترقيق إلى التفخيم، ونوجز أهم هذه الخصائص فيما يلي:

1ـ التحول من الرخاوة إلى الشدة:

  • الظاء الرخوة المجهورة المطبقة في اللهجة الترارية فُقدت و حل محلها صوت الطاء الشديد المهموس المطبق في مثل قولهم:

- طْهَرْ لْخَاوِ شْحَالْ يرْفدْ مْ شْكَاوِ ß طْهرْ (ظْهَر)

- مَا يْدْخَلْ بِين لْحَمْ وْ طْفرْ غِيرْ لْوْسخْ ß طفَرْ (ظُفْرٌ)

- لَ يَغْويكْ نوَّارْ دَفْله فْ لْوادْ دايَرْ طْلاَيلْ وْلَ يغْويكْ زِين طُفْلهَ حْتَ تْشوفْ لْفْعايَلْ ß طْلايلْ (ظِلْ )

  • و كذلك بالنسبة لصوت الذال الذي يتحول في اللهجة إلى صوت الدال الشديد في قولهم:

- دِيبْ حْلالْ دِيبْ حْرامْ تَرْكُ حْسَنْ ß دِيبْ (ذِئْبْ)

- مْشَ يْسْتَغْفَرْ زَا دْ دْنوبْ  ß دْنوبْ (ذنوب)

  • ونفس الشيئ ينطبق على صوت الثاء الذي تتغير صفته من الرخاوة إلى الشدة فينطق تاء19

- لٌ كاّن يَحْرثْ ما يْبِيعُو ß  يْحْرَتْ (يَحْرَث)

- تْلاتْه (ثلاثـــة)    

-  تْقيلْ (ثْقيــل)

ويمكن تفسير تحول الأصوات الأسنانية اللثوية20 إلى أصوات شديدة21 وفق نظرية السهولة وأثرها في تطور الأصوات لأن من اليسر أن تنتقل الأصوات من الرخاوة إلى الشدة22

  • كما أن صوت الجيم في اللهجة ينطق شديدا لا رخاوة فيه(الجيم القاهرية إذا كان مجاورا لصوت من أصوات الصفير مثل:

- قزاَّرْ وْ يَتْعَشَّ بْ وْرَقْ لَّفْتْ ¬ قزاَّرْ(جزار).

- قُوزْ عْلَ عْدُوكْ جِيعانْ وْ مَا تْقُوْشْ عْلِيهْ عُرْيَانْ ¬ قُوزْ(جوز من فعل جاز)

تأخرت الجيم عن مخرجها بالتأثير المدبر للزاي الصفيرية فتقلب الى جيم وسط حنكية شبيهة بالجيم القاهرية g23 وهذا النطق موجود في اللهجات الحديثة و خاصة في صعيد مصر، أو في بعض مناطق الجزائر24.

2ـ التحول من الجهر إلى الهمس:

يعد صوت الضاد من الأصوات الثقيلة على ألسن سكان ترارة، فيتحول من صفة الجهر إلى صفة الهمس فينطق طاء  مثل:

- طْرَبْنِي وْ بْكَ سْبَقْنِ وْ شْتْكَ    ----->  طْرَبْنِي (ضَرَبَني )

- كِ يَكْتَرْ لَكْ لْهَمْ طْحَكْ لُ ----> طْحَكْ (إضحك)

- حْتَ كْفَرْ وْ نا طْ يَسْتَغْفَرْ  ----> ناطْ (نَهَضَ)  

  • كما تتغير صفة الباء في اللهجة من الجهر إلى الهمس فيتحول إلى نظيره المهموس الذي يرمز إليه في الكتابة الأوربية بالرمز ب (P) 25 بتأثير الطاء المهموسة سواء أكانت أصلية أو منقلبة عن الظاء، أو الضاد في قولهم:

طْرْبـه- بيطَـة (بيضة)- بْيَطْ (أبيض)

طْبَابْ (ضَبَابْ)

3ـ التحول من الهمس الى الجهر:

  • القاف في اللهجة مهموس، شديد، مفخم في قولهم:

- لْفَارْ مْقَلَقْ مْ زْهَرْ لْقَطْ ----> مْقَلَقْ – لْقَطْ

- قَرْدَحْ مَرْدَحْ قْلِيلْ نِيَّه مَا يَرْبَحْ ----> قَرْدَحْ-قْلِيلْ

  • غير أنه يتحول من صفة الهمس إلى صفة الجهر26 فينطق قافا مثل

قُنْدُولْ (نبات شوكي) - قْمَرْ( قمر)-قُرَّابْ. 

  • كما أن صوت السين في اللهجة يتحول من صفة الهمس إلى صفة الجهر بتأثير صوت الدال المجاور له فينطق زايا في مثل: -دابزْ في دابَسْ بمعنى دّاقْ أي تخاصم

والعلة الصوتية في ذلك أن السين حرف مهموس والدال حرف مجهور فكرهوا الخروج من حرف إلى

حرف ينافيه، فقربوا أحدهما من الآخر أبدلوا من السين زايا لأنها من مخرجها، و أختها في الصفير و توافق الدال في الجهر فيتماثل الصوتان27.

  • يتحول صوت الصاد في اللهجة من صفة الهمس إلى صفة الجهر فينطق زايا، و هذا إذا كانت الصاد متبوعة بصوت الدال في مثل: اغرس لحبق يزدق. يزدق بالزاي عوض الصاد.

- قَزْديرْ (قَصْدير)        - زْدَمْ عْليه (صَـــــدَمَ )      - زَعْتر (صَعْتر)28

انجر عن تتابع الصاد المهموسة بالدال المجهورة نسق صوتي مرفوض ولإزالة هذا التنافي، و بعث الانسجام و التوافق بين المتماسين أبدلت الصاد زايا لأن الزاي تشترك مع الصاد في المخرج، و في صفة الصفير و الرخاوة، وتؤاخي الدال في الجهر فتجانس الصوتان عن طريق إدناء الصاد من الدال وجعلهما مجهورين.

4- التحول من الترقيق إلى التفخيم:

  • يتحول صوت السين في اللهجة من صفة الترقيق إلى صفة التفخيم فتنطق صاداً29 إذا جاور أحد الأصوات التالية:

الـراء: - خْطاك لْغَرْصْ فِ مَارَصْ  ----> غَرْصْ (غَرْس)  - مارَصْ (مارس)

الخـاء: - طْمعْ يْخَصّرْ طْبعْ  ---->     يْخَصَرْ (يخسر)

القاف: - قْصَمْ (قسم )

تخلى صوت السين عن استفاله لصالح نظيره الصاد المستعلي المطبق لتقاربهما في النطق و اتحادهما في صفتي الرخاوة و الهمس: و هذا التأثير الصوتي لم تخل منه أية لهجة من اللهجات الحديثة

  • كما يفخم اللام في اللهجة في حالات منها:

 إذا كان مسبوقا بأحد الأصوات المطبقة (ط-ض-ص-ظ) مثل:

 - طَلاَّب يطلب و مْراتُ تصَدَقْ     ---->  طَلابْ - يَطْلَبْ

- تكْبَرْ لْبَصْلَ وْ تَرْجَعْ لْ أصْلَ ----> بَصْلَ – أصْل

- طَلْمَة (ظلمهَ) – طْلوعْ (ضْلوع)

  • يُفخم صوت الراء في المنطوق التراري في الحالات التالية:

 إذا كان متبوعا بحركة طويلة يتلوها صوت مفخم مثل:

- كْلاَمْ نَاسْ يْعيّ و يْوَجَعْ رّاصْ ----> رَاصْ (رَأْسْ)

- مَشِ لْفَايْدَه فْ مْسَاسَكْ رّاصْ لْفَايْدَه فْ لْخٌبزه وْ تْقرَاصْ ----> رَاصْ - تقرَاصْ.

إذا جاورت أحد أصوات الاستعلاء30

بْ رْطَلْ وْ لَ تْعَطَلْ ----> رْطَلْ

خٌرْطالْ -رْصَاصْ -مُغْرَفْ-طْرُو (ظَرْوْ)

- طْرْبَـه (ضربه)

إذاكانت ساكنة وسبقها فتح:

صْبَرْ يْدْبَرْ.

قْرْدحْ مَرْدَحْ قليلْ نِية مَا يَرْبَحْ ----> قْرْدَحْ -مرْدَحْ-يْرْبَحْ

- عَرْعَـار-مَرْسيطْ (نوع من النبات)

- أو جاور صوت الطاء المفخم:

تهَنَّ لْفَرْطاصْ مْ حَكْ رَّاصْ ----> فَرْطاصْ  (فرطاس) 

5- التأثير بالحذف و التسهيل و الابدال:

يعد صوت الهمزة من أشق الأصوات، لأن انحباس الهواء عند فتحة المزمار انحباسا تاما ثم انفراج المزمار فجأة عملية تحتاج إلى جهد عضلي، فيصعب تحقيقه، و بذلك تطر أعليه تغيرات مختلفة بحسب مواقعه في الكلمة.

· في أول الكلمة

- تخفف و تسهل في مثل قولهم:

- لْلِي كَمْلَتْ ايَاَمُ ماَ يَطْمَعْ فِ اياَمْ ناَ سْ     ---->   اياَمُ (أيامُهُ)

 - تبدل نصف حركة وَاواً أو ياء في مثل:

- وَايَنْ هَمَّكْ وَايَنْ دَمَّك    ---->        وَايَنْ (أين)

- يْمَايَنْ لَبْناَتْ مَهْمُومَة حَتَى لْمَمَاتْ    ---->        يْماَيَنْ (أم)

- وَدَّنْ (أذَنَ) –وَخَرَّ (أخر)

- يَناَ (أناَ) -ياَمَسْ (أمس)

-  تسقط اذا كانت متحركة و سكن ما قبلها فتنقل حركة الهمزة الى الساكن قبلها مثل :

- لَعْرِيسْ يْتْعَرَسْ وْ لَحْمَقْ يَتْهَّرس   ---->      لَحْمَقْ (الأحمق)

- لَوَّلْ بْ لَوَّلْ وْ تاَلِي بْ تاَلِي    ---->      لَوَّلْ (الأول).

- كما تحذف في لفظ أخ و أخت إذا أضيفت فيقولون:

-  خَاكْ خَاكْ لَ يْغُرَّك صَاحْبَكْ     ---->    خَاكْ ، خَاكْ (أخوك، أخوك)

- دِكْلَ حقُّ يْغَمَّطْ عِيناَهْ   ---->         كْلَ (أكَـلَ)

- نَاسْ تَكْسبْ وْ نْتَ تَحْسَبْ ---->  نْتَ (أنت )

· في وسط الكلمة

تُسهّلْ و تتحول إلى حركة طويلة إذا كانت ساكنة في مثل قولهم:

- دِيرْ رّاي دِ يْبيَكِيكْ    ---->       (رَايْ) (رَأيْ)

- مْسَهَّلْ لْفَاسْ فْ يَدْ نّاسْ      ---->     لْفَاسْ (الفــأس)

- حْتَ يـْـتِـيـمْ مَاكْلاَه دِّيـبْ ---->     دِّيب (ذِئـب)

     - تُبَدّل نصف حركة واوًا أو ياءًا في مثل:

- يْلَ طَرْبَكْ لْقَايَدْ لَمَنْ تَشْتْكِ    ---->    لْقاَيَدْ (القائد)

- مْيَه (مائة)    - سَوْلَهْ (سَأَلَه)

· في آخر الكلمة

تسقط بحيث لا يبقى لها أثر نحو قولهم: - طْعاَمْ هَمَّه لَوْ كاَنْ بْ لْم¬ لْمَ (الماء).

- دِ جَ قَد ماَ يْرَدّ ---->    جَ (جاء)    -  لِ تْكَلْ عْلَ جاَر باَتْ بْلَ عْشَ    ----> عْشَ (عشاء)

و من التغيرات التي تطرأ على صوت اللام في هذه اللهجة هي:

  • إسقاطه من الكلام في مثل: قُـتْلَكَ عِوض قُلْتُ لكَ

و كذلك إسقاط لام أل التعريف إذا وقعت قبل الحروف التالية:

(الشين–اللام –الراء –النون-الصاد-السين-الزاي-الذال-الثاء-الظاء-الدال-التاء-الطاء)   فيقولون:

انّاسْ في النَاسْ – رَاجَلْ في الرَاجَلْ – أصّحْ في الصَحْ

  • إبداله ميما إذا كان بعد الميم حرف شفوي مثل: ا مْبَارَحْ في البَارَحْ..
  • إبدالبه نونا إذاكان بجوار لام أخرى مثل: سَنْسَلَه في سِلْسِلة
  • كما يسقط صوت النون من كلام سكان المنطقة في مثل: حْنَ عوض نَحْنُ
  • يُبَدّلُ ميما إذا جاور صوت الباء31 مثل:

- مَنْ بعدْ ---->  مـَمْـبَعْدْ                       مَنْ بَرَّ  ----> مَمْبَرَّ

- حَنْبَلْ   ----> حَمْبلْ   - جَنْب ْ ----> جَمْب        ْ يَنْبَح   ----> يَمْبَحْ

  • يُبدل لاما في مثل: غْنمْ ----> غْلَمْ فَنجان ----> فَنجال   
  • يختفي صوت الميم في اللهجة إذا جاور صوت الفاء مثل:

لْ كَلْبْ يْعَيِ فَاهْ وْ طَالَبْ يْعَبِ مَعْرُوفُ ----> فاَه فِي فَمِهِ

  • كما يقلب نونا في مثل: مْتَاعْ (نتاع) نْخُطْ لْبنْ أي مـْخُضْ32.

خـاتــمــة

لا نحسب أننا تناولنا كل الخصائص الصوتية للهجة ترارة، و حللنا جميع ظواهرها، بل إن هناك خصائص تحتاج إلى دراسة، و تحليل، و ما خلصنا إليه هو أن المنظومة الصوتية لهذه اللهجة طرأت عليها تغييرات منها:

1ـ أن الحروف الرخوة التي ما بين الأسنان ( الظاء، الثاء، الذال ) قد فقدت في اللهجة و عوضت بنظيرتها الشديدة ( الطاء، التاء، الدال ) تحقيقا للسهولة و التيسير.

2ـ يبدو أن صوت الضاد في اللهجة ثقيل على ألسنة الناطقين به، حيث اضمحل، و غالبا ما ينطق طاء.

3ـ تـميـل اللهجة إلى الأصوات المجهـورة، و الشـديـدة وهذا راجع إلى طبيعة البيئة الترارية (منطقة جبلية ) التي تتطلب توضيح الأصوات بعدة طرق منها الجهر بالصوت.

4ـ تجنح اللـهـجة إلى الأصـوات المفخـمة، لأن لها رنة قوية على الآذان مما يلائم طباع البدو، و خشونتهم.

5ـ عدم ثبات بعض الأصوات على أحوالها مثل الهمزة فهي إما محققة، و إما مسهلة، و إما مبدلة، و إما محذوفة.

6ـ تتأثر الأصوات المتجاورة بعضها ببعض، فينطق المرقق مفخما، والمهموس مجهورا، و الرخو شديدا، و العكس صحيح.

إن الرصيد اللغوي الذي تتميز به لهجة ترارة يدفعنا ألا نحتقرها، لأن اللهجة لا تقاس صلاحيتها بحسب التقدم، و التأخر في الزمن، بل بحسب قدرتها على أداء دورها في المجتمع.


الهوامش:

1- علم اللغة : مقدمة للقارئ العربي، د. محمود السعران دار الفكر العربي ط 2، 1420 ـ1999، القاهرة، ص: 24.

2- مجلة اللسان العربي، مجلة دورية للأبحاث اللغوية و نشاط الترجمة والتعريب، ج 1، المجلد السابع عشر، مقال للدكتور محمود عبد المولى بعنوان : الفصحى و اللهجات قراءة جديدة و ملاحظات ص: 85.

3- علم اللغة : د. علي عبد الواحد وافي ـ دار النهضةـ مصر ط 5ـ  1972 ص:  150.

4- دراسات في اللغة العربية الفصحى و طرائق تعليمها د.أنطوان صياح دار الفكر اللبناني – بيروت ط. 1- 1995 ص:  9.

5-  التصريف العربي من خلال علم الأصوات الحديث د. الطيب البكوش الطبعة الثانية 1987 ص:  12.

6- نفسه و الصفحة نفسها.

7- معجم الألفاظ العامية المصرية ذات الأصول العربية : د. عبد المنعم سيد عبد العال ـ مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ـ 1391 ـ 1971 ص :8.

8- فلسفة اللغة : د. كمال يوسف الحاج ـ دار النشر للجامعيين، بيروت 1956 ص : 257.

9- دراسات في اللغة العربية الفصحى و طرائق تعليمها، ص : 7.

10-  Nedroma et les Traras , Rénnè Basset Paris Ernest Leroux 1901  P 65

11- نفسه و الصفحة نفسها.

12- تاريخ الجزائر القديم و الحديث مبارك الميلي الجزء الثاني ص: 222.

13- صدى الثورة الجزائرية في الأهازيج النسوية لولاية تلمسان، عمار يزلي منطقة ترارة نموذجا، رسالة لنيل درجة الماجستير- جامعة تلمسان 1990 ص: 13.

14- انظر تاريخ افريقيا الشمالية:شارل اندلي جوليان تعريب محمد مزالي و البشير بني سلامة، ط.2 الدار التونسية للنشر 1982 الجزء 2 ص: 207.

15- عمار يزلي المرجع نفسه ص: 31

16- روني باسي المرجع نفسه ص: 67

17- المقاومة الجزائرية تحت لواء الأمير عبد القادر، اسماعيل العربي ص: 261.

18- فَلاَّوْ سَنْ: كلمة بربرية تشتمل على كلمتين: أفلا بمعنى فوق واعلى وأوسن بمعنى قرية.

19- يقول الدكتور رمضان عبد التواب: " صوت الثاء من الأصوات التي فقدت في اللهجة العامية و استعيض عنه فيها بالتاء نحو ثقيل (تقيل) "المدخل الى علم اللغة و مناهج البحث اللغوي، مكتبة الخانجي القاهرة، دار الرفاعي الرياض ط1، 1405- 1985 ص:45.

20- الظاء –الذال-التاء تسمى لثوية نسبة إلى اللثة العليا و هو اللحم النابت فيه الأسنان العليا لقربها منها و لخروجها من قرب اللثة.

21- يقول جان كانتينو: " إن الحروف الرخوة التي بين الأسنان لم تصبح شديدة إلا  بتلمسان عند سكان الجبال من مسيردة و ترارة (شمال تلمسان) دروس في علم الأصوات العربية، ترجمة الأستاذ صالح القرمادي، نشرات مركز الدراسات و البحوث الاقتصادية تونس 1965 ص :69.

22- حول مسألة نطق صوت الجيم شديدا لا رخاوة فيه أنظر: الأصوات اللغوية د.ابراهيم انيس، مكتبة الأنجلو المصرية 1971 ط4 ص 79- د.رمضان عبد التواب المرجع نفسه ص 51- جان كانتينو المرجع نفسه ص: 95.

23- دراسة الصوت اللغوي د.أحمد مختار عمر عالم الكتب- القاهرة ط.3- 1985 ص: 0 29.

24-  صوت الضاد هو النظير المجهور للطاء .

25- مهموس الباء ليس صوتا أساسيا من أصوات اللغة العربية: أنظر الدكتور إبراهيم أنيس المرجع نفسه ص. 45، الدكتور رمضان عبد التواب المرجع نفسه ص: 43.

26- حول مسألة تحول صوت القاف من صفة الهمس إلى صفة الجهر أنظر: د إبراهيم أنيس المرجع نفسه ص. 87 جان كانتينو المرجع نفسه ص: 112.

27- شرح المفصل لابن يعيش عالم الكتب د.ت. الجزء 10 ص:52.

28- الصعتر من البقول بالصاد، قال إبن سيدة: هو ضرب من النبات، واحدته صعترة ، قال أبو حنيفة : الصعتر مما ينبت بأرض العرب منه سهلي، و منه جبلي، و ترجمه الجوهري عليه سعتر بالسين. لسان العرب، ابن منظور مادة (ص ع ر ) ص: 457.

29- لعلّ الذي دعا إلى تفخيم السين هو أن السين و الصاد من نفس المخرج يتفقان في الهمس و الرخاوة إلا أن الصاد صوت مفخم و البدو يميلون في نطقهم إلى الحروف المفخمة لأن لها رنة قوية في الأذان مما يلائم طباعهم وخشونتهم، أنظر جان كانتينو المرجع نفسه ص: 74.

30- الإستعلاء لغة الإرتفاع و إصطلاحا إرتفاع اللسان عن النطق بالحرف إلى الحنك الأعلى و حروفه هي الخاء -الغين-القاف-الصاد-الطاء-الضاد-الظاء -يقابل الإستعلاء الإستفال و هي بقية الأصوات.

31- يقول الدكتور إبراهيم أنيس: إذا جاورت النون الباء مجاورة مباشرة لاحظنا أن النون تتأثر بالباء فتقلب إلى صوت أنفي شبيه بالباء في المخرج هو صوت الميم. المرجع نفسه ص: 74

32- مخض اللبن يمخضه و يمخضه مخضا فهو ممخوض و مخيض أخد زبده اللسان مادة (م خ ض) ص: 229.