Publications PNR du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Publications PNR

البرنامج الوطني للبحث، كراسك، 2005، ص. 51-194 | النص الكامل


 

 

تقديم وتحقيق الخطوط من طرف

محمد غالم

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

كتاب عجائب الأسفار  ولطائف الأخبار  تأليف العالم العلامة  والحبر الفهامة الولي الصالح  والقطب الواضح  الشيخ محمد بن أحمد بن الناصر المعروف أبو راس المعسكرى رحمه الله  آمين.

الحمد لله الذي لا يزال  على تواريخ الدهور ملكه لا يزول  ولا لمشيئته اضمحلال ولا عدول، وعزه دائم وأحوال ما سواه تحول واليه وان طال المد الرجوع وبين يديه المثول  الذي جعل الدنيا جسدا عليه للآخرة الوصول ومتاعها قصره ابتلاء يعقبه النكر أو القبول.

 وبعد لما طلب مني ممن له رغبة بهذا الشأن وبما ثبت أن علم التاريخ والنسب هو علم لا ينفع وجهالة لا تضر وبعد، فقد ضعفه الجرجاني وابن حزم وابن عبد البر النمري  وقد قال صلى الله عليه وسلم تعلموا من أنسابهم ما تصلوا به أرحامكم إلخ.

تنبيه: القصص والأنساب لا يدخله نسخ وكذا اللغة العربية فإذا صح عندنا في قصص أو نسب أو نحوه فإنه يعمل به فيما اقتضى العمل به قال كاتبه أن أخبار الأوائل ومعرفة أجناس الناس والقبائل من لهم ما يعتني ويدخر ولا يقال: الأصل في الأخبار أن تؤخر لأن في القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ومن القصص ما يذهل الألباب ويخجل عنه البحر العباب وقد قال العلماء: القصص طلب منا لقوله تعالى "أو لم يسيروا في الأرض إلى من قبلهم"  وقال" نحن نقص عليك أحسن القصص"  وقال. "إن هذا لهو القصص الحق"  وقال" منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك"  وقال تعالى" لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب"  إلى غير ذلك  فعلم التاريخ من هذا مطلوب كما طلب علم النسب بمعرفته، ألا ترى قوله تعالى "ومن ذريته داود وسليمان"  إلى قوله "يونس ولوطا"  وقوله  "إن الله اصطفى آدم ونوحا"  إلى قوله  "ذرية بعضها من بعض"  وقال أيضا "ومريم ابنت عمران" إلى غير ذلك  ابتدأناه من حيث أخذ في التوطيد للشروع في المقصود لفقد أوله.  قال وقد اعتنى به  يعني علم التاريخ أهـل كل طبقة وجهابذة كل ملة من صلحاء[1] السلف وحذاق الخلف في كل عصر عصابة هم أهل الإصابة فألفوا وأفادوا وصنفوا وأجادوا وأبلغوا من المقاصد قاصيتها  وملكوا من المحاسن ناصيتها جزاهم الله رضوانه وأحلّهم من رياض الفردوس ميطانه وكان أعلم الناس به في الإسلام بعد نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، أبو بكر الصديق وابن عباس وجبير بن مطعم وعقيل بن أبي طالب رضي الله عنهم  ومن التابعين الزهري وابن سيرين وأمثالهم  وفيمن بعدهم الأصمعي وابن عبيدة والرقاشي و الشيباني وأمثالهم واشتهر بتدوينه كثير من العلماء الجماهير والأولياء الأكابر كالحافظ أبو نعيم[2] صاحب حلية الأولياء وهو أحمد ابن عبد الله  بن اسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني من أكابر الحفاظ والمحدثين وله كتاب تاريخ أصبهان ذكر فيه أن جده مهران هو أول من أسلم منهم وهو مولى  عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه توفي سنة 430 وإصبهان بكسر الهمزة من مدن الجبال  وألف فيه أيضا الخطيب الحافظ أحمد بن ثابت وكنيته أبو بكر نسبه بغدادي كان من العلماء المتبحرين ولو لم يكن له سوى التاريخ لكفاه فإنه يدل على اطلاع عظيم وله قريب من مائة مصنف وفضله أشهر من أن يوصف  توفي سنة 463 والعجب أن في وقته حافظ المشرق وابن عبد البر النمرى حافظ المغرب وماتا في عام واحد وكذا ألف فيه البلاذري وذكر فيه أن أرمينية نسبة لملك بها اسمه أرميناقيش وملكتها بعده امرأة "قالا" وبنت بها مدينة فسمتها "قالى" فلذا يقال لها الآن قالِي قالا وألف فيه أيضا شهير الدين بن عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان المعروف بالذهبي التركماني الدمشقي وتاريخه فيه عشرة أجزاء كبار رتبه على السنين من أول الهجرة فجعل كل عشرة من السنين طبقة إلى المائة السابعة. فإن وفاته كانت سنة 748 بعد شيخه ابن المجاج بكسر الميم بست سنين وهو كتاب حافل لم يدع شاذة ولا فاذة مما تتشوق النفوس إليه من علم التاريخ والإتقان كأنه جمع الأمة في صعيد واحد ثم صار يخبر عنها أخبارًا مَنْ حَضَرَها ومن التركمان الحافظ مغلطاي أيضا وتركمان نسبة إلى جبل من الترك تسموا به لأنه آمن منهم مائة ألف في شهر واحد فقالوا اتركوا الإيمان[3] ثم خففت فقيل تركمان والذهبي هذا هو القائل بأن المهدي هو عمر بن عبد العزيز ولم يسلموا له في ذلك لأدلة كثيرة عارضته. وألف في علم التاريخ المسعودي كتابا كبيرا اسمه مروج  الذهب وألف فيه أيضا ابن الخطيب السلماني والشيخ أحمد[4] وابن خلدون والسيوطي ممن لا يحصى بعد ولا يدخل تحت حصر ولا حد  وألف فيه قبل الإسلام داهر الفرسي وبلوقي ويوسف بن كريون من بني إسرائيل وهرشيوش الرومي ومن ألف فيه من البربر سابق بن سليمان المطماطي نسبة لمطماطة بن تمصيت بن ضريس  بن زجيك بن مادغس بن بربر هذا وإني  قد خضت في هذا الفن قديما  وضعت به أديما لم أزل في خدمته مستديما حتى كثرت عندي رقاعه وامتلأت بقاعه وصارت نفسي تحدثني بالتدوين والانخراط في سلك المؤلفين وهونت عليّ شيئا أَمَرَّا وأنا في كل ذلك أقدم رجلا  و أؤخر الأخرى وأين لي بذلك وبضاعتي في هذا العلم نزر منزور والمشتبه بما لم يعط كلابس ثوب زور مع ما كان يعوقني من ذلك ويمنعني في الخوض  فيما هنالك.  أني في زمن عطلت فيه مشاهد العلم ومعاهده وسدت مصادره وموارده وخلت دياره ومراسمه  وعفت أطلاله ومعالمه  لا سيما فن التاريخ والأدب  وأخبار الأوائل والنسب قد طرحت في زوايا الهجران  ونسجت عليها عناكب النسيان  وأشرفت شمسها على الأفول  واستوطن فحولها زوايا الخمول  يتلهفون عن اندراس العلم والفضائل  ويتأسفون من انعكاس أحوال الأذكياء و الأفاضل وإلى الله المشتكى من دهر إذا ساء أصر على إساءته  وإن أحسن ندم عليه من تعاسته وأدامت بذلك حيرتي  واتصل إحجامي ووقفتي  حتى سطعت لي أنوار الهداية  فتحركت العزائم وتجددت العناية بسبب ما أنعم الله به على المسلمين عامة وعلى أهل الغرب خاصة بفتح وهران بانجلاء أهل التثليث والأوثان  على يد من استظل الآنام بظل العدل والإحسان واتبعوا في رياض الأمن والأمان المنصور بعناية الملك الديان  الباي سيدي محمد بن عثمان  ملك تفرد بغاية المحاسن والمآثر وجمع اشتهار الفضائل والمفاخر نشأ من المملكة في حجرها ودب و دجَّ من وكرها ورضع بأريق ضرعها  لا زالت أقطار الأرض مشرقة بأنوار معدلته   وأغصان الخيرات مورقة بسحائب رأفته  فهو الذي صرف عنان العناية  نحو حماية الإسلام  وتشييد بنيان الهداية فلا يخاف بعده إنهدام  وأمطر على العالمين سحائب الأفضال والأنعام حتى أقامت في الرقاب له أيادي هي كالأطواق والناس كَالحَمَام و كشفت عن ساق الجد والاجتهاد وشمرت ذيل إزار الثواني تشمير جاد  بأن أنشدت قصيدة في ذلك على حرف السين فجاءت كعين الإنسان أو إنسان العين محتوية على اختبارات لا تمل  تملأ المسامع والأفواه والمقل  وترصيع يزين الزواهر ويخل بمحاسن عقود الجواهر وإنما اختلستها فرصا مع ما أتجرع من الزمان غصصا من أمور شاقة عائقة  وأحوال عن مثل هذا متضائقة  وعدة من عواد وإشغال  أحاطت بي عن يمين وشمال لا سيما زمننا كثرت فيه عوارض الطوارئ  وانتشرت فيه رقباء العوائق  وبعد،ما قضيت منها وطري وأجليت في مستودعات أسرارها أقدام نظري  ونمقت وزنها من بحر الكامل  ذهبت بها إلى حضرة الملك الأفضل  الفاضل قرأ بعضها  ومدح لفظها ومعناها وأمرني  بشرح يظهر لباب تراكيبها  الضافية  ويعذب مجاري أساليبها الصافية  ليفوح معناها من زهر تلك الخصائل  وإن أخطاه صوب الغوث الهواطل  فحصل من معانيها لبابها وكشف عن الحقائق حجابها فتصان على الخبط  أوراق عليها اشتملت وترتفع عن السقوط لقيح أشجار بها احتملت فجاءت رائقة للأعين والجنان حائزة قصب السبق في هذا الميدان لما فيه من أسرار تنبئ عن عظيم شأنها ومساعدة بيان ما انطوت عليه من لفظها فحلت محل القيادة[5] من الأجياد والعزة من الجياد  جارية على حسب ما يقتضيه المقام من المفاكهات أو ما يدل على أسلوب البلغاء في بعض المطارحات على السنة المعهودة بين البلغاء والأدباء والطريقة المسلوكة بين الشعراء والخطباء ولم أذكر ذلك إشاعة للمفاخر بل إذاعة لقول الشاعر: "كم ترك الأول للآخر" وتحديثا بنعم الله الذي ألهمني لإبراز الدقائق واللطائف ووفقني إلى سبيل الرشاد وجنبني مهواة المتالف. وأعلم أن امتياز النسب أندرس في هذا الزمان فلا يكاد يتفق فيه اثنان حتى يقع فيه اختلاف كثير في الأمة الواحدة لاختلاط الأنساب وتباين الدعاوى فلذلك أنكر مالك معرفة الرجل بنسبه إلى آدم فقيل له فإلى إسماعيل فقال من يخبره به وعلى هذا درج علماء السلف وكان بعضهم إذا تلا قوله تعالى "والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله" قال كذب النسابون. و بما في الأثر كذب النسابون فوق عدنان و بما ثبت أن علم التاريخ و النسب هو علم لا ينفع و جهالة لا تضر و ذهب كثير كابن اسحاق و الطبري و البخارى إلى جواز الرجح في الأنساب ولم يكرهوه،  و تدعو الحاجة إليه للتعصيب في الأرث و النكاح و العائلة و العلم بنسب رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنه من فروض الإيمان و لا يعذر الجاهل به و كذا الخلافة عند من يشترط النسب فيها، قال ابن خلدون في حديث كذب النسابون إلخ أنكر السهيلي عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن عدنان بن آد بن أذاد بن يزيد إلخ و حديث العلم لا ينفع فقد ضعفه الجرجاني وابن حزم وابن عبد البرّ النمرى.

تنيه: القصص و الأنساب أمر لا يدخله نسخ و كذا اللغة و العربية. فإذا صحّ عندنا نقل في قصص أو نسب أو نحوه فإنه يعمل به فيما إقتضى العمل به فيه. وأكثر النسابون على أن إدريس ليس بجد لنوح  خلافا لابن إسحاق وزعم الحكماء أن إدريس هو هرمس الحكيم المشهور وقد يترجح صحة هذا النسب من التوراة لأنه وقعت العناية فيه بنسب موسى وإسرائيل ونسب ما بينهما وبين آدم ويؤيدُهٌ ما في صحيح البخاري في حديث الإسراء من قول نبي الله إدريس لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم لما مَرَّ به  وسأل عنه جبريل فقال هو محمد صلى الله عليه وسلم  مرحبا بالنبي الصالح  ولم يقل والابن الصالح و الأخ الصالح  كقول نوح عليه السلام وإبراهيم تأمل وما يقال من أن علماء اليهود بدلوا مواضع من التوراة بحسب أغراضهم في دنياهم فقد قال البخاري في صحيحه عن ابن عباس أن ذلك بعيد وقال معاذ الله أن تبدل أمة كتاب نبيها وإنما بدلوه وحرفوه بالتأويل ويشهد له وعندهم التوراة فيها حكم الله وما في القرآن في من أن ذكر التحريف إنما المراد به التأويل ولذا لما وضع ابن سوريا القرضي اصبعه على آية الرجم في قراءته لذلك المحل من التوراة وأراد خفاء ها قال له عبد الله بن سلام ارفع إصبعك  وقرأها عبد الله  فبهت ابن سوريا وكان من دارسي التوراة اللهم إلا أن يقع ذلك على سبيل الغفلة أو بسبب ذهاب ملكهم وافتراق جماعتهم وعدم ضابط في وقعة طيطش ومع ذلك إنه مستحيل بعد انتشارها ولا مانع من قراءتها ووقع في الأحاديث النقل عنها وقد ارتضى هذا تتميمه وفي شرح التجاني للشفاء إذا أفاد النظر فيها مقصدا فلا يبعد الاستقلال به وقال ابن أبي حمزة في الجزء الأول معرفة الشرائع المتقدمة من المحمود شرعا وإن لم يكن فيها حكم لنا مع أنه قد يكون لنا فيها حكم كمن هدم وقفا فعليه إعادته فهو من أحكام التوراة وأصله قضية جريح العابد وأما حكم الإسلام فالقيمة. وإنما بدلوا وحرفوا كما قلنا ذلك بالتأويل ويشهد له قوله تعالى "وعندهم التوراة فيها حكم الله" وقوله تعالى "قل فاتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين" ولو تبدلت ألفاظها لم تكن بها حاجة إلى أن يكون ذلك من غير عمد وعند ذهاب ملكهم في وقعة طيطش[6] كما ذكرت ومع ذلك يمكن وجود الصحيح منها حسب ما هي عند عالمهم يوسف بن كريون على ما ينبغي من الصحة والطبع وفي عصر النبي صلى الله عليه وسلم عند عالمهم "ابن  سوريا" الأعور ومالك بن الضيف وغيرهم قلت فما للشراح الخ، وغيره في فصل قضاء الحاجة غير صحيح ولم يصب من اعتراض القاضي عياض وغيره في كثرة النقل عنها لا سيما في كتاب الشفاء وتحريم الفقهاء قراءتها حتى بلغ بعضهم فقال يجوز الاستجهار بأوراقها وهذا مما لا ينبغي، أنظر شرح شهاب الدين أحمد الخفاجي على الشفا ويشمل توراة وقتنا قوله تعالى "ومن لم يحكم بما أنزل الله" ومع ذلك يمكن وجود الصحيح منها هذا وزعمت السامرية أهل شومرون وجبل نابلس أن التوراة الذي بأيديهم لم يحرفوا منها شيئا ويقولون في نسخ التوراة التي لغيرهم من اليهود أنها محرفة وإنما ذكرت ما مر من الكلام عن شأن النسب من أن الغرض من هذا الكتاب ذكر فتح وهران ومدح الفاتح لها وهو نادرة الزمان وقبلة الإحسان  سيدي محمد بن عثمان  باي حال من الملوك محل اللبة من الصدر والنور لها من هالة البدر حتى اشتهر من بينهم اشتهار النهار وشيدت به معالم الحق وانطمس رسم الباطل وكان على شفا جرفها فانهار. لأني أذكر فيه ما احتاج إليه من النسب على حسب ما اتفق لي من العجم والعرب فجعلت ما تقدم كالمقدمة المجملة وما يأتي كالتكملة لأني أتخير نوادره من متخير جواهر كل أدب ولباب اللباب فقد قال

أفلاطون الحكيم عقول الناس مدونة في أطراف أقلامهم وظاهره في حسن اختيارهم لأن العاقل لا يأخذ من الكلام إلا الأحسن ديباجة والأكثر طلاوة وحلاوة وقال يحي بن خالد البرمكي الناس يكتبون أحسن ما يسمعون ويحفظون أحسن ما يكتبون ويتحدثون بأحسن ما يحفظون وقال ابن سيرين العلم أكثر من أن يحاط به فخذوا من كل شيء أحسنه وقال  العتابي من قرظ شعرا أو وضع كتابا فقد استهدف للخصوم إلا عند من نظر فيه بعين العدل وحكم بغير الهوى وقليل ما هم وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر البيت المشهورة وهي عين في الرضى إلخ وقال أبو الدرداء أنصف أذنيك من فيك فإنما جعل أذناك اثنان وفم واحد لتسمع أكثر مما تقول وإنما اخترت في هذه المنظومة قافية السين لأن أكثر أدباء الورى والامراء يحبونها فقد ذكر الشريسى في شرحه لمقامات الحريري أن أبا عمر وابن العلاء التميمي أحد القراء السبعة كان يساهر الأمير العبادي عباد المهلبي وكان يعجبه روى السين لستين شاعرا كل منهم اسمه عمر وكذا يقال وقع لحماد الراوية مع يزيد بن عبد الملك بن مروان وعباد هذا من نسل المهلب بن أبي صفرة الأزدي بفتح الهمزة وابنه عباد بن عباد ذكره البخاري في صحيحه. في كتاب التفسير وأبو عمر هذا اسمه محمد  أو حماد أو حميد بن عبد الله بن حنين  التميمي أخذ عنه عيسى بن عمر الثقفي ويونس  بن حبيب وأبو الخطاب الأخفشي والأصمعي وغيرهم. قال الأصمعي رآني يوما بلا عمامة فناولني عمامة ثم قال لي الزم العمامة فإنها تشد اللمة وتحفظ الهمّة وتزيد في القامة وزادني كساء توفي سنة 154 عن ست وثمانين عاما وتوفي الأصمعي سنة 217 عن ثمان وثمانين سنة.

وسميته بعجائب الأسفار  ولطائف الأخبار

وها أنا أشرع فيما أردت ومن الله الإعانة لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب

قال الشيخ محمد بن أحمد بن الناصر المعروف بابي راس الناصر رحمه الله ونفعنا ببركاته آمين.

طيب الرياح أرض الله جسي \ وبشري إلبُكْم مع الجن والإنس

طيب منادى على حذف النداء مضاف الرياح فلذلك نصب اتفاقا والطيب خلاف الخبيث وطاب الشيء يطيب طيبة وتطايبا قال علقمة بن عبدة التميمي "هذا تطايبها  في الأنف مشموم " والأطيبان الأكل والجماع. والريح الطيبة ضد العاصف قال تعالى "وجرين بهم بريح طيبة و فرحوا بها جاءتها  ريح عاصف"  وقال في اللباب الرياح ثمانية يقال لها رياح الرحمة أربعة ورياح العذاب أربعة أما رياح الرحمة فالمبشرات والحاملات والذاريات والمرسلات وهيّ الرياح التي يتبع بعضها بعضا قال ابن عباس وقال بعضهم المرسلات الملائكة  وأربعة عذاب: العقيم، والصرصر، وهما في البر، والعاصف، والقاصف، وهما في البحر والحق أن العاصف يكون في البر والبحر. قال تعالى "ولسليمان الريح عاصفة"  وقال تعالى "كرماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف" وقال عبد الله بن عمير في تقسيم الأربعة رياح المبشرات وهي التي تعم الأرض عما والمثيرة السحاب والمؤلفة واللواقح فتلقح الشجر وقال ابن عباس رضي الله عنه اللواقح هي التي تلقح الشجر والسحاب وقال  أبو بكر بن عياش لا تقطر قطرة من السماء إلا بعد أن تعمه الرياح الأربعة فيه الصبا تهيجه والشمال تجمعه والجنوب تذروه والدبور تفرقه وأما الرخاء فهي الرياح اللينة من أي جهة كانت وهي التي كانت تتواجد بكرسي سليمان عليه السلام[7]  الذي فيه بساطه وقدمت حول البساط خشب وألواح حتى كان سريرا يحمل جميع عسكره وقواته فتنقله من الأرض في الهوى ثم يتولاه الريح الرخاء بعد ذلك فتحمله إلى حيث أراد سليمان وأما الإعصار فهي الريح الشديدة التي فيها احتراق لكل ما مرت عليه يكون ذلك في شدة الحر وشدة البرد وذلك من فيح جهنم ومن لطائف ابن الجوزي الحنبلي أنه طلق امرأة اسمها نسيم الصبا ثم أراد مراجعتها فأبت فكانت يوما ماشية مع امرأتين فلما رأته جالسا مع بعض طلبته في جانب طريق مرورها تسترت بهما فمرت  المرأتان مما يليه فلم يرها لما تسترت بهما قال متمثلا في الحال

يا جبلى نعمان بالله خليا       \      نسيم الصبا يخلص إليّ نسيمها

فلما سمعته ضحكنّ كلهن وضحك أهل مجلسه وقوله جميع أرض الله جميع مفعول مقدم بجسي  والأرض مؤنثة و هي اسم جنس وكان حق الواحد منها أن يقال أرضة ولكنهم لم يقولوا والجميع أرضات لأنهم قد يجمعوا المؤنث الذي ليست هاء التأنيث فالتاء كقولهم عرشات ثم قالوا أرضون بالفتح فجمعوا بالواو والنون والمؤنث لا يجمع بالواو والنون إلا إذا كان منقوصا وربما سكّنوا الراء فقالوا ارّضون ومنه

لقد ضجت الأرضون إذ أقام من بني\ هداد خطيب فوق أعواد منبر

وقوله جسي أي اقصدي قال الحافظ البخاري في صحيحه في قوله تعالى فجاسوا خلال الديار تيمموا قال القسطلاني  في تفسير تيمموا أي اقصدوا  فصح قول جسي بمعنى اقصدي وقال الجوهري في صحاحه جاسوا خلال الديار أي تخللوها فطلبوا ما فيها كما يجس الرجل الأخبار أي يطلبها وقال  في موضع آخر جسه بيده واجتسه أي مسه والمجسة الموضع الذي يجسه الطبيب وجسست الأخبار تفحصت عنها والجواس الحواس وقد يكون بالعين قال الشاعر،"فاعصوصبوا ثم جاسوه بأعينهم"  وجساس بن مرة الشيباني قاتل كليب بن ربيعة قلت وكليب هذا نجل[8] أحد السادات الثلاث الذين سادوا على ربيعة ومضر وسبب قتله هاجت الحروب المسماة بحرب البسوس بين ثغلب وشبيان أربعين سنة وثغلب أحدى القبائل  الثلاث التي بقيت منتصرة من العرب والثانية بهراء والثالثة غسان فقد ذكر الشريسي أن أمراء برجولة أحد مدن النصارى من نسل جبلة بن الأيهم الغساني ومن ثغلب الأخطل الشاعر المشهور وكان بمكانة  عند عبد الملك بن مروان وراوده على الإسلام ويتمنى عليه ما شاء فأبَى  ومن أحسن ما يحكى أن الأخطل جلس يوما عند عبد الملك إذ دخل كثير بن عزة وكان من أجلة الطلبة ومن فحول الشعراء فقربه عبد الملك وحادثه ولاطفه فلما رأى الأخطل ذلك قال يا أمير المؤمنين من هذا؟ وكان يعرفه فقال هذا كثير الشاعر وقال إن أذنت لي هجوته فقال كثير: يا أمير  المؤمنين من هذا؟ فقال الأخطل فقال له كثير: هلاّ هجوت من قال فيكم :

والثغلبي إذ تنحنح للقراء\ حكا ستة  وتمثل الأمثالا

وكأنه ألغمه حجر وضحك عبد الملك حتى استلقى والقائل فيهم هذا البيت لجرير المشهور وقولي وبشري البكم يقال رجل أبكم وبكيم أي آخر بين الخرس قال الشاعر

فليت لساني كان نصفا منهما \ بكيم ونصف عند مجرى الكواكب

ويستعمل لفاقد الصوت من النغم وناقة بكماء إذا مضى لها ستة أشهر من حملها فلا تصوت ولو قطعت ومرادي بالبكم ما يشمل ما ذكر وسائر الحيوانات التي لا تعقل وسائر الجمادات أي الطيب الرياح يبشر ما ذكر والإنس والجان بفتح ثغر وهران وإن كانت البشائر عرفا هي حصول السرور للمبشر بالفتح بالأمر المبشر به لأن هذا من المبالغة التي هي أحد أقسام الضرب المعنوي من ضربي البديع وإن اختلف أهله قال بعضهم لا تكون من الحسنات إلا المقبولة لا المردودة واستدل بقول حسان بن ثابت رضي الله عنه

وإنما الشعر لبّ المرء يعرضه \  علـى المجالس إن كيسا وإن حمقا

وإن الشعر بيت أنت قائـلـه \  بـيـت يـقـال إذا أنـشـدته صـدقـا

وقال بعضهم أنها مقبولة مطلقا لان أحسن الشعر أكذبه وخير الكلام ما بولغ فيه وقال دعبل لم يكذب أحد قط إلا حطه الناس إلا الشاعر فإن كذبَهٌ زيادة في مدحه ولذا استدرك النابغة الذبياني على حسان في قوله :

لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى \ وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

حيث استعمل جمع القلة أي الجفنات والأسياف وقال يقطرن ولم يقل يقطن أو نحوه وهو الذي درج عليه الخطيب الغزويني في تلخصيه ولذا قال فيه والمبالغة أن يدعي لوصف أحد مستحيلا أو مستبعدَا ولم يقل والمبالغة المقبولة إلخ والمبالغة ثلاثة أقسام تبليغ وإغراف وغلو. وما نحن فيه من الثالث ومنه قول أبي نواس

وخافتك النصف التي لم تخلق  \  وقولي مع الجن خلاف مع الإنس

والواحد جني وجنّ الرجل جنونا وأما جنه شاذ.

فائدة، قال الشيخ البليدي في كتابه نيل "السعادات في شرح المقولات" أن الفلاسفة أثبتوا في العالم قسما ثالثا غير جوهر ولا عرض وسموه بالجواهر الروحانية وبالمجردات وجعلوا من ذلك النفوس والأرواح والعقول وحكى أن الغزالي وبعض الصوفية ساعدوهم في النفوس العشرية وقد قيل به في الملائكة أيضا وأنها لا تشكل ولا تعمر فراغا والصحيح خلافه وأنها تشكل وتعمر فراغا كالجن وانظر الفرق بين الشكلين في شرح الأربعين النووية للشبرختي ثم قال :

نادرة: روى شيخ أشياخنا العلامة يحي بن سعيد الجزائري أنه قتل ثعبانا فإذا هو جني فاختطفه جني آخر قريبه وألقاه في أودية الجن فدخل بعدوة أعني في محل فوجد شيخا كبير السن وكأنه القاضي شمهروش فقص عليه الحال فقال له إذا أقبل سلطان الجن فقف واطلب الشرع فلما أقبل وقف عليه الإنسي وشكا من الجنّي فأحضره السلطان وسأله عن موجب خطفه الإنسي فقال لقتل أخي فقال الإنسي إنما قتلت ثعبانا فدعا السلطان بالشيخ الأول الجني واستفتاه فيما يلزم الإنسي فقال بعد أن رفع حاجبيه بيده رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "من تصور على غير شكله فدمه هدر" وهذا سند غريب من وجهين تأملهما. فأمر السلطان برد الإنسي إلى بلاده بالمغرب فوجد زوجته متهيئة للدخول فمانع وأخذها.  قلت ومما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجن أيضا الهام بن الهيم بن لاقس بن إبليس الأكبر ذكره الأُبِي  ومات سنة مائة في أيام عمر بن عبد العزيز وفي موته حكاية لا نطيل بها و أما قصة و فادة الجن على النبي صلى الله عليه و سلم: هل هذا الوفد هم المتجسسون أم لا؟ فاختلفت الروايات، عن ابن مسعود وغيره في ذلك والتحرير أن النفر الذي جاءه دون أن يشعر به هم المتجسسون المتفرقون من أجل رجم الشهب ثم بعد ذلك وفد عليه وفد وهم حسب ما ورد من الآثار قوله تعالى"فلما حضروه قالوا أنصتوا" فيه تأدب مع العلم وكيف يتعلم قال جابر قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة الرحمان فكان إذا قال فبأي آلاء ربكما تكذبان قالوا لا بشيء من آلائك نكذب ربنا لك الحمد ثم تفرقوا في الأرض منذرين للجن.

تنبيه: "ذكر الثعلبي" خلافا في مؤمني الجن هل يثابون على الطاعة ويدخلون الجنة أم يجارون من النار فقط وقال مالك وابن أبي ليلى والضحاك والفخر الرازي أنهم في حكم بني آدم سواء. وقولي والإنس البشر، الواحد إنسي وإنسي بالتحريك والجمع أناسي وإن شئت جعلته إنسًا ثم جمعته أناسي فتكون الياء عوضا من النون قال تعالى و"أناسي كثيرا" وكذا الأناسية كالصيارفة و الصياقلة ويقال للمرأة إنسان ولا يقال إنسانة وسمي إنسان من التأنيس وسمي إنسان لنسيانه قال الشاعر:

وما سمي الإنسان إلا لنسيه  \  ولا القـــلب إلاَّ إنه يتقلب

تنبيه: لا يجوز إطلاق السهو والنسيان على أفعاله صلى الله عليه وسلم جملة كما للقاضي عياض في الشفاء من الباب الأول من القسم الثالث وقال الشهاب الخفاجي في شرحه وكذلك غيره من الأنبياء وهذا القول ذهب إليه كثير من مشايخ الصوفية وبعض المتكلمين وخصه بعضهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  وعدم جواز إطلاق السهو والنسيان عليه صلى الله عليه وسلم هو صريح بعض روايات الحديث كما في موطأ مالك. لست أنسى بصيغة المتكلم المعلوم المخفف ولكني إنسي بالمجهول المشدد أي ينسبه الله لحكمه كالتشريع وتعليم الأمة.

نادرة مستضرفة: أن أشعث المشهور صاحب الحكايات والنوادر والمضحكات كان يجالس سالما بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه فقال يوما في مجلسه وفيه أكثر الفقهاء السبعة: لو كان ما تحفظه من الحكايات والنوادر جعلته حديثا لكان أنجح لك قال أما والله إني أحفظ كثيرا من الحديث فقال له سالم حدثنا بشيء قال حدثنا كريب مولى ابن عباس عن ابن عبد الله بن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من كان فيه خصلتان كان عند الله خالصا فابتدره الفقهاء وما هما يا أشعث؟ فقال نسيت واحدة ونسي كريب أخرى فضحكوا كثيرا رضي الله عنهم أجمعين.

بمغرب الأرض هي ومشرقها  \  جوفا وقبلتنا والأنجم الخنس

قال العلامة بحرق في كبيره قالوا في المكان أي في طرف المكان من شرقت الشمس تشرق كنصر ينصر ومن غربت تغرب كنصر ينصر أيضا المشرق والمغرب أي بفتح الأول وكسر الثالث وجملة ما جاء من ذلك ثمانية عشر (18) وزنا كما عدها ابن مالك في آخر لاميته وكلها كسر ثالثها شاذ وتصغير مغرب مغيرب على خلاف القياس و سمي المغرب مغربا وغربا لأن أهل المغرب وهو الدَّلْوُ الكبير يسقون به الزرع والأشجار وحد المغرب البحر المحيط وحاضرة آسفي وفي قبلة آسفي بلد بودة وفي قبلة بودة أرض لمتونة يتصلون بالبحر المحيط وفي قبلتهم السودان  وأما حده من المشرق فقال بعضهم القلزوم والسويس فيدخل فيه مصر وبرقة والعرف الجاري الآن أنه من طرابلس لأنه الذي كان في القديم ديار البربر ومساكنهم ونحوه لأبي زيد عبد الرحمن بن خلدون في تاريخه الكبير وسيأتي الكلام عن تقسيمه لأقصى وأدنى و أوسط إن شاء الله عند قوله بتقليد المغرب الأوسط لعمدتنا إلخ... ويلي تلول المغرب جبال من تخوم تلك التلول ممتدة من لدن البحر المحيط في المغرب إلى برنيق من بلد برقة مما يلي النيل ورأيت في بعض التاريخ أن مسافتها من المغرب إلى المشرق ستون (60) يوما. وقال مجاهد في قوله تعالى "رب المشرقين" للشمس في الشتاء مشرق ومشرق في الصيف ومغرب في الشتاء ومغرب في الصيف.

فائدة: قال العلامة الشيخ على بن ثابت في شرح البردة عند قول البوصيري:

"حتى غدت ملة الإسلام وهي بهم إلخ" روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم  إنه قال "ينقطع الجهاد من كل موضع و لايبقى إلا بأرض المغرب وإن أقواما بالمغرب مرابطون وهم مع نسائهم في فراش واحد" الخ.

وقولي الأراضي حذفت النون من غير إضافة للضرورة وقولي وهي الضمير للريح لأنها مؤنثة ولذا قال ريح وريحة كما قال دار ودارة والريح واحدة الرياح والأرياح يجمع على أرواح لأن أصلها الواو وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلها فإذا رجع إلى الفتح عادت إلى الواو ورياح حي من يربوع ومنهم عبد الله بن وهب الرياحي وقيل الراسبي بسين-وباء نسبة إلى بني راسب رأس الخوارج وإليه ينتسب الطائفة الوهبية[9] ومنهم بجربة كثير والروح نسيم الريح ويقال يوم روح وريوح أي طيب وروح وريحان أي رحمة والراح الخمر والدهن المروح عند النوم المطيب وفي الحديث أنه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاثمد المروح عند النوم. وهب مضارعه يهب بضم الياء على خلاف القياس لأنه لازم وقياس المضاعف اللازم الكسر كجن يجن  وقولي ومشرقها أي وهي أيضا بمشرقها أي الأراضي وقال الخفاجي عند قول القاضي عياض وفي حديث زويت الأرض مشارقها ومغاربها الجمع باعتبار تعدد المطالع كما ذكره المفسرون وكما المغارب وقال بعض الفقهاء المشارق الشمس والفجران والمغارب غروب الشمس والشفقان أي الحمرة والبياض كما أن الفجرين الصادق والكاذب.

تنكيت: ولمِمَ قال صلى الله عليه وسلم زوي لي مشارق الأرض ومغاربها ولم يذكر الجنوب والشمال. كان معظم امتداد ملك أمته في المغرب والمشرق وكذا هو في الواقع كما أخبر به صلى الله عليه وسلم فامتدت أمته ما بين أرض الهند في أقصى المشرق إلى بحر طنجة في أقصى المغرب وطنجة لفظة بربر، مدينة عظيمة فتحت في الإسلام ثم استولى عليها النصارى سنة 876 بعد قتال عظيم ودامت لهم إلى أن أخذها منهم السلطان إسماعيل السجلماسي العلوي ثم الينبوعي أوائل القرن الثاني عشر والحمد لله.

تنبيه: يحكى أن الشيخ ابن تيمية قال رأينا أن الدنيا صورت على صورة طائر له رأس وجناحان وذنب فالرأس المشرق والصدر الحجاز و الجناحان الشام واليمن والذنب المغرب فقال له رجل مغربي في المجلس إن كانت روايتك صحيحة فالمراد بالطير الطاوس فتعجب أهل المجلس من كلامه وألجمهم ولم يراجعوه بكلمة.

وقولي جوفا وقبلتنا أي معشر المسلمين ويقال له الشمال والجوف يقال للمطمئن من الأرض والجوف للإنسان والجواف ضرب من المسك والجوف اسم واد بأرض عاد ذو ماء وشجر حَمَاهُ رجل اسمه حمار بن مويلع وكان له عشرة بنين فهلكوا فكفر فقتل من لقي من المسلمين فأقبلت نار من أسفل الجوف فأحرقته ومن فيه وغاض ماؤه وفي المثل أكفر من حمار بن مويلع.

وقولي والأنجم الخنس وسميت الخنس أي لأنها تخنس بفتح التاء وكسر النون أي في مجراها أي يرجع وراءها بينما ترى النجم في آخر البرج أذكر راجعا إلى أوله ومرادي بالنجوم وجميعها وإن كان المراد  بالخنس خمسة فقط زحل، المشتري، المريخ، الزهرة وعطارد قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه وقال الجمهور، الخمسة والشمس والقمر وقال أبو زيد تخنس أي تتأخر عن مطالعها كل سنة.

تنبيه: ذهب المبطلون إلى أن السماوات محيطة بالكون كالبيضة ومنعوا الخرق والالتئام فأحالوا الإسراء والحق أن السماوات غير الأفلاك لأنه الملائم للشرع الصادق فإن الأفلاك ملتفة كطباق البصل كل فلك منها يشتمل عليه ما فوقه ويشتمل هو على ما تحته والسماوات أطرافها على جبل قاف كأطراف الخبأ والأفلاك تحتها وتأمله مع المشهور من أن الشمس في السماء الرابعة والقمر في سماء الدنيا وأن الأفلاك أجسام لطيفة والسماوات أجسام كثيفة وأن الأفلاك موضع الكواكب والسماوات موضع الملائكة وأن الأفلاك دائرة متحركة والسماوات لا. من البليدي على المقولات ثم قال تتمة الكواكب على قسمين سيارة و هي  السبع وثوابت  بمعنى أنها لا سرعة لها وإلا فهي تتحرك من المشرق إلى المغرب حركة بطيئة جدا تقطع في كل أربعة وسبعين سنة وشهرا وسبعة وعشرين يومًا درجة و السيارة غير الشمس والقمر فلا تنضبط لكونها تارة ترجع القهقرى وتارة تسير معتدلة وتارة تخنس في غروبها فلأجل ذلك لا يصلح أخذ عمل منها وجميع الثوابت في فلك واحد وهو الثامن وأما التاسع فلا نجم فيه وهو أعظمها وله في كل يوم وليلة دورة من المشرق إلى المغرب ويدور بدورانه كل ما يحويه من فلك وكوكب ثم قال اختلف المتقدمون في حركة الكواكب فقيل أن الجرم الفلكي ساكن والحركة للكواكب خارقة له وقيل أن الفلك متحرك والكوكب كذلك على خلاف حركته وقيل المتحرك الفلك فقط.

تنبيه اعلم أن عطارد والزهرة والقمر أصغر من الشمس والثلاث الأخر أعظم من الشمس و الشمس أعظم من الأرض  بأضعاف والقمر أصغر منها بدليل الخسوف وأصغر كوكب من الثوابت أعظم من الأرض وجميع الكواكب نوره ذاتي إلا القمر ومن الثوابت الثريا واختلفوا في عدة نجومها فقيل سبع وقيل ست وقيل غير ذلك. و من لطائف أحمد بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم طباصب الشريف الحسني: قوله:

خــــلــيلي إني   للــثريا  لحــاسـد  * وإني   على  ريب  الزمان  لواجد

أيبقى   جميع شملها  وهي  ستة *  ويفقد  من   أحببته   وهو   واحد

وهذا يوافق القول الثاني ومما يستضرف في هذا أن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف تزوج بمصر الثريا من بنات الصحابة فلما سمع ذلك عمر بن أبي ربيعة المخزومي  قال ملغزا:

يا  أيها  المنكح  الثريـا  سهيلا  * أعــزك  الـله  كيـف يـلتـقــيـان
فـهـي شـاميـة إذا ما  استهلت    *
وسـهـيل إذا مـا  اسـتـهـل يمان

ونجم سهيل يُرَى في آخر الخريف من مدينة سميت به في الأندلس لكونه لا يرى في ذلك القطر إلا منها وإليها ينسب السهيلي صاحب الروضة في شرح السيرة النبوية وقال الشاعر:

إذا كوكب الخرفاء لاح بغدوه * سهيل أذاعت عزلها في الغرائب

والصائبة هم الذين تدينوا بالكواكب بأن يعرفوا قسمة كل قطر من الكواكب ويتوجهوا إليه بما يناسبه في استنزال روحانيته وأول من تدين بهذا الدين كنعان بن كوش بن حام وهو أول من ملك الأرض من ولد نوح عليه السلام وفي التوراة أن النمرود من ولد كوش وفي تفاسيرها أن منهم أهل زويلية ببرقة والنوبة وفزان وزَغَاوَةَ؛ وفزان هذا قبلة طرابلس. ولما نفى سلميشار ملك الموصل الأسباط العشرة إلى قرى أصبهان من أرض ملكهم سامرة ونفى معهم ملكهم و"هو شيع لِسْتَع*" من ملكه ولستّ من ملك حزقيا بن أحاز من ملوك القدس بني سليمان بن داود عليهما السلام وبقيت السامرة و أَرْصَا قصبة ملكهم خرابا جمع ملك الموصل المذكور قبائل من كوثة وحماة، وصفر، وأروم، وأسكنهم السامرة فسلط الله عليهم السباع تفترسونهم(كذا) فبعثوا وفدًا منهم إلى الملك يعرفهم بصاحب قسمة السامرية من الكواكب ليتوجهوا إليه بما يناسبه على طريقة الصائبة فقيل له أن الشريعة التي رسخت فيها وهي من دين اليهودية تمنع من ذلك فبعث لهم كهنونين يعلمونهم الدين والتوراة فتعلموا، فقهر الله عنهم السباع فهذا أصل السامرة فهي في فرق اليهود وليسوا من نسبهم فلم يظهر لهم وأما الأسباط العشرة فلم يظهر لهم خبر من حين نفيهم  إلى آخر الدهر. فاليهود الموجودون الآن إنما هم من سَبْطَيْ يهود وبن يامين ومن ذرية نبي الله هارون عليه السلام الذي هو من سبط لآوي بن يعقوب عليه السلام و ذلك أن من أولاد فنجاص بن العارز بن هارون عليه السلام لما ذهب الأسباط العشرة بيريغام بن نباط من سبط إبراهيم بن يعقوب إلى السامرة ونابلس وملكوه عليهم بقوا بالقدس بأيديهم الكهونية العظمى وبيت لحم وسكنوا مع سبطي يهود وبن يامين ولما فتك إيطوخس الرومي بأهل القدس وكاد أن يستأصلهم، هرب للجبال ميتيتيا بن يوخا  بن شمعون الكوهن الأعظم من نسل هارون عليه السلام فلما انقلب إيطوخس إلى رومة جمع بني إسرائيل وملكوه عليهم وبقي الملك في عقبه وهم المعروفون بملوك جشمناي* إلى أن انتقل الملك منهم إلى أبي هيدروس وهو إتصفتر من أعيان بني إسرائيل وأكثرهم مالا واتصل الملك في عقبه إلى أن قطع طيطش سلطان الروم ملكهم فلم تقم لهم قائمة بالملك إلى الآن فاستلحمهم ملحمة عظيمة لم تقع مثلها لا قبلها ولا بعدها. قال يوسف بن كريون: فكان عدد القتلى الذين خرجوا من الباب للدفن بأخبار من بالباب مائة ألف وخمسة وعشرون ألف وثمانمائة (125800) غير الملقى في الآبار أو طرح خارج الحصن أو قتل في الطرقات والسبي عددهم مائة ألف (100.000) فكان طيطش يلقي كل يوم منهم للسباع إلى أن فرغوا ووصل منهم إلى رومة مائة ألف (100.000) شخص يعلمون فيهم أولاد الروم رمي الرماح والسيوف فانقطع بذلك ملك بني إسرائيل أجمع وتفرقوا في الأراضين خوفا على أنفسهم مما ابتلاهم الله به ومن نسل هارون عليه السلام بنو الأخطب وبنو الحقيق وغيرهم وأهل خيبر وفدك ووادي القرى وبنو نظير وبنو قريظة وبعضهم من الإسرائيليين الذين أغزاهم يوشع بن نون إلى العمالقة الذين كانوا بتلك الأرض وأوصاهم أن لا يتركوا أحدًا منهم فتركوا ملكهم الأرقم، فلما أخبر يوشع غضب عليهم فبقوا هنالك. وصفية زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم بنت جبير من نسل سيدنا هارون بلا شك إلخ.

طوامي الأبحر وأهل جزائرها \ بفتح وهران دار الشرك والومس

طمى بمعنى علا وجاء السيل فطمى الركبة أي دفنها وعلا عليها وكل شيء علا فقد طمى. يقال فوق طامة طامة ومنه سميت القيامة طامة وبحر طَامٍ أي علا ماؤه و كثرت أمواجه وجاوز حده والأبحر واحدة بحر بوزن فعل ولذا جمع جمع القلة و أكبرهم البحر المحيط وسمي أيضا البحر الأخضر وبحر الظلمات لأنه تقل فيه الأضواء ومن الأبحر البحر الرومي المتفرع من هذا البحر المحيط يخرج من بين طنجة وطريف من بلاد الأندلس وعرض خروجه ثمانية أميال وكانت هناك قنطرة ركبها ماء البحر وينتهى هذا البحر إلى سواحل الشام وثغوره أنطاكية، والعلايا، وطرطوس، و المصيصة، وصور، وغيرها، كاسكندرية، مما يلي القبلة والجزائر، ووهران، المحدث  عنها وغيرهم وطوله ستة آلاف (6000) ميل وعرضه بين سواحل إفريقية وجنوة سبعمائة  (700) ميل ومنهم بحر القلزوم والسويس ويتصل بذلك بحر المندب إلى عدن في ساحل اليمن وبحر الهند وبحر فارس إلا أن بعضها متصل ببعض وبعضها منفصل

ومن الأبحر بحر نيطش* تسكنه أمم من الترك في حافته الجنوبية وكثير منهم في جزائره مما يلي الشمال وأما عدوته الشمالية فيسكنها البلغار نسبة إلى مدينتهم ويليهم في الشمال أيضا البريجان أمة كبيرة لا تعرف أخبارهم وبحر النيل منبعه وراء خط الاستواء من تل مرتفع فالذي يأتي من المشرق يصب في البحر الرومي حذو أبي قير والذي ذهب إلى المغرب يصب حيث انتهت أرض لمتونة في البحر المحيط ولذا سمي يوسف بن تاشفين وقومه لمتونة بالمرابطين. كان ابن ياسين الذي بعثه معهم التقى تلميذ أبي عمران الفاسي لما رجعوا من حجهم، انعزل بجزيرة يحيط بها بحر النيل فتجرد للعبادة، بها يحي بن عمر بن ثلاثمثين من رؤساء لمتونة وأخوه أبو بكر ثم ابن عمهم يوسف المشهور وتسامع الناس بهم فكل من فيه مثقال خردلة إيمانا دخل فيما هم فيه فكملوا ألفا وزادوا على ذلك فاشتهروا بالمرابطين لأجل تجردهم للعبادة بتلك الجزيرة ثم وَلّوا أمر حربهم إلى يحي ولقبوه أمير الحق وشمروا للحرب وإقامة الدين إلى آخر أمرهم. ومساكن الريح على بحر الهند وقاعدتهم مدينة هلسا وغيرهم أهل مدينة معرشو وفي غربهم عليه أيضا أمة يقال لها الدمادم وهم حفاتا (كذا) عراتا وغيرهم الحبشة على شاطئ البحر الغربي مجاورون لليمن ودار ملكهم "كَقْبَر" وهم نصارى وينتظرون ملك اليمن آخر الزمان مرة ثانية.

وقولي وأهل جزائرها أي الأبحر مثل. ميروقة، ويابسة، ومنرقة، وصقلية، وقريطيس، وسردانية، وقبرس(كذا)، ومُورَة وغيرها مما لا يحصى وجزائر سويس مثل ذلك أو أكثر يسكنها أمة يقال لهم البُحَا و هم نَصَارَى ومسلمون ويجاورونهم النوبة وقاعدتهم مدينة دنقلة لاكنهم على شاطئ النيل الغربي وفيهم النصارى وهم الأقرب لمصر وفيما ذكرت كفاية ولو تتابعت ذلك لضاقت الطروس.

غربية إن ملكا كان أبو جعفر المنجم متصلا بخدمته، طلب رجلا من أكابر دولته ليعاقبه بسبب جريمة فاستخفى فأراد الملك منه أن يعمل ما يهتدي إليه وعلم الرجل أن أبا معشر يستخرجه بعمله فأراد أن يعمل شيئا لا يهتدى ويبعد عنه حسده فأخذ طستا وجعل فيه دما وجعل في الدم هاون ذهب وقعد على الهاون أياما ولما عجز الملك عن طلبه قال لأبي معشر: عرفني أين موضعه بعلمك فسكت زمانًا متحيرا فقال الملك ما سبب سكوتك وحيرتك فقال أرى شيئا عجيبا قال وما هو؟ قال الرجل المطلوب على جبل من ذهب والجبل في بحر من دم فجبل الذهب جزيرة بحر من الدم، لا أعلم في أرض الله موضعا على هذه الصفة فقال له أعِدْ نظرك وغير المسألة وجدد المطالع ففعل ثم قال ما أراه لا كما ذكرت لك وهذا شيء ما وقع لي شيء مثله فلما أيس منه الملك نادى في البلاد بالأمان للرجل ولمن أخفاه وأظهر في ذلك ما وثق به فلما اطمأن الرجل وحضر بين يدي الملك فسأله الملك عن الموضع الذي كان فيه فأخبره بما عمل فأعجبه حسن احتياله في إخفاء نفسه ولطافة أبي معشر. وأبو معشر هذا هو جعفر بن عمر البلخي المنجم المشهور وله في علم النجم تواليف منها المدخل والريح والأتواق وكانت له إصابة عجيبة مات سنة (اثنين و سبعين ومائتين) 272

وقولي بفتح وهران إلخ وهران بفتح الواو وسكون الهاء مدينة كبيرة معدودة من أمصار المغرب الأوسط على ساحل البحر الرومي ذات أسوار وحصون وأشجار وعيون وبناء لم يوجد مثله ولا يضع واضع شكله لو رءاه صاحب تاريخ مصر القاهرة لَعَدَّهُ من أعجوبات البناء ذكرها في كتابه حسن المحاضرة ولو رآه الغزال[10] صاحب الرحلة لما اعتنى بوصف سبتة، وطليطلة، ولو أخبر به صاحب كتاب اللباب الواصف لضخامة بنيان البلدان لما قال الدار داران إيوان وغمدان، ولا سيما قلعة مرجاجو الشهيرة الفذة الجامعة الكبيرة يقل مثلها في الوجود وتتيه على قلاع بني حمود، قد وضعت في قمة[11] جبل لمس الأفلاك بيده ونظم النجوم في مفرقه وتلفع بالسحاب في مروطه وأوى الرياح إلى جوه وألقى إلى خبر السماء بإذنه وأطل على البحر بشماريخه واستدبر قاعات سيرات وملاتة بظهره وأقام سائر جبال بني ماخوخ في حجره وحق المدح للجديد والعيون فإنهما والله قرة للعيون واجتمعت العجائب بالبرج الأحمر، فإنه يفوق حصون بني الأحمر ولو رأى ابن كريون برج اليهودي لما وصف قلاع أمصياهو* ملك بني يهود ولو وصفت لك سائر مصانعها على التمام وما تحت أراضيها من الأبنية العظام لقلت يعجز عنه "سور- ديب" المفتخر ببناء الاهرام ولو راى ذلك سليمان بن سابق لقال لا يقدر على مثله لاحق و لا سابق هذا وقد ملّك الله جميع تلك الهياكل والمصانع الحوافل للمنصور بعناية الملك الديان سيدي الباي محمد بن عثمان مغنما ومكسبا حلالا طيبا قرت بذلك العيون وصدقت بسعادته الظنون لقد شفي غليل المسلمين من دار الشرك والفجور وقالوا الحمد لله الذي اذهب عَنَّا الحزن ان ربنا لغفور شكور.

ولقد أمر اعلا الله مجده ووصل سعده ببناء محكمة مشتملة على الحزم والعدل والحلم والفضل فوق ابنية البرج الاحمر اذا رأيتها قلت عقاب في عقاب ونجم في السحاب لها القمام عمامة والهلال قلامة و قلت فيه متمثلا:

فـلـله مبـنـاها الجـمـيـل فإنـها \ تـفـوق عـلى حكم الـسـعـود يمانيـا

هــي القبة الـغـراء عـز نـظيرها \ ترى الحسن فيها مكتسبا وعاريــــا

يمد لها الجوزاء كـف مـصـافـح \ و يـد نـوالـها بـدر السماء مناجيــا

ولا عجب إن فاتت الشهب في العلا\ وقد جـاوزت فـيها المـداء المشاهـيا

بــها مقـعـد حـاز البـهـاء وقد غـدا \ بها القصر قد فاق المباني مباهــيا

 وسيأتي تاريخ بنائها وما يتعلق به إن شاء الله.

وقولي دار الشرك والومس، الومس بفتح الواو والميم الفجورقال الجوهري والمومسة المراة الفاجرة ومعنى الثلاثة الأبيات، أيها الريح الطيبة اقصدي جميع خلق الله وبشريهم بفتح هذا الثغر العظيم الذي كان ماوى للشرك والفجور فعطف الومس الذي هو الفجور على الشرك من عطف العام على الخاص  وقولي بفتح الخ متعلق ببشري وبمغرب الأرض الخ بيان لمكان الثلاثة قبله وقولي والانجم الخ بالنصب معطوف على البكم ومعنى اهل جزائرها سكان جزر البحر لا البلد المعروف الخ.

  وحدثيهم بويلات لنا سلفت\ فطال مارمت الإسلام بالتعس

الضمير المرفوع للريح المبشرة، و المنصوب للأشياء المارة.

وقولي بويلات لقائل ان يقول لم يقال ويلات وهو مصدر والمصدر لا يثني و لا يجمع ولم جمع على الويلات ولا يجمع على ويلات قياسا للوبلة ويجاب عن الاول بانه انما جمعه باعتبار الاسمية لا المصدرية بالنظر الى اعتبار تعدد محن الإسلام بسبب وهران وعن الثاني فانه بتقدير الهاء عليه فصار ويلة وقال الجوهري ويل كلمة مثل ويح الا انها كلمة عذاب وقد تدخل عليها التاء فيقال ويلة و انشد قول مالك بن جعد الثعلبي.

بأمـك  ويلة وعـلـيـك اخـرى \ فلا شات تنيل ولا بـعـيـرا

 فساغ جمعه على وزن ويلات بهذا التقدير وقد قال امرؤ القيس

يوم دخلت خدر خدر  عنيزة \ فقالت لك الويلات انك مرجل

فيحتمل ان يكون جمع ويلة وهو الظاهر ويحتمل ان يكون جمع ويل على غير قياس كما قالوا في جمع سجل وسرداق سجلات وسردقات وروي عن عطاء بن يسار رضي الله عنه انه قال الويل واد في جهنم لو ارسلت فيه الجبال لذابت من شدة حرها أي يذوب من شدة حرالنار

وقولي لنا أي معشر المسلمين سلفت تقدمت. هذا اللفظ يقال لكل متقدم ومنه قيل السلف الصالح والويلات التي اصابت المسلمين من الكفرة مشهورة كشن الغارات و غيرها من ذلك أن الكفرة أذلهم الله لما استولوا على برج المرسى وكان ذلك على يد اليهودي ولما ملكوا المدينة انزلوا اليهودي بهذا البرج وفوضوا له التصرف في الخرجات البرية والبحرية وتوارثها عنه بنوه من سنة تسعمائة وخمسة عشر 915 إلى سنة ثمانين 80. جرت بينه وبين نصارى وهران منافسة فبعثوا الى طاغيتهم ان اليهود يريدون تمليك البلاد للمسلمين فجاء المكتوب باخراجه ونفيه الى عدوتهم. فكان يخرج العامل اليهودي من هذا المرسى الى مطالب بني عامر وخرجاته  في زي الملوك بخدم من اسارى المسلمين فينزل اليهودي بفسطاطيه فيحكم بين اهل الاسلام في شكاياتهم ويامر وينهي ويفصل ويقتل ويضرب. حاصله يتصرف كيف شاء وهذا اكبر المصائب وافضح المعايب وكانت لهذا اليهودي جواري من احسن بنات الاسلام والى ذلك يشير الشيخ ابو محلي حيث يقول:

فهل مبلغ عني قبائـل بني عامر \ ولا سيما من قَدْثَوَي تحت كافر

وكـل فـتى مـن صـنـاديـد راشـد \ بتيجانها مع رأسها عبد القادر

وشيخ بني يعقوب والحامي الفتى\ بـل كـل قبـيـل مولع بالعسـاكـر

وطلـحـة والاحلاف غـرب هـذه  \ وشـيـخ سويـد بل وكـل مفـاخـر

أيـا معـشر الاسلام اين فحولكم  \  اما ابصروا في السبي غير الحرائر

وتـحت اليهـودي غـاذة عربيـة \  يـعاليـها و الخنـزير فوق الهـزابر

إلى أخره. فيقول قبائل عامر نسبة الى عامر بن زغبة بن ربيعة بن نهيك بن هلال. بنو عامر بن صعصعة احد بطون هوازن بن منصور بن عكرمة بن يزيد بن حفصة بن قيس بن غيلان اصل ارضهم بجبل غزوان عند ال طائف واخوتهم بنو سعد بن بكر بن هوازن وفيهم استرضع رسول الله صلى الله عليه وسلم... وبنو عامر هؤلاء الذين بالمغرب بطون ثلاثة بنو يعقوب الذي تنسب إليهم ارض اليعقوبية المشهورة و الثانية بنو حميد منهم الحجز وهم بنو حاجز بن عبيد بن حميد منهم جحوش وجحيش ومحمد ورياب والمحاجزة وغيرهم والبطن الثالث بنو شافع وكانوا أي شافع في شفع جند نصارى وهران و غيرهم من أخوتهم رعية و ذلك لقرب أرضهم من وهران حينئذ ورياسة بنو عامر كافة لداوود بن هلاك بن عطاف بن كرش بن عياد بن منيع بن يعقوب ومن زغبة ايضا بنو مالك بن زغبة منهم سويد المذكور في الشعر وهو ابن عامر بن مالك وعمه الحارث بن مالك. و من الحارث، العطاف وارضهم غربي مليانة و الديالم من ولد ديلم بن حسن بن ابراهيم بن رُومي وكانت لسويد مغارم على بلد سيرات والبطحاء وهوارة. ومن بطون سويد فليتة ومجاهر وجوثة والحساسنة بنو حسان بن شبابة وغفير وشافع غير شافع العامري ومالفة وأبو رحمة وأبو كامل وحمان واولاد مقدر ومخيس بن عمار اخو سويد نزلوا ضواحي وهران. ومن بطون سويد هبرة ينسبهم الناس إلى مجاهر بن سويد هم يزعمون أنهم من ولد سيدنا المقداد بن الاسود الصحابي البدري ومنهم من يزعم انهم من تجيب قبيلة من كندة تسموا باسم امهم والله اعلم. ومن ضواعن سويد صبيح بن هلال وكانت لهم إقطاعات جبل دارك وموطن الديالم قبلة وانشريس وكانت لهم إقطاعات وُزْنَةَ ومن بطون الحارث عريب ومن بطون بني عامر بنو صغير بن عامر ومن بطون يعقوب بنو ساسي بن سليمان بن داوود ومن بطون زغبة خميس بن عروة بن زغبة ومنهم اولاد خليفة والحماقنة والسحاري ذوى زيان وقوله طلحة والاحلاف هذان من عرب المعقل اليمانية و هم قبائل ذوي عبد اللّه و ذوي منصور و ذوي حسان و مواطنهم غربي تلمسان إلى ملوية وهم بارض انقاد وهم يزعمون أنهم من ولد جعفر بن ابي طالب وليس بصحيح لان اهل البيت لم يكونوا اهل بادية ونجعة والصحيح والله اعلم أنهم من اليمن من معقل بن كعب بن عليم بن خباب من بني قضاعة أو من معقل بنو ربيعة من مدحج وهو الانسب قاله إبن خلدون. ومن المعقل الثعالبة الذين بمتيجة وهم الرقيطات و الشبانات وبنوا منصور ذوى عبد الله مجاورون لبني عامر من المغرب وكانت لهم الاتاوة على وجدة وندرومة وقيل ندرومة وبني زناسن ومديونة وبني سنوس وهما بطنان الهداج والخراج وكان منهم شيخ كبير على جميعهم عظيم الشان يقال له طلحة فلذا يقال لاهل انقاد الآن طلحة كما في الشعر ومات في آخر القرن الثامن ومن الهداج والخراج الجعاونة من جعوان بن خراج و الغسل من غاسول بن خراج و المطارفة و العثامنة و المهاية أولاد مَهْيَا بن مطرف بن خراج وبنوا هداج اهل تاوريت والثعالبة اخوتهم ملوك متيجة واستمر ملكهم بها الى اخر المائة الثامنة فقتلهم ابو حمو وسباهم الى ان دثروا ومنهم الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف بن عمر بن نوفل بن عامر بن منصور بن محمد بن سباع بن مكي بن ثعلبة بن موسى بن سعيد بن مفضل بن عبد الرحمن بن عبد البربن قيس بن هلال بن عامر بن حسان بن محمد بن جعفر بن ابي طالب هذا نسب الشيخ رضي الله المنقول عنه كثيرا وقد علمت عن قريب ما يخالفه و الله أعلم توفى رحمه الله سنة خمس و سبعين و ثمانمائة عن ستة و سبعين سنة و دفن بالجزائر فوق طريق باب الواد وقبره في غاية التعظيم عند ملوك الجزائر، حل لطلب العلم متوجها للمشرق أوائل القرن التاسع فدخل بجاية ولقي بها اصحاب الشيخ عبد الرحمن الوغليسي فحضر مجالسهم ثم ارتحل الى تونس فلقي بها الشيخ الغبرينى و الآبي و البرزلي و غيرهم وأخذ عنهم ثم ارتحل لمصر فلقي بها الشيخ ولي الدين القرافي فاخد علوما جمة معظمها علم الحديث واجازه فيما قرا عليه ثم حج ولقي بمكة المكرمة بعض الافاضل ثم رجع الى تونس فوجد فيها أبا عبد الله بن مرزوق قادما لإرادة الحج فأخذ عنه وأجازه في التدريس في انواع الفنون قال وحرضني على اتمام تقييد وضعته على ابن الحاجب الفرعي ثم وفد علينا الشيخ ابن مرزوق في ارضنا مرة اخرى بعد رجوعه من حجه آتيا من تلمسان متوجها الى تونس سنة 863 للصلح بين سلطانها وسلطان تلمسان. فقد ختمنا بعض نسب العرب برحلة هذا الولي الأنجب. واستمر تغلب كفرة وهران على ما يليهم من ارض اهل الايمان الى اثناء الحادي عشر فغزاهم    باشا وهو اول من غزاها من الأتراك ونصب عليها المدافع والبومبة من المائدة فامتنعت عليه ورجع الى مملكته ومن ثم وقعت لهم العناية بقلعة مرجاجو ودبروا في إقامتها و صعب عليهم الماء فكان أول من أتى بقرب الماء لأجل إقامتها شيخ احميان وقبيلته ولاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم واحميان هؤلاء من بني يزيد بن عيسى بن زغبة كانت لهم الاتاوة على ارض حمزة والدهوس وارض بني حسن* من قبل الموحدين وسبب اتيان احميان لتلك الارض ان يغموراسن بن زيان لما تولى ملك تلمسان كثر عبث المعقل وفساد المجاورين له وهم اهل انقاد فاتى ببني عامر من صحراء بني يزيد وانزلهم بينه وبين المعقل لان زغبة كانوا قبل ذلك ما بين المسيلة في المشرق الى قبلة تلمسان في المغرب في ارض القفر ولما أتى بهم من تلك الارض لحقتهم قبيلة احميان احد قبائل بني يزيد واستمروا ساكنين بين المعقل وتلمسان بحذاء واد زاووقية حتى تملك ابو حمو الاصغر في حدود نيف وستين من القرن الثامن من أعْيَاص ملوك بني زيان بعد فتك أبي عنان بهم وكاد يستأصلهم، نقل بني عامر من ضواحي تلمسان القبلة وانزلهم في تاسلة واتصلت مجالاتهم الى هيدور جبل وهران فكان قسم احميان احد بطون بني يزيد تلك الارض الحفرة وما ولاها والاكثر منهم نفي بالقفر إلى الآن لم ينتقل الى ضواحي تلمسان مع بني عامر من اول الحال، هذه أحوال احميان بن عقبة بن عبس بن زغبة واخبرني كثير من التقاة بالتواترأنَّ منهم المحاميد اهل حداد ومنهم بنوا كرز وبنو موسى والمرابعة والخشنة كل هؤلاء شعوب بني يزيد ومن اخوانهم عكرمة بن عبس وكانت لاولاد لاحق ثم انتقلت منهم لاولاد معافة ثم صارت في بيت سعد بن مالك من نسل المهدي بن يزيد بن عيسى بن زغبة وهم يزعمون انه المهدي عبد الرحمن بن ابي بكر الصديق رضي الله عنه نسب تأباه رياستهم على غير عصبيتهم هكذا قال ابن خلدون وانظر تمامه. وامتدت ايدي الكفرة ايضا الى ارض الاسلام لما أقلع عنها ابراهيم باشا المذكور وهم معها بين نفرة واستقامة الى ان ولي الغطريف الهمام والاسد الضرغام معز الدين والايمان الباي شعبان: رحمه الله الأتي ذكره فطالت بهم معه الحروب، أتصل عليهم بدولته أعظم الكروب وذلك في حدود السبعين من القرن الحادي عشر فمن ثم قطع الله فسادهم واخمد نارهم واذهب من ارض المسلمين اثارهم فصاروا لا يفارقون الحصون ولا يفترقون ساعة عن الحراس والعيون الى ما كان ما ياتي إن شاء الله تعالى والى جميع ما مر اشرت بقولي فطال ما رمت الاسلام بالتعس. الهلاك واصله الكب وهو ضد الانتعاش قال مجمع بن هلال:

تقول وقد افرد تها عن خليلها \ تعست كما اتعستني يا مجمع.

وفي الحديث تعس عبد الدنيا.

و من لطائف ما يحكى أن أبا جعفر المنصور جلس ذات يوم عند جنازة للدفن  و هي امرأة من بني عمه فأتى أبو دلامة فوجد الخليفة حزينا كئيبا كان على رأسه الطير ناظرا إلى القبر، فأراد أن يسره كعادته معه فسبقه المنصور بأن قال له: تعست أبو دلامة وانتكست أفنيت عمرك في المجون  و ما لا ينبغي[12] و ما أعددت يا و يحك لهذا المكان يريد القبر، فقال ارتجالا بنت عم أمير المؤمنين، فضحك المنصور حتى استقلى. و من أخباره أنه مرض و لده فعالجه طبيب فلما برئ قال له ما عندي شيء نعطيك و لكن ادعي على فلان اليهودي و كان ذا مال كثير بمقدار جعلك وأنا وولدي نشهد بذلك فمضى الطبيب إلى قاضي الكوفة ابن أبي ليلى وقيل عبد الله بن أبي شبرمة فأدعي عليه الطبيب فأنكر اليهودي فقال: لي بيّنة و خرج لإحضارهما فاحضر أبا دلامة وولده و دخلا إلى المجلس و خاف أبا دلامة أن يطالبه القاضي بالتزكية فأنشد قبل دخوله بحيث يسمعه القاضي:

إن الناس غطوني تغطيت عنهم  \  و إن بحثوا عني ففيهم مباحث

و إن نبثوا بئري نبثت بئـارهـم     \     ليـعلـم قـوم كـيف تلك الينابث

ثم أحضرا بين يدي القاضي واديا الشهادة عند القاضي فقال لهما كلامكما مسموع وشهادتكما مقبولة ثم غَرَمَ المبلغ من عنده واطلق اليهودي وما امكنه ان يرد شهادتهما خوفا من لسانه فجمع بين المصلحتين يتحمل المغرم من ماله. ودلامة بضم الدال هو ابن يزيد الجون وذكر الحافظ ابو الفرج انه كان عبدا اسود ونوادره واخباره كثيرة ومنها ان المهدي اعطاه جارية فاتى بها الى زوجته ام دلالة وقال لها تحفظي بها لايراها دلامة ابني فعلمت انه يستر لها عليها فلما اتى ابنها قالت له ما قال ابوه واغرته بوطئها فوطئها ابنه ففوتها على ابيه فلما اخبر ابوه أخذه وذهب إلى المهدي واخبره.

فقال المهدي للحرس خذه للسجن فقال الولد يا امير المؤمنين اتسمع مني كما سمعت منه قال قل، قال إن أبي هذا منذ اربعين سنة وهو يطأ أمي وما سمع منّي كلمة ولا شكاية والآن وطئت جاريته مرة واحدة فصرت الى ماترى، فضحك المهدي حتى استلقى وامر لابي دلامة باخرى واقر الولد على الاولى ومعنى البيت ان كفرة وهران طالت في الاسلام صولتهم وتعددت على ايديهم روعتهم وسوم الخسف والاخذ بالعنف لكن من اول دخولهم إلى ولاية الباي شعبان اكثر واضرّ ومنه إلى أبي الفتوحات يقع الضرر احيانا ومرات:

فرد ربنا الكرة عليها لنا \ قضينا دينا منها قد كان في تنس

الكر هو الرجوع على العدو و التأخر، قال عبد الله بن المطيع وهو من أجل التابعين، لما حوصر مع الزبير بمكة و كان تأخر بعض الأيام لما حمل عليه بعض جيوش الحجاج بن يوسف و لامه سيدنا عبد الله بن الزبير.فصار يقاتل و يقول "ساخلف الكرة بعد الفترة  والشيخ لا يفر الا مرة". واشتد قتاله معهم حتى قتل. و لما سأل هرقل اباسفيان عن احوال الرسول صلى الله عليه وسلم فكان من جملة ذلك أن قال كيف الحرب بينكم وبينه قال سجال ينال وننال منه، قال كسرى هي عادة الانبياء تبتلى ثم تكون لها العافية فقلت: فعلى هذا فان العافية والكفرة لا يكونان الا بعد مكابدة وجهد قال الله تعالى " ثم رددنا لكم الكرة عليهم" أي ثم بعثنا عليكم عبادا لنا اولي باس شديد قيل سنحارب ملك الموصل او جالوت ملك الجزيرة او بخت نصر* على اختلاف وبعد ترددهم وسط الديار رددنا لكم الكرة عليهم الخ وقد قال تعالى " والعاقبة للمتقين" أي رد ربنا الكرة لنا على اهل وهران حتى قضينا دينا نسجت عليه عناكب النسيان والمراد حصل الياس منه حتى صار لم يذكر وتَنُوسِيَ حتى فتح الله بالنصر واعاننا على الظفر فشفينا غلنا وقضينا ثارات ديننا وقرت الاعين بعد الإياس و تعطل الأسباب. قرت عين مسافر بالسلامة و الإياب قال أمية بن الصلت في يوسف بن ذي يزن الحمدي:

    لن يطلب الثأر إلا كابن ذي يزن \ يديـم الخُـبَّ عـلـى الاعـداء جـوالا

يـمم قيـصـر لـما صـان رحـلـتــه \ فلم يجد عنـده بـعض الـذي سـالا

ثم أتى ابن كسرى من بعد تاسعة \ على الاعـداء يـهـئ الـنـفـس والمالا

حتى اتى بني الاحـرار يقدمـهـم \  مخايل قد جرت في الأرض أحبالا

لله در هـم مـن عصـبـة خـرجـوا \  مـا إن أرى لهم في النـاس امـثـالا

الى ان قال:

تلك المكارم لا قعبات من لبن \ شيب بماء فعاد بعد أَبْوَالاً

وهذا الشعر أحق ما يتمثل في فتح أبي الفتوحات سيدي محمد بن عثمان باي ثغر وهران وانا اقول فيه:

فنـم هـنيـئا وبـك النصـر مـقـترن \ بـقصـر وهـران دار لك محلالا

ورثـت مُعَنَّى في جوده و في شـيـم \ وفي الشفاعة ورثث ابن مكيالا

فلا يدانيك قرنهم وان هو ذي يزن \ ولا لمختطف من سواك نوالا

ومما يستضرف في هذا المقام ويسلك في عقد هذا النظام المَوَردي: قال سايرت ابا طاهر اسماعيل بن القائم ابن عبيد الله المهدي الملقب المنصور ثالث ملوك بني عبيد بالمهدية وذلك يوم هزم أبا يزيد الخارجي صاحب الحمار الافريني وبيد المنصور حينئذ رمحان فسقط احدهما مرارا فمسحته وناولته إياه و انشدته قول الشاعر سجيم بن واثيل

فألقت عصاها واستقر بها النوى \ كما اقر عينا بالإياب المسافر

فقال ألا قلت ما هو خير من هذا واصدق "وأوحينا إلى موسى أن الق عصاك فإذا هي تلقف ما يَا فِكُونَ فوقع الحق و بطل ما كانوا يعلمون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين." فقلت يا مولانا أنت ابن رسول فقلت ما عندك من العلم ومثل هذا لما أمر عبد الملك بعمل باب بيت المقدس وكتب اسمه عليه ساله الحجاج ان يعمل له بابًا فإذن له فاتفق ان صاعقة النار وقعت واحترق منها باب عبد الملك وبقي باب الحجاج فعظم ذلك على عبد الملك فكتب له الحجاج "بلغني أن نارا أنزلت من السماء فحرقت باب امير المؤمنين ولم تحرق باب الحجاج وما مثلها في ذلك إلا كمثل ابني ادم اذ قربا قربانا فتقبل من احدهما ولم يتقبل من الآخر فَسُرَّ عنه لما قراه ومن بديع ما قلته في فتح  وهران ادامها الله للإيمان.

خليلي قـد طـاب الـشـراب المـورد \ لما ان صار الامير في الثغر يقصد

وأجفت رحـال الوافدين ام عسـكر \ وقـد كان ماوى للوفود ومقـعـد

تَجَـذَبـتـه وهـران لـمـا افـتـحتـها \ وقد قالت اهلا بالحبيب محمد

فهـات عـقارا في قـمـيص زجـاجة \ كـيـا قـُوتـَة فـي درة تـتـوقــد

يـصـب علـيـه الـماء مسـبك فضـة \ لـه حلـق بـيـض تـحل وتـعقد

جلوسا على ذَرْوِ الحصون فما ترى \ بوهـران نـاقوس ولا الوثن يعبد

قـواعـدها تـهـز شـوقا إلـى النـداء\ إذ قال في الخمس المؤذن اشـهـد

فهـلا أبصـرت طـربـها بـآذانـــنـا\ وقـراءتـنــا أم كــان طرفـك أرمد

إذ أقـطـعـت بـأنـدلس يدًا العـداء\ يـدا بـقـيـت والحـمد لله لي يـد

ومـا زال طـمع الـمسلمين فـي رده\ لـعلمـك أن الـدهر يـدنـي ويـبعد

فـهاهي وهـران العـدا صفـت لنــا \ وفـي كـل عـورة لـها لـنـا مرصد

كأن لم تكن بالامس ترمي صواعق \ عـلـيـنا بــزمجـر عـتـليـة صــلـد

تـقتـني من النار الجحيم بنـفسها \ فـيا عجب لي كيف يجتمع الضد

وكـيـف تدوم الخَيْزُرَات بكـفـرهم \ وتــَدْمــُر و مــنـها الفـريـدة روند

وقـرطـبـة كانـت مـحط رحـالـنـا \ شـريـس الشـريسى وشقة ثم لوكد

بتـذكارهـم عمت وجمت همومـنا \  الـى أن نفـي الاكـدار قوم ممـجد

بـفتـحه لوهـران وسـطة عـقدهـم \  بـها طـال مـلكـهـم قـديما ممـدد

زهـت بـه مصـر ثم نجد وشامنـا \  وبـضـربـهـم بــها عريض ومبـعد

واهـل الحجـاز قد تسامعوا فعله \   ولا شـك للمـصـرين يـعلو ويصعد

فـكـان بوسط الغرب ذخر مضرة \   وكــم درة عــليـاء بالـيـم تـوجـد

وعـم العـفـاة نيـل فيـض عطائه \   ومـلـك من احـسـانه ليس يجحد

والدائرة والكرة عند العرب واحد فقد قال بسطام بن قيس الشيباني لمن الكرة وعلى من الفرة لما وقف عبد الله بن مسعود على ابي جهل وهو مثقل بالجراح يوم بدر فقال له لمن الدائرة اليوم فقال ابن مسعود لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

بجهبذ شمس للحرب متزرا \  بحلل النصر فيا له من لبس

الجهبذ هو كامل لخصال الأبطال الجامع لما افترق من المحاسن في الرجال والازار معروف والحلل برود اليمن كما لابي عبيدة والحلة ازار ورداء ولا تسمى حلة حتى تكون ثوبين والحلة بفتح التاء دهن السمسم والحل بكسر الحاء ضد الحرام
والخليل الزوج والخليلة الزوجة. قال الفرزدق في حلقة الحسن البصري.

 وذات خليل أنكحتها رماحنا \ حلال على السابي لما لم تطلق

جواب عن الحسن رضى الله عنه لما سأله سابي كافرة عن حليتها فقال الحسن للفرزدق إنك مع شعرك لفقيه.

و قولي فياله من لبس هي صيغة تعجب كقولهم ياله رجلا وويله إنسان ولله دره فارسا ولاشك في دخول من على هذه الصيغ إلا أن باب التعجب لما ذكر من هذه الصيغ بل لصيغتين مشهورتين وهما ما افعل وافعل به مرادي بهذا الجهبد المشمر للحرب اميرنا المنصور بالله سيدي محمد بن عثمان بَاي ممدوحنا بهذه القصيدة فانه والله اتقن سوق العلم وغلاء سعره وعلا شانه وعظم اهله فجمع بحزمه بين دينه ودنياه ولم يطاوع احدا في هواه فسياسته للخاصة اشادة وللعامة سعادة بل بلطائفة المستحسنة و مقاصده الحسنة

ومما يستضرف في هذا المعنى ويضاف الى صور هذا المبنى ان عبد الله بن أبي السمط لما قال في المامون.

أضحى إمام المهدي المأمون مشتغلا \  بالدين والناس بالدنيا مشاغيل

قال له المأمون ما قلت فينا شيئا انما جعلتني عجوزا في محرابها وبيدها سبحتها فمن يقوم بامر الخاصة والعامة ومن يصادع الامور الطامة عجزت ان تقول ما قال جرير في عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه

فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه \  ولا غرض الدنيا عن الدين شاغله

وكيف أميرنالا يجمع الخصال المحمودة والهداية المشهودة بل خليق بكل ذلك وجدير بجميع ما هنا لك لانه ذو بديهة معجزة وبصيرة مطرزة ولا يشق له غبار ولا يجدري في مضمار، ولا اختراعه الافتكار واقتراعه الأزهار ويطلع الانوار ويبدع الازهار ضابط الملك بالآية رابط السلك بارائه فاق ابن مكدم في شجاعته وعمر في حماسته واحق ما يتمثل به في ممدوحنا المنصور بالله قول أبي العباس الدارمي في سيف الدولة ابن حمدان.

أمـير العـلا أن العـوالي كـواسب   \ عـلاك في  الـدنـيـا في جـنـة الخلد

يَمُرُّ عليك الحول سيفك في الطلا   \ وصـرفـك مـا بـيـن الشـكـيمة واللبد

وتمضي عليك الدهر فعلك يرتضى  \  وقـولـك للـتـقـوى وكـفـك لـلـرقـد

اتــتـــه الــخـلافــة مــنـقــدة    \   الــيــه تــجـــــر اذيــــالـــــها

 

فــلــم تــك تـصـلـح الا لــــه     \   ولــم يــك يــصـــلــح الا لـــها

ولــــــو اراد احــــد غــيــره     \   لـزلــزلـــت الارض زلـزالـــــها

ولــو لـم تطعـه مئـات القلـوب    \   لـــمــا قــــيــد الله أعـــمــالها

ومن قولي فيه بشري إلخ...

بشرى لأهل المغرب الأوسط أن لهم  \ ركــنا وثــيــقا الـيه تسـنـد الامـر

لقـطــب دائــرة الـملـوك قـاطـبــة  \ فخــرهـم إذا مـا بالـمـلوك افتخـر

مـحمد الهـمـام المُـخــْشَي بــوادره  \ يـحلــل النــصـر مـرتــد ومـتــزر

كــم سـد خـلـت فـي سنين مجذبة \ واكـسـب الناس بعد عسر هم يسر

فالـكـل عـمـهـم جـوده ومـعـروفـه  \ كـما عــم الــخلق بضــيائـه القمر

فــفـارق الـنـاس داء القـحـط كلهم  \ أهــل القــرى و أهـل المدن والوبر

مــن كــل فــج اتــوه لائـديـن بـه \  نــعــم الـملاذ ونعم السـيد النصر

اذا جــفـا ارضـهـم غـيث فقالوا له \  بابــي عـثـمان اخــلفناك يا مطر

فالمجد والسؤدد و الحـلم حـيـز له \  كَــحـَوْزِ ما اقتنص البزات والظفر

اذا جــاورتــه  لاتـعـبـأ بحـادثــة \  إذا أدرعــت فلا تسـال عن السمر

 و قولي: من لبس اللـبس بمعنى اللبس من باب شرب تقول لبس يلبس لبسا بمعنى التخليط قال تعالى: "والبسنا عليهم ما يلبسون". قال المعري ابو العلاء في الصدر الاول:

وانما في لبس الفتى شرف له  \  فما للسيف إلا غمدةُ والحمائل

نَكَبَ عن جانب طرق عواقبها  \  لم يستشر الا السيف والقنا الدعس

نَكَبَ أي عدل عن جانب أي جهة، طرق بمعنى طرق عواقبها أي مهلكاتها وقولي ولم يستشر أي احد الا السيف فهو استثناء منقطع والقني بالقصر جمع قنات والدعس أي الشديدة ويقال ايضا للطعن ويكنى به الجماع وهذا مبالغة في قوة عزمه وحزمه ومما يليق رسمه بهذا الموضوع، وينخرط في سلك المجموع، ان المعتصم بن هارون الرشيد العباسي لما حاصر عمورية إحدى مدن الروم وطال أمره عزم صبيحة يوم ذي قروص على حربهم فقال بعض وزرائه لخادمه إذهب إلى المنجمين لعلهم يخبرونا عن حربنا هذا اليوم،فاتى الخادم من عند المنجمين بعدما نظروا في كيفية ذلك و قال للوزير، قال لك أهل التنجيم إن حاربتهم هذا اليوم هزمك الروم وأبادوكم فقال الوزير للخليفة ذلك فغضب وازداد عزمه وقال لا بد لي من الحرب اليوم و لا استشير الا السيف فسكت الوزير وتاهب الناس الى القتال فأرادوا إيتار قوسهم فلم يقدروا لفشل ايديهم ومفاصلهم من كثرة الجليد فامر مناديا يقول كل من عجز عن الايتار فَلْيَأْتِ بالقوس لامير المؤمنين يوترها له فاوتر تلك الصبيحة اربعة الاف قوس ثم زحفت الجنود الى القتال طوعا أو كرها ففتح الله على المسلمين فتحا عظيما و أكثر الشعراء في ذلك  وممن أجاد فيه أوس بن حبيب الطائي المشهور بابي تمام حيث قال:

السـيــف أصدق أنباءا من الكتب  \  في حده حدّ بـيـن الجد واللعــب

بيض الصفائح لا سود الصحائف  \  في متونهن جـلاء لـشـك والريــب

فحــكـم الســيف لا تعـبأ بعاتبه  \  وسر بنـا سـيرة تبقى على العقب

فــما تــنال بغــير السيف مرتبة  \  ولا تــرد صدور الكـمات بالكـتب

وقال سعيد بن ثابت:

اذا هــم القنى بَيْنَ عينيه عزمـة    \  ونكـبا على طرق العواقب جانبـا

ولـم يسـتشر في امـره غير نفسـه    \  ولم يرض الا قائم السيف صاحبا

كان أبو جعفر كثيرا ما ينشد في جلسائه بعد قتله ابي مسلم الخرساني مؤسس الدولة العباسية قول بعض الشعراء:

طوى كشحه عن أهل كل مشورة  \  وبــات يــناجي عــزمـه ثـم صمما

واقــدم لمــا لـم يـجـد مـذهـبــا  \   ومــَنْ لـم يـجد بدا من الأمر أقدما

ما احسنهما في هذا المعنى ولم اقف على قائلهما بعد الفحص والبحث.

فائدة للسيف اسماء كثيرة منها اسمه المشهور وهو السيف ومنها المخدم ومنها الرسوب قال علقمة بن عبده التميمي :

مــظــاهر سـِربــَالَـيْ علــيهــما  \  عــقــيــلا ســيـوف مخدم ورسوب

ومنها الحسام قال الاحوص يخاطب مطرا

فــطلـقــها لــســت لـها بكف  \  و إلا يـــعــلـو مــفرقــك الحــسام

والمشرفي كما في قول امرئ القيس:

أيــقــتلني والمشرفي مضاجعي:  \  وَمَســْنُونــَه زرقــاء كانياب اغوال

والضمير في يقتلني عائد على زوج سلمى ومنها القاضي والقاضب قال أبو تمام:

يَمُدون من ايد عواصي عواصم   \  يــصول باســياف قواض وقواضب

والأبيض ومن قول أبي تمام أيضا في مرثية محمد بن نهشل حين استشهد:

 وقد كانت البيض القواضب في الوغى  \  بواتر فهي الآن من بعده تـبر

واما الصماصمة فهي اسم سيف كما قال الشاعر

حــاز صــماصمة الزبــيـدي عـمــر    \  مـن بـــين الانام موسى الامين

ويقال انه من سيوف عاد بن عوص بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام. كان أبو جعفر المنصور امر الجند ان يغيروا زيهم، بان يجعلوا قلنسوات طوال ويعلقوا اسيافهم على أوساطهم ويكتب كل واحد في قميصه من عند الاكتاف "سيكفيهم الله وهو السميع العليم" فقال الجند لما استثقلوا ذلك لابي دلامة: ان أبطلت علينا هذا الزي أدَّينالك جعلا فدخل يوما على الخليفة وهو في ذلك الزي فقال له كيف أنت يا ابا دلامة فقال واي خير فيمن صار وجهه في وسطه وسيفه معلق على استه وكتاب الله وراء ظهره فضحك المنصور كثيرا وامر بتغير ذلك الزي

لايُثْنَى عن الرجاء غير مبتسم   \  حتى يُزَاوله بالسيف والفرس

لا يُثْنَى أي لا يترك امرا يرجى نجاحه وطرق الموصل إليه غير سهلة حتى يزاوله بالسيف والخيل والمزاولة المعالجة والمحاولة. قال الشاعر:

وقال رائدهم أرسو نزاولها  \  فكل حتف امر يجري بمقدار

 والضمير في نزاولها للحرب قاله في المطول ولم يسم قائل الشعر والفرس يقال للذكر والانثى ولايقال للأنثى فرسة لكن تصغير الذكر فريس والانثى فريسة وفارس وفرسان بالفتح قبيلة وابو فراس شاعر بني حمدان وفارس واحد الفرسان بالكسر وجمعه على فوارس شاذ وفارس امة من اقدم أمم العالم وأعظمها ملوكا ونسبتهم الى فارس من ولد ايرام بن اشور ابن سام بن نوح عليه السلام، وهم أهل العراق  وفارس ايضا اسم سلطان المغرب ابن ابي الحسن المريني وكنيته ابو العنان وكان ابو زيد سيدي عبد الرحمن بن مخلوف من كتاب السرّ عنده و صنف تاريخه الكبير المشهور كما اخبر بذلك في مقدمته، قال ابن مزيد:

إذا رام يحي الامر ذل صعابه  \  وناهيك من راع له ومدبر

تنبيه كثيرا ما يعبر العلماء والشعراء بهذا اللفظ وهو ناهيك واني وجدت معناه في شرح الشريسي على مقامات الحريري ونصه يقال ناهيك من رجل وناهيك من رجل أي انه ذو نجدة وعناية ينهاك عن ان تطلب غيره فناهيك بمعنى كافيك إنتهى. يقال فلان ناهيك به من فارس قال الحسن البصري رضي الله عنه ما كنت اظن ان الفارس يقوم مقام الف في الحرب حتى رايت عباد بن الحصين التميمي في احد وقعات دير الجماجم ومن الفرسان عمير بن الجباب القيسي وكان يدعى فارس الاسلام ومنهم الحريش بن هلال السعدي ومنهم الوليد ابن طريف الشاوي بايعته الخوارج ايام الرشيد فاستولى على نصيبين و الخابور و ما وراء ذلك فكان الرشيد يجهز له الجيوش فيهزمهم وياخد اموالهم وكان كثيرا ما ينشد في تلك الحروب:

جـوركـم اخرجـني من داري  \  فبـعـت نـفـسي لـلالـه البـاري

ثم وجه اليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فجرت بينهم حروب عظام وقتله اليزيد في آخرها ورثته أخته بالأبيات المشهورة التي منها.

أيا شجر الخابور مـالـك مورقــا  \  كانك لم تحزن على ابي طريف

فتى لايرضى بالعز الا من التّقـى  \  و لا مــال الا مـن قـنا وسيوف

خفيف على ظهر الجواد اذا عدا  \  وليــس علـى اعــدائه بخفيف

فلو كان فيه الـموت يقبل فديــة  \  فــدينـاه مـن سادتـنـا بألــوف

وكان لعنترة بن شداد العبسي في الحروب ايام مشهورة ومواقف مدونة مذكورة منها يوم الفروق الذي يقول فيه:

ونحـن منعنا في الفروق نســـاءنـا  \    نـطـرف عنها مشعلات عواشيا

حلفت لهم والخيل تردي بنا معا  \    نُزاولــهــم حتى يهـرّ العواليـا

يقال هرت القوم الحرب تهره وتهره كرهته ومن أيامه يوم القرن بينه وبين بني تميم ويوم عراعر بينه وبين بني ثعلبة وغير ذلك،

ومن قولنا في ممدوحنا ابي الفتوحات المنصور بالله سيدي محمد بن عثمان باي، هذه الأبيات:

سلـطان وهـران ما خـيب قاصــده    \  زهت بـه وعـلـت اقالـيـم الامــم

شد قواعدها بحـــرمه فَــغَــــدَتْ    \  مكفـولـة بـه لم تيـتـم ولـم تـيّــم

يرثــــها أولاده بـعــده ابـــــــدا    \   كارث آل شيـبـة مفتـاح الحـرم

فالــدنيا البـست الـهناء بــطلعته    \   رشيدها الثاني جـاءت به للعلـم

عــم باحســانه بدوا وحاضــرهــا    \   كالغيث للهضبات يروي والاكـم

في قبة من نوافذ شيدت عن حسب   \   وجعفر بن يحي بها من الـخدم

 

وابــن امــامة وابـن سـعد تابعـــه   \   وحــاتــم ابو دلـــف مع هـــرم

تعــودت كـفه بســط الجسام فلـو   \   اراد قبضها لم تطعه بل تـــهـــم

ســار مسـيـر زحـل فـي مـنـازلــه   \ وهــب كالــريح في الاراضـي والاطم

شمس ظهرت في أعلى الأفق ساطعة  \  أضاءت الخلق من عرب و من عجم

مـلـوك أقـطار الأرض هــم كواكبها   \  شــعـاع أنــواره وأراهــم كالـظلــم

بشــرى فقـد انـجز الاقبـال موعده   \  بالكوكـب السعـدي لم يفل ولم يرم

ذو المفــاخر اعـــيتـهــم مــآثـــره   \  من دون ادنـاها وقفوا على العــــدم

ولما انشدت مثلها على هذا الروي بين يدي شيخنا سيدي محمد بيرم مفتي الحنفية في تونس وذكرت فيها البدو كهذه وكنت كسرت واو به ونونته في ظني انه منقوص فقال لي انصبه فليس هو من الاسماء المنقوصة فقلت له رايته مرات بالياء فقال لي لعل الياء التي رايتها فيها جيء بها للنسب فتنبهت عن الغفلة من هذا الامر المعلوم كانتباهي من النوم

قاد المقانب للجهاد رائدها \ يبغي كفاح ذي التثليث والجرس

و المقانب واحدها مقنب، وهي الكتيبة من الخيل من الاربعين الى الستين او الى المائة، والمراد بهم الجيوش والاجناد، قال ابو الطيب المتنبي في مدح سيف الدولة بن حمدان لما فتح خرشنة إحدى مدن الروم.

قاد المقانب لا يرضى استرجاعها\ كالموت ليس له ري ولا شبـع

هذا في الجمع و قال كعب بن زهير المزني في المفرد في مدح الأنصار

مـن اراد كرم الحيــاة فـلا يــزل  \ في مقنب من صالح الانـصار

والرَّائد في الاصل الذي يتقدم القوم لطلب الماء و الكلأ، والمراد به هنا الأمير على الاجناد ورئيسها ومقدمها، فإذا حسن رجوع الضمير للمقانب ورجع مؤنثا لانه معنى الكتائب أوالقبائل. انظر مثله في الخفاجي عند قول الشفاء، قالت قريش و قال الشاعر رائدهم أرسوا نزاولها أي قال رئيسهم و مقدمهم أرسوا أي أحبسوا، ومقدمهم أرسو، أي احبسوا، نزاولها في الحرب والكفاح. قال الأصمعي كافحوهم إذا استقبلوكم في الحرب بوجوههم ليس دونهم ترس ولا غيره والتثليث لقوله تعالى "قد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة" الآية. تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وان أردت الوقوف على ذلك انظر شرح الكبرى عند قول الشيخ السنوسي ومن هنا تعلم وجوب تنزيهه تعالى الخ وحاشية اليوسي هناك فاني رايت عدم الخوض في ذلك احسن في هذا الكتاب، أو أنظر ابن خلدون في الخبر عن الملوك القياصرة المنتصرة من اللاطنيين و هم "الأكيتوم".

و قولي و الجرس الصوت الخفي، و في الحديث يسمعون جرس طير الجنة. الأصمعي: كنت في مجلس شعبة بن الحجاج و قد قال فسمعوا جرش طير الجنة بالشين المعجمة فقلت جرس بالسين، فنظر إلي وقال خذوها عنه فانه اعلم بهذا منا وأجرس الحلي إذا سمعت صوت جرسه، قال الحجاج :

تسمع للحلي اذا ما وسوسا  \ وارتج في أجيادها وأجرس

والجرس بالفتح فقط الذي جرب الأمور، يقال جرسته الأمور أي جربته ومرادنا هنا صوت الناقوس وقد استعمل في كلام البلغاء واهل اللغة كثيرا. ومن ذلك ان إبن مردنيش أمير بلنسية لما ضايقه العدو بعث كاتبه ابا عبد الله ابن الآبار لأبي زكريا الحفصي عام 636 يستصرخه للمسلمين وانشد قصيدة يستحثه فيها و قال محل الشاهد وهو:

ما للمساجد عادت للعداء بيعا \ و للنـداء يـرى أثـنـاء ها جـرسـًا

قال الجوهري في فصل النون من باب السين: نقص الناقوس الذي يضرب به النصارى لاوقات الصلاة، قال جرير.

لمـا تذكــرت بالديـرين رَقـَّنـِي \  صوت الدجاج وضرب بالنواقيص

والنقص ضرب الناقوس  و في حديث عبد الله بن يزيد كانوا ينقصون حتى راى عبد الله بن يزيد الاذان في المنام وكانت ام خالد بن عبد الله بن يزيد بن اسد بن كرز البلخي المعروف بالفهري امير العراقين لهشام نصرانية وكان قد بَنَى لها كنيسة تتعبد فيها وفي ذلك يقول الفرزدق يهجوه

الا قبــح الرحمان ظهر مـطيــة \ تتـهادى من دمشــق بــخالـــد

وكيف يأمّ الناس من كانت امه \ تــديـن بان الله ليــس بواحــد

بنى بيعـة فيـها الصليـب لامّة \ و يهـدم من بعـض منار المساجد

وذكر الطبراني ان هشام ولى خالد العراقين سنة 105 و عزله سنة عشرين وسببه أن امرأة مسلمة أتته شاكية بغلام له مجوسي وطئها غصبا فقال لها كيف وجدت فعلته فكتب حسان النبطي الى هشام بذلك فعزله وولى مكانه يوسف بن عمر الثقفي ابن عم الحجاج و أمر بحبسه و التضييق عليه واستمر في الحبس حتى قتله ايام الوليد بن يزيد سنة 126 بالحيرة على فرسخ من الكوفة وكان خالد من المشهورين بالبلاغة والجود وأخباره كثيرة.

حتى أقام علة أرباض وهران لا   \ تحصى عساكره بالعد والحدس

الارباض جمع ربض وهو ما حول المدينة، قال أبو الطيب المتنبي يمدح سيف الدولة

حتى أقام على أرباض خرشنة  \  تشقى به الروم والصلبان والبيع.

و الحدس الظن و التخمين يقال هو يحدس بكسر الدال لأنه من باب ضرب، أي يقدر شيئا بالظن و حدست بسهم أي رميت و حدسته برجلي أي وطأته قال الشاعر.

بمعترك شط الحُبْيَا ترى به \ من القوم محدوسا و آخر حادس.

و الحدس ليل شديد الظلمة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غزا خيبر أصبح ذات يوم بجنوده في ساحتها فخرج اليهود من المدينة بمكاتلهم ومَجَارفهم لخدمة البساتين فمن راى منهم العسكر قال محمد والخميس أي هذا محمد والجيش فقال صلى الله عليه وسلم: الله اكبر خربت خيبر إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. فخيم أميرنا المنصور بالله على وهران بجحافله وأنَاخَ عليها بكلاكله، قال الشاعر:

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره  \  تعددت الاسباب والموت واحد

ومن اللطائف الرقاق وغرائب الإنفاق إن صاحب البيت وهو ابو نصر عبد العزيز محمد بن نباتة التميمي السعدي قال: دق على الباب رجل يوما أول النهار فخرجت له وقلت من أنت، قال شرقي قلت ما حاجتك، قال: أنت القائل ومن لم يمت بالسيف مات بغيره الخ، قلت نعم، قال ارويه عنك، قلت نعم، فرواه ومضى.

واتى آخر، آخر النهار ودق الباب فقلت من؟ قال رجل من تاهرت بالمغرب قلت ما حاجتك قال أنت القائل ومن لم يمت بالسيف الخ قلت نعم قال ارويه عنك قلت نعم فرواه ومضى و عجبت كيف وصل إلى و حلَّ إلى أقصى المشرق و المغرب و مات صاحب هذا البيت سنة 405.

جند عرمرم لا شيء يقدم له \ يضيق عنه فضا الأثلاث و المفس

عَرِمْرَمُ أي كثير ويقدم له أي يثبت له في الحرب والفضاء أي المتسع من الارض والاثلاث هو الموضع الذي قتل فيه إخوة بيهس واستحيوه لصغر سنه وكانوا بعد قتلهم اقتنصوا و حشًا و فصَّلُوا لحمه فقال بعضهم: ضلّلوا لحمكم فنطق بيهس: إن بالأثلاث لحما لم يضلل فذهب مثلا فقال أكثرهم هذا الصبي يأتينا منه شرا فلا بد من قتله فمنعهم باقية عنه فلما ذهب لامه سألته عن اخوته فقال قتلوا فقالت ولِمَ تركوك أنت، فقال لها لو خيرك القوم لاخترت فذهب مثلا ثم أخذ بثأره منهم بعد ذلك ومعه عَمُّه خالد ابو حنش وهي قصة معروفة و بيهس من أسماء الاسد و المفس موضع بازاء القيروان و قصته أن معاوية رضي الله عنه لما صفت له الخلافة، وَلَّي عقبة بن نافع الفهري على المغرب فاختط القيروان سنة 47 وافترق امر الافرنج وصاروا الى الحصون وبقي البربر بضواحيهم الى ان ولي يزيد بن معاوية فولى على افريقية ابا المهاجر المولى ورئيس البربر يومئذ كسيلة من البرانس ويرادفه سَكَرْ دِير بن رومي من أوربة اسلما أول الفتح ثم ارتدا لدين النصرانية وعند ولاية أبي المهاجر اجتمع اليهما البرانس وزحف إليهما أبو المهاجر حتى هزمهما الى يَسْرِ بإزاء تلمسان وفضَّ جمعهم فظفر بكسيلة فاسلم وأطلقه ثم ولي عقبة بعد أبي المهاجر ثانية على افريقية وزحفت اليه جموع البربر بالزاب ففضّهم ثم تراجعوا الى السرسو قبلة تاهرت فهزمهم أيضا وسار على تبعهم حتى دخل المغرب الاقصى واطاعته غمارة الى ان وصل الى وليلي وجبال درنة غربي مراكش فَحَاصَرَهُ المصامدة أهلها فنهضت إليهم زناتة من المغرب الاوسط فأفرجوا عن عقبة واثخن فيهم حتى اسلموا ودوخ بلادهم ثم جاوز إلى صنهاجة أهل اللثام فأتخن فيهم وانتهى الى ترودانت فاثخن فيهم و في مسوفة وراء السوس وسبى منهم ورجع وكسيلة أسيرا معه وذلك لما قدم في هذه الولاية الثانية سنة 62هــ، اطلع على أبي مهاجر صحبة كسيلة واوثقه واخذه معه الى ان انتهى الى البحر المحيط وقد دوخ البربر كلهم كما مر وزاد الشيخ علي بن ثابث في شرح البردة ان عقبة بن نافع الفهري، خاض فرسه في البحر المحيط حتى وصل الماء الى ركبة الحصان ثم وقف وقال اللّهُمَّ انك تعلم لو لا هذا البحر منعني لعبرت الى جهاد اعدائك بالأندلس ثم رجع وهو في كل ذلك يستخف به أي بكسيلة وامره يوما بسلخ شاة بين يديه فدفعها كسيلة الى غلمانه وارغمه عقبة ان يتولى سلخها هو نفسه وانتهره فقام اليها مغضبا (كذا) وكلما دحس يده في الشاة مسحها بلحيته وقال العرب ما هذا يا بربري وهو يرد عليهم هذا جيد للشعر فقال شيخ منهم البربري يتوعدهم  بمكيدة وقد كان أبو المهاجر ينهى عقبة عن اهانته واعتقاله وقال له كان صلى الله عليه وسلم يستألف جبار العرب و انت تعمد إلى رجل جبار في قومه بدار عزه قريب عهده بالشرك فتفسد قلبه وَخَوَّفَهُ فتكه فتهاون عقبة من قوله فلما وصل طبنة قافلا عن هذه الغزوات الطويلة صرف العساكر افواجا ثقة بما دوخ من البلاد فارسل كسيلة إلى قومه فقتلوا عقبة واصحابه كلهم رضي الله عنهم ولم يفلت منهم احد و كانوا ثمانية و ثلاثمائة من الصحابة و التابعين و منهم أبو المهاجر فأبلى بلاءا حسنا وقبورهم بارض الزاب الى الآن وقد جعل على قبر عقبة مسجدا عرف باسمه تصلى فيه الجمعة، وبنيت المدينة حوله وهو من الأضرحة المشهورة بالبركة والزيارة و أُسِر من الصحابة يومئذ محمد بن اوس الأنصاري ويزيد بن اخلف القيسي وما بقي معهما ففداهم ابن مصاد صاحب قفصة وبلغ الخبر زهير البلوي بالقيروان فخرج هاربا بجلّ المسلمين، و نزل برقة و قام ينتظر الـمدد من الخليفة و دخل كسيلة القيروان و أمن فيها أهل الإثقال و الذراري من المسلمين و بقي ملكا على إفريقية مدة خمس سنين، لما قارن ذلك مهلك يزيد وفتنة الضحاك بن قيس الفهري بمرج رابظ مع ما اتصل ذلك من حروب آل الزبير رضي الله عنه فاضطرب امر الخلافة واضرمت المغرب نارا وفشت الردة فيه فلذلك قال الشيخ محمد بن ابي زيد   "و ارتد أهل المغرب اثنا عشر مرة ولم يرسخ الايمان في قلوبهم الى ان قطع طارق بن زياد الى الاندلس وقطع معه كثير من رجالهم وفتح الله عليهم فعند ذلك ايسوا من الكفر "انتهى. واستمر ملك كسيلة بافريقية الى ان صفت الخلافة لعبد الملك وكان زهير مقيما ببرقة منذ موت عقبة وأصحابه فبعث إليه عبد الملك بالمراد فزحف بالاف من جنود  طالبا ثأر عقبة و زحف إليه كسيلة بجنود عظام فالتقوا بمفس من نواحي القيروان واشتد القتال ثم انهزم البربر وقتل كسيلة ومنح الله العرب أكتافهم فقتلوا منهم ما لا يحصى و كان ذلك سنة سبع  و ستين (67) ثم صاروا يهزموهم بعد ذلك المشهد جمعا بعد جمع الى واد ملوية فحينئذ ذل البربر وحصد العرب شوكتهم  و قتلوا فرسانهم و استولى العرب على وليلي وهي بين فاس ومكناسة بجانب جبل زرهون ومن ثم اتصل تدويخ جيوش القيروان وان للمغرب مرة بعد أخرى إلى أن نزل عليهم ادريس الاكبر رضي الله عنه فبايعه البربر وقاموا بأمره فتم له الملك و لأولاده إلى أن ظهرت دولة الفاطميين ملوك المهدية والله غالب على أمره لا اله الا هو.

هلا هنيئا له التمكين ساحتها    \    سلا هب كسبت الاوعار والوعس

سلاهب جمع سلهب قال الجوهري السلهب من الخيل الطويل ويقال بالصاد ايضا ووصف اعرابي فرسا فقال إذا عزّ سلهب واذا قيد جعلب، و إذا إنتصب أتلأب و الوعر المكان الصعب ضد السهل والوعس يقال ارض وعسا أي لينة سهلة و المعايس الأرض التي لم تطأ و أو عسنا مشينا ليلا

و مما يستضرف في هذا: أن يزيد بن المهلب أغزاه سليمان بن عبد الملك أذربيجان فظفر و سبى فحصل لرجل من جنده جارية جيدة فكتب إلى زوجته يقول

ألا أبلغ أم البنين وقل لها \  غنينا واغتنينا السلاهبة الجرد

بجيد مناط المنكبين إذا جرى \  و بيضاء كالتمثال زينها العقد

فــهـــذه لايــــام العــدو وهـــذه  \ لحاجة نفسى حين ينـــصرف الجند

فلما قال كتبت اليه هذين البيتين

إلا أقراه السلام مني وقــــــل له \ عـنــيــنا واغــتنـينا القــطارفـة المرد

فلا قفل الجيش الذي انت منهم \ وزادك رب النــاس بــعــدا على بعد

فلما وقف على ما قالت خاف الفضيحة، لما جبل على النساء، من الغيرة وبعث إليها الجارية تخدمها والاجرد في الخيل الذي رقت شعرته وقصرت وهو ممدوح في الخيل والجريد فضاء لا نبات فيه وموضع بارض تميم

وقولي هنيئا هذا دعاء منا لأميرنا المنصور بالله وشاع هذا الدعاء في اشعار العرب فمن ذلك ما كتب به بدران الى اخيه  الأمير دَبِيس بن سيف الدولة وهو نازح عنه

ألا قـل لمنصـور وقـل لمســيـب \ وقل لادريس إنـني لغريـــــب

هنيئا لكم ما في الفرات وطـيبة\ اذا لم يكن لي في الفرات نصيب

فكتب اليه دبيس

ألا قل لبدران الذي جاء نازحا \  الى ارضه والجد ليس يخـيـب

هنيئـا لايـام السـرور فانمـــــا \ عذار الاماني بالهموم يشــــيب

أي ملأ الساحة وهران بالابطال وغلب الرجال ولما وفد عامر بن طفيل العامري الأعْوَرَ أحد فرسان الجاهلية المشهورين على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له يا عامر ألاَ تكف عن جحودك قال على شرط أن تجعل الأمر من بعدك لي، فقال صلى الله عليه وسلم ذلك لله تعالى، ولكن اولائك اعنة الخيل في سبيل الله قال له عامر أو ليست هي بيدي اليوم لاملان عليك لابيتها بالف شقراء. فلما انصرف من عند النبي صلى الله عليه وسلم هو و ابن عمه أربد بن قيس فمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وقال اللهم اكفني عامر بن طفيل فاخذته غدة فمات في طريقه في بني سلول ولما حضرته الوفاة قال غدة كغدة البعير وموت في بيت إمرأة سلولية. ومما قلت في المنصور بالله:

كثيرا ما تراه نحو وهران غازيـا \ بجند عرمرم الى الــروم فاجــع

 

يقود الجيوش كل حين اليهــم \ فكانت له مع الاعداء وقائــــع

ترى كل بطريق وان كان قومهم \ بقصر امامنا لنفسه باخــــــــع

فان ابعدوا يوما لاجـل رعــاية \ او مُحْتَطَبٍ تخطفتهم زعـــــازع

من فرسان إسلام ضراغم غـارة \ حماة كــماة كالصـقور صــــــوادع

من جند أمـير المؤمنـين محــمــد \ وكل فتى شهيم في قرنه طامــــــع

يرثــون العلجات حــزنا ونكبــة \ وشق الجيوب فاقدات البراقــــــع

ملوك بني خاقان قد علا مجدهم \ بـــملك همـام للمـآثـر جـــامـــــع

بملــكه زاد المـلك حسـنا وبهجة \ وكوشى ثياب حسنة الصــنــائـــع

فانــه قطــب دائــرات تملوكهم \ وقد حاز قصب السبق ليس بدافـــع

سليم بن عثمان كَهُوَ في عـــصره \ أوائــل عاشـــر وآخر تاســــــــــع

وقام فيها بأمر الله منتــــــصرا \ كالصارم آهتز او كجــود منجــــــبس

أول آية نزلت في الجهاد قوله تعالى "اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير"

قال ابن عباس وابن جبير نزلت عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة وآية الامر به هي قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يَلُونكم من الكفار"، وقالت جماعة من المفسرين معنى هذه الآية ان الله تبارك وتعالى امر فيها المؤمنين ان يقاتلوا كل فريق منهم الجنس الذي يليه من الكفرة وقولي كالصارم اهتز الصارم من اسماء السيف أي قام على وهران محاصرا لها ومضايقا لأهلها شمَّر ذلك تشمير المجد واهتز اهتزاز مهند  قال الحطيئة:

"معيد ومتلاف اذا ما اوتيته\ تهلل واهتز اهتزاز المهنــــدي"

والجود بفتح الجيم وسكون الواو وبالدال المهملة المطر الغزير ومعنى منجبس أي منفجر فكان جوده وسع الغزاة والجنود ومعروفه عم الصفات والجود كما قال الشاعر في خلاد بن عبيد الله القيسري:

تفرعت لي بالجود حتى نعــــــشتـني \ وأعطيتني حتى حسبتك تلعــــــب

فانت الــندا وابن الندا واخوالنـــــدا \ حليف الندا ما للندا عنك مذهـــــب

وكان امرينا في جوده لا يجاري وفي شدة باسه لا يصاري فكان ذلك في جانبه مشهور كتميم او باديس بن المنصور، وكان هذا باديس أمير افريقية والمغرب من قبل سلطان مصر الحاكم العبيدي وكان باديس إذا هَزَّ رمحا كسره. مات سنة 406 أربعمائة و ستة، وسبب موته انه حاصر تونس لما فتكوا باهل جنده من الشيعة وعزم على خرابها وقال تبقى ارض تحرث ولا تبقى تونس وعرضت عليه عساكره من اول النهار الى نصفه فسر بذلك، ففزع أهل تونس إلى ولي الله سيدي محمد بن خلف المشهور بسيدي محرز سيد تونس وتضرعوا اليه في ذلك، فقال لما قالوا له ما قال باديس "بل تبقى تونس ولا يبقى باديس" ثم قال" اللهم يا رب باديس اكفنا باديس" فمات من ليلته ودار ملكه إذ ذلك القيروان فَحُمِلَ إليها، هذا الذي رويته بتونس في ذهابي للحج ببعض التواريخ من إن حصاره كان على تونس وقال ابن خلكان ان ذلك وقع في محاصرته لبعض قرى طرابلس و الله أعلم. وتوفي الشيخ محرز سنة 413 وعلى ضريحه في تونس مشهد عظيم وهو سبب رسالة ابي زيد لانه هو الذي أمره بوضعها ومات الشيخ إبن أبي زيد سنة 396 ثلاثمائة و ستة و تسعين من القرن الرابع نفعنا الله بهم أمين. ولما وصلت رسالته الى ابن زرف بفاس لم يعتن بها ولما وصلت الى القاضي اسماعيل بن المسيب ببغداد وإبن القصار والقاضي عبد الوهاب وغيرهم فاعتنوا بها وعظموها فكانت تباع المائة دينار ذهبا ومما ينخرط في هذا المبحث في فنون الجود أن أبا الفرج الموصلي لما ضاقت به الحال عزم على قصد ابن زريق وزير مصر وعجزت قدرته على نفقة زَوْجَته بَعْدَهُ،كتب إلى الشريف ضياء الدين الحسيني نقيب العلويين بالمَقْصَر الموصلي بهذه الابيات:

وذات شجو ارسال البين عبرتــــــها \ فقامت تؤمل بالتقييد أمســــــاكي

من لي اذا غبت في المحل قلت لهــا \ اللــــــــه وابــن عبـد الله مـَوْلاَك

فتكفل الشريف المذكور بجميع ما تحتاجه الزوجة إلى أن قدم ثم انقلب من مصر بمال كثير واشتغل يدرس بحمص وقال الكاتب في الخريدة في شأن أبي الفرج ما زلت وانا بالعراق، إلى لقائه مشتاق فاني كنت اقف على قصائده المستحسنة ومقاصده الحسنة وشهدت كفايته وسجلت بان أهل العصر لم يبلغوا الى غايته. فلما حاصر صلاح الدين يوسف بن ايوب الكردي حمص خرج إليه أبو الفرج المذكور فقدمته الى السلطان وقلت له هذا الذي يقول في قصيدته الكافية التي مدح بها بن زريق:

المدح لترك ابقى الفضل عندهــــــــم \ والشعر لا يزال عند الترك متــــــروك

قال  فاعطاه السلطان وقال حتى انه لا يقول متروك ثم مدح السلطان بقصيده يقول في اولها:

قال للبخيلــة بالسلام تورعــــــا \ كيف استحليت دمي ولم تتــــورع

وزعمت ان تصلي بعام قابــــــل \ هيهات ان ابقى الى ان ترجــــــع

ما كان ضرك لو غمزت بحاجـب \ يوم التــفــرق أواشـرت باصبــــع

مات ابو الفرج سنة 580 قال المؤلف رحمه الله تعالى

ثغر لمغراوة حَلُّوه سابقة  \ على يد الأموى سلطان أندلس 

وقولي ثغر بدل وهران انه بدل مطابق والثغر هو الذي يكون على سيف البحر بكسر السين أي ساحله يقع الخوف من العدو فيه كعسقلان ودمياط بدال مهملة وحكى بعض اعجامها ذكره السيوطي وهاذان الموضعان مشاهد فيهما الخوف إلى الآن وأكثر خوفهما من أهل مالطة أذلّهم الله وأهلكهم ولهم شهرة بذلك الساحل كما حدثنى بذلك صاحب القريحة الوقادة، والبصيرة المتقدة خاتمة العلماء والادباء ورئيس الشعراء والخطباء: أخونا سيدي محمد المسيري[13] عالم الإسكندرية وقال لي أن عسقلان الآن خراب وان اهل دمياط لهم اعتناء بالقراءة حتى أنَّ فيهم ستين امرأة محققات القرآن حفظا  و إمعانا و تحقيقا واتقانا و من الثغور المشهورة: صور وطرسوس والإسكندرية ونحوها من السواحل التى يتوقع فيها خوف العدو وليس من ثغور. جدة بضم الجيم لان الثغر محل رباط وانما هي محل تجارة. قال ابن عرفة: إذا ارتفع الخوف عن الثغر لقوة الإسلام به أو بعده عن العدو زال حكم الرباط.

تنبيه: اختلف إذا سكن بأهله في محل الخوف هل هو رباط الذي اختاره الباجي أو ليس برباط وهو قول مالك، قولان. وقولي لمغراوة هذه القبيلة هي إحدى القبائل الكبار من برابرة المغرب  و كان لهم ملوك ورؤساء و عمال من قبل الإسلام. قال ابن خلدون و كان لمغراوة ملك كبير أدركهم الإسلام عليه و قال في موضع آخر و كان دين البرابرة المجوسية، و في بعض الأحيان يدينون بدين من غلب عليهم من الأمم فقد نقل ابن الكلبي أن حمير أبو القبائل ملك المغرب مائة عام و بنى بها مدينة صقلية، وأن الروم كانت تغزوهم و خربوا قرطاجة و هي التي بين تونس و البحر مما يلي الشمال، ثم جددوا بناءها بعد تخريبها سنة 900 تسعمائة من بنائها و 700 سبعمائة لبناء رومة لأن بناءها الأول كان قبل بناء روماش لرومة إثنين و سبعين سنة (72)، و باسمه سميت رومة و أول من بناها ديدون بن أشياس من نسل عيصوا بن إسحاق عليه السلام و هي قاعدة إفريقية و لم يذهب رسمها إلا في وسط القرن السابع لما أمر بتخريبها المنتصر الحفصي ممدوح حازم صاحب المقصورة ثم إن الروم إختطوا سبيطلة قبلة الكاف و جلولة و مرناق و غيرهما من المدن التي خربها المسلمون، و قد كان البربر لما غلب عليهم ملك الروم و بنوا هذه المدن دانوا بدين النصرانية. و أدوا إليهم الجباية كما يؤديها لهم ملك طرابلس و الأندلس والسكندرية و غيرهم لأن الروم كانوا غلبوا على هؤلاء أجمع و عنهم أخذوا دين النصرانية فولّى الفرنجة أمراء إفريقية و لم يكن للروم بها ولاية و ما يوجد في كتب فتح إفريقية من ذكر الروم فمن باب التغليب و "جرجير" الذي قتله سيدنا عبد الله بن الزبير رضي الله عنه إفرنجي و بعض البربر يدينون بدين اليهودية جلبوه من بني إسرائيل و هم إجراوه أهل جبل أوراس و نفوسة قبدلاوة و مديونة حتى محى إدريس الأكبر جميع أديانهم واستمر استيلاء الإفرنج على البربر إلى أن زحف إلى إفريقية عبد الله بن سعد بن صرح أحد بني عامر بن لؤى في زمان عثمان رضي الله عنه و قد كان أخوه من الرضاعة فولاه مصر ثم أمره بغزو إفريقية سنة (29) تسع و عشرون و قد أتى معه إلى الغزو من الحجاز أربعة ألاف 4000 من الصحابة و أولادهم رضي الله تعالى عنهم فيهم عبد الله و عاصم ولدا عمر بن الخطاب و عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم كما ذكره ابن خلدون و غيرهم و كان جرجير ملكا بين طرابلس و طنجة ودار ملكه سبيطلة فلقي المسلمين في مائة و عشرين ألف و المسلمون في عشرين ألف فكان من هزيمة الصحابة لهم وما نفلهم الله من أموالهم و بناتهم التي اختصت منهن إبنته أمينة بقاتله عبد الله بن الزبير لعهد المسلمين له بذلك بعد الهزيمة و في بعض التواريخ أن جرجير قال من قتل أميرهم إبن سعد فله ابنتي فلما سمعها ابن سعد قال للمسلمين من قتل جرجير فله ابنته فلما قتله ابن الزبير سكت و لم يدع قتله فلما اجتمع السبي قال الأمير: من قتل جرجير فليأخذ ابنته فلم يجبه أحد قالت إن الذي قتل أبي أعرفه فعرضوا عليها العسكر فخرجت على ابن الزبير فقيل له لِمَ لم تتكلم فقال إنما قتله لله لا لإبنته ثم إن الأمير عبد الله بن صرح قسم الغنيمة و بعث الخمس مع ابن الزبير المبشر بالفتح فأخذ برقة بعبيده و حشمه فمات أكثر الإبل ببرقة حتى صارت أمينة تعاقب خادم ابن الزبير على بعير فكان اذا ركبت عقبتها قال لها ذلك الخادم يا ابنت جرجير تمشي عقبتك لتحملن من قبل قربتك ان عليك بالمدينة ربتك فلما فسر لها ذلك أنفت من ان تكون أمة لغيرها فسقطت على راسها من فوق البعير فماتت ببرقة هذا تحقيق امرها بلا منازع ودع عنك ما سواه فهو جعاجع. ثم إن ابن صرح بعد قسم الغنائم شنَّ الغارات في بطائح افريقية، ثم لقيتهم مغراوة ببعضها ووقع بينهم حرب عظيم ثم انهزموا وتقبض المسلمون في تلك الهزيمة على اميرهم وانزمار بن صقلاب جد بني خزر فرفعوه الى عثمان فاسلم على يديه ومن عليه واطلقه في امارته فذلك سبب اسلام مغراوة كلهم ثم ان الفرنج
صالحوا المسلمين على ثلاثمائة قنطار ذهب على ان يرحلوا عنهم ففعلوا ورجعوا للمشرق واشتغلوا بفتنة الجمل وصفين وهذا القول الذي ذكرناه في شان اسلام وانزمار هو الذي خرج عليه "بغية الرواد في أخبار بني الواد" من أن مغراوة موالي عتق لبني امية مع انه ان صح لم يكن الولاء لهم إلا على بني وانزمار وحدهم ولا شك ان وانزمار لما رجع من المدينة النبوية مسلما اسلم قومه تبعا له ومعلوم انه لم يجر عليهم سبي ثم اسلموا بعده وهذا هو المتعين لان شرط صحة الملك السبي بشرط الكفر وهذا امر إتفق عليه الفقهاء و قد بسط الكلام، في ذلك الشيخ أحمد بابا في تأليف مستقل جامع و مانع. هذا، وان ابن خلدون نفسه ذكر في مو ضع آخر ما ارتضاه صاحب بغية الرواد بل هو المعول عليه عنه و يدل له أنه لما ذكر صنهاجة و نسبهم و عَدََّ قبائلهم قال و لصنهاجة ولايَة لعلى بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه كما أن لمغراوة ولاية لعثمان بن عفان الأموى رضي الله عنهم إلا انا لا نعرف سبب هذه الولاية ولا اصلها بلفظة ومن مغراوة بنو خَزْرُوم ملك طرابلس ومن مشاهيرهم سعيد الذي قتله بنوا زغبة بن هلال لما نزلوا هناك آتين من المشرق وسط المائة الخامسة ومنهم بنوا فلفول ومن مشاهيرهم خزرون الذي زحف الى سجلماسة سنة (366) ثلاثمائة ست و ستين فهزم ولد الشاكر و قتله واستولى على بلده و بعث برأسه إلى قرطبة مع كتاب الفتح للسلطان هشام المؤيد الذي أبو داود القارئ من مواليه كذلك أوّل حُجَاِبهِ المنصور بن بي عامر و بقتل ولد الشاكر انقرض ملوك مكانسة من المغرب الى الآن ومنهم بنو خزر أصحاب المغرب الأوسط ومن الذين اختطوا مدينة وهران، كما يأتي من مشاهير هم محمد بن الخير واشرفهم نسبا. من ذلك ان الناصر الاموي ملك قرطبة لما ولي يعلى بن محمد الافريني المغرب الاوسط نزع محمد بن الخير من طاعته إلى طاعة الشيعة ووفد على المعز الى افريقية فوافق تجهيز المعز كاتبه جوهر المعروف بالقائد الرومي الى غزو المغرب سنة(48) ثمان وأربعين فاتى معه وكان عنده بمكانة رفيعة وهو سبب قتل جوهر ليعلى لما لقيه بتاهرت وخرب مدينته التي بناها بايفكان ولما جاز جوهر الى المغرب كان معه وحضر جميع وقائعه ولما شرق جوهر اقره على عمله وكان له مع الشيعة حروب عظام قبل تقليد طاعتهم ثم فسد ما بينه وبين الشيعة و تقلد طاعة بنى أمية و حشد جميع زناتة المغرب الأوسط ماعدا تاهرت لأنها مستمرة في عمل الشيعة إلى انقضاء دولتهم وامدّه المرواني من قرطبة بما اراد من الجند ونهض من وهران يجر الامم بحذافرها فلما سمع بذلك زيري جمع الجموع التي لم تعهد مثلها في الدهر إلا قليلا فلما اجتمعت عليه بدار ملكه أشير عقد عليهم لأبنه بلكين، فالتقى الجمعان بالبطحاء* فدارت بينهم حروب في الدهر لم يكن مثلها يوما[14] ثم آنحلَّ مصاف مغراوة وجموعهم ولما أيقن محمد بن الخير بالهلاك وعلم انه احيط به مَال الى ناحية من عسكره وذبح نفسه وانهزم قومه في سائر يومهم وبقيت عظامهم ماثلة بمصارعهم أعمرا فهلك  من مغراوة بضعة عشر اميرا فاخذ بلكين رؤوسهم وانقلب بها الى ابيه ظافرا ثم بعثها زيري إلى افريقية للمعزّ فامتلأ المعزّ سرورا و غم المنتصر الأموي بقرطبة فعلا، بسبب ذلك، عَلاَ بلكين على سائر عمال المغرب و لما عزم المعز على الرحيل إلى مصر لما بنيت له استدعي جعفر بن علي عامل المسيلة لتولية إفريقية فهرب لظنه انها خديعة فلحق بمغراوة فالقوا بيده زمام امرهم وقام بدعوة الحاكم المرواني فزحف لهم زيري واقتتلوا قتالا شديدا وكان المعز ولاه جميع افريقية فكانت على صنهاجة وركب زيري  فرسه فاحتزوا راسه و بعث به إلى الحاكم المرواني بقرطبة سنة 360 لست و عشرين من ولايته فأخذ مغراوة ثأرهم وشفي غليلهم وتهدم بزيري بنيان قوم

والدنيا يــــــــــــوم بيــــــوم \ والدهـــر قــاضــــــي ما علــــيه لــوم

ثم نهض ابنه بلكين الى الاخد بثأره فكانت له مع مغراوة حروب صعاب و من نظر إليها يشيب لها راس الغراب ووافق ذلك رحلة  المعز إلى مصر، وقلده أمر طاعته كله الى برقة فاتسعت مملكته وعلا صيته ولم يخرج من عمله سوى صقلية فاقر عليها المعز ابا الحسن الكلبي ومدينة طرابلس اقر عليها عبد الله الكتامي وسماه يوسف بدلا من بلكين فانتهت غزاته إلى أقاصي المغرب و ملك فاس وسجلماسة وطرد جميع أولياء الشعية و تقبض على ابن خزر  المغراوي فقتله و فر من بقي من ملوك زناتة مثل يَدّ بن علي اليفريني و بنو عطية و غيرهم ولاذوا بسبتة و بعثوا الصريخ إلى المنصور بن أبي عامر، فخرج من قرطبة إلى الجزيرة الخضراء وأمدهم بعساكر جمة وولى عليهم ابن حمدون و عقد له على حرب بلكين و أمدّه بمائة حمل من المال فاجازوا البحر و ضربوا مصاف القتال بظاهر سبتة و بلكين بعساكره في تطوان فتحيل و أضل على عسكرهم فرأى ما أدهشه و قال هذه أفعى فاغرت إلينا فاها فكرّ راجعا فهدم البصرة** و جاهد في برغواطة فسباهم و بعث بذلك إلى القيروان وأذهب دعوة بني أمية من المغرب كافة ولم تزل تارة مشردون منه بالصحراء إلى أن هلك سنة      (73) ثلاث و سبعين و ثلاثمائة ومن مغراوة بنوا حمدان ملوك البصرة ومنهم بنو
عطية ملوك فاس ومن اشهرهم زيري بن عطية وهو اسدي اختط مدينة وجدة سنة 384 ونقل دخائره من فاس اليها وياتي زيادة كلام عليها ان شاء الله ومن بني عطية الفرطاس الذي زحف الى المنصور بن بلكين فكانت على الفرطاس سنة 99 ومنهم بنو وانود ملوك صفرو و أبادهم يوسف بن تاشفين ومنهم منديل بن عبد الرحمن ملوك مازونة وتنس وعبد الرحمن هذا الذي اختط مازونة سنة 565، وابنه منديل هو الذي زحف اليه ابن غانيه يحي بن قابس وزحف اليه هو من مازونة فكان مصاف القتال بينهما بواجر فكانت على منديل وتقبض عليه يحي بن غانيه وذهب به إلى الجزائر فصلبه على سورها في أول السادس وتولى ملك مازونة ابنه علي وهو الذي وفد على ابي زكرياء الحفصي ومعه أمير توجين العباس بن عطية و سهلا عليه أمر تلمسان فغزاها وفر منها يغمراسن ثم استعمله عليها سنة 639  ولما نزل شلف آتيا إلى تونس أمر كلاّ من ابن علي والعباس ان يأخذا زي  الملوك من بنود وطبول، ونجائب وغير ذلك ففعلا بما امرهما مضاهاة ليغموراسن وشجا في صدره وكذا منصور المليكشي على صفة زي يغموراسن وسلطانه ولما ولي بعد مهلك يغموراسن ابنه السعيد بن عثمان فجهز العساكر مع اخيه ابا عامر فاستلحم توجين ومغراوة وعفا رسمهم واندثر امرهم فصاروا من القبائل الغارسين إلى الآن، وانقطع الملك منهما معا والبقاء لله الواحد القهار. كما أن مغراوة وإخوتهم ملوك فاس قطع ملكهم يوسف بن تاشفين كما ياتي وما ذكرت من ان عثمان قطع ملك بني منديل وهو الذي في الحافظ التنسي في كتاب الدر والعقيان في ملوك  بني زيان "مع اني رأيت في غيره، ذكر راشد بن محمد بن ثابت بن منديل ملك مغراوة في نحو سبع من القرن الثامن والله اعلم. ومن مغراوة قبيلة سنجاس وقبيلة حذو بجاية ومنهم ريغة في الزاب ومن مغراوة بنو قوط بين الزاب وجبل راشد ولهم قصر مشهور لهم ومنهم بنو "أوراء" بإزاء قسنطينة و منهم بضواحي مراكش و السرسو و في نواحي طرابلس و منهم بنو يرنان بإزاء ملوية و من بطون يرنان بنو و طاط بالجبل المطل على ملوية من القبلة و بنوا عبو أهل كرطوط والله اعلم ومنهم بنو خلوف في أسفل شلف و منهم قبيلة مشهورة بمغراوة بإزاء بني زروال من أوليائهم و علمائهم عالم وهران وصالحها سيدي محمد الهواري كما ياتي ومنهم ولي الله سيدي الاكحل المشهور بمدح النبي صلى الله عليه وسلم كشهرة ابن عروص بتونس و منهم أبو عبد الله المغوفل كان أحد أعجوبات الدهر في علمه وكراماته، يشهد لعلمه قصيدة مدح بها رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها سبعون بيتا و ليس حرف مما يستحق النقط بل كلها عواطل من النقط و كفى به حجة وكان دقيس الـمضرب من نسل بني مخزوم يخدمه و خرج من نسله علماء وأولياء     
نفعنا الله بهم، يعسر عدهم  و من مشاهير أولياء الله سيدي محمد بن يحي المشهور مقرئ الجن و تلميذ الشيخ السنوسي وله تأليف في التوحيد و غيره و ضريحه بواد فروحة لكن رأيت تأليفا منسوبا للولي الصالح سيدي أبي زيد التوجاني ذكر فيه أن الشيخ محمد بن يحي المذكور شريف و سلمه شارحه الجوزي وَوَصَلاَ نسبه بأمير المؤمنين على ابن أبي طالب كرم الله وجهه و رضي عنه وزوجه فاطمة رضي الله عنها بنت الرسول صلى الله عليه وسلم سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنهم و الله أعلم. و منهم الولي الصالح سيدي محمد المغراوي توفي بالقلعة أوساط القرن الثاني عشر وابنه ابو القاسم وله شهرة بتلمسان و غير ما ذكر مما لا يحصى كالشيخ الطاهر بن سيدي محمد المذكور وله باع في القراءات وأحكامه وله منظومات كثيرة على رسم القراءات العظيم أخذ القراءة و تعلمها عن الشيخ أبن زقاق العبد الوادي المستوطن في قرية الدبة أحد أعمال القلعة و فيما ذكرت كفاية و السلام.

وقولي حَلوه سابقة إلى أخره نزوله قديما كما يأتي و قولي على يد الأموي إلخ هو عبد الرحمن بن الحكم بن هاشم، الخليفة بدمشق الشام و الرصافة بالجزيرة و هو أول من أحدث الأذان جماعة، ابن عبد الملك بن مروان بن أمية بن الحكم بن العاصى بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف كان عبد الرحمن هرب من بوصيرة من أعمال مصر لما قتل بها مروان بن مروان بن محمد آخر ملوكهم بالمشرق سنة 132 و أعجز عبد الله بن علي عم السفاح أول ملوك بني العباس، و بعث في طلبه عامر المُدْهَجي فلم يقف له على أثر و توجه للمغرب فلحق بمقيلة بإزاء مازونة فقطعوه من بعض مراسي أرضهم على الأندلس، فسلم إليه الأمر عمّا لهم به كعبد العزيز بن موسى بن نصير و مغيث و غيرهم واستقام أمره   و علا صيته و كان موصوفا بالعقل و الفضل و العلم و العدل و كذا بنوه فإن حالهم أشبه بحاله و ساسوا الرعية على منواله ولما سمع الإمام مالك رضي الله عنه بعدلهم كثر مدحه لهم بمجالس عمله بالمدينة المنورة فكانت أحد الأسباب في أخذهم بمذهبه بالأندلس و حملوا إيالتهم عليه و إلا فأسلافهم القائمين بالشام على مذهب الأوزاعي الشامي و كان ملكهم يمتد إلى عدوتنا و تارة يقتصر على الأندلس و كان ممن أمتد له الملك بهذه العدوة عبد الرحمن الذي أسست على يده وهران و هو أول من ضرب الدراهم بالمغرب قال الشيخ إبراهيم في شرحه على مختصر الشيخ خليل في مبحث الصرف عند قول المصنف "وسلعة بدينار إلاّدرهمين". فائدة: أول من ضرب الدينار و الدراهم آدم عليه السلام وأول من ضرب الدراهم في الإسلام عبد الملك بن مروان و نقش إسمه عليها و هو أول من عمل الموازين و أول من ضرب الدراهم في المغرب عبد الرحمن بن الحكم
القائم بالأندلس في القرن الثالث وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم المشرق وأول من ضرب الدراهم الزيوف* عبيد الله بن زياد قاتل الحسين رضي الله عنه انتهى. وامتد ملك بني امية بالاندلس من مبدءه الى سنة ثلاثين وأربعمائة زاحمهم بنو حمود الادارسة في احدى عشر سنة مما ذكر على والمأمون ويحي من سنة أربع من الخامس إلى السنة الرابعة عشر منه وهم بنو حمود، بن ميمون بن احمد بن علي بن عبيد الله بن ادريس رضي اللله عنهم.

ثالـــــــث قــرن خـزر منهم قد أسسه \ وملكهم في غاية العزو الشمـــــــــس

سنة تسعين أو إحدى و تسعين و خزر هذا كان عاملا بالمغرب الاوسط لبني أمية. فمدّن مغراوة وهران وتبحرت في العمران وعدت من امصار المغرب لا تدافع ومن احسن معاقله بلا منازع قصدها العلماء والتجار وارباب البضائع وكان مقصدا للعفات والوجوه والعساكر والجيوش ودخلها ابن خميس احد العلماء الكبار والفقهاء الأخيار، في آو اخر القرن الرابع فوقعت منه كل موقع بعدما دخل الجزائر اذ ذاك قريبة العهد بالبناء كما ياتي فقال: اعجبني بالمغرب مدينتين بثغرين وهران خزر وجزائر بلكين ومن علمائها ومحدثيها أبو القاسم الوهراني احد شيوخ ابي عمر بن عبد البر النَمْرِي القرطبي ومنهم ابو عبد الله محمد الوهراني الملقب ركن الدين كان دخل مصر في حدود 570 واشتهر فيها بالعلم والادب وحسن الفهم فكان قد حصل من العلوم لبابها وكشف عن الحقائق حجابها ومنهم ابو تميم الوهراني الواعظ نفعنا الله بهم

وقولي وملكهم الخ ...يقال فرس شماس أي قاسي الراس لا ينقاد لأحد. قال عمر بن معدي كرب الزبير لما علاه عمر بن الخطاب بالدرة:

اتفز عني كأنك ذُورَعِيـــنٍ  \ بأنْعَمِ عيشة  أَوْذُو نَـــــــوَاس

فكم كان قبلك من عظيــــــم \ في ملك ظاهر الجبروت قاس

تحولت دنياه عنه فبانــت \ وصار لذله بعد الشمــــــــاس

أي صار طائعا مذلولا بعد ما كان شماسا لا يطيع احدا و لا يؤجله نمر ولا أسد. روي أن عمر لما سمع هذا من عمر استحي ورمي له بالدرة فقال اضربني كما ضربتك فعفي عنه.

سنة ست من أربع أزاحَهُمْ  \ عن ذلك الثغر ازداجة مع عجس.

و هاتان القبيلتان من بطون البرانس قوم كسيلة المتقدم ذكره يعدونهما من بطون زناتة مواطنهما بالمغرب الأوسط بناحية وهران و كان لهما اعتزاز وآثار في الحروب ومن رجالهما شجرة بن عبد الكريم و أبو ديلم بن الخطاب و لبني أبي دليم ذكر بالأندلس و من بطونهما بني مسقن منازلهم ملاصقة لوهران و تغلبوا عليها بمعونة جميع حيهم فملكوها سبع سنين من يد محمد خزر ثم بعد سبع سنين من ملكهم لها أخذها محمد من أيديهم بعد حروب وولي عليها ابنه الخير واستمرت بيده إلى أن استولى أبو عبد الله الشيعي على إفريقية سنة 296 فجهز عروبة بن يوسف الكتامي لحرب أهل المغرب فأناخ على تاهرت و ملوكها يومئذ بنو عبد الرحمن بن رستم من الخوارج الإباضية فدارت بينه و بينهم حروب طوال غلبهم في آخرها وانقرض أمرهم بها و لما اراد الرحيل عنها عقد عليها لأبي حمير دواس بن صولات الهيمي سنة 98 فاتصلت حروبه مع لماية شيعة بنى رستم ملوك تاهرت و كانت في هذه الحرب – لماية متوطين السرسو – يبلغ عدد خيولهم ثلاثين ألف 30.000 أو تزيد على ذلك فأثخن فيهم دواس و فرقهم فبعضهم انتقل إلى جبل مصاب و بعضهم إلى جبل راشد إلى غير ذلك. ثم حارب لواتة و مطماطة و كان من غلبه من الخوارج ينقله إلى الرافضية أو على رأي الشيعي المذكور ثم حارب عجيسة وأزداجة وأثخن فيهم وأخذ وهران من الخير بن محمد بن خزر و ولى عليها محمد بن عون فعمت الرافضة المغرب الأوسط ثم كان الناصر الأموي ولي يعلى الإفريني المغرب الأوسط و عقد له حرب الأرفاض فزحف إلى وهران فحاصر بها محمد بن عون وأزداجة لأنهم صاروا مع محمد يدا واحدة وعنه أخذوا الرافضية وطالت الحروب بينهم حتى تغلب عليهم و فرق جمعهم سنة 343 ثلاثمائة وأربعين و ثلاث وافتتح وهران عنوة أضرمها نارا فلحق أزداجة بالأندلس وأكثر عجيسة و بقيت وهران خرابا ثم بناها يعلي وانتقل إليها بأهله و حشمه وولده من أفكان ثم أن الخير بن محمد لما رأى وهران اتخذها بني يفري،  دار ملكهم و بثوا فيها الدعوة المروانية نزع إلى الشيعة وأدى لهم الطاعة ووفد على المعز بإفريقية وأتى معه جوهر فكان ما أمر من قتل جوهر ليعلي و عقد لمحمد وهران دار ملكه إلى آخر ما مرّ. ثم أن عجيسة هؤلاء وإخوتهم إزداجة زَحَفُوا عَلَى قلعة أنكور، دار ملك بني صالح سنة ستة من القرن الخامس  و خربوها و ملكوا هناك إلى أن قطع ملكهم يوسف بن تاشفين و من عجيسة الشيخ عبد الوهاب تلميذ ابن الغازي و هو الذي شرح بيت ابن الغازي و بينها وهو قوله:

صلحان عتقان و بضعان معا \  عمري لاَرَشَي عوض به أرجعا.

و قد علمت مما مرّ ان عجيسة هل هم بطون البرانس أولاد برّ أحد بطون أزناتة أولاد جانا و الذي رأيته للشيخ أبي المهدي عيسى بن موسى التجيني لما ذكر قصيدة الشيخ عبد الوهاب هذا في عدد البدريين المذكورين في صحيح البخاري عند قوله و المقداد ذو نجد قال أبو المهدي المذكور أي ذو نسب أي أن الشيخ عبد الوهاب من نسل سيدنا المقداد بن الأسود الصحابي رضي الله عنه فعلى هذا يكون من العرب والله اعلم وعجيسة بجيم مخففة قال ابن خلدون "وقوله ولم يزل محمد بن خزر متغلبا على اعمال المغرب الاوسط مقاسما فيها ليعلى الافريني الى ان اشتغل الخير وابوه بفتنة صنهاجة فتغلب يعلى على وهران الخ هذا إنما يظهر في حرب محمد بن خزر الشيعة أولا و أما حربه معهم في أخرى لما زحف إليهم ولَقِيَهُ بلكين بن زيري و آنحل مصاف مغراوة وذبح محمد نفسه إنما كانت بعد موت يعلى بسنين. نعم لما مات قام مقامه ابنه يدًا إلا انه لم يملك وهران والحاصل أن في ابن خلدون تخليط وتناقض و الصواب ما ذكرته لك لأنه زبدة ما نظرنا من الاخبار في ذلك. يَدُّ بن يعلى كان من الدهاة العظام كانه قيس بن زهير أو وزير مصر ضرغام ومن كلامه لما بعث له المنصور بن ابي عامر ليأتيه حمير الوحش فقال له "حمير الوحش لا تنقاد إلى البيطار فذهب مثلا.

حــتى ازالـــــهم عنه يوسف وعلي \ كما ازالـــــهم قبل عـن أراضي فاس

الضمير في ازالهم يعود الى ازداجة وعجيسة لانه أي الثغر لم يدم لهم إلى أيام يوسف بل أرجع ملكه مغراوة كما مر واستمر لمحمد بن الخير ثم لأخيه الفتح و لعقبهم إلى أن ظهرت دولة لمتونة و قهر ملكهم يوسف بن تاشفين وجميع ملوك المغرب من الجزائر إلى البحر المحيط وأخذ ملكهم و سلبه منهم فكان من جملة ذلك ملك مغراوة و المراد بيعلى وابنه القائم بالملك بعده و لـمتونة هؤلاء احد بطون صنهاجة ويقال لهم الملثمون أيضا اختلف في نسبهم ونسب كتامة فقيل من نسل برنس وقيل من اولاد زيغ اخوه هوار لامه وهي تضلي أوتضكي ولا يعرف لها أب وهذا قول ابن حزم في جمهرته وقيل من المكاسك بطن من كنزة او كندة وقال ابن الكلبي همامن اليمن غزاهم فرقيش بن صيفي الذي سميت به افريقية فلما قفل تركهما بها وهو الذي سمي البربر بها لانه لم يفهم اصواتهم قال ما اكثر بربرتكم لان البربر في اللغة الاصوات الغير مفهومة ومن ذلك بربر الاسد وقال هانئ بن بكار الضريسي وسابق بن سليمان المطماطي وكهلان بن لوي وايوب بن زيد من نسابة البربر ان البربر فريقان البرانس والبتر فالبتر من ولد قيس بن عَيْلاَن و البرانس بنو بر من نسل دام من مازيغ بن كنعان بن حام قال الطبري خرج برّبن قيس فارا من اخيه عمر الى البربر فتزوج فيهم وانشد عالم البربر عبيدة بن قيس العقيلي

فاقســـم انا والبـربر اخـــــوة \ تمـامـا وهم جــد كـريم المناصـــــب

وقال البكري أن لمضر ولدان الياس وعيلان وأمهما الرباب بنت حيد بن عمر بن معد بن عدنان، من ولد عيلان قيس وَولد قيس بَرَّ فتزوج بنت عمه "البها" بنت دهمان فحسده اخوته فذهبت به امه الى البربر لانهم كانوا بالشام يجاورون العرب فولدت له مادغس ومادغس يلقب بالابتر وهو ابو البتر من البربر وجميع زناتة من ولده ولابن عبد البر إن البربر من ولد قبط بن حام قال ابن خلدون والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره انهم من لد كنعان بن نوح وان جدهم يازيغ واخوته كريكس وفلسطين وان ملكهم جالوت و جالوت ليس من البربر وانما هو من اخوتهم فلسطين فلا يعقبن في وهمك غير هذا. وان صنهاجة وكتامة من اليمن من بنى حمير وأول من اخرج البربر من الشام داوود عليه السلام أوحى الله إليه: ياداوود أخرج البربر من الشام لأنهم جُذَام الأرض رواه ابن الكلبي و منازلهم من الإسكندرية إلى البحر المحيط وجرت لهم الحروب مع الافرنج ثم اصطلحوا على ان السواحل للإفرنج و لهم الضواحي و الجبال حتى جاء الإسلام و كان منهم من تهود و منهم من تنصر ومن تمجس ومنهم من يعبد الشمس، و منهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد الاصنام، وأكثرهم صنهاجة إلى الآن لا يكاد قطر من أقطار المغرب يخلو من بطن من بطونهم حتى قيل انهم ثلث البربر من ولد صنهاجة بن شرين بن بر ونقل ابن النحوي مؤرخ دولتهم انهم من ولد صنهاج بن المثنى بن المنصور بن يحصب بن مالك بن عامر بن حمير الاصغر بن سبا تنتهي بطونهم إلى سبعين بطنا و ذكر الطبري أن بلدهم مسيرة ستة أشهر و منهم بلكانة مواطنهم بين المغرب الأوسط و إفريقية وهم أهل مدن و منهم ثابت بن وزريدن عقب على إفريقية أيام السفاح و الملك في ثلاثة فرق منهم الأولى بلكانة ملوك إفريقيا و الأندلس أيام الطوائف ومنهم مناد مقيم دعوة بني العباس وابنه زيري الذي مَرَّ ذكره. ولما ملك الشيعة إفريقية تحيز إليهم للولاية العباسية التي لعلى رضي الله عنه وأرضه، من المسيلة إلى حمزة فلذا اختط مدينة أشير بسفح جبل تيطري و حصنها بأمر المنصور العبيدي واتسعت خطتها ورحل إليها العلماء و هي الآن خراب في طرف أرض بني مقران مما يلي المغرب واختط ابنه بلكين بأمره الجزائر في أواسط القرن الرابع وكانت قبل فيها
خصاص* يسكنها بنو مزغنة وما في الجامع من أن الجزائر بناها ملوك الأتراك قصور. وكذا اختط بلكين ابنه أيضا مليانة في خمس وخميس من الرابع بإذن أبيه أيضا و المدية في ذلك التاريخ و هذه المدن التي بنتها ملوك صنهاجة من أعظم مدن المغرب الأوسط لهذا العهد. مات زيري سنة 360 وابنه بلكين الذي بنى هذه المدن مات سنة 73 كما مرّ ثم قام بأمره ابنه باديس بن بلكين ومر سبب موته ثم قام بالأمر المعز بن باديس بويع ابن ثمان سنين وضخم ملكه و عظم أمره وما يشهد لضخامته أن عامل باغاية أدى له مائة حمل من المال وان بعض تراتيب أهل بيته من العود الهندي بمسامير من الذهب وأن باديس أعطى فَلْفُولاً المغراوي لما انقطع إليه ثلاثين حملا وثمانين تختا من الثياب و عُشْرَ ساحل صفاقس ثمانون ألف قفيز وكان سنيا ولذا بعث له المنصور العرب و جرت الوقعة المشهورة بينهم بظاهر القيروان. فكان هو أحد أسباب دخول العرب القيروان ولما قدم ابن عمه زاوي من الأندلس، و كان ملك غرناطة واستخلف على ملكه ابن أخيه حابوس سنة عشرين وأربعمائة سلم له من دار الملك بالقيروان 1000 امرأة كلها لا تحل له وهو، أمر غريب ثم ملك بعده ابنه تميم وهو الذي مدحه ابو علي بن رشيق بقوله:

 أصــح وأَعــْلاَمَا سَمْــعْــنَا في الـندا \ مـن الــخبر المنـشور منـذ قديم

 أحاديث ترويها السيول عن الجبال \ عن البحر عن كف الأمير تميم

وتوفي سنة 501 وقبره في قصر السيدة بالمسيس ومدة ملكه سبعة و أربعين سنة    (47) سنة وخلف اكثر من مائة ابن و ستين بنتا وفي ايامه ملك نصارى جنوة المهدية سنة 80 فبذل لهم تميم 100.000 ألف دينار فخرجوا منها ثم ولى ابنه يحي واستمرت دولتهم الى ان انقضت بآخر هم الحسن بن علي بن يحي بن تميم بن المعز في حدود سنة 66 من القرن  السادس ولما ضعف أمرهم ارتحل بأهله يريد مراكش بإذن يوسف بن عبد المؤمن فمات بتامسنة في طريقه والله وارث الارض ومن عليها. الفرقة الثانية من صناهجة لمتونة وهم الملثمون ومساكنهم بين البرابرة   و السودان قوتهم الألبان و الأنعام و نحوها و تميزوا باللثام من بين الأمم و هم بطون و مساكنهم ما بين البحر المحيط بالمغرب الى قبلة برقة وهم الذين يقال لهم التوارق واهل غانة من السودان "سرق" وكان دينهم المجوسية ثم اسلموا بعد فتح الاندلس وكان يتلوتان من ملوكهم يركب في مائة ألف نجيب ويؤدي له الجزية عشرون ملكا من السودان مات سنة 222 ومر لنا سبب تسميتهم بالمرابطين ومن اشهر ملوكهم يوسف بن تاشفين فـاول حـربهـم مـع مسعود بن واندود ملك سجلماسـة فقتلوه ونهبوا عسكره وأخـذوا الـبــلاد عــنــوة وقــتـلــوا مـا بـهـا مـن مغـراوة واسـقـطـوا المغارم والمكوس ونشروا العدل الذي لم يكن بعده مثله آخر الدهر وكانوا يشاورون العلامة وايجابي اللمطي تلميذ أبي عمران الفاسي ويقفون عند امره ونهيه وكان من اعيان الاولياء. هلك يحي بن عمرو سنة 247 وقدم اخوه ابو بكر ففتح سوس، وماسة وترودانت  واغمات وهرب اميرها لقوط المغراوي ثم استباحوا تادلا وقتلوا بني يفرن ملوكها وقتلوا برغواطة أهل تامسنا وكانوا اشد كفرا وفي حروبهم استشهد شيخهم عبد الله بن ياسين تلميذ  وَايجابي سنة خمسين فاستأصلوا برغواطة واخذوا عقيلتهم* زينب ثم ارتحل ابو بكر الى الصحراء واستعمل ابن عمه يوسف بن تاشفين فدعا لبني العباس، وقد نزل له عن زينب لما كرهت ارض الصحراء وجاهد ابو بكر في السودان حتى استولى على تسعين مرحلة من بلدهم ثم ان يوسف بن تاشفين دوخ  أرض المغرب وقطع ملك بني عطية من فاس بعد ماقتل منهم ثلاثة آلاف (3000) أو أزيد وقطع ملك بني  الخير من وهران وقطع ملك بني واندوس في صفرو وكلهم مغراوة ثم اختط يوسف بن تاشفين مدينة مراكش سنة أربع و خمسين واربعمائة ونزلها بالخيام وزاد سورا على مسجد الصلاة و قصبة صغيرة لاحتراز أمواله و كمل تشييدها على يد ولده وهو الذي حمل أهل فاس على استكثار المساجد وكان قبله مساجدها في غاية القلة وامتد ملكه إلى الجزائر و بسط العدل أتم بسط و غزا الأندلس فأوقع بالكفرة في الزلاقة الوقعة المشهورة التي زينت لها بغداد و الحرمين و غيرهما من مدن الشرق و شاع خبرها إلى "مرة" [15] قاعدة من مدن الهند و بعث له الناصر العباسي خرقا كثيرا يقصر عنها الوصف وقطع ثوار الأندلس مثل ابن عباد  و غيره و مات رحمه الله و نفعنا ببركاته على رأس المائة الخامسة و كان قتل من كفرة برغواطة سبعة ألاف و ثلاثمائة 7300 عند صخرة معلومة هناك رحمه الله و في الجنة مأواه ثم ولى ابنه "علي" فكان خير ملك ودولته عزة الإسلام كان فقيها عالما فاضلا و في أربعة عشر من ولايته ظهر أمر المهدي و في ثماني و عشرين منها كمل بناء مراكش وأمر بحرق كتاب الأحياء أغراه عليه أبو القاسم بن حمدين و يقال أن ابن رشد و القاضي عياض وافقاه ولذا قتل الموحدون القاضي عياض بالحمام بدسيسة، و مات عَلِىٌّ سنة سبع و ثلاثين بعد ما جاهد في الله حق جهاده بالأندلس و قام بأمره و لده تاشفين وأخذ بطاعة أهل العدوتين، كأبيه وجدّه واتصلت حروبه من أول أمره مع عبد المؤمن بن علي إلى أن فرّ إلى وهران في مواحدة ابن ميمون قائد أساطيله بالبحر و حاصره الموحدون فلما علم أنه لا طاقة له ودع أصحابه و خرج ليلا على فرس عتيق أقحمه في الأوعار في طريقه فتردى به في بعض الأخاديد فوجدوه ميتا صبيحة تلك الليلة أي عيد الفطر سنة إحدى و أربعين فصلب على جذع واستأصل القتل على أصحابه رحمهم الله و قد هرب بعضهم للنهر المنحدر من رأس العين فأضرم النار الموحدون في الوادي و كان مشعبا فمن بقي احترق ومن خرج قتل و لما بلغ مراكش الخبر بايعوا ابنه إبراهيم ثم خلع وبويع عمه إسحاق بن علي ثم وصل الموحدون إليها فخرج إليهم في خاصته فقتلهم الموحدون في مجلس عبد المؤمن فانقرض أمر بني تاشفين إلى الآن ولكل  بداية نهاية. فاستولى الموحدون على المغرب أجمع ثم جاز عبد المؤمن إلى الأندلس سنة إحدى و خمسين وقتل كافة أمراء لمتونة وهرب جلهم إلى ميورقة شرقي الأندلس. الفرقة الثالثة من صنهاجة اولاد غانية بنت عم يوسف بن تاشفين وأبوهم من مَسُوفة مسوفي من بطون صنهاجة يقال له علي بن يحي من الشجعان و له من غانية محمد و عيسى فولى على بن يحي الأندلس، و محمد شرقه كميورقة و يابسة و غيرها. أما يحي أخذ منه ملكه و هلك وأما محمد فاستمر في ولايته الى ان هلك ثم خلفه ابنه عبد الله وتوارثوا الملك بشرقي الاندلس الى ان انتقل علي بن محمد بن علي الى بجاية ومعه اخوته يحي وعبد الله و الغازي وملوكها من يدي ابي الربيع بن عبد المؤمن سنة 581 فزحف اليه الموحدون فكان مصاف القتال بمتيجة فنهبهم علي بن غانية وهزمهم أقبح هزيمة وفتح الجزائر ومازونة ومليانة وعظم ملكه فسرح اليه يعقوب المنصور العساكر فقتلوا عماله بالمدن المذكورة و هو يومئذ محاصر قسنطينة فهرب إلى طرابلس واستنصر بقراقش الغزّي ولحق به جل قومه من لمتونة ومسوفة ففتح ارض الجريد واقام بها دعوة بني العباس كما كان يوسف وبعث ولده الى بغداد فجدد له الخليفة العهد وطلب منه الإعانة فكتب الخليفة إلى صلاح الدين يوسف بن أيوب أن يمّده فكتب له صلاح الدين إلى قراقش فاتصلت ايديهما ففتحا الجريد وفي خلال ذلك مات علي ثم قام بالامر اخوه يحي فاكثر تدويخه لبلاد افريقية الموحدين مرة بعد أخرى والتقى هو و أبو محمد عبد الواحد بِصَبْرُو وافتخار بحروب شديدة وصبر الفريقان طول النهار ثم انقض جند ابن غانيه آخر النهار و أَفْلَتَ هو جريحا الى قابس ورجع ابو محمد ظافرا وأرسل للناصر بن يعقوب المنصور بالفتح لان ابا محمد عامل له على افريقية، وهو ابو الملوك الحفصيين فبعث له الناصر مائتى الف  دينار و ثمانمائة (800)كسوة  و ثلاثمائة 300 سيف و مائة فرس غير ما أنفد له من سبتة وبجاية ووعده بالزيادة ثم أن إبن غانية غزا تلمسان فقارن ذلك وصول أبي عمران بن يوسف بن عبد المؤمن إلى تاهرت وهو والي تلمسان فأصَابَهُ ابن غانية بها وهزم جنده وقتله و استباح تاهرت فكان
اخر العهد بعمرانها الى الآن. وامتلأت يده بالسبي فاعترضه ابو محمد فاستنقد الأسارى من يده و لحق بطرابلس ثم عزم على معاودة الحرب وبايعه أولياؤه و الذواودة على الموت وحشد جميع قبائل طرابلس واجمعوا على افريقية فزحف اليهم ابو محمد وذلك سنة ست من قرن السابع فتزاحفا عند جبل نفوسة واشتدت الحرب فاختلت مصاف القتال ومات شيخ الذواودة مسعود البلط وابن عمه حركات وشيخ بني قرّة والغازي أمير مغراوة وغنم الوحدون من عسكره ثمانية عشر ألف 18000 من الظهر ثم إن إبن غانية زحف إلى الموحدين بعد ذلك و زحفوا إليه فكان مصاف القتال بودان فهزمهم واستولى على قابس والزاب وأطاعه أهل بسكرة ثم توجهت اليه حشود الموحدين فدخل الرمل فأعجزهم ثم إن ابن غانية غزا المغرب فأوقع بمغراوة بواجر كما مر ثم زحف الى ابن غانية إلى افريقية ومعه هوارة بظعائنهم وأبلى شيخهم بُعْرَة بن جناس بلاءا حسنا فانهزم الملثمون وابن غانية ثم زحف مرة اخرى الى تونس فملكها وعظم ملكه حتى هزم بعد حرب شديد وغزا سجلماسة و سبى وغنم ثم لما ولي ابو زكرياء صرف وجه الحرب اليه فشرده الى ورقلة واختط بها مسجده المعلوم ولما نزلها في إتباعه ولم يزل ابن غانية يدوخ الموحدين ورعايهم مرة بعد الاخرى وياخد بثار بني تاشفين إلى أن هلك لخمسين سنة من إمارته سنة 633 بشلف تحت مليانة فانقرض أمر لمتونة وباد ملكهم الى الان والبقاء لله وبقي قبائل كل صنهاجة بعد هلاك يحي من القبائل الغارمة وقال الشاعر

سأطلب حقّي بالقنـا ومشائخـي \ كأنـهم مـن الطـول مالـثموا مرد

ثِقَالٌ اذا لقــــوا خفافا إذا دعوا \  كثـيرا إذا شـذّوا قليل إذا عدوا

بطعن كأن الطعن لا طعن عندهم \ وضرب كأن النار من حره برد

وهم الذين قال فيهم ابن رشد هم حماة الدين. وقدولاه على بن يوسف قضاء قرطبة سنة 9 إلى سنة 12 من اوائل السادس ثم عزله وولي ابن حمدين فاستفرغ لتاليف التحصيل والبيان شارح العتيبة وخلف يحي بن غانيه ثلاث بنات بنى لهن أبو زكرياء قصرا بتونس يعرف الآن بقصر البنات أقامت تحت جرايته معظمات لوصية أبيهن بذلك لهن و حفظهن وقد يقال أن ابن عم لهنّ خطب احداهن فبعث اليها أبو زكريا وقال هذا ابن عمك و هو أحق بك فقالت لو كان ابن عمنا ما كفلنا الاجانب الى ان كن عوانس قال ابن خلدون اخبرني والدي انه أدرك واحدة منهن ايام صباه تناهز تسعين سنة فقال كانت اشرف النساء نفسا وخلقا وأزكاهن أخلاقا وأما باقي صنهاجة مثل زواوة وغيرهم لا ملك لهم اصالة وأعزهم جانبا بالمغرب اهل الجبل المطل على تادلا وبزواوة أهل الجبل المطل على دلس وفيما ذكرنا كفاية والله الموفق للصواب

موحدون اتوا من بعــــد ذاوَ عَــلُوا \ استحوذوا علــــيها فــي وســـــط الســادس

وجه تسميتهم موحدون ان شيخهم المهدي بن تومرت لما ذهب الى المشرق اول عام من المائة السادسة لقي الغزالي وأخذ عنه طريق الاشعري في التوحيد واهل المغرب اذ ذاك على مذهب الحنابلة، لمتونة وغيرهم، فلما سمع به عبد المؤمن في بجاية وهو يقرأ في تلمسان وطار ذكره اهتمت الطلبة بلقائه فاول من سبق إليه عبد المؤمن فألقاه بحرا في العلوم ولا سيما التوحيد والف فيه كتابا سماه بالمرشدة لم يكن مثله فأخذ أصحابه عنه طريق الاشعري فسموا أنفسهم موحدين تَعْرِيضًا بلمتونة وغيرهم وكان عبد المؤمن قبله يقرا على ابن الخطيب الصلاة والشيخ عبد سلام الويسي ضجيع الشيخ أبي مدين رحمهما الله تعالى. وكان أبو حامد شيخه أتى مغربا لزيارة يوسف بن تاشفين فلما وصل الإسكندرية سمع به مات فرجع و ذلك قبل توجه المهدى للمشرق ثم لما سمع بكتاب الأحياء احترق بالأندلس بمشورة الأمير علي وكان وافق ذلك قدوم المهدي عليه وحقق له الخبر مد يديه في محافل نحو أربعمائة 400 من الطلبة يدعو على أهل الأندلس فنطق المهدي فقال ايها الشيخ يكن وبالهم على يديّ فقال الشيخ "على يدك إن شاء الله"، فمن ثم حدثته نفسه بالخلافة و هو من هرغة أحد بطون المصامدة ولما رجع من المشرق و اظهر أمره بالملك سنة 514 واحس به علي وقيل هذا صاحب الدرهم المربع الذي ينتظر ملكه بالمغرب.   

فأراد أن يقبض عليه، فهرب إلى أغمات ثم إلى أهله فمنعوه منه ورجعوا إلى عليّ بمراكش فأوقع بهم  وكاد أن يستأصل جنده.  ثم أن بقية العسكر لما رجعوا له قالوا: أين ما وعدتنا." قال: لا يطلع الفجر الصادق حتى يسبقه الكاذب" وبقي على حاله من دعوى الملك إلى أن مات سنة 524 وكان استخلف عبد المؤمن فكان من خبره ما هو مشهور.

وعبد المؤمن هذا كومي من بني عابر[16]جبلهم  وسط جبال أطرارة مطل على أهناي أو أحناي وبعضهم يقول إنه من عبس أحد قبائل قيس بالحجاز  والظاهر الأول. وكان من العلماء الجهابدة والفقهاء الأكابر وكذلك أولاده وكان العدو قد ملك اسفاقس وسوسة وطرابلس فغزاهم عبد المؤمن حتى خلصها من العدو وأكثر من غزو الأندلس فدوخ الكفرة وقطع منهم أعمال لمتونة وفي سنة 542 أناخ على سبتة ففزعوا
إلى القاضي عياض فأجاز البحر إلى يحي بن غانية جد يحي المار في الفرقة الثالثة من صنهاجة. فلقيه بالخضراء وطلب منه واليا على سبتة فبعث معه يحي الصحراوي فكان الحرب بينهم ستة أشهر إلى أن دخلوا في الطاعة، واستعظم منصب القاضي عياض فعفا عنه إلا أنه نقله إلى بادية سالا فبقي فيهم قاضيا إلى أن مات سنة 544 وحمل إلى مراكش فدفن فيها وقبره مشهور. وقد قيل إنه دَسَّ عليه من قتله بالحمّام لأنهم اتهموه بأنه أفتى بجواز إحراق "الإحياء" وقد كان رضي الله عنه يتفرغ للعبادة، يوم السبت أخذا بالحديث:

      "يا موسى تفرغ لي يوم السبت"

فكان أعداؤه الموحدون شنعوا عليه بذلك أيضا.

ثم أن ابن غانية، لما تحقق تغلب الموحدين، هرب إلى ميروقة بشرق الأندلس عند أخيه محمد وحاصرت جيوش عبد المؤمن اشبيلية واشتد القتال إلى أن فتحت عنوة وأتى القتل على عبد الله بن أبي بكر العربي من غير قصد.

ثم لَمَّا قدم إلى مراكش، وجدهم يتقدمهم القاضي أبو بكر فغزاه عبد المؤمن في ابنه وانصرف هو وأصحابه بالجوايز والإكرام وهلك القاضي في طريقه راجعا. ودفن بمقبرة فاس سنة 542 رحمه الله.

وفي سنة 546 غزا إفريقيا ودخل الجزائر على حين غفلة وهزم أهلها صنهاجة وبني مزغنة ودخل بجاية من الغد صباحا ثم سرح ابنه محمد إلى القلعة التي تعرف الآن بقلعة بني حماد قبلة مجانة وبها يومئذ جوشن ابن عبد العزيز، ففتحها وحرقها وقتل جوشن وثمانية عشرة ألفا من جنوده.

وأول من اختط هذه القلعة حماد بن بلكين بن زيري؛ أحد ملوك صنهاجة لما استقل بالإمارة وخرج عن طاعة ابن أخيه باديس المتقدم سنة 398 ونقل إليها أهل حمزة وخَرْبَة وأكثر أهل مسيلة. وكان يعظم العلماء، فرحل إليها كثير منهم فصارت بلدا مستبحرة كثيرة التجار وكان أظهر  السنة و قتل الرافضة ورضى عن الشيخين. وما يتعجب منه أن  زيريا بن مناد اختط مدينة آشير في سفح جبل تيطري كما مرّ.

وأما ابنه بلكين بن زيري فاختط المدية و الجزائر ومليانة و إبنه حماد بن بلكين بن زيرى فاختط القلعة المارة الذكر. فمدينة زيري خربت ومدينة ابن ابنه خربت، ومدائن بلكين الثلاثة متبحرات العمران بل في زيادة على تطاول الزمن ولا شك أنه رزق السعادة  في عمله.

ولما ذهب المعز العبيدي إلى مصر، أسلم إليه إفريقية والمغرب وأمر الناس بالسمع والطاعة وأوصاه بأمور كثيرة وسماه يوسف ولما شيعه من القيروان إلى اسفاقس قال له لما أمره بالرجوع "إن نسيت وصية فلا تنسى ثلاثا أيا كان، أن ترفع الجباية على أهل البادية ولا ترفع السيف عن البربر ولا توالي أحدا من أهل بيتك فإنهم يرون أنهم أحق بالأمر منك وكان له أربعمائة جارية حتى أن البشائر وفدت عليه في يوم واحد بولادة سبعة عشر ولدا. وهذا لم يسمع مثله. وكان جيّد السيرة إلا أنه رافضي ولا شك أنه ويوسف بن تاشفين من أعظم ملوك صنهاجة. وصنهاجة بكسر الصاد و لإبن دريد بكسر الصاد لا غير ومن فقهائهم الكبار وعلمائهم الأخيار: الشهاب بن القرافي صاحب الفروق والدَّخيرة والقواعد المحصول والتنقيح. سكن مصر ومات بها سنة 684 وكذلك منهم صاحب الآجرومية  المشهور "بالبركة" وكثرة الشروح وغيرهما مما لا يسعه هذا  المختصر.

وبلكين بضم الباء واللام وكسر الكاف المشددة، وكنت في جماعة من علماء إسكندرية بمجلس رئيسهم في الأدب والعلم وواسطة عقد سلكهم في التاريخ والجود وحسن الفهم،  العلامة البارع، المحقق الجامع المانع أخونا السيد محمد المسيري إذ قدم مكتوب عشية الخميس سادس رمضان سنة 1204 من حضرة ملك مراكش السلطان محمد، كتب قبل موته لأن موته كانت برجب تلك السنة، مضمنه أنه بعث لعلماء الإسكندرية 14.000 ريال وأربعين ريالا صبنيولية فيشتروا موضعا يكون قرابة للعلماء.  وقال كاتبه: صحبة خادمنا فلان الصنهاجي، فناولني المكتوب فوجدت صاحبه جعل فوق صاد الصنهاجي بكسرة و فتحة.  فقلت ما تقولون فيه فسكتوا. فقلت: لم أفق على فتح الصاد في أي مظان ذلك لا في كتب اللغة ولا في غيرها وإنما الذي وقفت عليه إما بالكسر والضم وكان أكثرهم جاهلا بحالي فقربوني وأحسنوا إلي واشتغلوا بضيافتي واحدا بعد واحد. ولما قدمت على شيخنا خاتمة المحدثين بمصر أبي الفيض المرتضى برد الله ضريحه وأسكنه من الجنان فسيحه، أخبرته بذلك، فزادني سرورا رحمه الله تعالى ورضي عنه آمين.

ولما دخلت الإسكندرية سابع ربيع الثاني قادما من الحج سنة 1205 دعاني العلامة أخونا المسيري، فذهبت معه حتى دخلنا فندوقا* (كذا) كبيرا هائلا بعيد المهوى عن أدراك العيان، كثير البنائين و العملة والأعوان، أجلسني به مع حلقة من العلماء وجماعة من الصلحاء، فحضرت أنواع الأطعمة وأصناف الفواكه والأشربة فسألت بعد الأكل عن ذلك. فقال لي العلامة المذكور اشترينا هذا الفندق بأولئك  الدراهم الذين بعثهم  (كذا) السلطان وفاضلهم نُتم به إصلاحه ويكون خراجه للعلماء كما كتب لنا أولا.

ولنرد عنان القلم إلى أخبار الموحدين. ثم بعد وقعة القلعة، سمع أهل إفريقية بجنود الغرب أتتهم، فحشدوا الحشود وجندوا الجنود ورجعوا إليه فجهز  لهم ابنه عبد الله المذكور، فكان مصاف الحرب بسطيف، فاقتلوا ثلاثة أيام ثم انفضت جموع إفريقية والعرب. وسبى عبد الله نساءهم وفي سنة 557 مات عبد المؤمن وبويع أبو يعقوب و في سنة 563، لقب بأمير المؤمنين وهو أول من لقب به من ملوك هذه العدوة، وكان يوسف يلقب بالأمير فقط وكذا ابنه علي وخاطب العرب بإفريقية يستدعيهم للجهاد، فأجابوه ووفدوا عليه؛ كما هو معروف، ثم غزا الأندلس ففتح وبرة وقلعة رباع وقنطرة السيف ثم رجع إلى مراكش و في سنة 77 نهض من مراكش غازيا لإفريقية وتقبض على علي بن المعز بقفصة ووفدت عليه جموع العرب بالطاعة ثم رجع إلى مراكش.

سنة 580، غزا الأندلس وحاصر شتزين ثم أن النصارى خرجوا فوجدوا المسلمين غافلين فهجموا عليهم وأصيب بسهم في تلك الوقعة فمات. وقد أبلى بلاء حسنا في هذه السنة واسمه يوسف وكنيته أبو يعقوب و هو أول من كتب في أول الرسائل الحمد الله. إعلم أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يكتب في أول الرسائل البسملة فقط واستمر الأمر في ذلك إلى أن ولي السفاح أول ملوك بني العباس فزاد الصلاة على النبي (صلع) ودام الأمر على ذلك إلى أن بويع يوسف بن عبد المؤمن جعل مكان البسملة الحمد لله وعليه العمل الآن، ثم بويع ابنه يعقوب المنصور المشهور وفي أيامه ظهر أولاد غانية بإفريقية على ويحي فتغلبوا على الجريد فزحف إليهما المنصورمن مراكش سنة 83 وجمع ابن غانية جميع الأعراب وقراقش الغزي صاحب طربلس فلقيهم أبوحفص يوسف بن عبد المؤمن بمغرّة فأتخن فيهم ابن غانية، فخرج إليهم المنصور من تونس فالتقيا بالحامة فانفضت جموع ابن غانية ودوخ المنصور السواحل وسبى من حرم ابن غانية وذويه وأمن الغُزّ و قراقش وقتل جل الملثمين ورجع إلى مراكش سنة أربع و ثمانين، ثم أن ابن غانية تغلب على بسكرة وحاصر قسنطينة وبجاية، فنهض إليه المنصور من مراكش فلما وصل مكناسة بلغه كلب العدو بالأندلس فأهمه ذلك فاجاز البحر واراح بقرطبة أياما و كملت جنوده ثم زحف للعدو بالارك[17] ساحة بطليوس فكانت الهزيمة المشهورة على إبن القبوس وإبن الرنك* لعنهما الله فقتل 30.000 منهم وأسر خمسة ألاف من زعمائهم بقصبة الارك ففدى بهم أسرى المسلمين سنة 591،  ثم[18] سار إلى طليطلة  فأحرق بسائطها وبساتينها و قفل. سنة 593 تقدم إلى اشبيلية فأسر قاضيها أبا الوليد حفيد ابن رشد ثم أطلق سراحه وحمله إلى مراكش فتوفي القاضي بها. دخل المنصور مراكش سنة 594  ومات في السنة الموالية فخلفه ابنه محمد  الملقب بالناصر وهو الذي خاض وقعة العقاب الشنيعة التي حصد فيها الكافر اللعين شوكة المسلمين بالأندلس. و في سنة 99 تغلب ابن غانية على المهدية وأخذ طرابلس من قراقش ثم دخل تونس فقتل جل أهلها وأذعنت له بالطاعة أهالي إفريقية فوزع الأمصار على عماله وأمر بالخطبة للعباسيين. وأخذ جبال طرابلس وفرض على أهلها جباية قدرها ألف ألف دينار فنهض الناصر من مراكش سنة 601 على رأس جنده لمقاتلة المرابطى برا ويقوم الأسطول بحصاره من البحر، فلما سمع ابن غانية بخبره، نقل أمواله إلى المهدية. والتقى الفريقان بنابي فمالت الحرب على ابن غانية وأخذ الناصر منه 18 ألف حمل من المال والأمتعة و الآلة وفر المرابطى بحرمه وبنيه والتجأ إلى قبيلته. كانت وقعة العقاب المشئومة على المسلمين عامة و أهل الأندلس خاصة سنة 609. و لما نزل سلا قافلا، قتل وزيره إبن قادس لاتهامه له بجرّ الهزيمة وقد ولي ابنه المستنصر وفي السنة الثالثة عشر من ملكه ظهر أمر عبد الحق المريني وفي أيامه دخل دولتهم الهرم. ومن ملوك الموحدين السلطان السعيد الذي قتل يغمراسن وأخذ محلته بجبل بني ورنيد. وفي الغنائم،  المصحف العثماني التي كانت أم الأصبع بعثته إلى أخيها عبد الرحمن الداخل. و تداولته أيادى الملوك و صحبته في غزواتهم، فبلغت هذه الذخيرة في تلمسان ثمانية عشر درهما بعد ما نزع حليته التي وجده منبهيا بها إلى يغمراسن فأخذه و بقي عندهم إلى وقعة أبي الحسن بتلمسان، فلم يظهر بعدها.

قال وانقضت دولتهم أجمع بقتل أبي دبوس على يد يعقوب بن عبد الحق المريني سنة ثمان وستين وستمائة والبقاء لله: والمهم الشيخ المهدي هو أول من زاد في الصبح "حل الصباح ولله الحمد و هو أول من أمر بتلاوة الحزب، صباحا و عشية و دام ذلك إلى الآن و هو أول من أدخل إلى المغرب اعتقاد الأشعري كما مرّ. و لما دخل العالم المشهور الشيخ أبو النصر عبد الرحيم بن القشيري مدينة تلمسان، عقد بها مجلس وَ عْظٍ حضره الشيرازي. أطبق علماء بغداد أنهم لم يروا مثله وجرى له يوما بالمدرسة التهامية كلام مع علماء الحنابلة في الاعتقاد لأنه تعصب للاشاعرة و انتهى الأمر إلى القتال فمات من الطلبة من الفريقين خلق عظيم و أتى أولاد تهام الملك فسكنوا الفتنة. ولا حول و لا قوة إلا بالله. و قولي استحوذوا أي غلبوا و قولي وسط السادس و قد مرّ لنا أن ملك الموحدون وهران سنة 541 وما قارب الشيء له حكمه.

تمت آل زيان سلك ملكهم               قد خلت وامتد لهم إلى دلس

اختط بنو يفرن تلمسان قبل الغزو الإسلامي بكثير وجعلوها قاعدة ملكهم ثم ملكها عقبة بن نافع الفهري في أول الإسلام لما عين عاملا على إفريقية في خلافة معاوية بن سفيان -أي وسط القرن الأول-  وترأسها عمال الخلافة أجيالا كثيرة ثم أخذها المولى إدريس بمعونة المطغرة* المشهورين بالمداغير. وصارت  بعدها في ملك إدريس الثاني بن إدريس الأول. ولما ظهر سيدي محمد بن سليمان بن عبد الله

الكامل، ابن أخ إدريس الأول، بويع ملكا عليها. أخطأ الشامي لما قال إن سليمان بايعه أهلها لما دخلها. والأصح أن سليمان قتل في وقعة الفخ، لما أمر الرشيد جعفر بن يحي البرمكي بقتل الشرفاء. اعلم أن قبور هؤلاء الأخيار بين تنيم ومكة المكرمة مع ضريح ابن عمر رضي الله عنهم.

تاء التأنيث الساكنة تلحق من الحروف ثم ورب ولا فتحها إنما هو للتحقيق انظر حاشيتنا: النكت الوفية بشرح المكودي على الألفية. وبنوزيان أحد بطون بني عبد الواد، استولى عليها  أبو يحي يغمراسن ودافع عنها وعن تلمسان يعقوب بن عبد  الحق  وامتد ملكهم إلى دلس قرية على البحر بين بجاية والجزائر وحاصل أمر بني عبد الواد إنهم كانوا بصحراء تلمسان أهل بادية من جملة بني واسين وزناتة وقد ألف الحافظ  التنسي كتابا سماه "الدرو العقيان في شرف "بني زيان" وذكر أن بني عبد الواد اثنا عشر قبيلة وكان شيخهم لما ضعف كرسي بني عبد المؤمن، جابر بن  يوسف بن عمر بن زيان وقد أرجفوا بملك تلمسان ولما سمع عاملها عثمان بن يعقوب المنصور كان ولاه عليها أخوه  الخليفة إدريس المأمون، اعتقل جماعة منهم فشفع فيهم لمتوني فردت شفاعته فأنف وجمع جموعا وهجم على  العامل عثمان فاعتقله وسرحهم وخلع طاعة بني عبد المؤمن وتطاول لأحياء الدولة اللمتونية وأخذ يرضى بني عبد الواد.

فأتوا البلد وفهموا ما عزم عليه فخرج للقائهم فقبضوا عليه مع ثمانية من أصحابه وقام جابر في البلد بدعوة إدريس المتقدم وكاتب بذلك فقنع منه بالخطبة ونقش اسمه في الدنانير والدراهم، فاستولى جابر على تلمسان وأحوازها عدا ندرومة، فزحف إليها ودار بها فأصيب بسهم من داخلها لثلاث سنين من إمارته ثم  ولى ابنه الحسين ستة أشهر فخلع نفسه لعمه عثمان فاساء السيرة فخلعوه وولوا أبا عرة زيدان بن زيان فنكث عليه  بنو مطهر وظاهرهم بنو راشد وكانت  بينهم حروب قتل في بعضها فبايعوا أخاه يغمراسن بيعة استقلال وذلك أيام عبد الواحد أحد خلفاء بني عبد المؤمن في سابع جمادى الأخيرة سنة سبع وثلاثين وستمائة ومات سنة إحدى وثمانين. ثم ولي ابنه عثمان واستمرت بأيديهم إلى أن أخذها منهم الأتراك سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة.

ومن أولاد سيدي محمد هذا، بنو العيش، ملوك أرشقون وبنوا إبراهيم ملوك أتنس والي إبراهيم  هذا  ينسب السوق الذي هو  غربي العروسي حيث مكب وادي اسلي في وادي الشلف ومنهم حمزة وأخوه على: ملوك الأبيرة إزاء جرجرة جبل زواوة وبحمزة سميت تلك الأرض إلى الآن وامتد ملكهم بها، إلى أن أزالهم ملوك إفريقية من الشيعة، فأخذها منهم في أواخر الثالث، عروبة الكتامي و مصالة المكناسي وغيرهما من عمال بني عبيد الله المهدي. ولما انتقل المعز إلى مصر غزاها بلكين وملكها كغيرها من أمصار المغرب وأول من استخلصها من عمال إفريقية، جابر بن يوسف بن محمد العبد الواد وكان بنو يفرن يستولون عليها في بعض الأحيان ثم ملكها يوسف بن تاشفين وبنوه ثم الموحدون. ويقال إن الجامع الذي بتلمسان القديمة بناه مولانا إدريس الأكبر وعمل له المنبر وتلمسان الجديدة بناها يوسف بن تاشفين وبتلمسان القديمة ضريح الداودي بن نصر أول من شرح البخاري توفي في أواخر القرن الرابع.

ولما ضعف ملك الموحدين ولحقه الهرم كما شأن الدول سنة الله التي قد خلت من قبل، استولى يغمراسن  بن زيان عليها سنة 635 وكان بين نفرة واستقامة مع آخر ملوك الموحدين بمراكش وتونس ومر لنا قتله بالسعير ولما مات خلفه ابنه عثمان وحاصره يوسف بن يعقوب بن عبد الحق المريني سبع سنين ومن ملكوهم السلطان أبو حمو الذي وفد عليه بتلمسان شريف العلماء وعالم الشرفاء أبو عبد الله الشريف وكان معظما للعلم. ولما قدم عليه إبنى الإمام أبو زيد و أبو موسى بنى لهما مدرسة عظيمة معروفة بهما إلى الآن و من ملوكهم السلطان أبو ثابت وأحمد العاقل الذي جعل دار ملكه وهران لما وقع بينهم خلاف ونزاع..

وقولي: امتدا لهم إلى دلس: قرية بإزاء زواوة على البحر، فكان ملكها الأمير أبو عبد الله الحفصي سنة 765 والذي بنى منار الجامع الأعظم بالجزائر، هو أحد أعاصي ملوك بني زيان وامتد ملكهم بتلمسان من تاريخ يغمراسن إلى سنة 956 فصفت للأتراك وتغلب عليهم أثناء هذه المدة أبو الحسن وأبو عثمان كما يأتي.

اعلم أن مدة ملك لمتونة أهل اللثام 96 سنة لأنهم خرجوا من رباطهم في جزيرة النيل[19] لتمهيد الأقطار سنة 445 وأول أمرائهم الأمير يحي إلى أن قتل تاشفين بوهران وابن أخيه إسحاق بمراكش سنة 541. ومدة ملك الموحدين من عبد المؤمن وبنيه من استيلائهم على وهران ومراكش وتلمسان إلى آخرهم أي أبى دبوص 128 سنة لأن ابتداء ملكهم من عام 41 من السادس إلى عام 68 من السابع وأيام شيخهم خارجة من هذا : 11 سنة وعبد المؤمن 16 سنة. ومدة ملك آل زيان بتلمسان 295 سنة وقيل ثلاثمائة غير تسع سنين. وكل دولة ما فيها من الهرم على ما بينَّاه ولكل ميدان غاية ولكل بداية نهاية.

قال الشاعر رحمه الله آمين:

 كأن لم يكن من الحجون إلى الصفا  \  أنـيـس ولـم يسمــر بمكـة سامــر.

فـي وقــتـهـم بـها الرباني عـالمهـا  \  محمد الهواري الأستاذ كابن شاس

الضمير يعود على بني زيان لأن تلمسان بعد فتك أبي الحسن بها وابنه أبي عنان، صفت لأبي ثابت وبنيه من أعاصي ملوكهم ولهم بوهران التصرف المطلق من غير منازع بعد هروب عبد الله بن سعيد قائد أبي عنان منها لأن أبا عنان لما هلك آخر سنة 758 وصفت لأبي سالم الخلافة فارتحل من فاس متوجها للمغرب الأوسط فلما نزل بتلمسان نزل للسلطان أبي العباس على إفريقية وأقر بني زيان على ما بأيديهم. وبالجملة هو أول من نفض يده من هذه الأعمال الشرقية.

وقولي الرباني أي المنسوب لله تعالى كما قال مثله ولي الدين القرافي في قوله كابن يزيد الأسود الرباني. وهي نسبة للرب، من حيث هو عالم بما عمله، عامل بطاعته، معلم للناس بما أمر به وزيدت فيه النون مبالغة. وقال قوم منسوب إلى الرباني وهو الربان و هو معلم الناس و النون فيه زائدة كما هي في غضبان و عطشان و في البخاري: الرباني الذي يُرَبي الناس بصغار العلم قبل كباره. قال في القاموس و الربَّان رئيس السفينة و قولي و عالمها العالم أَعَمُّ و الفقيه من يحسن الفروع الفقهية هذا في اصطلاح العلماء لا اللغة. وكان الإمام مالك يقول ابن وهب عالم وابن قاسم فقيه، نقله ابن خلكان

وقولي محمد الهواري نسبة لهوارة وأولاد هوار هو ابن مازيغ بن برنس وتقدم لنا شئ "من ذلك وأكثر هوارة بأعمال طرابلس ومنهم أهل مسراتة التي بها ضريح الشيخ زروق ومنهم أهل قلعة أسنان التي هي الآن محل محط أثقال بني حناش أهل تمطماطة ومنهم قبائل بإزاء القيروان وهم الذين زحفوا مع أميرهم عكاشة بن أيوب إلى حنظلة بن صفوان الكلبي: عامل هشام بن عبد الملك على إفريقيا، فأوقع بهم وهم  بتوزر الجريد  كثير. ومن مشاهيرهم بالمغرب الأوسط أهل مسراتة بإزاء قلعة بني راشد وكان لهم عزة بها وقصبتهم بها مشهورة يومئذ لبنى يوسف من ولد محمد ابن إسحاق والذي اختطها محمد منهم. هوار هذا أخو اللمط من أمه الذي من نسله الشيخ واقاق اللمطي المتقدم ذكره هذا وفي الشيخ ابن صفوان فالشيخ  سيدي محمد الهواري من مغراوة فإنه  قال في مدحه:  شيخ الشيوخ المشهود له بالثبت والرسوخ سيدي محمد بن عمر بن عثمان بن سابع بن عياشة بن عكاشة بن سيد الناس، المغراوي المعروف بالهواري آنتهى.

ومغراوة مر الكلام عليهم والله أعلم. توفي (الهواري) صبيحة يوم السبت ثاني عشر ربيع الثاني من سنة 843 وابن شاش هذا هو محمد بن عبد الله بن نجم بن شاس الجزامي، السعدي الفقيه المالكي. كان فاضلا فقيها في مذهبه وانتفع به خلق كثير وصنف في مذهب  مالك كتابا نفيسا أبدع فيه وسماه: الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، و ضعه على ترتيب وجيز الغزالي وفيه دلالة على غزارة علمه ولطائفه المالكية. بمصر عاكف عليه أهلها لحسنه وكثرة فوائده وكان يدرس بمصر بالمدرسة المجاورة للجامع. مات بثغر دِمْيَاط غازيا لما أخذه العدو سنة 616.  ولا يقال الأستاذ إلا للعالم الكبير. فإذا قال ابن السبكي الأستاذ و أطلق فالمراد أبو إسحاق الإسفراني لأنه كان اصوليا كلاميا فقيها حاز رياسة  العلوم بالعراق وخرسان وناهيك أن تلميذه البيهقي والقشيري واكثر الحفاظ كما أن  العلامة إذ أطلق فالمراد به  الشيرازي. ولما بنى نظام الملك المدرسة سأله أن يتولاها، فلم يقبل فولاها ابن الصباغ مدة يسيرة ثم أجاب إلى ذلك،  فدرس فيها إلى أن مات سنة 476.

ولما سمع به نظام الملك قال: من الواجب أن تغلق المدرسة لأجله وتوفي الأستاذ سنة 418. ولما قيل للقدوري: انت أعلم أم أبو إسحاق، أنشد

نزلوا بمكة في قبائل نـوفـل    \       ونزلـت بالبـيـداء أبعد منزلـي

حَذرًا عليه من مقالة كاشح    \        دَرب اللسان يقول ما لم يفعل

ولما كان الشيخ الهواري انتهت إليه الرياسة بوهران في مذهب مالك، فإني شبهته في الأستاذية بابن شاس لسعة علمه وكان ابن شاس لا يضاهيه أحد في مذهب مالك بمصر. وكان ابن عرفة يقول للطلبة: عليكم بفقه ابن جلاب لأنه لا يشوبه شئ من مذهب الشافعية. أما ابن الحاجب وابن شاس فقد نقلا كثيرا من وجيز الغزالي في فقه الشافعية.

فائدة: وقع السؤال بمجلس ابن تاشفين أحد ملوك تلمسان الذي نحن بصدد الكلام عليهم، عن ابن القاسم هل هو مقلد أو مجتهد؟ فقال الفقيه أبو زيد بن الإمام: مقلد النظر بأصول مالك و قال سيدي عمران المشدالي إنه مطلق الاجتهاد. و احتج بمخالفته في بعض المسائل؟ فاستظهر أبو زيد بنص شارف بن التلمساني يمثل فيه الاجتهاد المخصوص لابن القاسم بالنظر إلى مذهب مالك بالمزري الشافعي فقال المشدالي: إن هذا مثال والمثال لا تلزم صحته.

وكان سبب أخذ النصارى لوهران، دعاء الشيخ الهواري بذلك لما قتل بنوزيان ولده  وحضر لهذه  الدعوة سيدي  على الأصفر التلمساني وأنذرهم تلميذه الشيخ إبراهيم التازي  بقصيدة تائية مع ما أنظم إلى ذلك من أن الشيخ: أبا العباس سيدي أحمد بـن يـوسف أحد الأولياء الكبار والأتقياء الخيار، الهواري وطنا الوانودي أصلا نفعنا به الله، آمين، ذهب مرة إلى وهران، فعظمه أهلها أشد التعظيم، فكتب قائدها للأمير الزياني إن "رجلا بارض هوارة يخشى منه الملك" فكتب الأمير للقائد:" إبعثه إلي أو أقتله". فلما أتى الشيخ أهله برأس الماء*، بعث العامل  لأمير هوارة: أحمد بن غانم في الشيخ فأطلع الشيخ على ذلك، ارتحل من وطنه وقال:" شوشونا، شوشهم الله من البر والبحر." فلم يكن إلا قليل حتى شوش الله بني زيان من البحر بالكفرة فأخذوا وهران ومن البر بالأتراك، فأخذوا تلمسان، فرحل الشيخ قاصدا بني غدّو واعترضه محاربون من سويد، فقبض ثلاثة أحجار من الصمّ وحكها بيده، فصارت رمادا وقال لهم "إن تعرضتم لنا يسحقكم الله مثل هذه الأحجار"، فاتوه تائبين مذعنين. وذكر الصباغ إن له بنتا حينئذ إسمها عائشة. وكراماته لا تحصى، توفي رحمه الله سنة 931، وقبره بمليانة من أعظم المزارات.

خلفه بعد موته إبراهيم     \     الذائع لصيت إلى قومس.

كان رضي الله عنه من الجامعين بين العلم والورع والزهد والفضل وكان من أكابر القراء والمحدثين وجهابذة العلماء المسندين. وقفنا له على تصانيف صحيحة وقصائد مليحة وخطب بديعة وملح صنيعة، عارفا بالأولياء وأخبارهم وأيام العرب وأشعارهم وبالأدب و بالأدباء ونوادرهم أخذ عن عدّة أشياخ و من أشهرهم الشيخ محمد الهوراي المذكور.  كان في غالب أمره في طريقه يذهب وعلى قابله يضرب. وإني رأيت في تأليف منسوب إليه، أنه بعث إلى أهله بالمغرب من وهران مكتوبا يقول فيه: فقد ظهر فضل الشيخ عليّ والحمد لله، إني أدرس في مختصر خليل ولا أحتاج لنظر الشروح. ولما مات شيخه رضي الله عنه، قام مقامه وتقلد حسامه ونَصَّبَ راية العلوم وشيد بنيانها ورفع قواعدها ودعم أركانها، فابتهج به المحل والأوان وحاز رياسة الفضل بثغر وهران فهو المطاع وليس ذي السلطان.

وبديع تدبيره لمائه. يدل على فراسته ودهائه. فكان له به الآثارات الجسام التي لا يقدر عل بعضها الملوك العظام. يحكي أنه كان يستقرض الدراهم الكثيرة من التجار ويصرفها في إصلاح هذا الماء ولا يدري من أين يوفي بذلك. ولما تم بنيانه وصوب ميزانه وأرصد مكانه، أخرج للناس الأطعمة المختلفة الأنواع والألوان، فشبع كل ما كان بثغر وهران. وكان ذلك اليوم المشهود من الأعياد والمراسيم معدودا. فقيل له: من أين أخرجت هذا الطعام وما صرفت على  الماء ولست من الملوك والأعيان والأغنياء، فقال: الله منّه، مساعدة الزمان ومساعفة الإخوان" وكان نفعنا الله به شديدا على الملحدين، لين الجانب للمتقين، وقال صلى الله عليه وسلم:" لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق، ظاهرين عليه، لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة". وفي الجامع الصغير للسيوطي أن "الله تعالى،" عند كل بدعة كيد بها الإسلام وأهله ولي صالح يدب عنه ويتكلم بعلاماته، فاغتنموا تلك المحاسن بالدَّبْ على الضعفاء وتوكلوا على  الله وكفى بالله وكيلا ولله  در العارف بالله سيدنا عبد الله بن المبارك حيث قال:

قد يفتح المرء حانوتا لمتجرة   \   وقد فتحنا لك الحانوت للدين

والمبارك أبوه وهو الذي كان يعمل لمولاه سنين ولم يعرف بالبستان الرمان الحامض من الحلو خلافا للشيخ  أبي بكر الطرطوشي في كتاب سراج الملوك أن هذه القصة صاحبها إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه وعن الجميع. والذائع الصيت أي فاشي الذكر منتشره. 

وقولي إلى قومس. قومس إقليم من عراق العجم حده من جهة خراسان بسطام[20] ومن العراق سمنان وقاعدته الدامغان وهذا الإقليم هو المعنى بقول أبي التميم في مدح عبد الله بن طاهر الخزاعي:

يقول في قومس سيروا وقد أخذت\ هنا السرى وخطى* المهرية القود

ولا شك أن هذا الولي انتشر خبره إلى ذلك الموضع أو أكثر. فقد حدثني من أثق به أنه وجد بمكة المشرفة تأليفا شاملا على قصائد تتعلق بطريق القوم يباع من تأليف الشيخ المذكور ومع ذلك إن بائعه عراقي ونسب الشيخ رضي الله عنه من لواتة أولاد لومن صاهيك  بن رجيك وقال الصولي:" إن هوارة ولواتة أولاد حمير بن سبأ" ولابن عبد البر: أنهم من ولد قبط إخوة أهل مصر. وراجع ما مرّ من الأقوال. وأول استقرارهم بالمغرب جهات طرابلس ثم امتدوا إلى سوس الأقصى مفترقين فيه.

فلذا قال ابن خلدون: سبب تسمية جبل من البربر هوارة لما أتوا إلى المغرب، قالوا لقد تهورنا وهو بخلاف ما مر لنا إنهم أولاد هوار ألخ. واعلم أن اسم لو في البربر إثنان: لو الأكبر ولو الأصغر والمتحدث عنهم أولاد الأصغر وعند أكثر المؤرخين أن لو الأصغر من نسل لو الأكبر والبربر إذا أرادوا الجمع زادوا الألف والتاء، فصار لوات فلما عربه العرب حملوه على الأفراد وألقوا به هاء الجمع.

وهم بنواحي برقة وبجبل أوراس كثيرون تناهز خيلهم ألف فارس وهم بنو باديس وسبب إنتشارهم بالمغرب أن أبا الخطاب رأس الخوارج الأباضية لما فتح طرابلس وهرب منهم عمر بن عثمان القرشي، بعث جعفر المنصور من بغداد واليا على إفريقية: وهو محمد بن الأشعث وعقد له على حرب الأباضية بها. فلما سمع به أبو الخطاب زحف إليه بحنوده، فكان المصاف بسرت، فكانت على البربر والخوارج، وانفضت جموعهم، فلما رأى عبد الرحمن بن رستم بن دستان من ولد رستم صاحب حرب القادسية مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، ذلك، فر إلى المغرب واجتمع معه لماية و لواتة وبعض نفزاوة وملكوه عليهم واختط مدينة تهارت بسفح جبل قزول على رأس تلول (تلال) منداس شرق نهر مينا سنة 218 واجتمعت الصفرية بمكناسة قرب تازة وملكوا عليهم عيسى بن أبي زيد الأسود، فاختط مدينة سجلماسة سنة 140 واتسع خط كل من المدينتين ودام ملك عبد الرحمن رأس الأباضية بتاهرت  إلى أن  استولى عليها الشيعة سنة 298. وتغلب عليها محمد بن الخير أحد ملوك وهران من مغراوة وقبض على ميسور الخصي وأطلقه بعد حين. ونزلت عساكر بني أمية أيام المنصور بن عامر ثم ملكها لمتونة ثم الموحدون إلى أن خرج عليهم ابن غانية من ناحية قابس  ولم يزل يَشُنّ الغارات على المغرب ويكرر دخوله إليها عنوة مرة بعد أخرى إلى أن اختل ساكنها وخلا جوها وأعفى رسمها سنة[21] 685 وذلك آخر العهد بعماراتها.

وأكثر أهل مصاب من لماية ويأتي الكلام على جربة. ولما خرج حميد بن نصّال على المنصور الشيعي، ظاهروره (كذا) لواتة وزحف بهم المنصور فلما انفضّوا، هربوا أمامه غرب السارسو فرجع المنصور عنهم. وذكر ابن الرقيق أنه في رجوعه، وقف على أثر من بناء الأقدمين وهي القصور* التي على الجبال الثلاثة المبنية بالحجر المنحوتة تبدو للناظر على البعد كأنها أصنمة:  أي قبور  وأنه رأي  كتابة  في حجر منها فُسّرَ له" أنا سليمان السَرْدحاوس". خالف أهل هذا البلد على الملك، فبعثني، إليهم ففتح الله علي وبنيت هذا البناء للذكر به".

وكان بنو وَزْدَجين بعزونة أمير مطماطة زحفوا إلى لواتة فكان بينهم حروب عظام هلك فيها "أعيان" أمير وزدجين فأزاحوهم إلى السرسو وكان بينهم قوم من مغراوة فغدروا بهم عند كدية سيدي العابد وأزاحوهم إلى جبل إيغود فنزلوا درّاكا وانتشروا إلى الجبل المطل على متيجة وجبل دراك في قطاع موسى من مشيخة العطاف. ومن لواتة نفر قبلة قابس ومنهم بنو مكي رؤساء قابس ومنهم النفر الذي بمالطة وهم المشهورون إلى الآن على دين النصرانية وسبب نزولهم بها معروف عند أهل إفريقية.  ومن لواتة نفر بإزاء السكندرية ومنهم بجبل  نسمط يقال أن بني سلوكسن منهم ومنهم  لواتة جبل بني عامر بحوز تازة وإليهم ينسب التازي لأن قومه من حوزها  ومنهم بنواحي تادلى بقرب مراكش ومنهم قرى بالصعيد ومنهم بالجبال غربي تلمسان. وأما بنو ورنيد وبطيوة وبني يزناسن فمن بطون صنهاجه لا لواتة.

مات الشيخ التازي سيدي إبراهيم رحمه الله يوم التاسع شعبان من سنة 866 ودفن بوهران، ثم لما دخلها النصارى، صار المجاور بضريحه ينهب في ماله وكريته ووافق ذلك قدوم أهل القلعة بخروجهم إلى وهران، فدفع ذلك المجاور الكراء من عند أهل القلعة، فاحتملوه ودفنوه بها وقبره الآن عليه، قبة جيدة مشهد في التماس البركة وقبول الدعوة رحمه الله

 ثامن قرن قد أمها المريني أبو       \       حسـن تـمـّتا بـيـعـة طــرابـلـس

بني بها الأحمر ففاق كل بناء         \       ثم بني الثاني حذو سفن المرس

قصدها وبيعة بفتح الباء هي إعطاء الطاعة وهي مشهورة عند الخلفاء والسلاطين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الشجرة بالمدينة المشرفة، مد يده للبيعة فبايعته. وأول من بايع فيها أبو بكر الصديق رضي الله عنه وفيها بايع صلى الله عليه وسلم عن عثمان نيابة وقال: "يميني لي وشمالي لعثمان وهذه البيعة يسمونها ببيعة الرضوان.  وأوّل من بايع عثمان عبد الرحمن بن عوف و أول من بايع عليا طلحة رضي الله عنهم أجمعين. وكانت يد طلحة  مثلا بترت في وقعة أحد لما وقى بنفسه نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل:" سبحان  الله يد بايعت أمير المؤمنين يعني عليا رضي الله عنه، مثل هذا الأمر لا ينضبط له كالذي قبله. فكان كذلك. وكان الخلفاء الراشدون يجعلون على البيعة القسم بالله تعالى، وأول من حلف الناس بالطلاق والعتق عبد المالك بن مروان.

والبيعة بكسر الباء فهي كنيسة النصارى والمرسة الجبل والجمع مرسات بفتحتين وجمع المراسي هو جمع الجمع كالأيادي وكذا على  ما لابن الشيخ  وابن العلج والمرسى  أيضا مصدور ورجل مرس شديد العلاج ومرست يدي بالثوب  مسحت والمرمريس الداهية.

وأبو الحسن هذا الذي بني البرج الأحمر، وبرج المرسى بثغر وهران ستة 748 هو السلطان على بن أبي عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المشهور بابن محيو بن أبي بكر بن حمامة بن ورزين بن فقوس بن كرماط بن مرين. وكان عبد الحق هذا استخلص الملك من آل عبد المؤمن بسيفه سنة 613، لكن لم يستول على كرسي الخلافة بمراكش، لا هو ولا ابنه محمد ولا ابنه أبو بكر. واستولى على كرسي الخلافة ابنه يعقوب المشهور سنة 668 بقتله آخر ملوك بني عبد المؤمن ابن أبي دبوس.

سنة 72 من ولايته، عبر البحر إلى الأندلس غازيا لما استدعاه محمد بن نصر أحد ملوك غرناطة من  بني الأحمر وزحف إليهم دنونة[22] ملك الروم فدارت بينهم حروب قلّ أن تكون في الدهر. ثم انفضت عساكر الروم فقتل دنونة في الهزيمة وقتل من جنوده تسعة آلاف كما في نظم ابن الخطيب حيث يقول رحمه الله.

تسعة آلاف من الكفار \ دعا بهم داع البواري

وكان قدر الغنيمة 7330 أسيرا و 124.000 من البقر و من الكراع* 14600. وأما الغنم و الماعز فضاقت الأرض بها. فقد بيعت الشاه بدرهم ولما قسم الغنائم، ارتحل فنزل قصر الصخرة فأتاه "هوانري"** ملك جبل قشتالة  لعقد الجزية، فلما قبّل يد السلطان، دعا بماء في حضور بطارقة الكفرة وغسلها من قبلته فكانت على الروم  انكى من  الغزوة المتقدمة. فكان له بذلك فخرا جميلا وفخما جليلا كما قال لسان الدين بن الخطيب السلماني رحمه الله "واجتمع القوم بحصن الصخرة و شاهد الناس جميعا فخره و كان هذا الفخر من بني مرين. وبني يلولة، ومديونة مواطنهم من فقيق إلى تفلالت إلى ملوية وكانت بين بني وَ نَانُو و بنى إلُومىَ حروب عظيمة قتل فيها ماخوخ المشهور بالخيمة التي آثارها الآن ببلد أولاد على وبنو مرين إخوة بني إلومى فكانوا يمدونهم بالجيوش ومن إخوة بني مرين أيضا بنو راشد وتجين وعبد الواد يجتمعون في زجيك بن واسين ويقال له بادين أيضا ومن قرابة بني مرين بنو وطاس بعضهم بغدامس وعند بعضهم أنهم من نسل علي بن يوسف بن تاشفين منهم ملوك المغرب في القرن العاشر وأشهرهم ابن الوزير كما يأتي، ومن ملوك بني مرين، يوسف بن يعقوب المذكور وهو الذي حاصر تلمسان في أيام ملكها عثمان بن يغمراسن ودام حصاره لها سبع سنين وقيل خمس. ومات عثمان مدة الحصار. وانتهت عساكر يوسف إلى إفريقية واشتد البلاء بتلمسان  بحصاره حتى بيع صاع القمح في الحين ثمانية دنانير.. ولما قتله أحد خدعة وهو نائم مع إحدى جواريه، أفرغت عساكر بني مرين عنها فبيع القمح في الحين ثمانية أصوع بدينار وهو ممّا يتعجب منه، و فتك أبو الحسن بها وإبنه أبو عنان مشهور لا نطيل فيه،و قد قال موسى بن صالح المشهور بالكهانة أن تلمسان  تحرث وكأن -كما قال-  حرثها غلام أسود على ثور أسود. كان ذلك.

سنة 760، لما خربها أبو عنان وكان هذا الكاهن يسكن وسط برابرة غمرة وأرضهم  من المشتنل إلى الزاب وقال ابن خلدون: فبعض الناس كان يقول هو كاهن وبعضهم يقول ولي ولا صحة بخبره. والسلطان أبو الحسن هو الذي بنى المنصورة غربي تلمسان في مدة حصاره إياها. قال ابن الخطيب في مدحه:

ثم بنى المنصورة المشهورة   \       الفذة الجامعة الكبيرة

وقولي تمت بيعة طرابلس وسبب ذلك أن السلطان أبا بكر الأصغر الحفصي لما مات سنة 747 واشتد القتال بين بنيه: أبي حفص وأبي العباس وأبي فارس عزوز
وأضرمت إفريقية نار الفتنة، هرب حاجب السلطان محمد بن تافركين إلى المغرب لسعاية بلغته به فلحق بابي الحسن المريني فصار يرغبه في ملك تونس وسهل عليه أمرها. وكان لما فتح تلمسان سنة 740، كان يحدّث نفسه بإفريقية ويتربص بالسلطان أبي بكر فقويت حينئذ عزائمه كما قال العباس بن مرداس رضي الله عنه في عمر بن صعد كرب الزبيدي:

إذا مات عمرو غزونا      \       وقلت للخيل اوطئ زبيد

ثم أخبر بمهلك ولدي أبي بكر: العباس وعزوز فارتحل من مراكش وجد السير إلى أن نزل بتلمسان، فوافته الحشود من كل جهة ثم ارتحل في أول صفر ثاني شهور سنة 748 يجر الدنيا بما حملت فنزل بوهران  فاختط البرجين كما مر.  فوفد عليه بها أولاد حمزة والكعوب وسائر أمراء العرب بإفريقية وبعث ابن مكي أمير قابس وفده بالطاعة وابن ملول صاحب توزر وابن عابد صاحب قفصة و صاحب الحامة و صاحب نفطة كلهم بايعوه بوهران رغبة ورهبة وأدّوا بيعة ابن ثابت سلطان طرابلس لبعد داره. ثم قدم على إثرهم يوسف بن منصور صاحب الزاب ومعه كبير الذواودة يعقوب بن علي وأوسع الكل كرمه وجوائزه وعين القهارمة* للبرجين المذكورين والعملة والآلة ثم رحل بجيش الأمم قاصدا إفريقية إلى أن دخل تونس في يوم مشهود يقل مثله بعده في الوجود. وقد وافق ذلك موت الحاجب أمير فنون العلم وجامع أشتات  النثر والنظم وإمام المصنفين بحكم أقرانه العلامة  ابن هارون أحد شراح ابن الحاجب وشيخ ابن عرفة وزوجته في ليلة واحدة.

فقدّم السلطان لما حضر جنازتهما للصلوات عليهما أبا عبد الله السبطى صاحب الفتوى بمجلس أولاد السبطى الآن بفاس مشهورون و كان هذا السلطان، لما فتح تلمسان شيد بناء جامع الإمام الشهير أبي مدين بن شعيب الأندلسي ثم الإشبيلي رضي الله عنه وقد كان أشخصه المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن من بجاية إلى حاضرة ملكه مراكش. فلما وصل حوز تلمسان مات رحمه الله ودفن بالعباد سنة 594 وهو أحد كراماته. وبني أيضا جامع الولي الصالح سيدي الحلوي إلى غير ذلك من آثاره الحميدة وصنائعه المجيدة. توفي هذا السلطان سنة 752 بسلا.

حكاية لطيفة:  وفد على أبي سالم بن أبي الحسن ثلاثة، واحد من مكة المشرفة وواحد من المدينة المنورة والثالث من القدس. فقال القدسي: يا أمير المؤمنين قد علمت أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا تشدّوا الرحال إلا لثلاث ألخ.... وأنك يا أمير المؤمنين بفضل الله عليك، أهل الثلاثة المواضع الشريفة شدوا إليك الرحال فهذا مكي وهذا مدني وأنا قدسي. فأعجبه كلامه وأجازهم إجازة فخمة. وقد وفد عليه بعض أهل السودان بزارفة وفيل فأجازهم وقبل الرازقة ورد الفيل وقال: أرجو إلا أكون من أصحاب الفيل.

وبنو مرين هؤلاء قوم شديد بأسهم مرهوب جانبهم ولولا يغمراسن ألْهَى يعقوب بن عبد الحق بشن الغارات لاستردّ كثيرا من أرض الأندلس، فكان مانعا من الموانع ليعقوب عن تدويخ الكفرة. فكان يعقوب إذا غزا الأندلس خلفه يغمراسن بشن الغارات في بسائط المغرب وكان بينهم زحوف تزيد على الخمسين زحفا في كلها الظهور لبني مرين إلا نادرا لبني عبد الواد. وامتدّ ملك بني مرين بالمغرب إلى أن انقطع سنة 875 بقيام الشريف محمد بن علي بن عمران الإدريسي الجوطي على آخر ملوكهم عبد الحق بن سعيد المريني. فابتدأ ملكهم بعبد الحق كما أن بني مروان بدمشق أولهم مروان وآخرهم مروان بن محمد وآل سفيان أولهم معاوية رضي الله عنه وآخرهم معاوية بن يزيد كما أن آل العباس أول ملوكهم محمد السفاح المنسوبة  له الدراهم المحمودية وآخرهم محمد المعتصم الذي استشهد في واقعة التنار يوم السبت في ربيع الثاني سنة 556 وهو آخر ملوكهم ببغداد ولم يملك واحد من بعده إلى الآن. ومر تاريخ بغداد. ثم قام على السيد محمد الجوطي الشريف المذكور السلطان أبو عبد الله محمد الشيخ أبو الوزير ابن أبي زكرياء يحي بن زيان  الوطاسي فأخذ ملك المغرب من يده سنة 876 واتصل بيده إلى  أن مات في آخر رمضان سنة عشرة من  القرن العاشر. فمدّة ملكه 34 سنة، ثم ملك بعده ابنه أبو محمد عبد الله الغالب، ثم أخوه أحمد المنصور إلخ... وبني وطاس هؤلاء جعلهم الشيخ العالم الفقيه النحرير الورع النزيه العلامة المسناوي من بني مرين. فمدة ملك بني مرين من عبد الحق بن محيو إلى عبد الحق بن أبي سعيد: 208 سنة، و 56 سنة قبل استيلائهم على كرسي مراكش. وطرابلس مدينتان واحدة بشواطئ الشام والأخرى قاعدة أوطان برقة ومدنها الكبيرة: زويلة، درنة، ابن غازي،  مسراتة، وزُبَارة الخوارج وغير ذلك. قال ابن خلدون: ويقال أن طرابلس الشام بألف  في أولها. ومن طرابلس الشام ابن مرين الملقب مهذب الملك المدفون بجبل شوجن لمامات بحلب سنة 548 هو القائل رحمه الله:

وإذا الكريم رأي الخمول نزيله   \    في منزل فالحزم أن يرتحـلا

كالبـدر ولـما أن تضاءل جدّ في   \    طلب الكمال  فجزاه منتقـلا

ولا تحسبن ذهاب نفسك ميتة   \    ما الموت إلا أن يعيش مُذَللاً

وطرابلس المذكورة في النظم مرادنا بها الغربية لأنه يبعد أن ملك بني مرين وصل إلى الشام. وهذه المدينة ثغر عظيم من أول الدول القديمة، فغزاها عمرو بن العاص بأمر من عمر بن الخطاب ففتح من أعمالها صيرة وهي باكورة  فتح المسلمين في أرض المغرب وهي الآن خراب ثم فتحوا فزان وودان والواحات وذلك قبل طرابلس ولما مهدت جيوشهم رضي الله عنهم طرابلس وأعمالها، زحفوا في عودتهم إلى النوبة غربي الحبشة بين  النيل وبرقة. ففقأوا من المسلمين 150 عينا وتفرقوا في الجبال فارين، لم يقبض منهم عمرو لا دينارا ولا درهما. قاله ابن جرير، وبقيت بأيدي المسلمين مستمرة وبعث إليها هارون الرشيد هريمة بن أعين سنة 179 أميرا عليها فبنى سورها الموجود الآن وبني المدينة البيضاء وتداولتها عمال المسلمين إلى أن أخذها ميخائيل الأنطاكي صاحب أساطيل رُجَار الـصقلي لعنهما الله. واستمرت بأيدي الكفرة إلى أن أخذها منهم ابن مطروح ودخلت في طاعة الموحدين على أن استبد بها ابن ثابت وابنه بعده عام 750. وبعد استقلال ابن ثابت بها خمس سنين، أتى الجينوز[23] فرقة من الكفرة في مراكب وأرسوا ليلا وخرجوا إليها وكان تجارهم قبل ذلك اطلعوا على عوراتها، فصعدوا السور واستباحوها بما فيها وأقاموا  بها ثم داخلهم ابن مكي صاحب قابس في فدائها فاتفقوا علي 50.000 دينار فبعث للسلطان أبي عنان بمراكش ليؤديها وينفرد بثوابها. ثم تعجلوا عليه لما خافوا من أبى عنان يغزوهم فجمع ما عنده وآستوهب الباقي من أهل قابس و الحامة و الجريد فجمعوها له رغبة في الأجر، فمكنه النصارى من طرابلس فملكها وازال منها نجس الكفرة. ثم بعث له السلطان بالمال وأن يرد للمسلمين ما أعطوه وينفرد بثوابها وذكرها فامتنعوا إلا قليلا منهم وأخبارها كثيرة وفيما ذكرنا كفاية.

ولما مر بها موسى بن نصير في وجهته لإفريقية أميرا من قبل الوليد بن عبد الملك، غزا سقيوما قبلتها مغربا قليلا فغنم وسبى وكتب إلى الوليد بالشام أنه صار لك من سبي سقيوما مائة ألف رأس من السبي فكتب له الوليد: ويحك إني أظنها من بعض كذباتك وإن كنت صادقا فهذا محشر الأمة، نقله ابن الرقيق.

خامس عشر من عاشر أناخ بها    \   الإسبانيون أهل الشرك والرجس

قولي أناخ: فيه استعارة مكنية و تخييلية وهي قسم من الاستعارة الخفيفة. فالكناية هي التشبيه المضمر في النفس فلا يُصَرّح  في شئ من أركانه الأربعة سوى اسم المشبه ويدل على ذلك التشبيه بأن يثبت للمشبه شئ من لوازم المـشبه به
فيسمى ذلك التشبيه المضمر في النفس استعارة بالكناية وإثبات ذلك اللازم المختص بالمشبه به للمشبه وسمي استعارة تخييلية أما تسميتها  بالكناية فلإنه لم يصرح به، إنما دل عليه بذكر خواصه ولوازمه. وأما التخيليلة فإنه قد استعير للمشبه لذلك اللازم الذي يختص بالمشبه به، فيتخيل أن المشبه من جنس المشبه به كناية فأناخ حقيقة في الإبل ومجازا في الجيوش فتشبه الجيوش بالإبل تشبيها مضمرا في النفس و هذا كناية. وذكرك أناخ الذي هو من لوازم المشبه به تخييل. ومثال التحقيقية الثابتة حسا كقوله عندي أسد يقرأ هنا  مستعار للرجل الشجاع وهو أمر متحقق حسا وعقلا كقوله تعالى "اهدنا الصراط المستقيم" أي الدين الحق وهو ملة الإسلام. وهذا أمر متحقق حسا وعقلا وما مر لنا في المكنية إنما هو مذهب القزويني وهو مخالف لمذهب القوم وذلك مخالف  لطريق السكاكي، انظر  ذلك في محله والله الموفق.

والرجس القذر قال القرافي في قوله تعالى: "يجعل الرجس على اللذين لا يعقلون" هو العقاب والغضب. والإسبانيون نسبة إلى إسبَانيا مدينة قديمة كانت قاعدة ملكهم وأما الآن قاعدتهم مدريل باللام مدينة الطاغية كما أن الفرنج قاعدتهم الأولى فرنسة ثم  تلاشت و بقي النسب إليها. يقال فرنجة وفرنسة لكن في ابن خلدون أن التسمية الثانية من وضع العامة: والاسبانيون هؤلاء من اللطينيين وهم اللكتيم* وكانوا من أعم ملوك العالم وكان لهم استيلاء على جانب بحر الروم من الأندلس إلى رومة إلى القسطنطينية  والمغرب وكانت لهم حروب مع جميع أجناس العالم يطول بيانها. كانوا أولا من المجوسية إلى أن ظهر الحواريون وبثّوا على دين المسيح بأرضهم وتسلطوا عليهم مرة بعد  أخرى ثم أخذوا بدينهم وأول من أخذ بدينهم قسطنطين بن لوثيوش[24] وأمه هلان بنت مخشمليان وسموا نَصَارى نسبة إلى ناصرة القرية التي  كان فيها مسكن عيسى عليه السلام، لما رجع من مصر مع أمه.  ونصران من أسماء المبالغة ومعناه هذا الدين في غير عصبة،  صاحبه يهودي من ينصره من اتباعه لأن نبي الله عيسى عليه السلام إنما هو من بني اسرائيل من سبط يهود بن عمران عليه السلام. لأن عمران أبا مريم عليها السلام من ولد ماتان بن يوحنا بن يوشا السادس عشر من ملوك بني سليمان.

لطيفة: دخل يحي بن يعمر العدواني على الحجاج بن يوسف يوما فقال له: أنت الذي تقول الحسين من ذرية الرسول عليه الصلاة والسلام"، قال، نعم، قال له: آتني بالمخرج وإلا طرحت أكثر شعرك بالأرض". قال يحي:  وأن أتيت بالمخرج فأنا آمن." قال: نعم، قال له: اقرأ أيها الأمير" وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه" فقرأها الحجاج ولما ذكر عيسى اعترف بالحق وقال له: خلّف أبوك عالما فذا كأني ما قرأتها أبدا" وولاه قضاء أرضه إلى أن مات. وجه الجواب أن عيسى من ولد بنت إبراهيم عليهما السلام. وروي أن يحي لما رجع إلى الحجاج قال له: جعل الله عيسى من ذرية إبراهيم عليهما السلام من بعد ما بينهما. وهذا الحسين ما بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم إلا فاطمة رضي الله عنها.

ونسب هؤلاء الروم إلى روماش[25] باني رومة من ولد علجان  بن يافت بن نوح عليه السلام ولذا يقال لهم العلوج وبعض المؤرخين وتبعهم بعض ضعفة المفسرين وأكثر الفقهاء في مبحث الجهاد يزعمون أنهم من ولد ينسوس بن عطاس بن عيصو بن إسحاق وقد أنكر ذلك  المحققون وأبوه، لأن ابن حزم  ذكر أن بني عيصو  بن إسحاق بادوا جملة وخطأ من قال إن الروم منهم. وقال إنما وقع الغلط لأن موضعهم يقال له أروم. وفي التوراة أن عيصوا اسمه أروم فلذا يقال لهم بني الروم ومعناه بالعبرانية الجبل الذي لانبات فيه. فهذا سبب الغلط. قال ابن خلدون "إن ظن ظان أن قول النبي صلى الله عليه وسلم للجد بن قيس في غزوة تبوك:" هل لك في جلاّد ابن الأصفر..." العلم يدل على أن الروم من بني الأصفر وهو عيصو[26] فليس كما ظن لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عني بني عيصو على الحقيقة لا الروم لأن مغزاه كان لناحية السرات مسكن بني عيصو.

وذهبت هيلانة لبيت المقدس للزيارة وسألت عن موضع الصليب فأخبرت أن  اليهود ملؤه  (كذا) زبلا. فلزمتهم طرحه على الصخرة الشريفة فاستخرجت ثلاثة خشب وسألت أيتها فقال الأسقف: علامتها تحيي الميت إذا مسته" فصدق ذلك بالتجربة واتخذ النصارى ذلك اليوم عيدا وبنيت ثم[27]  الكنيسة المعروفة بالغمامة.

وكان تنصر الروم 328 من مولد المسيح عليه السلام. وكان قسطنطين حمل اليهود على النصرانية ويقتل كل من امتنع من أكل الخنزير ثم أمر ببناء بيزنطة وسماها باسمه. وسبب إسلامه مع شدته على دين نبي الله عيسى عليه السلام؛ قبله أنه كان به الجذام بدعوة بطرك عليه فقيل له شفاؤك في دماء الأطفال تغسل به، فجمع منهم عددا ثم رقي لهم فاطلقهم، فرأى في منامه يحض على التحلل من البطرك فاحسن له ورده من نفيه فبرأه، فحينئذ تنصر.

وأكثر النصارى على هذا البحر، الإفرنج وهم بني يافث بن نوح عليه السلام بالاتفاق، وهم في بسائط على عدوة البحر الرومي من شماله و جزيرة الأندلس غربهم تفصل بينهم وبينها جبال متوعرة ذات مسالك ضيقة يسمونها البرة* وسكانها الجلالقة من شعوب الإفرنج واستولوا من الجزائر على صقلية وقرطيش وجنوة  واستولوا على قطعة من الأندلس إلى برشلونة ومن الإفرنج البنادقة وبلدهم يحافي خليجا يخرج  من بحر الروم متضايقا  إلى الناحية الشمالية ومغربا بعض الشئ على سبعمائة ميل من البحر مقابل  لخليج القسطنطينية وعلى  ثمان مراحل غربه من بلد جنوة الخ..

فائدة، أول من تنصّر من الروم قسطنطين كما مرّ و أول ملوك حمير تهود، أبو كرف أسعد  بن صيفي وأول من وضع الستار على الكعبة الشريفة تبع بن وردع على ما في اللباب. مستهل السنة الألف من وفاة هذا الرجل الصالح، أوحي الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وأول ملوك المشرق حارب في المغرب، ياسر بن عمر بن يافور المشهور بياسر الناعم ولده "شامِر كهند" هو الذي بني سمرقند قبلة بغداد، على مسافة ستة أشهر وأول من وضع على رأسه تاجا ذهبيا حمير بن سبأ قاله ظاهر مؤرخ الفرس. وأول من استعمل الخمر ملوك بابل السريانية وقال  هرشيوش** مؤرخ الروم كان سور بابل في دوره ثمانون ميلا وارتفاعه مائتا ذرع وعرضه خمسون، ومادة تشييده من الآجر والرصاص يتخلّله مائتا باب من النحاس في علوّه  مسكن الحرس وعلى جانبيه العساكر وحوله خندق عميق تملأه مياه الفرات. و كان قيرش ملك الفرس لما غلب على بابل هدمه.

و بنو ميم أهل العراق أول من بنى الدور وسقفها خشب. منهم نسب الفرس. وأول ملوك  اليمن غزا الروم عقلمة بن مرثد وهو أول من لبس اللثام.  وأول من ملك الأرض من ذرية نوح كنعان بن كوش بن حام. وأول من تكلم العبرانية عامر بن زمخشد، في مدة  ملكه  بادت اللغة السريانية. وأول من زاد يوما على السنة الملك "عازية" من نفر داود من بني إسرائيل.و أمر ذلك في أربع سنوات بزيادة يوم بالسنة الأخيرة. وسببها أن الشمس في  دورانها تتراجع بربع يوم  في كل سنة. وأخذت اليهود بالسنة الشمسية.

ومعنى هذا البيت أن كفرة الاسبانيين أذلهم الله أخذوا منا مدينة وهران سنة خمس عشرة من القرن العاشر غذرا بمداخلة يهودي ونكبوا أهلها بين قتل وأسر. وأما برج المرسى فأخذوه قبل ذلك سنة إحدى عشرة. والرجس من رجس كفرح وكرم، والرجاسة: عمل عملا قبيحا انظر القاموس.

جحا فل الكفر قد حموا جوانبها  \   وعن دفاعهم عجز أبو قلـمس

الجحفل بتقديم الجيم الجيش وفي القاموس جحفل الجيش الكبير. قال عنترة مخاطبا لزوجته عبلة

سلي فزارة عن فعلي وقد قربوا  \   إلَيْ في جحفل كالعارض الهطـل

تهزا سمر القنا حقـدا عـلي إذا  \   رَأت لهيب حاسمي زائد الشغل

و قولي حموا منعوا و لم سمي حما لأنه ممنوع من غير محمية و أول من حمى كليب بن ربيعة التغلبي و كثر في الجاهلية فلما جاء الإسلام قال رسول الله صلع لاحما إلا لله و رسوله و قولي جوانبها أي جهاتها. و لَمّا وفد تميم على رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال لعمر بن الأهتم: أخبرني عن الزَبْرِقَان، قال مطاع في إجابته "حامي لما وراء ظهره، قال الزبرقان: لقد علم لي أكثر من هذا و لكنه حسدني، فقال عمر: و الله يا رسول الله إنه لأحمق الولد لئيم الخال ما كذبت في الأولى و لقد صدقت في الأخرى قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: إن من البيان لسحر قول.

و عن دفاعهم عجز أبو قَلْمَس.

وحمايتهم لها جوانبها بالأبراج والمدافع والجيوش التي لا تدافع، وكان ذلك أيام آخر ملوك تلمسان من بني زيان وهو السلطان أبو قلمس الزياني. قال الشيخ عبد الرحمن الجامعي فيه وهو ممن لم يهنأ  له بالملك قرار ولا استقرت به في المملكة عمارة ولا دار ولم يكن للمسلمين دفاع ولم يبق لهم فيه طمع باجتماع وزاده على ذلك الأمر، أمر آخر أدهى وأمرّ و هو توجه الرعايا إلى خير الدين لما استقر بالجزائر في جند من الأتراك، بل أفضى ذلك إلى أخذ تلمسان  من  يده وءال أمره إلى الاستصراخ بالنصارى فلم  ينفعه ماسوَّل له الشيطان المارد بل كان ذلك كضرب في حديد بارد.

و عاث دك ببطحتيها مجتلبا  \ علينا لم يبل بنا مكثر الدفس

عاث أفسد و العتو الفساد و دكّ كان رئيس نصارى وهران و البطحاء فضاء متسع وأصل البطحاء مسيل واسع فيه دقاق الحصى و المراد ببطحتيها سيرات وما اتصل بها من ملاتة و القاعة أرض سويد و كثيرا ما يعبر أهل التارخ عن أرض سويد بالبطحاء و قولي مجتلبا أي يجلب الجيوش من الكفرة وانضم إليهم من قبائل أهل الإسلام كحميان و قيزة و شافع و نحوهم من جفاة الإعراب، علينا أي معشر المسلمين و قولي لم يبل لم يكثرت بالمسلمين وأصل لم يبل يبالي حذفت ياؤه للجزم فصار يبال فلما كثر استعماله صار بمنزلة مالم يحذف منه شيء فقدروا تكوين الجازم عليه مرّة أخرى. حذفت حركة اللام للجزم فسكت اللام و قبلها ساكن و هو الألف فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار "لم يبل" حينئذ. قال أبو العلاء المعري:

إذا أنت أعطيت السعادة لم تبل \ ولو نظرت شررا إليك القبائل

تقتد على اكتاف أبطالـها القــنا \ و هابتك في إغماد هن المناصل

كل شاهد لم يبل في الصدر الأول من البيت الأولى و كأنّ البيتين قيلتا في عدو الله دُك، فهذا من غريب الاتفاق و المراد بالسعادة النصر و مثل هذا في الاتفاق أن المأمون لما زفت له بدران بنت الحسن بن سهل أمر أبوها بأن يفرش لها بساطا من ذهب كان هيأه لها و ينشر عليه الدرّ، فلما دخل عليها المأمون في بيت البناء رأى ما أخجله ثم رحم الله أبا نواس كأنه حيّ ينظر لهذا حيث يقول في وصف الخمر حين تصب في الكأس:

كل صغرى و كبرى من فقاقهما  \  حصباء در على أرض من الذهب

وقولنا مكثر الدفس أي أكثر التوغل في بلاد الإسلام بشنّ الغارات و بعث البعوث. يقال دفس في البلاد دفوسا أو غل فيها و الوتر في الأرض مضى و جَمَلٌ مدفس كَمَنْبَر، شديد. دفوس و دفيوس ملك إتخذ مسجدا على أصحاب الكهف ودفيانوس ملك هربوا منه و كان أبعد الناس في الجاهلية غارة شراحيل الأصهب من بنى سعد العشيرة بطن من مدحج كان يغزو من حضرموت في اليمن إلى البلقاء في الشام في مائة فارس من بنى أبيه. يقول نابغة بني جعدة لما قتلوه:

أرحنا من مقراس شراحيل بعدما  \  أراها مع الصبح الكواكب مـظهـرا

و عــقلمـة الحراب أدرك أرضـنا  \  بذي الريث إذ صام النهار واهجرا

و من المتواتر في أهل بلدنا أن الكفرة مرّة غزوا على قوم أبي مهدي الشيخ سيدي عيسي بن موسى التيجاني* في وسط المائة العاشرة و هو حينئذ نازل شرقي نهر الطاغية فَأَتت قنبرة أمامه و صارت تذرى التراب و تصوت فأمر بالرحيل من حينه وكان عارفا بزجر الطير فعبروا النهر و دخلوا في غيطة**عظيمة يقال لها دار الهناء فلم يكن الإيسيرا و إذا بالجند واقف في حافة الواد الشرقية من الكفرة و بنى عامر فلما لم يروا أحدا رجعوا ولم يعبروا النهر. و من ذلك أنهم غزوا فروحة أرض الشيخ محمد بن يحي مقرئ الجن فلقوا خيلا من بنى عباد أحد بطون الحشم فتحاربوا فاستشهد منهم العروصي قبلة كدية عطية وأخذوا رأسه و فرسه وانقلبوا إلى وهران وافتكوا بقرية "الطرك" غير مرّة حتى استأصلوا ساكنها وهرب الجلّ الباقي و هم سبب خرابها إلى غير ذلك مما لا يحصى.

وأما هبرة أهل سيرات*** فاتصلت وقائعهم بهم حتى تلاشوا وقل شعبهم لهذا العهد و كان وافق ذلك خروج المسلمين من "الحمراء" أحد معاقل غرناطة لما ضايقتهم عساكر الكفرة ولم يجدوا مغيثا فأمنهم الكفرة على أنفسهم وأذنوا لهم في الخروج فصاروا يخرجون إلى مرسى رزيو و هبرة يرصدونهم فكل من فارق البحر سلبوا ماله، سمع بذلك ولى الله سيدي محمد قدار[28] زحف إلى قبائل هبرة بجنود سويد فكانت بينهم حروب و بعوث الكفرة تغزوهم أيضا مرّة بعد مرّة حتى كان نساؤهم يجتمعن ليلا في أواسط الحلل و يَقُلْنَ "جينا بين النار و النار، بين نصارى دُكّ و نصارى قدّار، دبّر يارب علينا". بهذه الألفاظ يرفعن أصواتهن و يسمونه التبراش و المراد بنصارى قدّار عندهم سويد. ومرّ لنا أن نسب هبرة و سويد واحد. و ممن خرج من هذا المرسى الولي الأكبر و العلامة الأشهر سيدي أحمد بن عاشير و ذلك في شوال سنة ثمانية عشر وألف وانظر هذا مع قول العالم الأجل الذي صار سير المثل.وضربت له أباط الإبل سيدي محمد المسناوي الفاسي أن غرناطة دخلها النصارى سنة 897 وهي آخر ما  فتحوا من أرض أندلس.

ورجّ أرجاءها لما أحاط بها                    فغادر الشم من أعلامها طمس

يقال رجّه، يرجّه رجّا، زلزله وفي الحديث: من ركب البحر حين ترتج فلا ذمامة  له[29]، يعني اضطربت أمواجه وأرجاءه جوانبه والرجاء الجانب من البئر والحائط ونحوه وغادر ترك قال ابن دريد: كم قد هوى في جثة غوادرها من بعد ما كانت خسا فهي زكا: أي تركها زكا أي شفعا من بعد ما كانت خسا أي و ترا و الغدير اسم السيف ورجل وواد بديار مضر والشم بضم الشين المعجمة جمع أشم وهو العالي. قال همام بن غالب الملقب الفرزدق في مدح زين العابدين رضي الله عنه

بكـفـه حيـزران ريحها عـبـق   \  من كف أورع في عرنينة شمم.

 وقال حسان رضي الله عنه في مدح ملوك بني جفنة من غسان

بيض الوجوه شريفة أحسابهم   \ شـم الأنـوف من الطراز الأول.

وقولي من أعلامها جمع علم وأصله الجبل الشامخ العالي. قالت  الخنساء في مرثية أخيها ضَجْر بن عمرو من بني الرشيد بطن من سليم:

وإن ضَجْر التماتم الهداة به  \  كأنه علم في رأسه نار

وأصل هذا أن العرب كانت من فرط جودها، يأمر الرجل عبده يوقد نارا في رأس جبل ويمكث عندها ليهدي لها الضيفان. قال الشاعر:

إذا ضل عنهم ضيفهم نشروا له \ من النار في الظلماء ألوية حمراء.

ومرادنا بالشم من أعلامها هنا أعالي بنيان وهران ومعنى طمس أي درس ومحي وذلك فيما يقتضي هدمه عندهم كمنار آذاننا وتشييد مساجدنا. ولما دخل النصارى طليطلة سنة 577 فأول ما بدأوا هدمهم فور دخولهم منار الجامع الأعظم ومحرابه وكان الشيخ المقامي المذكور في "مورد الضمآن" جالسا عند سارية من سواري المسجد ينظر لفعلهم وأخفاه الله عن أعينهم ولم يخرج منه حتى صلى ثلاثين ركعة. وطمس بكسر السين لضرورة القافية لأن روي هذا النظم سين مكسورة وهذا كثير شائع في كلامهم ومن ذلك قول أبي تمام في مرثية محمد بن نهشل:

تــردي ثياب المـوت حمرا فـما أتى \ لها الليل إلا أمست من سندس خضر

خضر بضم الراء للضرورة لأن هذه القصيدة رويها راء مضمومة و قبل هذا البيت.

وقد كانت البيض القواصف في الوغى\  بـواتــر هي الآن مـن بــعـده بــتـر.

وقال الأسود بن يعقوب رحمه الله:

مــاذا آمــل بـعـد آل مـحــرق     \  تـركوا مـنارا لـهم وبـعـد إيــاد

أرض الخوانق والسريـر وبــارق    \  والقصـر ذو الشرفات من سـنداد

جرت الرياح على محل ديارهم   \    كـأنــما كــانــوا عـلى مــيعاد

ولقـد كانـوا فـيها بـأنعم عيشة      \ فـي ظـل مـلـك ثـابـت الأوتـاد

وقال بعض الشعراء في أشير التي بناها زيري بن مناد بسفح جبل تيطري لما خربها أبو تاشفين أحد ملوك بني عبد الواد بتلمسان، بعد ذلك:

أشــير حــمزة ذهـبت معـالـمها      \     والـدهـر مـن شـأنــه الـخربــا.

وخالط الخمر والإشراك يا عجبا      \     مـواطـن العلـم والإيـمان ذا تـوس

كـم تلـيت بها من ءاية محكمة      \      فـبعـد طـهرها قد ملئت بالنجـس

كأنها ما حوت شمسا ولا قـمرا      \     لم يدرّ في الناس والعالي من الندس.

يعني خالط الخمر والتلثيت مواطن الإيمان والتوس بفتحتين الطبيعة والأصل يقال فلان من توس صدق وفي القاموس التوس بالضم الطبيعة وهو من توس صدق والمراد هنا أنها أصل في الإسلام لأنها أسست على الإيمان والإسلام وتليت قرئت. قال الخفاجي في شرح الشفاء: لفظ التلاوة خاص بالقرآن والحكمة هي التي سلمت من التشابه والنسخ والندس قال في القاموس الرجل السريع الإسماع للصوت الخفي والفهم ورجل ندس أي فهم ومضارعه يندس بالضم والمنداس المرأة الخفيفة والندس الطعن أيضا. قال جرير:

ندسنا أبا مندوسة العين بالقنا  \   وصار الدم من جريبته نازح

و باقي البيت ظاهر ثم نضم له شملها بعد الشتات ووصل حَبْلها بعد البناة بتشهير أميرنا أبي الفتوحات إلى حزبها فجدد لأهل الإسلام عرسها و عرفت ألفها و إنسها ودام لها السرورو الحبور و قالت الحمد الله الذي أذهب عنها الحزب أن ربنا لغفور و شكور والمعنى أن وهران لما غيرت بالكفر فصار الناس كأنهم  لا دراية بأنها كانت مدين المكارب ومنيع العجائب وموضع قاصرات الطرف اللاتي هن كشمس الظهيرة والغلمان الذين هم كهالة البدر المنيرة ولا حوت الغالي الجيد من غير ذلك لتبدل حالها وتغير محالها.

قلت فيه :

فـقـد سـد ثـلـما كـان يـخشى اتــساعــه \ و رقـع خرقــا مــا علـيه مزيـد

و أصلـح مـــا قـد أفــسـدتــه صــروفـــه \ وأزاح مـــآثـر فـخــاب حـسود 

و قــَوَّم مــعـوجًا مـــن الثــغـر فاسـتـوي \ و بــلـغـــه مـا كــان منه يريد

نفى عنه خبث الشرك و الرجس و الأذى \  و كم من رميم عاد و هو جديد

و جــل كــروبــا عــمّ في الخلــق و قعها \ و هــَمَّ لــه وســط الفؤاد ركود

وأشــرق أنــوار الهـدى بـعــد حـجـبها  \  أنــارَ لـهـا دانِ و ضــاء بـعيد

و أطـلــع فـي أفــق الســعـادة أنـجــما  \  لـهـن تــرف في العلا و صعود

و عـــَمَّ و فـــود العـــالمــيــن بــنـيـلـه  \  فــذكــر لــه بـين الأنـام مشيد

مــــواس لأهــل العــلم في كــل بـلـدة   \  و إن لـم تكُـنْ مـنهم إليه ورود

جــديــر بــأن يــدعـى و حــيد زمانه   \  و تــفــخــر أبــنـاء به وجدود

فــكــم رســم مــجـد كـان قـبـله باليا    \  و كـم من رميم عاد و هو جديد

فــجــمع خــصــال الكـمــال مـنيــفة   \  فــهــو بــها عـن الـملوك فريد

مَدَّ الله أميرنا النعمة و أسعد بطول عمره الأمة و كمل به الكرامة و أصحبه النظر و السلامة و متع به الخاصّة و العامّة و جعله الله عصمة للدين و حصنا للمسلمين وأعانه الله على ما قلّدهُ و حفظه على ما أستعمله. 

نــظـير مــا  فـعــل نــفـل بــملطية    \   عــفـى بالـذل والصّقار والوكس

نفل هو قيصر، نفيل بالتصغير ملك الروم بالقسطنطينية وملطية مدينة عظيمة من مدن أرض الجزيرة  مما يلي بلاد الروم  بينها وبين الرقة  خمسون فرسخا، خربها الروم في صدر الإسلام وبناها المنصور سنة تسع وثلاثين ومائة وجعل عليها سورا ونقل إليها عدة  قبائل من العرب وبقيت  بيد المسلمين إلى أن غزاها نفيل هذا سنة ثلاث وعشرين ومائتين، فقتل وسبى وغنم فنادت امرأة من أساري المسلمين "وامعتصماه" فبلغه ذلك وهو بكرسي ملكه  ببغداد، فخرج ورقي القصر وقال: لبيك ثلاثا ثم جمع الجنود من فوره وسار بجنود لا يحصرها عدّ فيها بضعة وعشرون ألفا من ممالكيه الأتراك واستوزر اثنين منهم وهما إسناس والافشين، فجعل الأول على الميمنة والثاني  على الميسرة وهو على القلب. فهزم الروم وقتل منهم ثلاثين ألفا وسبى مثلها وخربها وفي منقلبه: قتل العباس ابن أخيه المأمون، فوكل به الافشين وأمره أن يمنعه من الماء فمات عطشا لأنه توهم منه الثورة  عليه وإسم المعتصم محمد بن هارون الرشيد وكنيته أبو إسحاق ولقب  بالمثمن.

خـلا له الـجو فامـتدت يـداه إلـى   \     أدراك ما لم تنل رجلاه مختلس

الضمائر عائدة لدكّ. يقال أخلست الشيء واختلسته إذا أسلبته والتخالس  التسالب والاسم الخلسة بالضم وخلس النبات إذا اختلط رطبه بيابسه، كذا للجوهري ونحوه في القاموس وقال غيرهما المختلس  هو  الذي يأتي بسمة حتى يؤمنك ثم يخطف الشيء ويهرب جهارا والمراد هنا الناهب للأموال وغيرها، أي أن دكّا امتدت يداه إلى مالم يكن يطمع فيه قبل ولا أحد تحدثه به  نفسه حتى صار يغير على البعيد من مصره ويأتي بالأموال والأساري إلى قصره حتى  أَذعَنَتْ الناس لنهيه وأمره وصار يشرد[30] منه الأبْعَدُ الذي على مسافة العدوى أو أزيد  وقعد لأهل الإيمان كل مقعد وأرصدهم كل مرصد وأتمم وأنجد. قال الشيخ عبد الرحمن الجامعي في شرحه: كنت وفدت عَقِبة الفتح بقليل على الراوية النقاد: سراج التحقيق الوقاد منهل العلوم الأصفى: أبي عبد الله محمد المصطفى الرماصي*، فوجدته يسكن بأهله بيوت الشعر قرب غابة في رأس جبل يأويه ليلا ويظل نهارا في داره ومسجده يطالع كتبه ويقرئ طلبته، فسألته عن ذلك فقال:  كنا على هذه الحالة على عهد النصارى خوفا منهم لأنّا لا نؤمن في الدور إن يصكّونا ليلا، فخرجنا لبيوت الشعر فيسهل علينا الفرار لغابة الجبل. فانظر إلى  أين بلغ  بالمسلمين خوف أولئك الطواغيت المفسدين  ولا يعرف حلاوة الأمان إلا من ذاق مرارة الخوف.

وأخبرني أيضا المرابط الخير أبو يحي السيد علي بن حسون العبدلي أنهم كانوا لا يهنأ لهم في بلادهم نوم إلا إذا جعلوا من يحرسهم ومهما نام أحدهم يهدّئ باغارة النصارى عليهم ويصرخ في نومه من شدة  خوفهم منهم وغزوا وطن تَاسَالَةَ فأسروا الولي الصالح السيد أبلاحة** وبناته الثلاث فبقوا بوهران سنة ثم فَدَاهُ وفدى إحدى بناته أبو عزة بن حميدة شيخ أولاد سليمان وفدى الأخرى الشحط شيخ أولاد علي والد دموش فزوجها له وبقيت الثالثة، فكثر بكاء أمها عليها، فخرج  أبوها لساحة بيته فتوضأ ودعا الله  وإذا بها مقبلة  فقال لأمه: أخرجي لبنتك. فسئلت فقالت إني أمشط رأسي فنقر في طَّير أبيض فتبعته حتى  أوصلني.

الجو هو مسافة مابين السماء و الأرض و قيل ما يلي الأرض و خلا الجو كالمأخوذ من قول كليب بن ربيعة التغلبي:

 فيالك من قنبرة بمعمر \  خلالك الجو فبيضى و أصفري

وانظر ما شئت أن تنظر و ذلك أنه حَمىَ حَمَاهُ و باضت فيه هذه القنبرة فكان يقول لها ذلك فدخلت الحمى ذات يوم ناقة الباسوس و هي ضيفة عند إبن أختها جساس بن مرّة  الشيباني فوطيت ذلك البيض فافسدته فلما أخبر كليب بذلك ذهب إلى الناقة ورماها بنبل لضرعها فقتلها فلما علم بذلك جساس رمي كليبا بنبل فقتله و ذلك قول الشاعر

كليب لعمرى كان أكثر ناصرا   \  وأيسر دنبه منك ضرج بالدم

رمى ضرع ناب فاستمد بطعنة  \  كماشية البرد اليماني المسهم

أي المخطط و في المثل أغرّ من كليب و هو أحد الثلاثة الذين سادوا على قبائل ربيعة و قبائل مضر فبسبب قتله دارت الحرب بين تغلب و عميدها أخو كليب مهلهل و بين بني شيبان أربعين سنة و من شيبان الحارث بن عباد صاحب النعامة و هي فرس له مشهورة عند الحرب و في التنسي أن الحارث بن عباد هذا قبض على مهلهل في إحدى الوقائع ولم يعرفه فقال له أيها الأسير :"إن دللتني على مهلهل سرحتك "فقال له" أنا مهلهل" فسرحه و من شعر الشيخ أبي على الحسين بن أبي الشَّحْنَا العسقلاني المشهور

حجاب و أعجاب و فرط تصنف \  و مـديد إلـى العـلا يتــكلـف

و لـو كــان هـذا مـن وراه كفاية  \  عذرنا و لكن من وراه تخلـف

قتل بخزانة الجنود و هي سجن بمصر سنة إثنين وأربعمائة رحمه الله و كان قوم ذكروا أن معاوية يوما، فلما سمعهم عمر قال لهم دعونا من ذم فتى قريشى لا ينال ما فوق رأسه إلى ما تحت قدمه و قال العلامة اللغوى، الأديب النحوى الذي طلعت دواوينه في المشارق و المغارب، طلوع الشمس في الغياهب. وتأليفه أبهر مواضع وأشرف مطالع سيدى الشريف الغرناطى في شرح مقصورة حازم: أن الطاغية بعث إلى يعقوب المنصور إني سمعت بك تنهي الغزو مرّة بعد أخرى و أنك تقدم رجلا و تؤخر أخرى وأنتم تقولون أن المائة منكم تغلب من النصاري مائتين، هذا في الزمان المار وأما الأن فبالعكس: أع و بخ !

فلما سمع المنصور كلامه و فهم خطابه كتب له الجواب: ما تَرى ما لا تَسْمَع. فذلك سبب وقعة الأرك ومما ينبغي أن يدرج هنا أن رجلا جبانا قيل له في بعض الوقائع تقدم فأنشأ يقول:

و قالـوا تـقدم قلـت لسـت بفاعل \  أخاف على فخارتى أن تحطما

 فلو كان لي رأسان جدت بواحد \  و لـكنـه رأس إذا مـات أعـْقَمـَا

و لـو كـان مبتعا لدى السُوق مثله  \ فـعـلت و لـم أجعل بأن أتقدمـا

وأوتـــم أولاد وأرمــــل نــســوة   \  فـكيـف على هذا ترون التقدما

و لم يقل كعنترة.

ولا نـفــر إذا وقـعـت مـعـمـعـة  \   فــما يزيد فرار المرئ في الأجل

وســار سـيرتـه فـينا من أعقبته  \   و كلهم مقتف أرجوا و مردنس

في أخـذهــم بلـنـسيـة و قرطبة   \   مـريــة معــتصم بها و بطليس

أي سار سيرة دكّ فينا معشر المسلمين من أعقبه من عمال الكفرة بثغر في شنهم الغارات وأخذ الخَرَاجات و السبي و الأسر و خسف الذل و القهر و كلهم متفق، أَرْجُوا أن و مردنس إلخ. وكان ذلك سنة ثلاث وثلاثين و ستمائة فزحف الكفرة بسبع محلات لحصار المسلمين إثنان منها على بلنسية وشقرة و شاطبة و محلة بجيان و محلة بصيرة و محلة بمرسية و محلة بِلُبْةَ وأهل جنوة من الفرانصيص و من وراء ذلك على سبتة ثم ملك طاغية فشتالة مدينة قرطبة في آخر سنة ثلاث و ثلاثين وستمائة و ظفر طاغية أراغون بالكثير في حصون بلنسية و جزيرة شقرة و بنى حصن أنوشة لحصار بلنسية و أنزل به عسكره وأنصرف فزحف زيان بن مردنيش من الموحدين ومعه أهل شاطبة و شقرة إلى الكفرة فانهزم المسلمون وأصيب أكثرهم و استشهد أبو الربيع بن سالم شيخ المحدثين بالأندلس  و كان يوما عظيما أمرًّا و عُنْوَانًا على أخد بلنسبية ظاهرًا ثم زحف طاغية أراغون سنة خمس و ثلاثين فاستمكن من نكايتها و فشل ريح عبد المؤمن فبايع أهلها الأمير أبى زكرياء وأوفد عليه إبن مردنيش كاتبه عبد الله بن الأبار القضاعي و أدّى بيعتهم في يوم مشهود بالحضرة واستصرخه بقصيدة التي أولها:

أدرك بخليك خيل الله أندلسا \  إن السبيل إلى منجاتها درسا.

فاجاب الأمير داعيتهم و بعث إليهم أسطولا مشحونا بالطعام و الأسلحة و المال وكانت قيمة ذلك مائة ألف دينار فجاءهم الأسطول بالمدد و هم في هولة الحصار فنزل بمرسى دانية واستفرغ المدد بها و رجع بالمال[31] إذ لم يجد له طريقا و كثر الهلاك من الجوع فسلمت للطاغية صلحا سنة ستّ و ثلاثين و ستمائة.وخرج منها إبن مردنيش إلى جزيرة شقرة في سنته و ذهب إبن مردنيش إلى دانية التي منها أبو عمر الداني صاحب القراءات و في سنة أربع و أربعين أخذ الطاغية "رُدْرِيك" برشلون ومرسية التي ينتسب إليها القطب أبو العباس المرسي بضم الياء نفعنا الله به و ضريحه بالأسكندرية مشهور وخرج عنها إبن هود و البقاء الله سبحانه.

و من العجب أن إبن الأحمر الأنصاري ثم الخزرجي من ذرية سيدنا سعد بن عبادة رضى الله عنه، و كان إذ ذاك ملك غرناطة قد أعان الطاغية على بلنسية بمدده و ميرته* ولا حول ولا قوة إلا بالله. و في خلال ذلك أخذت شريس وطريف وأخذت مالقة سنة ثمان وأربعين و ستمائة و سرقسطة قبلها سنة ست و ستمائة وأخذت ميورقة سنة سبع و عشرين و ستمائة من يد أبي يحي التمللي وأنما فتح السلطان أبو الحسن تلمسان وآستولى على ملك بني زيان، أوقع في البحر باساطيل الروم الوقعة الشهيرة يوم السبت سادس شوال عام أربعين ثم جاز البحر إلى الأندلس فنزل طريف و زحف إليه سلطان برتقال ثالث محرم فكانت للروم على المسلمين هزيمة شنيعة حصدت فيها شوكة المسلمين. إنَّا الله و إنا إليه راجعون.

ثم أجاز البحر إلى سبتة.

وقولي مرية معتصم، المرية بفتح الميم وكسر الراء من قواعد الأندلس المشهورة و كانت في الإسلام لبني شمادة وهو الذي مدحه شاعر من أهل بلده فحلف أن يمشي على الدنانير منثورة في طريقه إلى داره وأخذت المرية في تاريخ إثنين وأربعين و خمسمائة.

حكاية طريفة و مسألة من العلم شريفة. و قطع سلطان المغرب يوسف بن تاشفين حين عبر إلى الأندلس بقصد غزو الإفرنج وأوقع بهم الهزيمة المشهورة و طلب من أهل البلاد المعونة على ما هو بصدده ووصل كتابه مدينة المرية في ذلك، يذكر فيه أن جماعة قد أفتوه بذلك إقتداء بعمر بن الخطاب فقال أهل المرية لقاضيهم أبي عبد الله بن البراء و كان من أهل الدين و الورع: لا بدّ أن تكتب له جواباً. فكتب إليه أما بعد، ما ذكره أمير المؤمنين في المعونة وأن أبا الوليد الباجي و جميع القضاة بالعدوة و الأندلس أفتوه بأن عمر رضى اله عنه إقتضاها ولا شك في عدله، فليس أمير المؤمنين ممن يشك في عدله، فإن كان الفقهاء أنزلوك منزلته في العدل فالله سائلهم عما تقلدوه فيك  و ما إقتضاها عمر حتى حلف في المسجد ليس عنده درهم واحد في بيت المال فادخل أنت المسجد وآحلف بحضرة أهل العلم و حينئذ تستوجب". نقله البناني في المصارف و قوله أمير المؤمنين، هذا اللقب لم يتسم به يوسف ولا غيره من قبله من ملوك المغرب وإنما أول من تسمى به يوسف بن عبد المؤمن كما مرّ وهو معلوم عند من مارس و ذلك بعد موت يوسف بن تاشفين بثلاث و ستين سنة.

ومما يتعجب منه أن السلطان أبا زكرياء الحفصي جفت ريح الخلافة في أيامه ولم يبق مدعما إلا في أَوانه لا في بغداد و لا في مراكش و أخذت أكثر الأندلس في أيامه وزمن إبنه محمد ممدوح حازم حتى أن أهل الحرمين الشريفين كانوا قائمين بالدعوة العباسية منذ حولها لهم يوسف بن أيوب الكردي فلما إستولى التتار على بغداد كما مرّ، أرسل شريف الحرمين من ولد الحسن بن على بالبيعة للسلطان محمد المنتصر بن أبى زكرياء و كتبها الفقيه عبد الحق بن سبعين و هي طويلة عجيبة و لما وصلت هذه البيعة استحضر السلطان العامة و الخاصة و قرأها عليهم القاضي أبو البراء وأظهر رفعة السلطان و دولته بطاعة أهل البيت و الحرم. و في سنة اثنين و خمسين و خمسمائة قدمت بيعة أهل فاس وأقامها يعقوب بن عبد الحق بمراكش لما إستولى عليها و بايعه صاحب برنو من السودان ومواطنه قبلة طرابلس وأهدى إليه هدية عظيمة ضخمة من جُمْلَتِهَا الزرافة وبرز إليها جميع الخلق حتى ضاق بها الفضاء. وهذا السلطان هو الذي أحدث فلوس النحاس المسمى بالناصري تسهيلا على الناس و هو الذي بنى قصبة تونس وإليه تنسب المدرسة التي يدرس فيها شيخنا الشيخ صالح الكواش و في سنة تسع و خمسين من أيامه غزا الفرنج تونس و رجعوا على غير طائل. إن زيان بن عبد القوى من أهل بلدنا و فد على السلطان غازيا الكفرة في سبعة آلاف و تلك الغزوة سبب هدم قرطاجنة.

و قولي: بطليس* هي أحد أمصار الأندلس وأقرب موضع إليها الزلاقة التي كانت بها الوقعة المشهورة. و كانت مدّة ملك الطوائف في قسم بنى الأفطس هي وطريف وما قاربها. و كان هذا الملك ماهرا في العلم ولا سيما الأدب و النوادر وأيام العرب و كان ألف كتابا في الأدب سماه "التذكرة" في خمسين مجلدًا ونسبه توجين بطنا من كندة ثم راجع بعض بنيه ملك ما ذكر إلى أن أخذ ذلك منه "إبن درميل[32] الطاغية وإلى ذلك أشرت بقولي:

طريفة درميل الردى تملكها \  فلم تدم لابن أفطس ولا أفطس   

أول مدينة أخذها النصارى من الأندلس طليطلة و كانت وسط جزيرة الأندلس. فلما رأى ذلك ابن الحسن، قال

حثوا مطاياكم عن أرض أندلس  \  فصار المقـام بهـا إلاَّ مـن الغـلـط

فالثوب ينشق من أطرافه وارى  \  ثوب الجزيـرة أنـشـق من الوسط

من جاور الشر لا يأمن نوائبـه   \  كيف الحياة مع الحيات في سقط 

و رحل إلى فاس وكان أَخْذُهَا سنة سبع و سبعين وأربعمائة و قيل ست وسبعين. وحكي الغزال[33] في رحلته إلى الأندلس سنة 1179 قال: "شاهدنا من حاكم مدينة الخيزرات و هي المعروفة عندنا بالخضراء وقاضيها و غيرهم من الميل إلى الإسلام ما لم نَرَهُمْ لغيرهم و دخلنا مدينة طريفة على شاطئ البحر و سورها طويل من بناء المسلمين. و لما و صلنا قصبتها وجدناها باقية عل ما تركها المسلمون، بها 18 برجًا وقدر ارتفاع السور و الأبراج عشر قامات[34] و بناء القصبة من حجر منحوت شبيه بالرخام و بأعلى بابها رخامة مكتوب عليها بخط كوفي "بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله و صحبه و سلم" "بأمر من عبد الله بن عبد الرحمن الداخـل أمير الـمؤمـنـيـن": و قـال: و لمـا دخـلـنـا اشـبـيـلـية، شاهدنا من عظيم بنائها وارتفاع جدارها وتعدد الصوامع بها ما ذكرنا بمصر في طولها وامتدادها وجرى النهر بنواحيها ممتلئ بها لا حصر له من الأجفان و اسمه لك[35]. و في اليوم الثالث من دخولنا للجامع الأعظم الذي كان للمسلمين رحمهم الله  و قد تهيأ الملاء وآتينا القاضي وكثير من الفرايلية (الرهبان)، فصعدنا إلى المسجد بعشر درجات لارتفاعه على الأرض و هو في غاية الإتقان و السور والسواري من الحجر المنحوت و لا تميز اتصال الحجر بالذي يليه فوقا وتحتا وله 17 بابًا[36] و قد حمل المسجد على 120 سارية كل سارية على 24 شطرا: عرضها 64 شبرا وطولها 15 قامة و بين السارية و التي تقابلها 48 قدمًا و أتخذ الكفرة فيها اليواقيت ومصابيح الذهب و موضع مصلاهم و كراسي الذهب للقراءة، دمرهم الله. وله خمسة و عشرون ناقوسا وأكبرهم فيه 185 قنطارا. قيل أنه يسمع صوته مسيرة يوم."

قال: "ودخلنا مدينة قرطبة و هي مدينة عظيمة هائلة مشيدة على شفير الوادى الكبير الجامع لأودية الأندلس و بشرقها جبل غير شاهق وهو معمور ببساتين لا يأتي عليها حصر، وكذا الديار التي به. وهذا الجبل قريب من المدينة اسمه سيرا مرين* ولما أشرفنا على المدينة من ربوة، رأينا من تشييد ديارها وصعود  مآذينها وتميز جامعها الأعظم لعلوه على جميع المباني واستدارة السور الإسلامي بها، وَجَدنا في نفوسنا من الأسف عليها ما ضاقت أرواحنا من أجله و كيف وقد تذكرنا من كان بها من المسلمين رحمهم الله. فلله الأمر من قبل و من بعد. و مسجدها أعظم مساجد الإسلام طوله ستمائة قدم و قدمان (602) وَعرضه 345 قدمًا و فيه لوحتان متصلتان بالأرض مكتوب على كل منهما البسملة و الصلاة ثم تاريخ بناء الملوك  و من زاد فيه واحد بعد واحد. قال: فصرت أُنَحّى عنهما غبار الأقدام بلحيتي ونزعتهما وجعلتهما بأعلى السور بعد ملاطفة كثيرة. وأقواس المسجد منعقدة فوقها أقواس أخرى لطول سمكه، ولما انتهينا إلى المحراب الإسلامي، فإذا هو باقي على حاله لم يحدث فيه شيء غير أن النصارى حجروه بشباك من النحاس بحيث لا يدخله أحد، و لم أَدْرِ ما السر في ذلك إلى أن فتح الله بفهم موجبه حسبما يسلم به كل مؤمن. و ذلك أن المحراب اشتملت قوائمه و بناءاته على آيات قرآنية نزهها الله من لمس الكفرة ولا مرية أن أسلافهم تشاءموا به لأمر حدث بسبب دخولهم إيّاه، فحجروهُ بسبب ذلك. ولم يفتحوا لنا بابه إلا بعد مراودة كثيرة. ففتحوا من قبة متصلة به خارجة عنه وهو في قبة و شكله في البنيان مثمن بألواح رخام طولها عشرة أشبار وعرضها سبعة و بأعلى الرخامة خط كوفي في غاية الإتقان مفتتح بالبسملة، ثم "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" و قوموا له قانتين، ثم بعده أمر الإمام المنتصر بالله عبد الله الحكم، أمير المؤمنين أصلحه الله بتشييد هذا المحراب رغبة في جزيل الثواب وكريم المثاب. فتمَّ هذا في شهر ذى الحجة الحرام سنة 354 ثم يتلوه ما كان تتميما لدائرة المحراب قوله تعالى: "ومن يسلم وَجْهَهُ لله وهو محسن أستمسك بالعروة الوثقى و إلى الله عاقبة الأمور" ثم دائرة ثانية فوق الأولى "يا أيها الذين آمنوا أركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون" إلى آخر السورة وبخارج المحراب يمينا و شمالا البسملة "الحمد الله الذي هدينا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هَدَانا الله" "لقد جاءت رسل ربنا بالحق" يتلوه أمر الإمام المنتصر بالله عبد الله الحكم أمير المؤمنين مثلما تقدم ذكره حرفا بحرف. و في وسط القبة الخارجة عن المحراب المتصلة به ثلاثة قبور في صناديق من رخام لم أول جهدا في البحث عنها ولم أقف على أثرها و قد غلب الظن أنها للمسلمين ولو كانت للكفار لاعتنوا بالرقم عليها و التمويه و الكتابة حسبما هي عادتهم في مقابر أعيانهم. و قد أخذ الكفار بوسط الجامع تربيعة في غاية الوسع بين أسوار أربعة عقدوا عليها قبة صاعدة في الهواء بعد أن هدموا عدّة من سوارى المسجد الرخامية جعلوا موضعها سوارى بالبنيان، إستدارة الواحدة منها أربعة و ستون شبرا و قد إستداربا لسَّوَارِى شباك من نحاس مذهب إتخذوا هذه المواضع لمصلاهم و جعلوا به صلبانهم مع تصاوير عديدة بعضها من الذهب و بعضها من اللوح و الحجارة و بقرب الجامع قصبة ملك المسلمين يسكنها الأن قاضى البلاد. و قولي طريفة بالتاء كما في رحلة الغزال و بغير تاء كما لابن خلدون.

عدّة أعوام و الإسلام في شخص  \  لذا تعدوا ملوك الصفر أندلس

قد مرّ لنا أن ملك بنى أمية أنقرض من الأندلس في حدود سنة ثلاثين و أربعمائة، فافترق حينئذ أمر الأندلس وآختلَّ عقد نظامه لتعدد حكامه وأمرائه، تجد أهل بيوت الملك قد أخذوا برأي الأحداث و الزعانف*، فلذا تعددت فيه ملوك الطوائف و فسدت آراؤهم واختلفت أغراضهم وافترقت كلماتهم، مدّة تنيف عن مائة عام. فطمع العدو في ملكهم و شمّر لحربهم و هم مع ذلك في فتن متصلة وآراء مضمحلة ولم يجتمعوا على ملك بأمرهم يقوم إلى أن كان ما هو مشهور معلوم. وهذا معنى قولي عدّة أيام إلخ... واشخص بشين معجمة وآخره سين مهملة الاضطراب والاختلاف كما في الجواهرى و القاموس فلأجل ذلك تعدوا (كذا) ملوك الكفرة. و قولي الصفر هم الروم و في البخاري "أنه ليخافه ملك بنى الأصفر" و قد مرّ لنا تمييز أرض الفرنج في تلك العدوة وأصل الكلام أن تعدوا ملوك الأندلس الصفر فالصفر نعت لملوك أندلس ففصلنا بين المضاف و المضاف إليه بالنعت وهو جائز في حالة الضرورة و قولي تعدوا هذا على لغة أكلوني البراغيت ولا يَصُحّ تجريد الفعل المستند لفاعله للمثنى و الجمع كما قال ابن مالك.

و جـرّد الفعل إذا ما أسندا \ لاثنين أو جمع كفاز الشـهداء

و خرج بعض أهل المعاني و البيان على اللغة الأخرى قوله تعالى: "و أسروا النجوى الذين ظلموا "و قولي أعوام هو جمع قلة استعمل هنا لما فوق المائة عملا بقول الخلاصة

و بعض ذي بكثرة و صفائفي \  كأرجل و العكس جاء كالصفي

و مرّ لنا نسب الروم و تاريخ تنصرهم وإنما سموا بني الأصفر لأن قيصر يوليوس الأول منهم قبل تنصرهم بكثير يدعي بالأصفر و من قال أن الأصفر هو عيصو بن إسحاق فقد علمت ممَّا مَرَّ أن ابن حزم و المحققون أنكروه.

تتمة: أبين فيها ملوك الطوائف الثوار بالأندلس بعد ذهاب ملك بنى أمية. فاول ثائر منهم أبو الحزم جهور تغلب على قرطبة وورثها منه بنوه إلى أن تغلب عليها العبادون سنة اثنين و ستين وأربعمائة أصلهم من آل المنذر ملوك الحيرة من بطون لخم. أولهم القاضى محمد بن عباد ثم ابنه المعتضد أشد ثوار الأندلس بأسًا و أبعدهم صيتا جمع خزانة مملوءة من رؤوس الثائرين بسيفه ثم و لده المعتمد المعلوم و قاعدة ملكهم أشبيلية و تقبض عليه يوسف بن تاشفين بأغمات إلى أن مات. و أغمات بلدة قديمة قبلة مراكش و هو الذي تقول فيه بنته "اللّه صيرنا إلى هنا" و هذا من بديع الجناس. و ثار بَسَر قُسْطَة منذر بن يحي بن حسين بن هود الجذامي و من بنيه محمد بن يوسف الذي قام بدعوة العباسيين و عليه كان قيام بنى نصر ملوك غرناطة و ثار العلامة ابن الأفطس ببطليوس و ثار باديس بن أماكسن بن زيري بغرناطة نسبه صنهاجي ثم رحل إلى إفريقية سنة عشرين وأربعمائة واستخلف حابوس بن أخيه و تداولوها إلى أن انقطع ملكهم على يد لمتونة و ثار بطليطلة إبن ذي النون إسماعيل بن عبد الرحمن و تداولوها إلى أن أخذها "إذفونس " لعنه الله من آخرهم يحي الظاهر وثار بالمرية بنو صمادح وثار بمرسية أبو عبد الله بن طاهر و ثار إبن رزين بالسهلة وثار فتيان المنصور مظفر عـلى دانـيـة و مـبـارك عـلى بلـنـسـيـة وأما مولاهم المنصور بن أبي عامر المشهور صاحب الفتوحات العظام فكان قبل ملوك الطوائف لأنه هو الذي حجب هشام المؤيد و فيه يقول ابن الخطيب.

حجبه منصور آل عامر  \  فليس بالناهي ولا بالآمر.

و هشام هذا من أواخر ملوك بني أمية و هو الذي عهد بالملك لعلي بن حمود الإدريسي لكن لم أعلم أن قاعدة من قواعد الأندلس التي ذكرنا أخذها العدو مدّة ملك الطوائف سوى طليطلة، فكان "إذفونس بن فر ديناد" أخذها قبل غزو يوسف بن تاشفين الزلاقة بسنة أو بستين و بقوا فيها إلى الآن. ولكن لما كانت هي القاعدة الكبرى و توسطت الأندلس كثر ضرر المسلمين بسببها لما دخل الهرم ملك بنى عبد المؤمن فكان أخذها عنوانا على أخذ جميع الأندلس بعد ذلك كما هو الواقع.

لا مانع لما أعطاه الله، ولا معطى مما منع الله. هذا الذي يجب علينا أن نعتقده. و لو شاء ربك ما فعلوه، و في سنة تسع و عشرين و ستمائة، استولى على غرناطة من بنى نصر محمد بن يوسف إبن أحمد بن أحمد بن خميس بن نصر الأنصاري الخزرجى من ولد سعد بن عبادة رضى الله عنه، أستقرّ سلفهم أول الفتح بقرية تعرف بقرية الخَزْرَج، و من ملوكهم السلطان الشهير و الملك الكبير إسماعيل الذي أوقع بالروم الوقعة الشهيرة و قتل ملكين منهم واستولى على كثير من البلاد فحصد شوكة الروم عام تسعة عشر و سبعمائة وآمتد ملكهم بها إلى أن أخذها النصراني من أيديهم عام سبعة و تسعين وثلاثمائة ومحمد بن نصر منهم هو مخدوم ابن الخطيب السلماني الـملقب لسان الدين شيخ ابن زرمك و من الغزوات العظام غزوة منصور حاجب هشام لِسَمُّورَة أحد مدن الكفار بالأندلس أنصرف منها بتسعة عشر ألف رأس من السبي و ذكر المقري في نفح الطيب في كلامه على إبن الخطيب، إن قصّة غرناطة مكتوبة برأسها هذه القصيدة و هي التي أنشدها إبن الخطيب للسلطان محمد بن نصر بن وندة لما أنصرف من عند أبي سالم ملك المغرب إلى غرناطة دار ملكه و قد هرب منها الثائر عليه. وأولها:

الحق يعلو و الأباطل تسفــل   \  و الله عن أحكامه لا يسأل

وإذا تبدلت حالة أو تغـيرت \   فـالله عــز و جــلّ لا يتبدل

و اليسر بعد العسر موعود به  \  كـفاك شاهدا قيدوا و توكلوا

و هي طويلة ولم تضمحل كتابتها إلى الآن.

كأنما ما تقضت بالعذيب لنابمعسول اللما رَاقٍ شفى اللعس

 

العذيب ماء لبنى تميم و عاذب مكان أبي عمر و الأعذبان الطعام و النكاح أو الريق و الخمر، و العذاب النكال و عذاب ككتاب فرس البر بن قيس و عيذاب كميدان بلد و العذابة محركة فرس زيد بن سبيع و يوم العذبات من أيامهم و اللّما يقال لما به اشتمل عليه و تَلَمَأَتْ الأرض به و عليه اشتملت. وألمأ عليه ذهب به خفية و التمأ بماء الجفنة أستأثر راق أي معجب و منه قول الشاعر صريع غوان، راقهن وراقه و اللعس لون الشفة إذا كانت تضرب إلى السواد قليلا و ذلك يستملح. يقال شفة لعسا و فتية و نسوة لعس و هذا تغزل متضمن تذكر ما طاب من قضاء اللذات، و لطيف المفاكهات و طيب العيش وأرغده و ترفه وأنظره، وإمتداد سرادق الأمن و الأمان للمسلمين بثغر وهران، فكان ذلك الثغر للإسلام روض غض أزهر، بنسيم أزهر ثم حالت صفاته فانقلب و تبدل. و صار بالحلي إلى سوانا يتجمل، قال مسلم بن الوليد صريع الغواني.

جــعلـنا عـلامـات الـمودة بـيـنـنا  \  مـصائـد لحظـهن أخفى من السحر

فاعرف فيها الوصل في يمن طرفها  \  واعرف منها الهجر في النظر الشرر

قال عمر بن فتح في غلام :

فـنـونائه مـن حاجبـيه استعارها \  ولامــاتــه مــن صــدغـيـه المتعـاطـف

و من لحظه الموذى اسوداد مداده \  و من وصله المحى إبيضاض الصحائف

و قال ابن الرقعان:

إذا جرت يـده في الطرس كاتـبة \   تـبـلـــج الطــرس عـن در و مـرجـان

وأن تـكــلم جــاءته بـراعــتــه  \   بــكــل ما شــاء من فــهــم و تـبيان

ومن لطائف الكمال بن أبي شريف محشى المحلي على إبن السبكي في و سيم إسمه بدر

يــا بــدر ديـن الله صـل دنـفا    \  صـــيره حــبــك مــثــل الـخيــال

لا تــخشى مــن عيب إذ زرته    \  فــمــا يــعــاب الـبـدر عند الكمال.

فارسل إلى ذلك الوسيم بعض المعاصرين للكمال بقوله

يَا بَدْر لا تصْغـى لقول الكمـال    \  فـــكــلـما تــشــترق زور مــحــال

البَدْرُ لا يخشى نقص في زيادته   \  و إنـــمــا يــخســف عـنـد الكمال

 

و لبعضهم في التضمين الذي هو أحد أقسام البديع من علم البيان[37]

و معــتدل القـوام حوى جمالا   \   صــفاه جســم و أورثنـى اعتــلالا

تغــمـد فــي ثـياب من حرير   \   فــلــولا الــغــمـد يـمسـكه لسـالا

و لبعضهم في وسيم أسمه الشرقي.

يقولون لي أكثرت في سمة الصبا  \  و أعرضت عن ذكر المعاهد و البرق

بعيشــك إخــبرنا ولا تك كآثـما   \ نسـيم الصـبا ما أقفلت هو الشرف

و لخاتمة البلغاء و الخطباء و حامل راية الشعراء و الأدباء أبي الحسن على الغراب الصفاقسى رحمه الله في وسيم مريض.

قـالــوا قـد إعـتـلّ ولـم يعـلمـوا   \  بـــعـلــة الســقــم ولا حكـمـه

بــل إنــما يــهوى للظن لحظة    \  فــدب للأعــضــاء مــن سقمه

مـــارضـــى الســقم له منــزلا     \  باللــحــظ حتى دب في جسمه

وله في شاب اسمه سعد مضمنا قول القائل قاتل بسعد و إلاَّ فَدَعْ

لســعد بقلبي مــن الشـوق ما      \  مــن الحسن في وجهه قد جمع

ألا قــل لمــن رمــي قتل العدا     \  قــاتــل بســعـــد و إلاََّ فــَدَعْ

قالت جماعة الأدباء بيوت الشعر أربعة: بحر و مدح و هجاء و تشبيب، وألطف شيء قيل في التشبيب قول جرير:

 أن العيون التي بطـرفها مــرض    \ قــتلــتنــا ثم لم يحينا قتلانـا

يَصْرعْنَ ذا اللب حتى لاحَرَاك به  \  و من أضعف خلـق الله أركــانا

تلبية: قال الشهاب الخفاجي في شرحه على الشفا: لا يقال في الرجل أديب حتى يعرف الشعر و النحو، انتهى

ولا قضـينا عــلى أطراف كاظمة    \ بــوصل سلمى زمنا غير منعبس

كاظمة طريق تذهب إلى مكة و منعبس أي كربها و قوله تعالى : يوما عبوسا أي تعبس منه الوجوه و العبس بالتحريك ما تعلق بأذناب الإبل من أبوالها و أبعارها يجف عليها، و عبس قبيلة و عمر بن عبسة صحابي و معنى البيت فيه قضينا بوصل سلمى على أطراف كاظمة في زمن غير عن كربه و من شعر بشار في الغزل و هو أغزل بيت:

أنـا و الله أشـتهى سحر عينيك  \ و حــشـــر مــصــارع العـشــاق

و من شعره :

يا قوم أذنى لبعض الحي عاشـقـة \  و الأذن تعشق قبل العين أحيانا

قالوا أمَنْ لا ترى تَهْوَى فقلت لهم \  الأذن كالعين توافي القلب مكانا

ومن بديع ما قال أبو الحسن على الغراب رحمه الله

و ســـــقــانــي شــبــــه أمـــــاق  \  وحمـرة خـدّيه و جمـرة أشــواق

سقاني و شهب الليل منهن قد غدا  \  له ذنبك السرحان كأنـس أفــاق

 و شــاد علــى عود لـنا راق لحنه  \  يجاوبه شــاد علــى عــود أوراق

و قد طاب بالعودين مجلس انســنا   \ فعــود لتحريك و عــود لاحــراق

متى يشدو في الحان داوود يوسـف   \ غدا صوت ابراهيم سهما و إسحاق

تخاف طلوع الشمس و هي بكأسنـا  \ و من خَدّ ساقيها لها فضل اشــراق

غدت شهوب الكاسَات تشرق بيننا \  و تغرب في أفق الحشــا بعـد إشراق

و لا سفحنا على واد ابن الخير دما \  من منحر الدن اذ يحيــي و يرتمس

سفح كمنع أراق و سفح الدم أرسله سفحا و سفوحا و سفحانا وواد ابن الخير هو نهر وهران الذي عليه بساتينها و سائر منافعها و ابن الخير هو محمد بن الخير بن خزر أحد ملوكها كما مرّ، و جدّه الخزر هو الذي اختطها و المراد بالدم هنا المدام أي الخمر و الدَّنُ واحد الدنان و منحره حلقه و فيه استعارة بالكناية و قولي يرتمس أي يقبر و يدفن لأن الرمس القبر و الدفن كالرمس و الراموس.

فائدة: ذكر الأبي في حواشيه على شروح مسلم أشياء على وزن فاعول و هي راموس للقبر و كابوس للفتور الذي يأتي قبل النوم و هو السنة عند الأكثر لأنها بدء النعاس و ليس يفقد معها كل الذهن.

و بابوس للرضيع و قاموس للبحر و نافوس دابة يتشاءم بها و ناموس هو صاحب سر الخير و الجاسوس هو رسول الشر و جاموس أحد نوعي البقر إلخ... و يحيي و يرتمس على طريق المبالغة، و قد قال عبد الملك للأخطل: أسلم و تمنى عليّ ما شئت ولو نصف ملكي "فقال له" أن أسلمت، نفارق الخمر" قال نعم، قال له: تلك القتلة التي لا تبقى لذة معها و كان منصور بن ريان الغطفاني قبل إسلامه متزوجا بمليكة زوجة أبيه و كان شريبا فلما أسلم حِيلَ بينه و بين زوجته مليكة و حيل بينه و بين الخمر فجعل يقول:

خليلى لا قتل التي لك الخير \ و قد حجبت مني مليكة و الخمر.

وفد ولد أبي مُحجن على معاوية فخطب فاحسن فأراد بعض أهل المجلس أن يوقعه فقال له أنت الذي أوصاك أبوك بقوله :

إذا مــت إدفنوني في ظـل كرمـة \ تروي عـظامي في المـمات عروقــها

ولا تدفنوني في الفــضـاء فانــنى \ أخــاف إذا مـت أن لا أذوقـــــها

فقال : بل الذي أنا أقول

لا تسأل الناس مامالي و كثرتـــه \ وسائل الناس ماجودى و ما خُلُقي

وأطعن الطعنة في عارض و حشـا \  وأكــتــم الســر فيـه ضـربة العنق

و قال حرقوص النمرى:

ألا فاسقياني قبل جيش أبي بكر  \ لعل منــايانا قريـب و ما نــدري

ألا عـلــلاني بالــزمـان و كــررا \  عـلـى كمـيت اللون صافية تجرى

ألا فافرغاها وأرضيا جاها هديتها \  بــماء سحاب زل من جبل و عر

و رؤيــا هــامــني مـن قبل رقدة  \  أكـون بـها طول الليالي في القبر

و هــات سلاحِي يـا إمام فإنني   \  أخاف يبات القوم بالأسل السمر

أظن جيوش المسلمـين و خالــدا   \  سيطر قكم بالليل في واضح الفجر

فـهــل لكم يا قوم قبل صباحـه    \  و قبل خروج الغانيات من الخدر

أرى الموت خيرا من حياة طويلة \    أَرْدَي بــها يـوما إلى أرذل العمــر

فهجم عليهم خالد بن الوليد رضي الله عنه و قصد رجلٌ من الجيش حرقوص المذكور و قد سمع شعره المار فقتله و جز رأسه و جعله في جُفنة خمر و جدها بين يديه.

و من لطائف أبى الحسن علي الغراب في تشبيه دن وضع في حلقه نارنجة*

و نارنجة في حَلْقٍ دَنٍ  و قد بدت \  لــها منــظر قــد راق كــل لبـيب

فشبهتها إذ راقنى حسن و صْفَها \  بــد ينــار إبــريز بــثغــر حبيـب

و قال صاحب الأشعار الراقية و التشبيهات الفائقة عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد العباسى:

سقى المطيرة ذات الظل و الشجر \  وديــر عبــدون هــطال مـن المطــر

فطال ما نبهتنى للصبـوح بــهـا  \   في غـرة الفجر و العصفور لم يطـر

أصوات رهبان دير في صلاتهـم   \   ســـود المــدارع نـقارير في السحر

مَسْتُورِين[38] على الأوساط قد جعلوا \ عــلـى الـرؤوس أكالــيلا من الشعـــر

فجاءني في قميــص الليل مستــترا \ يستعجل الخطو من خوف و من حذر

فقمت أفرش خدّي في الـطريـق له \  ذلا واسـحــب أذيــالـي عـلـى الأثر

ولاح ضــوء هــلال كــاد يفضحنا \ مــثــل القــلامــة قـد قدت من الظفر

و كان ما كان مما لسـت أذكــره  \ فــظــن خــيرا ولا تــسأل عن الخـبر.

و من ضريف شعره و بديع مأخذه و متخيره

و مهفهف عقد الشــراب لسانـه   \  فحــدثــتــه بــالــزمـــن و الأيــاما

حـــركته بيـــدي و قلـت لـــه   \  إنــتــبـه يــافرحة الخلطا و الندمــا

فاجابني و السكر يخفض صوته   \   بــتــلجــلــج كــتــلجــلـج الفـامـا

أنــا لا أفــهـم مــا تقول و إنما   \   غــلبــت عــلــيّ ســلافــة الصهبا.

تولى عبد الله بن المعتز الخلافة يوما و ليلة لما خلع المقتدر ثم أن أصحاب المقتدر تحزبوا و حاربوا أعوانه و شتتوهم و أعادوا المقتدر و استخفى إبن المعتز في دار ابن الجصاص التاجر فأخذه المقتدر و قتله سنة ست و تسعين و مائتين وأخذ من ابن الجصاص مقدار ألفى دينار و ردّ له بعد ذلك منها مقدار سبع مائة ألف دينار   و كان إبن المعتز حنفى المذهب. وأنشد حماد بن سابور الراوية لعدي بن زيد العبادي.

"و دعوا بالصبوح يوما فجاءت    \    قـــيــنــة بــيــدهــــا إبــريـــق."

و كان حماد هذا أحفظ الخلق للأشعار، أنشد الوليد بن عبد الملك يوما حتى زجره ثم و كل به من يصدقه عنه و يستوفى عليه محفوظاته فأنشده ألفين و تسعمائة قصيدة للجاهلية فقط.

فاخبر الوليد بذلك فأمر له بمائة ألف درهم، و مرّ لنا أول من اتخذ الخمر و من أسمائها المدام و الصهباء و الكميت و السلافة و العقار و الخندريس مشتق من الخدرسة و قولي ولا سفحنا إلخ... قال دبيس الأمير الأسدي.

شربنا وأرهقت على الأرض كأسنا \  و للأرض من كأس الكرام نصيب.

 و مرّ لنا أن الدن واحد الدنان، زاد الجوهرى الدندنة أن تسمع من الرجل نغمة ولا تدري ما يقول و في الحديث حولها لدندن.

يــا حسرة لمعــالم الأيمان بــهـا \   فــكــانت مدّته كسـنة الكبــس

النداء بالحسرة فيه تنبيه على تعظيم الأمر و تشنيعه و الحسرة التلهف و المعلم في الأصل هو الذي يستدل به على الطريق و جمعه معالم و المراد بالمعالم هنا أركان الإيمان و شعائره كالدعائم الخمس و الآذان و نحو ذلك و الضمير في بها لوهران و الضمير في مدته يعود للإيمان و الكبس هو الذي يأتيك قبل النوم، و الكبس قال في القاموس كبس البئر و النهر يكبسها أطمها بالتراب ورأسه في ثوبه أخفاه، أدخله فيه ثم قال بعد نحو سطرين و الغراب الذكر الضخم و العظيم الرأس و من يكبس رأسه في ثيابه و ينام أي فكانت مدّته أي الإيمان بذلك الثغر في القصر كالسنة التي تأخذ من أدخل رأسه في ثوبه لينام ثم أستيقظ و نشط.

- يحكى أن نبي الله عيسى عليه السلام لقي سيدنا نوحا عليه السلام مَنَامًا أو يقظة كما قيل، فقال له: "كيف رأيت الدنيا" فقال "كقصرله بابان دخلت من واحد و خرجت من آخر ومازال عنك من ملاذ الدنيا فهو متاع قليل وأن صحبك قبل زواله زمن طويل، ولذا تجد المؤرخين يقولون وقع ذلك أيام فلان عبَارَةً عن مدّة مديدة، بقي فيها بسنين عديدة، فيالها من مدّة لو لم تشب ببعاد أو كان وصلها ماله من نفاد فلم يدم ذلك الوصل عن حاله و قد جذع أنف كماله، وأسرع فألجَّ في النفار، وولت أجناده الأدبار فارتحلت الأحبة على الديار كأن لم يلبثوا الأساعة من نهار، فراحت الروح على آثارهم و ناح الغراب على أوكارهم و كلما لمت الزمان بسبب التقصير و جذع أنف موته بمدينة المسير، وقال كيف لا أجذع أنفى على خلو الثغر من الإسلام و تقصير، قال الشاعر.

و ما الدهر و الأيام الأكما ترى \ رزيــة مــال أو فــراق حبـيب

آخر ما بعده الزناكي حاصرهافامتنعت و شمست أيما شمس

الضمير في بعده يعود على القرن العاشر و الذي بعده القرن الحادي عشر أي في آخر الحادي عشر، حاصر الفقيه الهمام و البطل الضرغام، الملك العلام الذي بأعباء الولاية قائم، حاصد شوكة أهل الكفر و الطغيان، الزناكي سيدي الباي شعبان، الكفرة بثغر و هران و ضايقهم بالآلة و الجنود وأرهبهم بكثرة العساكر و الحشود، فهو الحامل للواء الإسلام و بنده، المباشر لوطيس رَحَى الحرب بنفسه وطرفه. و شهرته تغنى عن الأطناب في وصفه و المفاعلة في حاصرها ليست على بابها،

وقولي شمست صعبت بحيث لاتنقاد لأحد، مأخوذ من شمس الفرس شموسا و شماسا منع ظهره فهو شامس. و أما الشموس فهي أمرآة من جديس العرب العاربة البائدة بنت غفار أخت حنظلة الغسيل رضي الله عنه و بنت عمر بن حزام و بنت مالك بن قيس و بنت النعمان صحابيات و أيضا علم لِفَرَس الأسود بن شريك، وقولي أيما شمس أي امتنعت غاية الامتناع أو امتنعت امتناعا أي امتناع و أيُّمَا بفتح الياء التحتية المشددة نعت لمصدر محذوف وما زائدة فتكون حينئذ مضافة النكرة لأن أي الموصوف بها و الواقعة حالا لا يضافان إلا للنكرة وإنما وجب إضافتها إلى النكرة فيهما لأن نعت النكرة و الحال يجب أن يكونا نكرتين.

وأول من غزا وهران من ملوك الترك بالجزائر إبراهيم باشا. كان قبل الولاية يقال له إبراهيم خوجة وَ طَوِيَها بثقله وأناخ عليها بِكَلْكَله فرماها مدّة من "المايدة "قنة جبل هيدور بالمدافع و البونبة، فَلم يَفِدْ شيئا. و سعى في هلاكها بجميع الحيل و المكائد و هو في كل ذلك كضارب حديد بارد. فلما أيقن أنها ممتنعة عليه، إنقلب راجعا إلى دار ملكه، و لما قلّد الأتراك بالجزائر إيالة مازونة و ما ينضم إليها من البسائط و البلدان لسيدي الباي شعبان في حدود نيف و سبعين ومائة وألف، صرف همته للجهاد ومكافحة أهل البغي و الإلحاد، فكرر الغزو إليها و التدويخ، و قد استعانوا علينا من تلك العدوة بالصريخ مع ما أنضم إليهم من ضعفة الدين من المسلمين، فاشتد عضدهم وأطمأن الكفر بالثغر قرير العين، فكثير الآن يقع القتال و في كل ذلك الحرب بينهم سجال إلا أنه قبض أيديهم عن بسائطها وأكثر المرات يكتسح مسارحها و ضيق عليهم أشد التضييق ولم يكن لهم في الفرج سبيل و لا طريق وأرصد عليهم الجواسيس و العيون حتى أنهم لا مجال لهم إلا يمين المدينة و برج العيون و إلى ذلك أشَرْتُ بقولي:

و طَني الفيلق الـجرار لآراضيهــم \ به همت دمعهم من زكا وخس

دارت حروب عظام بينهم قد أتى \ آخر أمرها با ستشهاد النـفـس

الفيلق كصقيل و الجرار من السماء، الجيش كالخميس و الجند و نحو ذلك و همت من الهميان و هو الأنحدار و السيلان وزكا للشفع و خسا للوتر، قال إبن دريد:

كــم قد هـوى فـي جثة عاذرها   \ من بعد ما كانت خسا فهي زكا.

و قولي باستشهاد النفس و خبر ذلك اليوم أن الباي شعبان رحمه الله زحف إلى وهران في نحو أربعة ألاف فيهم نحو ثلاثة ألاف فارس وزحف الكفرة إليه من وهران مع مردة العرب من بنى عامر وكيزة وغمرة و نحوهم من أزيد من ثمانية ألاف فيهم ألف خيل و الباقي رجالة فكان مصاف القتال بكدية الخيار وصبر الفريقان ثم أنفضت الكفرة واختل مصافهم و قد ربط بعضهم أنفسهم بالحبال و بعضهم طرحوا أنفسهم في الأكبال فجعلهم الله غنيمة للمسلمين و فيئا للموحدين فقتل في تلك الهزيمة أكثر من أحدى عشر مائة و دامت عليهم الهزيمة حتى أنتهى المسلمون إلى باب وهران، فحمي الوطيس عنده و في تلك المعركة قتل الباي رحمه الله وأمده برضوانه وأسكنه فسيح جنانه و من الفردوس ميطانه، فبقيت جثته بأيديهم فجزوا رأسه و علقوه على الباب، فرأى بعض الكفرة بالليل نورا يسطع عليه فبعثوا للمسلمين فجعلوه في خزنة مع جسمه و ذلك سنة ثمان و تسعين وألف. إن الذي قتله من المسلمين الذين معهم المسمون بالمغاطيس و يقال إن اسم هذا القاتل له: أبو نصابية و ذلك سبب غزو السلطان إسماعيل لها كما يأتي قريبا، ولما استشهد أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف القرطبي الأندلسي الحافظ قاضى بلنسية سنة ثلاث وأربع مائة، بقي بلا دفن ثلاثة أيام ثم دفن في الرابع متغيرا رحمه الله، وروى عنه أنه قال تعلقت باستار الكعبة وسألت الله الشهادة ثم فكرت في هول القتل فهممت أن أرجع فاستقيل إليه من ذلك فاستحييت، وكان رضي الله عنه في تلك الوقعة جرح و بقي بين القتلى فسمع هاتفا بصوت ضعيف يقول لا يكلم أحد في سبيل الله الأجاء يوم القيامة و جرحه يبعث دما اللون لَونَ دم و الريح[39] مسك كأنه يعيد على نفسه الحديث ثم قضى و هذا الحديث أخرجه مسلم ولَنَا في الوليد هذا، أشعار حسان منها قوله:

أســير الخـطـايـا عند بابــك واقـــف \ عَلَى وَجَلٍ مما أنـت بــه عـــارـف

يخاف ذُنُوبــًا لــم يغـب عنك عيبهـا \ ويرجوكً فيها فهو راج و خـائـــف

و من ذا الذي يرجي سواك و يتقى به \ و مالـك في فصْل القضاء مُـخـالــف

فــيا سيـدي لا تـخزني في صحيفــتي \ إذا نشرت يوم الحساب الصحائف

وكــن مــؤنسى في ظلـمة القـبر عندما \ يصـد ذوو القـربى و يخف الموالف

لَيـْسَ ضاق عـنى عفوك الواسع الـذي \ أرجــو لإســرافي فــإني لــتالـــف

ومن قولي: دارت حروب، فائدة: الحرب رحى ثقالها الصبر و قطبها المكر و مدارها الإجتهاد و ثقافها الأناءة و زمامها الحذر ولكل شيء من هذه ثمرة فثمرة المكر الظفر، و ثمرة الصبر التأكيد، و ثمرة الإجتهاد التوفيق، و ثمرة الأناءة اليمن و ثمرة الحذر السلامة. و لكل مقام مقال، ولكل زمان رجال، و الحرب بين الناس سجال، و الرأى ابلغ من القتال، وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لعمر بن معدى كرب الزبيدي "صف لنا الحرب" فقال مرّة المذاق إن كشفت عن ساق من صبر فيها عرف، ومن كلٍّ عنها تلف ثم أنشأ يقول:

الــحرب أول مــا تــكـون فتنة \ تَـســْعَى بـزينـتها لكل جهول

حتى إذا حميت واشتد ضرامها \ صارت عجوزا غير ذات خليل

شمطا، جزت رأسها و شكرت \ مــكــروهــة للــشــم و التقبيل

وقيل لعنترة الفوارس: صف لنا الحرب فقال، أولها شكوى وأوسطها نجوى وآخرها بلوى: وجمع الله تدبير الحرب في آيتين من كتابه فقال "يأيها الذين آمنوا إذا لقيتكم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" و"أطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم وأصبروا إن الله مع الصابرين" وقالت العرب: الشجاعة و قاية و الجبن مقتلة ومن يقتل مُدْبَرًا أكثر من الذي يقتل مقبلا ولذا قال الصديق لخالد رضى الله عنهما: "أحرص على الموت توهب لك الحياة" و العرب تقول الشجاع مُوّقََى و الجبان ملقى، و كان خالد بن الوليد يسير بين الصفوف و يقول : إن الصبر عز و الفشل عجز و قالت الحكماء استقبال الموت خَيْرٌ من استدباره.

قال العلوى:

محرمة اكفال خيْلي على القنا \  ودامــيــة لــباتــها ونــحورها

حرام على أرماحنا طعن مدبر \  و تَشُقُّ منها في الصدور صدورها.

وكانوا يتمادحون بالقتل ويتسابون بالموت على الفراش ويقولون مات فلان حتف أنفه وأول من قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم و قال عبد الله بن الزبير لما سمع بقتل أخيه: مصعب "إنا والله لا نموت جيفا جيفة الحصير [40] كبنى مروان ولكن نموت بأطارق الرماح و قطع السيوف و قال السَمَوْءَل:

وما مات منا سيد في فـراشه \  ولا طــلّ منــا حـيث كان قتيل

يقال طل دمه أي هَدَرَ و الأفصح أنه لا يستعمل إلا مبنى على المجهول كما قال العلامة بحرق في كبيره قال في مفيد العلوم: أعرف الناس في القتل عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام، عمارة مَاتَ بقديد* وحمزة قتله الخوارج و مصعب قتله عبيد الله بن ضبيان وسيدنا الزبير يوم الجمل وأبوه العوام قتله هوازن في حرب الفجار المشهورة.

تنبيه: لا شك أن قولي في الرحى مجاز لُغَوي على الأصح في الحرب. فالحرب مستعار له و الرحى مستعار منه و القاعدة أن الإستعارة التي قرنت بما يلائم المستعار منه تسمى مرشحة ونظيره قوله تعالى: "أولئك الذين إشتروا الضلالة بالهدى فما رَبِحَتُ تجارتهم" وأما المجردة فهي التي فرضت بما يلائم المستعار له كقول كثير عزة.

غمر الردى إذا تبسم ضاحكا \  علمت لضحكته رقاب المال

غمر الردى أي كثير العطاء،إستعار الردى للعطاء ثم وصفه بالغمر الذي يلائم العطاء دون الردى، وأما المطلقة فهي التي لم تقترن بصفة و لا بما يلائم واحد منها نحو عندي أسد و المراد بالصفة هنا عند البيانيين المعنوية التي هي معنى قائم بالغير، لا للنعت الذي هو أحد التوابع لتدخل الحالية و الخبرية و نحو هما و قد تجتمع المرشحة و المجردة معا كما في قول الشاعر.

لدى أسد شاكي السلاح مقذف \  لــه لـبـد أظـفاره لــم تقلم

فذكر السلاح تجريد و ذكر الأظفار التي لم تقلم و اللبد ترشيح و معنى شاكي تامها و مقدف، قذف به كثيرا إلى الوقائع و لبد الأسد ما تلبد على منكبيه من شعره و التقليم مبالغة و القلم القطع...

أول عام من قرن ثاني عشر \ جمع إسماعيل لها أقاصى سس.

هو السلطان إسماعيل المشهور ابن على السجلماسي الشريف الحسنى من نسل سيدنا موسى الجون* بن عبد الله الكامل بن الحسن بن على بن أبى طالب أصل سلفه من ينبوع النخل و مدشرهم فيه مشهور يقال له مد شر بنى إبراهيم. و لما جح أهل سجلماسة و مرّوا في أيامهم بينبوع، أتى معهم الولي الأمجد و الطالع الأسعد سيدي على المعروف بالشريف فاستوطن بأرضهم ووقفوا عليه أوقافا عظيمة و ذلك في حدود سنة خمس و سبعين و ستمائة أيام السلطان يعقوب بن عبد الحق المريني، فكثر أولاده بسجلماسة ولما فشل ريح بنى وطاس و بني سعد وثب السلطان رشيد على المغرب فاستولى على ملكه واستعان عليه بمال أبي مشعل الذمّي وإلى هذا السلطان تنتسب الموزونة الرشيدية ولما مات بويع بالملك أخوه السلطان إسماعيل المشهور و بقي الملك في عقبه إلى أن توفي رحمه الله سنة ست وثلاثين ومائة وألف وملك ثلاثا و ستين سنة وقيل غير ذلك وكان صحيح البخاري يختم على ظهره رحمه الله و هو الذي فتح طنجة و المدينة البيضاء و غيرهما  فبسببه ضعف أمر الكفر بِسَواحل المغرب، قال الشهاب الخفاجي في شرح الشفا : طنجة بفتح الطاء، لفظ بربرى فتحت في الإسلام ثم إستولى عليها النصارى سنة سبعين و ثمانمائة بعد قتال عظيم و لما رأى المسلمون أن لا مغيث لهم سلموها لهم "إنَّا لله و إنا إليه راجعون" ولم تزل النصارى ظاهرين ثمة حتى تملكوا أكثر البلاد فعاد الإسلام غريبا كما بدا. انتهى.

و قد كان هذا السلطان محاصرًا لسبتة مدّة أيامه فيه تقلص ملك الكفرة من المغرب وانقبضت أيديهم عن بسائطه. و سجلماسة مدينة من قواعد المغرب و هي بكسر السين و الجيم وأهلها يسمون الكلاب و يأكلونها و مرّ تاريخ بنائها. قلت وأهل بسكرة وما ولاهم مثل هؤلاء في أكل الكلاب و سيدنا موسى الجون هو الذي مات في سجن أبي جعفر المنصور العباسي رحمه الله، قال التنسي ثم أن الله جعل البركة في عقبه فملك منهم ثلاثة طوائف بنو الأخيضر ملوك اليمامة و الهواشم و بنو أبي عزيز ملوك مكة إلى الآن وكتب الشيخ القصّار الفاسي على كلام التنسي هذا ما نصه: و البركة الكاملة و النعمة الشاملة سيدي عبد القادر الجيلالي صاحب خلافة القطبانية و هو محي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح موسى بن عبد الله بن يحي الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله أبي الكرام بن موسى الجون بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن على و فاطمة رضى الله عنهم أجمعين بينه و بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد عشر أبا وقد أتفق المؤرخون على أن هذا النسب كما ذكرناه و طبقا لما سطرناه كالذهبي في تاريخه وسبط بن الجوزى في مرآة الزمان و الشَنْطُوفِي في بهجته و ابن حجر في غبطته وغيرهم من الأئمة الأعيان المرجوع إليهم في هذا الشأن و عبد الله أبو الكرام هو الـذي أراد المأمون أن يوليه مقام إبن عمه على بن موسى المعروف بالرضى الحسني لما مات علي وقد كان المأمون عهد إليه بالخلافة فأبي عبد الله قاله الأزورقائي و نقله المسناوي و أمه أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضى الله عنهم أجمعين ولقب موسى الجون لأنه كان أدم اللون وأمه هند من ذرية أبي عبيدة أحد العشرة و هي أم أخويه محمد المبايع له بالمدينة وإبراهيم المبايع له بالبصرة وواسط.

وروى الإمام مالك عن عبد الله الكامل و المثنى وصف للحسن بن الحسن لقبه به النسابون لقصد التمييز ولم يعرف به في حياته و كذا المثلث كما في بحر الأنساب، ولد الشيخ بجيلان سنة سبعين وأربعمائة و جيلان إقليم بأرض العجم مغرب كيلان وراء طبرستان ولد بقرية منه يقال لها نيف و منها رحل إلى بغداد لطلب العلم سنة ثمان و ثمانين وكان يناظر في ثلاثة عشر فنا و يفتى على مذهب الشافعي وأحمد و أخذ علم الحقيقة عن ابن الخير حماد بن مسلم الدباس و جماعة و سلمت له الفتوى بالعراق و قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني قلت لشيخي على الخواص كيف يصح تقليد الشيخ للإمام أحمد و تقليد سيدى محمد الحنفى لأبي حنيفة مع إشتهار هما بالقطبانية، و صاحب هذا المقام لا يقلد إلا الشرع و حده، قال قد يكون منهما ذلك قبل بلوغهما مقام الكمال ثم لما بلغا إستصحب الناس ذلك في حقهما مع خروجهما عن التقليد و الحنفى هذا مدفون بمصر وله مشهد عظيم و كنيته أبو محمد وله خوارق غريبة. توفي الشيخ عبد القادر ليلة السبت الثامن من شهر ربيع الأخير سنة إحدى و ستين و خمسمائة و صلى عليه إبنه عبد الوهاب و تخرج عنه في علم الظاهر و الباطن جماعة وافرة من الأعلام و المشايخ العظام و منهم بنوه العشرة و قد ألف فيه كتب منها أنوار الناظر لعبد الله بن نصر البكري الصديقي و نزهة الناظر لعبد اللطيف إبن هبة الله الهاشمي و بهجة الأسرار لأبي الحسن على بن يوسف بن جرير اللخمي الشطنوفي، و شطنوفة قرية من قرى مصر، قرأ على المراغي الحنبلى و المراغي قرأ على الموفق المعروف بابن قرامة و هو عن الشيخ عبد القادر الجيلاني و فيه ثلاثة أسفار، قال الشيخ أبو محمد صالح المدفون برباط أسفى: سمعت شيخنا أبا مدين يقول لقيت الخُضْرَ فسألته عن المشايخ في كل قطر فقال الشيخ عبد القادر إمام الصديقين و حجة العارفين، و قال طأطأ الشيخ أبو مدين رأسه و قال اللهم إني أشهدك و ملائكتك إني سمعت للشيخ عبد القادر وأطعت و نزلت بالعراق مسألة في رجل حلف إنه يعبد الله ولا يشركه في ذلك الوقت أحد، فعجز عنها فحول العلماء فقال الشيخ يطوف حيث المطاف خاليا.

و بنوه عشرة الشيخ عيسى صاحب لطائف الأنوار في التصوف قدم مصر و حدث بها وسمع بالأسكندريه من أبى طاهر السلفي توفي سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة و قبره بالقرافة مشهور ومقصود للزيارة، و الشيخ عبد الله أسمى أولاده توفي ببغداد سنة تسع و ثمانين و خمسمائة و الشيخ إبراهيم و عقبه بفاس موجود إلى الآن و بالشام توفي في واسط سنة اثنين و تسعين و خمسمائة، وواسط هذه إختطها الحجاج سنة ثلاث و ثمانين من الهجرة بين البصرة و الكوفة و العالم الشهير الشيخ عبد الوهاب توفي سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة ببغداد و الشيخ يحي هو أصغر أولاده توفي ببغداد سنة ستمائة و دفن عند الشيخ عبد الوهاب أخيه و الشيخ محمد توفي سنة ستمائة و دفن بمقبرة الحلية ببغداد و الولي الجليل الشيخ عبد الرزاق و هو الذي حج مع أبيه لما لقي أبا مدين دفين تلمسان بعرفات و لم يحج الشيخ عبد القادر بعدها توفي سنة ثلاث و ستمائة و دفن بروضة أبيه و الشيخ موسى توفي بدمشق سنة ثمان عشرة و ستمائة و هو آخر بنيه موتا و دفن بسفح جبل قاسيون و قد روى عنه إبن سيدي الناس و غيره. و الشيخ عبد العزيز و الشيخ عبد الجبار[41] و ذكر بعض أن له من الأولاد أربعون غير أن التعريف إنما كان للعلماء منهم و هم العشرة المذكورون و لهم أعقاب بعضهم بالشام و القادريون الموجودون بمصر الآن من عقب الشيخ عبد العزيز و سكن بعضهم الأندلس و لما أخذت غرناطة أنتقلوا إلى فاس و ذكر بعض أن الشيخ عبد الجبار فكيك من نسله ومن الحسينين المشهورين و الشرفاء المعروفين الشيخ أبو محمد عبد السلام بن مشيش بالميم و يقال بالباء  و يقال بشد الشين وهو ثابت الشرف بلا شك. و لما ثار بكتامة محمد بن محمد بن أبي الطواجن سنة خمس و عشرين وستمائة وأدعى صنعة الكيمياء و تبعته الغوغاء، ثم إدعى النبوة وشرع الشرائع وأظهر أنواعا من الشعوذة، فكثر تابعوه فَوَثَبَ عدو الله على الشيخ عبد الاسلام فقتله فلما أطلعوا على جثته نبذوه و قتله بعض البربر غيلة. و قتل الشيخ عبد السلام هو سبب رحلة تلميذه أبي الحسن الشاذلي للمشرق رضي الله عنهما. و للشاذلي بتونس مشهد عظيم و لما دخل مصر وجد بها الشيخ العظيم المنذرى و العز بن عبد السلام الشافعي أيام السلطان الظاهر أبي الفتوحات بيبرس و كان العز يقول كنت أعيب على هؤلاء الطائفة حتى اجتمعت بأبي الحسن فعلمت أنهم على الحق و قبر أبي الحسن بالصعيد في موضع موحش رحمه الله ومن أجلّ تلامذته أبي العباس المرسي ومن الأولياء الحسينيين أبو العينين الشيخ إبراهيم الدسوقي على شاطئ النيل بين رشيد و مصر (القاهرة) و من الأولياء الحسينيين أبو فراج الشيخ أحمد البدوى رضى الله عنهم و قبره بطنطا مشهور لا يخفى على أحد، انتهى.

و قولى أقاصى سوس إسقطنا واوه لضرورة الوزن وهو جائز؛  أي أن إسماعيل لما زحف إلى وهران جمع لها أقصى سوس مثل أهل تارودانت و أسفى و تمنطيط و غير ذلك و فيه إشارة إلى أن سوس قسمان الأدنى و الأقصى و هو كذلك، فالأدنى مراكش و جبال درن و الأقصى ما وراء ذلك، وسوس أيضا بلدة بأرض الروم و السوس مدينة بكور الأهواز بالعراق و بها قبر دنيال النبي عليه السلام، و قال ابن جرير إنه في وسط نهرها في تابوت من رصاص وسورها و سور تستر أول سور بني على وجه الأرض بعد الطوفان، بناهما السوس بن سام بن نوح، و بتستر قبر البراء بن مالك الصحابي رضي الله عنه و يقال إن بها أيضا قبري عدي ومحمد أخوي عبد الله بن جعفر رضى الله عنهم، و أول مدينة بنيت على جه الأرض ثمانين بجبل الجودي و ذلك أن أهل السفينة مع نوح عليه السلام ثمانون فكل واحد بنى دار فلذلك سميت ثمانين فهي أول مدينة بنيت بعد الطوفان خرج منها جماعة من العلماء و الشعراء.

فحط كلكله حولها معتـزما  \ على النزال فلم يجد محل بوس

الحط الوضع كالأحتطاط و الحدر من العلو إلى الأسفل والحطيطة ما يحط من الثمن و قولي حطه أي حطَّ عنّا ذنوبنا و مسألتنا حطة أي أن تحط عنا ذنوبنا و هي أيضا اسم رمضان في الأنجيل، و حط كلكله أي ثقله، قال أمرؤ القيس

فقلت له لما تمطى بـجــوزه \  واردف إعجازا و نـاء بكــلكــل

قال بعض من شرحه وناء أي نهض بكلكل أي يثقل و الكلكال الجماعات و النزال بالكسر الحرب وأصل النزال عند العرب أن ينزل الفريقان عن إبلهما إلى خيلهما فيتضاربوا، قال عنترة العبسي مخاطبا للملك الأسود أخى النعمان المنذر

أبشر بيوم يظهر لك زعازعـها \  يوم النزال و قد يبدو لك العجب

و قولي: لم يجد محل بوس، قال الجوهري الأبوس جمع بؤس من قولهم يوم بؤس و يوم نعم و الأبوس أيضا الداهية ومنهم عسى الغوير أبؤس، قال الكميت.

قالوا أساء بنو كرز فقلت لهم \ عــسى الغــويـر بآبــاس وأوغــار

و البوس الثقيل و هو فارسي معرب و قد باسه يبوسه انتهى، و في القاموس البأس العذاب و الشدّة في الحرب: أي أن السلطان إسماعيل ضرب حول و هران فساطيطه و خيم أخبيته و رتب عساكره و أصلح آلته يريد من الكفرة النزال و مجاهدة الأبطال و جالت كتائبه حولهم فدخلوا كنائسهم فلم يجد محلا منه بؤسهم ولا فرجة بسببها يدوسهم فحينئذ قابل المسلمون شدة وبالها بالصبر حتى فتح الله بعد ذلك بالنصر و مواهب الظفر فكان عاقبة أمرها خسر و قد قال الشاعر:

إن الأمــور إذا إشتـدت مســالــكـها \  فالصبر يفتح مثل كل ما ارتتجـا

أخلق بذى الصبر أن يحظى بحاجته \  ومد من القرع للأبواب أن يلجـأ

لا تــيئــسنَّ و إن طالــت مطالــبــة \  إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا

قــام بــهـيــدور أيــامـا يحتال لها  \  قـد استعان بما حولها في مخس

قام أي إسماعيل و هيدور جبل هران كما في إبن خلدون و يحتال لها أي يتحيل عليها فاللام في لها بمعنى على، قال في القاموس الأحيال و التحول و التحيل الحذق و جودة النظر، انتهى.

و قولي قد إستعان بما الخ أي طلب منهم المعونة لأنهم أدرى بعوراتها ووسائل آفاتها، لأنه إستعان بهم لقلة جنده و فراغ و فده، و قولي في مخيس على حذف المضاف أي في أرض مخيس و إلا فمخيس أنفسهم قد تلاشوا قبل ذلك و دثروا فلم يبق بينهم حلة تنجع و لا قبيل يذكر و لا علاقة تحمل ولا عصابة لصريخ. قد عفت منهم أوطانهم و عمر غيرهم مكانهم و مخيس هؤلاء بطن من نبي زغبة من بني هلال و مخيس أخ سويد لأنه من أبناء عمار بن مالك و سويد بن عمار بن مالك وزغبة بفتح الزاي و أما قبيلة زغب التي بضواحي طرابلس اخوة ذياب أحد بطون بنى سليم فبضم الزاي و هو زغب بن ناصرة بن جفان بن إمرئ القيس بن بهث بن سليم و قيل بكسر الزاي و في قبيلة زغب و إخواتها يقول عنان بن جابر وزير أبي زكرياء لما فرّ منه.

و لما رأيت الود قد بان وانقضى \  و ثارت لي نار الشوق تغدو غوائر

رأيــت رجـالا من رياح و مالك \  و زغب و ذيـاب وعوف و ماجر

آستوطن بنو مخيس هذه الأرض في وسط المائة السابعة و بقيت منهم الآن أوزاع مغمرون في المدن و القبائل  و قد مرّ لنا طرف من هذا، و سليم وهلال يجتمعان في قيس بن غيلان بن مضر ومن أراد الوقوف على قبائل العرب من بنى ربيعة و بني مضر و بني حمير و بني هلال فليطالع كتاب نوادر الكبير لأبي عمر بن إسحاق بن مدار الشيباني، فإنه جمع أشعارها ودون قبائلها فكانت نيفا و ثمانين قبيلة وكان هذا السيد الهمام من العلماء العظام، روى عنه الكبار كابن حنبل و القاسم بن سلام و يعقوب بن السكيت صاحب إصلاح المنطق و الذي قصّر به عند العامة أنه كان يشرب النبيذ عاش مائة و ثمان عشرة سنة. و يكتب بيده إلى أن مات سنة ثلاث عشرة ومائتين ومما ينبغي إنخراطه في هذا السلك وإدراجه في هذا السبك أن عياض بن غنم الفهدي رضي الله عنه ولاّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حرب أهل الجزيرة ففتح سائر مدنها مثل الرقة يحكى أنه مكتوب ببابها ما يحدث في الزمان إلى قيام الساعة بخط قل من يعرفه و مدينة حران ومدينة رأس العين و شميشاط     و الخابور ثم نازل نصبين فحاصرها سنة كاملة فلم يفد منها شيئا و لما عضل داؤها وشد خطبها و كثر الإستشارة في شأنها، أشير عليه بأن يرميها بالعقارب فكتب إلى أبى موسى الأشعري و هو حينئذ بشهرزور من أرض العراق و عقاربه يضرب بها المثل في شدّة إلاذاية بأن يبعث إليه قدورا مملوءة عقارب فبعث إليه كثيرا من ذلك فكان يجعل التراب في القدر إلى نصفه ثم يجعل العقارب لتقتات بالتراب، فرمى عياض القدور بالمجانيق ليلا، فلم تقع القدر في المدينة إلا مكسورة فدب العقارب لأهلها فلم يصبح الصباح حتى قتلت منهم كثيرا و لما أحسوا بها فتحوا الباب وخرجوا فلقيتهم جنود المسلمين فأثخنوا فيهم و غنموا و سبوا ووقع الفتح هذا على ما رأيته في سيرة إبن جرير رضى الله عنه و في ذلك يقول رجل من الصحابة.

و سرنا إلى أرض الجزيرة نغتني  \  قرى الروم ضربا بالقنا والقواضـب

ألحنا على باب نصبين خيلنــا  \  كــتائـب صدق يا لها من كتائـب

أقمنا بها يا صاح حولا محرمـا   \  نــقــارع بــها كـل ليث مشاغـب

فلما أراد الله ذو الطول فتحهـا   \  وذو الطول و النعماء ليس بغائــب

رمينا لهم بالحتف موسم ساعة   \  عـلــى كــل خــوار القينا عقـارب

فاعطوا بأيديهم فرشلوا و قتلوا   \  و أبــنــا بــاسـلاب لهم و رغائـب

وجرد عتاق من جياد خيولهم   \   وادم ضــباه مـن حسان الكـواعـب

فلم أر فتحا مثل ذاك و لا أرى  \  على الأرض فتحا مثل فتح العقارب

و فتح نصبين في الكلاعي و قع على غير هذا الوجه و الله أعلم

و أعيته حيلتها حزما ومنعتها   \  عــقـاب جو قد أرتقى على الردس

فقال هي حية تحت صخرتها   \   تــضــرّ لا الضرّ يأتي لها من أنس

الضمير المنصوب عائد على السلطان إسماعيل و حيلتها فاعل بأعيت و الهاء فيه في محل جرّ بالإضافة و أخّر الفاعل هنا لأن المفعول ضمير متصل و قولي حزما، الحزم ضبط الأمر و الأخذ فيه بالثقة و حزم ككرم فهو حازم و حزيم و منعتها أي آمتناعها بالتحصن بما تحتاجه و العقاب هو أحد جبابرة الطيور و الجوّ في القاموس الهواء و ما أنخفض من الأرض و فسرناه فيما مرّ بغير هذا، أرتقى علا و الردس الرمى و ردسته رميته،و قولي فقال إسماعيل هي – أي وهران – حيّة، الحيّة مَعْْرُوفة، تحت صخرتها المراد بالصخرة هنا الجناس الصادق بغير واحدة و صخرتها برج العيون و برج اليهودي و مرجاجو و الأحمر و غيرها فيه لوهران أيضا، و من لطائف الماهر في فنون البلاغة و لطيف الأداب أبي الحسن على الغراب

يــنــكر فــضـلي الأغـبياء وربـما \   لأمكنة التعظيم جاء منـكــر

وهم أضمروا ذكري ليجهله الورى \  وأعرف أنواع المعارف مضمر

و قولي و منعتها عقاب جو إلى آخره هو تلميح وهو أحد أصناف البديع و صورته أن يشير إلى قصة أو إلى شعر و إلى مثل بغير ذكره و هو بتقديم اللام على الميم مصدر.

لمح المضعّف من لمحه إذا أبصره ومنه لمح البصر و يقال في هذا البيت تلميح إلى قول لمح فلان أي نظر وإشارة إليه. وأما التمليح بتقديم الميم فهو مصدر، لمح الشاعر شعره إذا أتى فيه بشيء مليح و مبحثه في باب التشبيه من أبواب البيان و نحن أشرنا إلى قصّة الزباء لما قتلت جذيمة الأبرش و قد ملك بعده ابن أخته عمر بن عدي فقيل له: هلا أخذت بثأرك من الزباء فقال: و كيف لي بذلك و هي أمنع من عقاب الجو. قال ابن دريد في مقصورته.

و قـــد ســما عـمر إلى أوتـاره    \  فاحتط منها كل عالي المسمى

فاستنزل الزباء قسرا و هي من   \   عقاب لوح الجو أعلى منـتـما

و القسر المراد به القهر و من لطيف ما يناسب و يليق بهذا المعنى أن أبا أيوب سليمان الخوزى وزير أبي جعفر المنصور لما فسدت نية المنصور فيه كان يظن أن يوقع به وما من دخول يدخل عنده إلا في شدّة الخوف ثم يخرج سالما فقيل له كان معه شيء من الدهن قد عمل فيه السحر فكان يدهن حاجبيه إذا دخل على المنصور ومن مليح أمثاله أن خالدا الأرقط قال: بينما أبو أيوب جالس في أمره و نهيه أتى رسول المنصور فتغير لونه فلما رجع تعجبنا من حاله فقال و كيف لا يخاف من سلم نفسه إلى حيّة فارغة فاها ثم ضرب لنا مثلا و قال لنا: زعموا أن الصقر قال للديك ما في الأرض حيوانا أقل منك و فاء، قال و كيف؟ قال أخذك أهلك بيضة و حضنوك وأطعموك و نشأت بينهم حتى إذا كبرت صرت لا تأنس في أحد و أخذت أنا مسنا من الجبال فعلموني الصيد فاغتنمه ثم أرجع به إلى صاحبي، فقال له الديك: لو رأيت من البزاة و الصقور في السفافيد مثل الذي رأيت أنا من الديوك لكنت أنفر مني و لكنكم أنتم لو تعلمون ما أعلم من خوفي لم تعجبوا ثم أنه أوقع به سنة ثلاث      و خمسين و عذبه و أخذ أمواله ومات سنة أربع و خمسين ومائة، ثم إن السلطان إسماعيل لما تحقق أن وهران ممتنعة عليه أفرج عنها وانقلب إلى حضرته بعد ما دوّخ الإعراب الموالين للكفرة من بنى عامر و غيرهم و كان جلّهم دخل مع النصارى في الحصون بالأهل و المال، و بعضهم أعانهم بالسلاح و الرجال و زحفوا بين الحصون أمام الكفرة يقاتلون و في شراك شركهم يتخبطون فكان إسماعيل لما إنقلب أحق بالمثل بيت عمر بن معدى كرب: و هي:

إذا لم تستطع شيئا فدعه \   و جاوزه إلى ما تسطيع

و سبب إنشاده هذا البيت أن العباس بن مرداس هزمه يوما وأسر أخته ريحانة، حكي الخليل بن أحمد قال: كان عندي رجل يتعلم العروض فلم يفهم واتعبنى بلاطائل فقلت له يوما قطع إذا لم تستطع شيئا، فدعه و جاوزه إلى ما تستطيع فشرع يقطعه على قدر معرفته ثم نهض و لم يرجع عندي بعد فتعجبت من فطنته لما قصدته في البيت بعد فهمه، و كان للخليل ابن فوجده يوما يقطع بيتا من الشعر بأوزان العروض فخرج للناس فقال إن أبي قد جن فدخلوا عليه و أخبروه بما قال ابنه فقال مخاطبا له:

لو كنت تعلم ما أقول عذرتني \  أو كنت أعلم ما تقول عذلتك

لكـن جهـلت مقالتي فعذلتني \  و علمت أنك جاهل فعذرتك

لما أراد الله عود الإيـمان بـهاأقـام بــالجزائر مذهب الغلس

الغلس بتحريك اللام ظلمة آخر الليل و أغلسوا دخلوا فيها و غلسوا ساروا بغلس و غليس كأمير من أسماء الخمر و جبارة بن المغلس كوفي محدث و الجزائر علم على مدينة عظيمة على شاطئ البحر بنتها ملوك صنهاجة و مرّ لنا تاريخ بنائها واسم بانيها و غير ذلك فانظره إن شئت في شرح قولي، حتى أزالهم عنه يوسف بن تاشفين إلخ ... ولم تزل في طاعة بنى بلكين من صنهاجة ملوك أشير و القيروان إلى أن تغلب إبن عمهم حماد على جبل كتامة و بنى به القلعة المارّة الذكر و كثرت جنوده و خفقت بنوده واستولى على باجة و بجاية و دلس و نحوها فكانت الجزائر من جملة أعماله ثم زحف إليه باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد فهزمه من مجانة إلى واد أشلف ونزع إليه عامّة عسكره ثم رجع جادّ السير إلى قلعته و باديس في أثره و حاصره إلى أن هلك، و بويع إبن باديس و هو المعز ابن ثمان سنين فاتسعت عن حمّاد و عاد ملك الجزائر، ولما هلك و لي إبنه القائد فزحف إليه ابن زيري بن عطية المغراوي فصالحه ثم زحف إليه المعز بن باديس فصالحه القايد أيضا     و بقي على ملكه بالقلعة و المدية و الجزائر إلى تخوم مغراوة تحت حكمه و على أمره إلى أن هلك سنة ست و أربعين وأربعمائة وولي مكانه إبنه محسن ثم قام فيهم الناصر بن علناس بن حماد فبنى قصر اللؤلؤة ببجاية من أعظم قصور الدنيا في حدود سبعين و أربعمائة و قد قال إبن خلدون في بعض كلامه على المغرب الأوسط بجاية إختطها الناصر بن علناس ثم لما مات الناصر و لى إبنه المنصور و لما استولى يوسف بن تاشفين على تلمسان و غلب عليها أولاد يعلى الإفرينى سنة أربع و سبعين وانزلها محمد بن تينعمر المُوسَوي و نازل بلاد صنهاجة و ثغورها كالجزائر و نحوها زحف إليه المنصور وخرب ثغوره و حصون مَا خُوخ و ضيق عليه فصالحه يوسف فانقبضت يد المرابطين عن بلاد صنهاجة، و المنصور هذا هو الذي خرب "الجعبات" و"أمرات" ووقعت حروب بينه و بين ماخوخ انجلت عن قتل ماخوخ و لحق إبنه بتلمسان مُسْتَصْرِخًا بابن تينعمر فرجعا إلى الجزائر فحاصروها يومين فمات ابن تينعمر وولى يوسف بن تاشفين مكانه أخاه تاشفين بن تينعمر فافتتح أشير  و الجزائر و رجع إلى تلمسان ثم أن المنصور زحف من بجاية بأمم المشرق إلى تلمسان و نزل واد الصفصيف فلقيه تاشفين بجنوده فانهزم تاشفين ولجأ إلى جبل الصخرة و عاثت عساكر المنصور بتلمسان فخرجت إليه حواء زوجة تاشفين أميرهم متوسلة له بوسائم القرابة الصنهاجية التي بينهم فاكرم مثواها و رجع إلى القلعة و قدم على المنصور معز الدولة صمادح من المرية لمّا ملك الأندلس يوسف بن تاشفين فاقطعه دلس و أنزله بها و لما هلك سنة ثمان و تسعين وأربعمائة و لي ابنه باديس وكان عظيم البطش شديد البأس ثم ولي أخوه العزيز و تزوج بنت ماخوخ و طال أمد ملكه و كان العلماء يتناظرون في مجلسه و نزلت جربة على حكمه و تونس و سكنت العرب في أيامه القلعة و في أيامه و صل المهدي بن تومرت إلى بجاية قادما من المشرق إثنتي عشرة و خمسمائة  و غيرّ المنكر بها فسعى به عند العزيز فخرج إلى بني ورياكل و قام بهم يدرس العلم وطلبه العزيز فمنعوه و قاتلوا دونه إلى أن رحل إلى المغرب و هلك العزيز سنة خمس عشرة و خمسمائة فولى بعده ابنه يحي و هو الذي اتخذ السكة ملوكهم و كان ديناره مكتوب فيه ثلاثة أسطار و دائرة في كل وجه، فدائرة الوجه الواحد "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله" "ثم توفى كل نفس ما كسبت و هم لا يظلمون" و سطور "لااله الا الله" "محمد رسول الله" ثم يعتصم بحبل الله يحي بن العزيز بالله الأمير المنصور، ودائرة الوجه الآخر بعد البسملة ضرب هذا الدينار بالناصرية سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة و في سطوره: الأمام المقتفى لأمر الله أبو عبد الله أمير المؤمنين العباسي. و كان مشتغلا باللهو  و الصيد و النساء لما أدْبَرَت الأيام عن قبائل صنهاجة و كان عامله على الجزائر أخوه القايد بن العزيز بن المنصور و لما فشل ريح بنى عمه أولاد باديس بافريقية وضايقهم جرجين بن منحايل أحد رؤساء الكفرة، بعث يحي بالأساطيل في البحر وأتى بالحسن آخر ملوك إفريقية من بنى عمه و أنزله بالجزائر مع أخيه القايد.

و سبب غزو الكفرة لثغره: أن عليَّا بن يوسف بن تاشفين أغزى محمد بن ميمون صقلية و فتح قرية منها و سبى أهلها فلم يشك طاغيتهم "رجار" أن ذلك باملاء الحسن فجهز ثلاثمائة مركب و أمر عليها جرجس المذكور و فيهم عدد كثير من النصرانية فيهم ألف فارس فملكوا قصر الذهاس ثم رجعوا إلى صقلية بعد أن إستمر القتل فيهم و لما زحف الموحدون إلى الجزائر، فرّ منها القايد أخو يحي فقدم أهل الجزائر الحسن المذكور على أنفسهم و لقي عبد المؤمن فأمنهم وصبح ببجاية من الغذ، فزحف إليه يحي فانهزم وملك عبد المؤمن بجاية و ذهب يحي إلى أخيه الحارث يمونه  لما لم يجد السبيل إلى بغداد ثم ذهب إلى قسنطينة فنزل على أخيه الحسن فخلا له الأمر ثم بايع يحي عبد المؤمن سنة سبع وأربعين و نقله إلى مراكش فسكنها ثم إنتقل إلى سلا فسكن قصر بنى عشرة إلى أن مات و هو آخر ملوك صنهاجة بالقلعة و بجاية و الجزائر وانقطع ملكهم إلى الأن بل عفى رسمهم و خمل ذكرهم وأغمروا في الناس فلا يعرفون و كذا بنو عمهم ملوك إفريقية.

غريبة: ولم سمى هذا القصر بسلا قصر بنى العشرة، أن امرأة و ضعت عشرة أولاد ببطن واحد فجعلهم أبوهم على مائدة و ذهب بهم إلى الأمير فاعطاهم ألف دينار فبنى لهم أبوهم عشرة دور أنظر بعض شروح الفرائض، ولما كان زمن السلطان الباني لهم الدور فيه تناقض مع زمن سكنى يحي بها لم نذكره و الله أعلم، ثم انتظمت الجزائر في ملك الموحدين كغيرها من المغربين بل و المغرب الأدنى أيضا لأنهم ملكوا طرابلس مرّات و تونس أكثر أيامهم وأول خلفائهم ثم لما ركد ريحهم ودخل الهرم دولتهم سنة الله التي قد خلت من قبل أستقل أبو زكرياء الحفصى من الموحدين بولاية إفريقية لما بلغه أن المأمون أحد ملوك بنى عبد المؤمن غير معالم شيخهم المهدي و غير ضرب الدرهم المربع الذي يعرف عندنا بدرهم المؤمن الذي مكتوب فيه كما هو شاهد إلى الآن "الله ربنا و محمد نبيَّنا و المهدي إمامنا" و قطع إسمهم من الخطبة و أثبت ذكره بعد ذكر المهدي بن تومرت مقتصرا على لفظ الأمير فقط ورفع إليه بعض شعرائه بيتا و هي:

صل أميرا بالمؤمنينا \  فأنت أحق بها في العالمين

فأتى عن ذلك إلى آخر دولته و دخلت الجزائر في ملكه و تلمسان و الزاب و غيرها و داولها بنوه إلى أن ضعضع شوكتهم الرَّاعي إبن أبي عمارة و بسببه إفترقت كلمتهم كما هو شأن الدنيا، طمع في الجزائر بنو عبد الواد فغزاها السلطان أبو حمو موسى بن عثمان بن يغمراسن من أعياص ملوكهم لما خلاله الجو بفتنة محمد بن أبي عصيدة سلطان تونس وأبي زكرياء الأوسط سلطان بجاية فأخذها منه سنة أحد عشرة و سبعمائة على يد قائد حروبه إبن عمّه محمد بن يوسف بن يغمراسن و كان ذلك أي أخذها أيام السلطان أبو اللحياني من ملوك تونس و لما حاصر يوسف بن يعقوب المريني تلمسان أوائل القرن الثامن كان أبو زكرياء صاحب بجاية مظاهرا لعثمان بن يغمراسن و السلطان محمد بن أبي عصيدة سلطان تونس تلميذ و محضون الولى الصالح أبي محمد المرجاني مظاهر ليوسف المريني فكان أبو زكرياء يمدّ عثمان بالعساكر فيسمع بهم يوسف في حصاره لتلمسان فيبعث لهم كتائب بنى مرين فتوقع بهم و تهزمهم ثم أن أبا عصيدة صاحب تونس بعث إلى يوسف يغريه بغزو بجاية فسرح يوسف العساكر لنظر أخيه أبي يحي فضايقوا بجاية و عاثوا في تلك الجهات ثم انقلبوا إلى يوسف وهو معسكر على تلمسان و في سنة ثلاث وسبعمائة أرسل محمد ابن أبي عصيدة هدية ضخمة إلى يوسف أغرب ما فيها سرج و سيف ومهاميز مرصعة بالياقوت و الجوهر مع رئيس الموحدين أبى عبد الله بن أكمارين و رجع بهدية ضخمة من عند يوسف بن يعقوب كان من جملتها ثلاثمائة بَغْلٍ و في أيام إبن أبي عصيدة سنة خمس قتل علماء تونس هداج من الكعوب بسبب إهانته المسجد، فإنه دخله بأخفافه فقيل له في ذلك فقال هكذا و الله دخلت بها على السلاطين فقتل في بعض زقاق تونس بأمر إبن أبي عصيدة و قد ذكره الوَنْشَرِيسى في كتابه المعيار، قلت وهداج هو إبن عبيد بن أحمد بن كعب من بطون سليم و قومه يقال لهم الكعوب مشهورون بأرض إفريقية و هو إذ ذاك سيدهم واستمرت الجزائر في طاعة بني عبد الواد ملوك تلمسان من سنة إحدى عشرة إلى أن استولى أبو الحسن عليها و على إفريقية وطرابلس سنة ثمان وأربعين و سبعمائة وكان  دوخّ تلمسان قبل ذلك فكانت لدولته أذل و لأمره أطوع و لما جرت بابي الحسن الوقعة المشهورة بالقيروان واستقل إبنه أبو عنان فارس بملك المغرب، راجع بنو عبد الواد ملكهم واستقامت قدمهم بعد عثار و قد دخل أبو الحسن الجزائر من البحر  و جمع جموعا و زحف لتلمسان فكان مصاف القتال بتاسالة فكانت على أبي الحسن و قتل إبنه الناصر و خلصه وانز مار السويدي إلى جبال المصامدة بازاء مراكش و تزاحف مع إبنه أبي عنان حتى مرض و مات سنة إثنين و خمسين وسبعمائة في جبل عبد العزيز بن محمد الهنتاتي الذي أجاره و نصره و قاتل معه ولده و كان عنده في غاية الرفعة و تحفظ به في مرضه و قام بمئونته و جعله فوق أعواد نعشه وبعث إلى السلطان أبي عنان إبنه فلقي النعش باكيا راجلا عافيا مكتئبا من مصيبته و هو يقبل الأرض بين يدي جنازته و عفى عن عبد العزيز و أحسن إليه فكان له بعد ذلك يد عليه ثم أن أبا عنان لما استقام له المغرب زحف إلى تلمسان ففتك بهم  واستلحمهم حتى كاد أن يستأصلهم و ذلك في سنة ثلاث و خمسين من القرن الثامن واستولى على المغرب الأوسط فكانت الجزائر له، طوّع البدو وولى عليها عاملا و بعث إلى أبى عبد الله الذي ملك بجاية من الحفصيين يقيم الرصد على إبل بني عبد الواد، فبعث العيون فعثروا على محمد بن سلطانهم أبي سعيد بن عثمان بن عبد الرحمن و على أبي ثابت أخيه و على وزير هما يحي بن داوود فاوثقهم ثم بعث بهم إلى أبي عنان فسألوا عن أبي ثابت بعد قتل أبى سعيد ليميزوّه من يحي بن داوود لعدم معرفتهم له. فقال الوزير: أنا أبو ثابت و هذا يحي، فقتلوا الوزير و خلوا عن أبي ثابت، فجاد يحي بنفسه لنجاة الأمير و هذا أمر غريب لم أطلع على مثله إلا في قضية كعب بن إمامة لما آثر بالماء غيره و مات عطشا و بقيت تلمسان خرابا مدّة سنين و كان رجل يقال له موسى بن صالح مشهور بالكهانة عنده علم من الحدثان يقول إن تلمسان يحرثها غلام أسود على ثور أسود، فحرث على هذه الصفة بسبب هذه الوقعة سنة ستين أو إحدى ستين. و كانت هذه تلمسان الجديدة يقال لها تكرارت ومعناها المعسكر لأن عسكر يوسف بن تاشفين نزل هناك و قد بنى لهم موضعا مشهورا – أبو حمو- المشهور إلى الآن فصار أهل المدينة ينتقلون حتى دثرت القديمة بسبب إنشاء الجديدة و لما مات أبو عنان عادت دولة بنى زيان بمجرد ملكهم وواسطة عقدهم السلطان أبو ثابت المتقدم وراجع ملكه ومن جملته الجزائر.

- و الحاصل أن الجزائر كان ملوك تلمسان و ملوك إفريقية يتداولونها فتكون لمن غلب عليها، و مرّة يتغلب عليها بعض مشايخها إلى أن دخلها ملوك الأتراك  سنة خمس عشرة و تسعمائة و أول من ملك بها منهم مشهور السيادة وواسطة القلادة، منتقل الأحوال، مسعد المنال أمير المسلمين السلطان حسن خير الدين فهو سبب سعادتهم وانتشار صيتهم فكان وجهه للصباحة و لسانه للفصاحة و يده للسماحة و عقله للرجاحة، كان قبل حلوله بالجزائر، طبّق أرض الكفرة بالغزوات وكثر لديه الفتوحات وامتدت له سعادة الحياة، وكان من خبره أن السلطان أبا يزيد بن السلطان محمد الفاتح بن مراد من ملوك بنى عثمان التركماني الأكبر الذي ينتسب إليه الخلفاء العظام، زادهم الله النصر و الإكرام و العز و القبول الساكنين الآن بمدينة اسلامبول، فتح مدينة في بعض جزر البحر يقال لها مدلي وأنزل فيها حامية من الأتراك[42]، فبعثوا إلى السلطان يأذن لهم في تزويج بنات أهل الذمة من كفرة جزيرة مدلّي، فأذن لهم فتزوج أبو السيد حسن خير الدين المذكور امرأة منهم فولدت له عروج المشهور برايس و خير الدين وإسحاق و عروج أكبرهم فشبوا في إكمل خصال الرجولية و غاية الشجاعة و الفحولية، واشتغلوا بالتجارة ثم بعدها عملوا أجفانا للجهاد في البحر، فأذاقوا الكفرة شرا و قهروهم قهرا حتى أن عروج قطعت يده في بعض الحروب قرب بجاية و كانت بجاية إذ ذاك عامرة بالكفرة لأنهم لم تؤخذمنهم إلا في سنة أحدى و ستين و تسعمائة و دخلوها وقت تلاشي أمر آل أبي حفص وافتراق كلمتهم و تعداد أمرائهم فكان هؤلاء الثلاثة الإتراك يأتون بالغنائم و يرسون على مدائن الإسلام الساحلية ليبيعوا ما عندهم و يقضون حوائجهم فكان خير الدين في بعض المرّات أرسى أسطوله بمرسى الجزائر فقضى حوائجه على عادته فرغبوه في المبايعة و الملك عليهم لعدم إستقامة دولة أهل تلمسان وأهل تونس وألحوا عليه فاجابهم ثم كان بينهم كلام فغضب عليهم و ذهب من مدينتهم فلم يروه إلا بعد حول فرغبوه في المكوث عندهم و الملك عليهم و السمع و الطاعة فقبل على شرط قتل المفسدين و عينوا منهم جماعة أرادوا قتلهم فقال لا تقتلوا الاّمن عظم شره و كثر فساده فخصصوا فيهم و حصروا أمر الفتنه في نفر منهم فقال لهم تحرّوا في أهل الفساد و لا تزروا زرة وزر أخرى وذلك كله إحتياطا منه رحمه الله و من سفك الدماء من غير وجه شرعي، يقال أنه مازال يأمرهم بالتخصيص لأهل الفتن و التحري حتى إتفق أمرهم على ثلاث فصلبوا على السور، فهم أول من حكم فيهم بالقتل في ملكهم بالجزائر، و كان كثيرا يرى رسول الله عليه الصلاة و السلام، و كان بالغاية القصوى في الزهد و الورع و التقوى و الإناءة ولم يقبل الملك حتى قيل له أنه واجب عليك متيقن. وكان بعض أراد إغتياله بمداخلة غلام له فكوشف له عن ذلك رضى الله و حسم ما خشى. فلما إنتظمت له الجزائر واستحكم أمرها وأكثر جندها وأصلح خللها داخل الفقيه الأعظم العلامة الإكرم سيدى أحمد بن القاضي* أحد أبناء "صاحب المغارسة"، ملوك الزيانيين بتلمسان في شأنه واشار إليهم بحربه ومناجزته و كان هذا العالم من أهل بجاية و قد ذكره صاحب الدرر المكنونة في نوازل مازونة في نوازل النكاح و ما يتعلق به و بنوه وإخوته و قومه هم الذين آووا الشيخ على أبهلول الوطاسي وأخذوا عنه العلم الظاهر و الباطن ووقفوا عليه الأوقاف، و بعد موته رضى الله عنه خلفه أبناه الشيخ محمد بن على و الشيخ أبو على فكان الشيخ عبد الرحمن بن عبد القادر صاحب المغارسة أحد تلامذتهما نفعنا الله بهم أجمعين، فكان الشيخ أحمد من أكابر رؤساء تلك الأرض وأكثر، أغزاه بنى زيان بخير الدين فلم ينجح له شيء لأن أمر بني زيان حينئذ قد ولى الإدبار و ضعف ملكهم و تقلص ظلهم لا سيما و قد أخذت من أعمالهم وهران يومئذ و كان بذلك العصر في تلك الأرض علماء أعلام و فقهاء عظام منهم من ذكرنا و غيرهم كالإمام المغيلي المدفون بتلمسان و الو نشريسى صاحب المعيار المدفون بفاس وأبو عبد الله المغراوي و قد بنى له بحافة شلف قبتان و قبلهم من أهل التاسع سيدى أحمد المريض مستوطن أحد مَدَاشر و نشريس و كان معاصرا لابن عرفة و قبله من أهل السابع أبو العباس أحمد الملياني كان صاحب فقه ورواية و قد ذكره في المعيار و كذا ذكره صاحب الدرر وقد إنتهت إليه في عصره رئاسة الشورى بالمغرب الأوسط و كان إبنه أبو علي خُلْوًا من ذلك منهمكا في الرياسة فلما رأى فتن مغراوة مع يغمراسن إستولى على مليانة و بويع له بها فجهز إليه المنتصر سلطان تونس جيشا لنظر أخيه الأمير أبي حفص ففتح مليانة عنوة و فرّ أبو على للعطاف و عقد لبني منديل على مليانة و قد كان قبلهم بنو وَرْيبين منهم  مسكنهم البادية و الإمام المازري المذكور هو الذي جعل كتابا في نسب قبائل أهل المغرب الأوسط و قد ذكر فيه أن الأمحال أهل البطحاء من بني هلال كما قال إبن خلدون و أن الذين يقال لهم المضارب كبني دقيش و بني حميدة العبد* وبني عراج من بنى مخزوم من ذرية صَعْْصَعَة بن الحارث بن حارثة من ذرية هشام بن إسماعيل المخزومي و قد أجمل إبن خلدون و المشاهد الآن من أقر الأمحال للمضارب بالسيادة و التعظيم و التسليم لهم، يشهد للمازوني و قد كان قبل تلاشى أمرهم وركود ريحهم، لا يزوجون بناتهم الأمحال مع أن الأمحال لا يتوهمون ذلك و لا يطمعون فيه تعظيما لهم، قد أخذوا ذلك عن آبائهم و من المضارب نفر بقبيلة الشكالة و نفر بأولاد فارس و نفر بواد أسلي و كلهم درس ذكرهم و عفت مراسمهم و قد يقال إن الولي الصالح سيدى الناصر بن عبد الرحمن المدفون بالصحراء بالواد المشهور من بني مخزوم و الله أعلم بذلك.

و لنرجع إلى ما خرجت منه، ثم أن خير الدين نافسه أيضا محمد بن على من رؤساء عرب إفريقية و سعى به إلى آل حفص بتونس و كانت بينهم حروب يقال إن محمد بن علي هلك فيها ثم أن أهل المغرب الأوسط و فدوا على خير الدين و أَتَوْابه إلى أرضهم فاستعمل في طريقه على قلعة بنى راشد أخاه إسحاق و لما دخل تلمسان آستعمل عليها أخاه عروج ثم بعد منصرفه تعصب المسعود من ملوك تلمسان بجيش عظيم و خطب على منبر الجامع الإعظم و ذكر شأن ملك الجزائر و رغب الناس في ملك آل عبد الواد و هجموا على عروج، فاخروجه عنها ثم زحف إليهم بمن معه و كان شديد البأس فدخل تلمسان عنوة و قتل سبعة من المترشحين للملك من بني زيان و نحو الستين من بنى عمهم أولاد عبد الواد وأكثر من ألف من أهل البلد و عاث في تلمسان ثم سكنت الفتنة و لما رأى المسعود إستقامة عروج بتلمسان، دخل و هران فزحف بالنصارى إلى إسحاق بالقلعة ورموا عليها من البراق** فلما علم أهلها قوّة العدو و ضعفهم صالحوهم على تسليم البلد ثم لما خرجوا غدروا بهم و قتل إسحاق و قال العلامة الصباغ: و كان أبي ممن قتل يومئذ، ثم زحف بالنصارى لتلمسان لحصار عروج فلما طال أمر الحصار عليه خرج بمن معه من الجيش و البطانة راضيا من الغنيمة بالسلامة فلحقوه بجبل بنى موسى* و قتلوه و من معه يوم عيد الفطر سنة خمس وثلاثين وتسعمائة بعدما ملكوها نحو السنة وقيل إن عروج لما دخل تلمسان وعاث بها ثاروا به (كذا) أهل البلد وأخرجوه منها وخافوا من عودته ففزعوا إلى ولي الله ابن ملوكة فدعا عليه فهلك بجبل ورنيد والله أعلم ورأيت في بعض فتوح الجزائر أن خير الدين دخل تلمسان مرّتين مرّة (لَمَّا)استعمل عليها أخاه ومرّة بعد موته. وقد عمل بها حانبة من الأتراك في المرّة الثانية فهي باقية إلى الآن، فأذهب فتنتها وحسم داءها فلم يعد. ثم إن خير الدين شمّر للمدافعة عن الجزائر في البرّ و البحر وقد كانت المرسى آنذاك للأسبانيين من أمم الكفرة وكان لهم بها حصن هو الذي فيه الفنار إلى الآن وكانوا مدّتهم مع المسلمين بين نفرة واستقامة و صلح و غدر وكان حصنهم يدور به الماء من البحر وأما الطريق التي به الآن فإنها علمتها ملوك الأتراك ويذكر أن بني مزغنة قبل بناء بلكين بن زيري، الجزائر كانوا يؤدون الخراج لأهل البرج و كذا أكثر أهل متيجة فلما بناها بلكين الصنهاجي وحصنها بالأسوار وأنزل بها الجيوش أقصرت النصارى عن عادتهم ورضوا بدل الخراج بالبيع والشراء معهم، فلم يزل خير الدين يحاصره ويقاتله ويصالحه إلى أن فتحه سنة ثمان وأربعين وتسعمائة وقطع طمع بني زيان من تلمسان سنة ست وخمسين. وقد رأيت في بعض فتوحات الجزائر في سيرة خير الدين المرّة الأولى سنة خمسة عشر من العاشر وبنى لها السور سنة أربع وعشرين منه وآنظر قوله بنى السور مع مَامَرَّ لنا أن يحيى بن غانية صلب منديل بن عبد الرحمن على سور الجزائر أول القرن السادس ولعله السور الثاني أو أن خير الدين رمّ الأول والله أعلم.

هذا وقد كانت النصارى من كل جنس يغزونها قديما والحرب بيننا عليها مستديما وأول غزو النصارى لها بعد استيلاء الأتراك عليها سنة خمس وعشرين وتسعمائة في ثلاثمائة وعشرين جفنا فهزمهم الله بعدما قتل منهم خلقا كثيرا يزيد على عشرة آلاف وغزوها مرّة أخرى أيام خير الدين أيضا فهزمهم الله وأسر المسلمون منهم نحو الثلاثة ألاف ثم غزاها الطاغية بنفسه** لما استولى المسلمون على برج المرسى وذلك سنة ثمان وأربعين كما مرّ في زهاء سبعمائة سفينة فبعث الله ِريحًا فكسرت أكثر مراكبهم ومن خرج منهم للبرّ قتل حتى أن الطاغية رجع في إثنى عشر مركبا وكل هذا أيام خير الدين رحمه الله[43]. وله لقبان الأول باشا كما هو معروف في نواب العثماني على الأقطار والثاني دولاتلي. ونظير هذه الغزوات غزوة قسطنطين بن هرقل لما أخذت الإسكندرية واستولى المسلمون على كنيستها العظمى وقد كان المسلمون أخذوها قبل ذلك في خلافة عمر ثم رجع لها النصارى بعد ذلك أول خلافة عثمان فأخرجوا منها أيضا وخلف عمرو بن العاص ليتركها كبيت الزانية تؤتى من كل جهة فلما سمع قسطنطين بهدم حصونها غزاها في ألف مركب في الشتاء ففرقهم الريح كلهم إلاّ مركبه نجا لصقلية فادخلوه الحمام ووثبوا عليه فقتلوه جزاء له على فعلته، وغزوه في ذلك الفصل.

وغزا الجزائر أيضا الأنكليز في أيام رمضان باشا في ثلاثة وعشرين مركبا عظاما فرموها بالبونبة فلم يفد شيئا وذلك سنة احدى وسبعين وألف وغزاها الفرنسيس سنة ثلاث وتسعين وألف في خمسة وعشرين مركبا في ولاية حسن باشا ورموها بالبونبة فهدموا أكثر دورها وبعض مساجدها وكذا رموا على شرشال واقتنص المسلمون مركبا لهم فيه جملة من أكابرهم ففرحوا بذلك فرحا شديدا ورجع الكفرة بلا نايل ولم يحصلوا منها على طائل. ثم غزاها أيضا الفرنسيس في العام الذي بعده في أيام الباشا المذكور في زهاء ثمانين مركبا ورموا بالبونبة في ثالث الأيام من قدومهم فأتت قدرة بونبة بدار الامارة فضاقت مذاهبه وصالحهم من ساعته على أن تسرح لهم الاسرى بلا مشورة أحد من أهل دولته وعلى أن يبذل لهم ما صرفوه في تلك الغزوات ورجع أعداء الله مسرورين وبعد ذلك بيسير قتله الأتراك وولوا حسن باشا و كان قبل ذلك[44] يعرف بحسن رايس فبعث إلى اللعين من ساعته "إبعث أسارى المسلمين إن شئت تمام الصلح على أن لا شيء لك"، فلما سمع اللعين، غزاها من عامه فهدم منها نحو الثلاثمائة دار واستشهد فيها نحو الألفين، ثم رجع عدو الله من غير طائل ثم غزاها الإسبانيون سنة تسع وثمانين ومائة وألف في ولاية محمد باشا وخرجوا إزاء الحَرَّاش في البر وجعلوا أتراسا من حطب ولوح وغير ذلك وأوقدوا نار الحرب وباتوا ليلتهم في موضعهم فلما كان قبيل الفجر صبيحة يوم الأحد هزمهم الله ومات منهم ما لا يحصى عددهم إلا الله ورجعوا خائبين لم ينالوا خيرا واستشهد من المسلمين نحو أربعمائة جعلت لهم مقبرة بازاء عين الربط. وقد أتوا في هذه الغزوة في خمسمائة مركب وبقيت عظامهم ماثلة في رمال الحراش أعْصُرًا وقد حضر هذه الوقعة المنصور بالله أبو الفتوحات سيدي محمد بن عثمان باي معسكر فظهر من إقدامه واعتنائه مقامات تعد من مفاخر دولته وذكر له آخر الأيام. ثم غزاها الاسبانيون أيضا سنة سبع وتسعين فهدموا بالبونبة أزيد من مائتي دار وطلبوا الصلح فلم يجابوا ورجعوا خائبين ثم غزوها أيضا السنة التي بعدها فزحف لهم المسلمون في البحر ورَدّوهم على أعقابهم فرجعوا بلا طائل ثم جاءوا سنة تسعين من هذا القرن طالبين الصلح في الحال باذلين القناطير من الأموال بدخولها للتجارة لما آيسوا من الظفر وقدموا في ذلك عجلة* من بيوتاتهم على عادتهم الذميمة لعنهم الله فانبرم الصلح بينهم وبين المسلمين كل ذلك أيام محمد دولاتي مات رحمه الله سنة خمس ومائتين وألف أيام السلطان سليم بن السلطان مصطفى العثماني.

تتمة: إعلم ان السلطان الاكبر جد الملوك العثمانيين اهل كرسي إسلامبول الخاقانين أهل الخلافة العظمى والسلطنة الكبرى والرتبة العليا أصله من التراكمة. تولي بلاد الروم شرقي الخليج بعد انقضاء دولته الطرطر (التتار) منه سنة ست وسبعين و ستمائة وهو آرطفل بن سليمان شاه وقيل من ذريته أنوشروان وللسخاوي أنه من نسل سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وكان جده سليمان ملك بلاد ماهان قرب بَلَخ من إقليم خراسان فلما ظهر الملك جنكزخان قرب بلاد بلخ فخرج سليمان شاه بخمسة آلاف بيت من التركمان عنها الى أرض الروم فمات بالفرات في طريقه وتفرق التركمان هناك. وقدم عثمان على علاء الدين السلجوقي فأذن له بالإقامة بأرض قروام والجهاد ثم تملك في التاريخ المتقدم لما ضعف علاء الدين ودخلت جنوده تحت إمره عثمان مات سنة ست وعشرين وسبعمائة. انتهى.

وخاقان علم على كل من ملك الترك كقيصر لملك الروم وكسرى لملك الفرس وتبع لملك اليمن وحضرموت والشجر والخنشوان لملك الهياطلة والنجاشي لملك الحبش وعابة لملك الزنج والسميدة لملك العمالقة وفرعون والعزيز لملك القبط وجرجيس لملك البربر وجالوت لملك فلسطين وأمير المؤمنين لخليفة المسلمين وأول من تسمى به عمر بن الخطاب وقد قال الشاعر في بعض ما ذكر:

الــــدار داران أيــوان وغــمـــدان  \ والـــملـــك ســاســان وقـحـطان

والارض فـــارس والإقلــيم بـابــل  \ والإســلام مـكـة والدنيا خراسان

قــد رتـب الناس كلا في مراتبهــم  \  مــرزبــان وبــطــريـق وطـرخان

ففي الفرس كسرى وفي الروم قيصر \ والحبش النجاشي والأتراك خاقان

وقال آخر:

ألـــم يــكـن ملك الله طرا  \  لاربعة في الارض متميزينا

تبع خاقان مع ابن كسرى  \  وقــيصــر ودع الـمتميزينا

تتمة أخرى : كانت اسطنبول في بدء أمرها قرية يقال لها بزنطة فلما ملك قسطنطين ودخل في دين نبي الله عيسى هو وأمه هيلانة كما مر،ّ بناها ومدّنها، فكانت أعظم مدن العالم قبل الهجرة النبوية بنحو ثلاثمائة سنة و دامت للروم[45] إلى أن أخذها منهم الفرنج في خبر يطول آخر المائة السادسة ثم أخذها منهم كشكري الرومي وهو الذي عقد معه الصلح المنصور قلاوون ملك مصر والشام على يد رسوله ابن الضايع النحوي وأن كشكري أراه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ملفوف في خرقة ذهب واستمر ملك بني كشكري* بعده إلى الفتح الإسلامي في وسط القرن التاسع والله أعلم.

وأن رومة قاعدة الروم بنيت لأربعة ألاف وخمسمائة من مبدأ الخليقة وبناها من ملوكهم ملك اسمه روماش ابن برقاش طولها من الشمال إلى الجنوب عشرين ميلا في عرض اثنا عشر ميلا و ارتفاع سورها ثمانية و أربعون ذراعا في عرض عشرة أذرع واليها تنسب أمم الروم و كانت الهجرة النبوية لألف و مائة من بنائها و أن اليونانيين إخوة الروم انقرض ملكهم بأميرتهم "كلا بضرة**" الحكيمة وقال الطبري مدّة ما بين تخريب يختنصر القدس وبين الهجرة ألف سنة ونيف ومن ملك الأسكندر إلى الهجرة تسعمائة ونيف وعشرين سنة وعمر النبي عيسى عليه السلام إلى رفعه اثنان وثلاثون سنة ومن رفعه إلى الهجرة خمسمائة وخمس وثمانون سنة. انتهى.

محمد بكداش هو باشتها  \  قد فاق الأكفاء في الدهاء والرغس

يقال فاق أصحابه فوقا وفواقا علاهم بالشرف والفائق الخيار من كل شيء والفيقة ما يجتمع به ضرع الناقة وذو الفوق سيف معروف وفوق ملك من الروم نسبت إليه الدنانير الفوقية والفواق كالغراب الذي يأخذ عند النزع والريح التي تشخص من الصدر وما بين الحلبتين من الوقت أو ما بين يدك وقبضها على الضرع وقولي الاكفاء أي المماثلين والكفؤ المماثل والتكافؤ الاستواء والدهاء المكر وجودة الرأي والجمع دهاة ودهوت كرضى دهيًا ودهاءٍ والداهية الأمر العظيم ودهى كغني العاقل والداهي الأحسن وقولي والرغس، الرغس النعمة والخير والبركة والنماء والجمع أرغاس والمرغوس المبارك والرجل الكثير الخير وبهاء المرأة الولود وأرغسه الله مالاً أي أكثر وبارك فيه والمرغس كمحسن الذي ينفع نفسه والعيش الواسع وقد اجتمعت خصال الخير في محمد  بكداش دولاتي وقد أتحف بالنعم والسعادة والرضوان وأي نعمة أعظم من فتحه لثغر وهران الذي فقدوه وعظم داؤه و منع فناؤه وحمت أرجاءه والدهاء اشتهر به رجال عظام في الجاهلية والإسلام. فالذي ضرب به المثل في الدهاء في الجاهلية قيس بن زهير العبسي، وفي ثقيف كثيرٌ كعروة بن مسعود و غيره و لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم حنين كان معه الأقرع بن حابس التميمي و عيينة بن حصن الفزاري قيل لهما لم غزوتما وأنتما لم تسلما لأنهما كانا حينئذ من المؤلفة فقالا: لعلنا نصيب من سبي ثقيف جواري يلدن لنا أولاد دهاة وأما في الاسلام فيضرب المثل يإيَّاس بن معاوية قاضي البصرة ونظائره وقد قالت العرب: أسخى من حاثم وأشجع من ربيعة بن مكرم هو من بنى فراس كإبن غنم بن مالك بن كنانة قتله نبيشة بن حبيب الأسدي وأخباره مشهورة وأغرّ من كليب وائل ومرّ لنا ذكره وأوفى من السموءل بن عاديد اليهودي وخبره مشهور وأذكى من إياس بن ربيعة وأسود من قيس بن عاصم المنقري بطن من تميم ولما وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط له رداءه وقال هذا سيد الوبَرَ ولما مات قال فيه الشاعر

عليك سلام الله قيس بن عاصم \ ورحمته ما شاء أن يترحما

وما هلك قيس كأن هلك واحـد \  ولكــنه بنيان قـوم تهدما

وأمنع من الحارث بن ظالم وأبلغ من سحبان بن وائل وأحلم من أحنف بن قيس وأصدق من أبي ذرّ وأكذب من مُسَيْلَمة وأعيى من باقل وأنعم من حريم الناعم يقال أَشْكَمُ من الباسوس وأحمق من ذرعة وأمنع من أم  قرفة كانت تعلق في بيتها خمسين سيفا وأرتى من ظلمة وأبصر من زرقاء اليمامة الباسوس جارة جُسَاسَ بن مرّة الشيباني ولها الناقة التي قتل بها كليب وائل وبها ثارت فتنة بكر و تغلب التي يقال لها حرب الباسوس وأم قرفة امرأة مالك بن حذيفة العِداري وكان يعلق في بيتها خمسون سيفا لمحارمها وكانت امرأة من بني عجل وزرقاء معلومة وظلمة امرأة من هذيل زنت أربعين سنة فلما عجزت عن الزنا قادت فلما عجزت اتخذت تيسا وعنزا فكانت تزني التيس على العنز فقيل لها في ذلك فقالت حتى اسمع أنفاس الجماع. ومما ضرب به المثل قولهم قوس حاجب وقرط مارية وحجام ساباط وشقاق النعمان وندامة الكسيّ وحديث خرافة. هو رجل من بني عذرة سبته الجّنّ وكان معهم فإذا استرقوا السمع، أخبروه فيخبر به أهل الأرض فيجدونه كما قال. هكذا أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أمنا عائشة وقال لها أصدق الحديث حديث خرافة ومن أمثالهم القول ما قالت حذام ومواعد عرقوب هو رجل من العماليق وقولهم يوم حليمة ليس بسرّ وقولهم لتسمع بالمعيد خير من أن تراه وهو تصغير معد رجل منسوب إلى معدومن الأمثال قولهم فلان ما تقرع له العصا وأول من قرعت له العصا سعد بن مالك الكَتَاني ثم قرعت لعامر بن الضرب ومن أمثالهم وضع الشيء في غير موضعه ومنه كمستبضع التمر إلى هاجر. قال الشاعر:

فــانـا ومـن يهدى القصايد نحونا \  كـمـستبضع تمر إلى أهل خيبرا

ومنه ما تبض قطرة والبض أقل السيلان وقولهم الاجتماع داعية إلى الفراق ومنه

وكـــل أخ مــفــارقـــه أخــــوه   \ لــعــمــر أبــيــك إلا الفرقـدان*

فجهز جندا من الأبطال حاصرها \  أضحى لذلك حزب الكفر منبئس

يقال جهز الميت والعروس والمسافر أعطاهم ما يحتاجون إليه وقد جهزه تجهيزا فتجهز والجمع أجهزة والجند بالضم العسكر ويقال للأعوان أيضا وصنف من الخلق على حدة. وفي المثل أن لله جنودا منها العسل والأبطال مفرده بطل بالتحريك أي شجاع تبطل جراحته فلا يكترث لها أو تبطل عنده دماء الاقران والجمع أبطال والحصر التضييق ومنه محاصرة العدو وأضحى بمعنى صار وحزب يقال للورد والطائفة والسلاح وجماعة الناس وجند الرجل وأصباحه و الذين على رأيه وأمر حازب وحزيب أي شديد والحيزاب الديك والبأس العذاب والشدة ومنبئس بمعنى معذب ضاقت عليه أحواله وأدبر إقباله قال الشاعر في عمر بن هند:

له يوم بؤسا فيه للناس أَبْأَسـَا  \  ويــوم نعــيم فــيه للناس انـعم

فينبع يوم الجود من كفه الندا  \ ويقطر يوم البؤس من سيفه الدم

وفي حاشية السيد عند قول السعد في المطول هل عرفت الدار بالغريين، الغريان قبرا مالك وعقيل نديمي جذيمة الابرش سُمِيَا غريَيْن لأن النعمان بن المنذر كان يغريهما بدم من يقتله إذ خرج في يوم بؤسه كذا في الصحاح وقيل كان ينادمه رجلان من العرب خَالد بن الفضل وعمر بن مسعود الاسديان فشرب معهما ليلة فتراجعوا الكلام فغضب وأمر أن يجعلا في تابوتين ويدفنا بظهر الكوفة فلما أصبح سأل عنهما فأخبر بصنيعه فندم وركب حتى وقف عليهما وأمر ببنائهما وجعل لنفسه في كل سنة يوم نعيم ويوم بؤس فكان يضع سريره بينهما فإذا كان يوم نعيمه فأول من يطلع عليه يعطيه مائة من الإبل وإذا كان يوم بؤس فأول من يطلع عليه يعطيه رأس ضربان وهو دُوَبْيَة منتنة الريح ويؤمر به فيقتل ويغري بدمه الغريان. انتهى.

وقال الشيخ الحسن اليوسي في كتابه "الزهر الاكم في الامثال والحكم "وكان عبيد ابن الابرص الشاعر المشهور طلع على النعمان في يوم بؤسه فلما أحس بالقتل قال أتيتك بحائن رجلاه والحائن الهلاك يقال حان الرجل يحين كباع يبيع بيعا إذا هلك فهو حائن وأحانه الله أهلكه وهذا المثل يضرب فيمن سعى إلى مضرته فلما رآه النعمان قال ألا كان الذبح لغيرك فأنشد عبيد:

لا غرور مــن عيشة نافـذة  \    وهل غيرها ميتة واحدة

فأبلغ بـــني وأعــمامهــم   \   بأن المنايا هي الراصـدة

فلا تجزعوا من حمام دنيا  \    فللموت مــا تلد الوالدة

فقال الملك لا بد من الموت ولو لقيني أبي في هذا اليوم لذبحته، فاختر إما من الأكحل أو الأفجر أو الوريد فقال عبيد ثلاث خصال مقادها شر مقاد وحاديها شر محاد ولا خير فيها لمرتاد ثم قال:

وخيرني ذو بؤس في يوم بؤسه \    ثلاثا أرى في كلها الموت قد بـرق

كما خيرت عاد من الدهر مرة  \   سحائب ما فيها لذي خبرة أنسق

سحائب ريح لم توكل ببلــدة  \    فتــتركها إلا كمــا ليلة الطـلــق

فأمر به فذبح. ولما دخل ابن زياد الكوفة فسمع به عقيل تحول إلى دار هاني ابن عروة المرادي فدلّ عليه محمد الأشعث بن قيس فلما نظر ابن زياد قال عقيل اتيتك بحائن رجلاه.

فكان حين أزن حسن يزاولها \  وفائق مصطفى ذو الحزم والفرس

يزاولها يعالجها ويحاربها كما قال الشاعر وقال وأيديهم أرسوا نزاولها وفائق بمعنى عظيم السبال ومصطفى هو باي الأيالتين كانتا قبله لأميرين مستقلين: مازونة و تلمسان و أزن بمعنى طويل وحسن هو صهر الباشا المذكور ووزيره وكان شهما شجاعا عارفا بمكايد الحرب ودسائسها طالبا لمعالي الأمور مغتنما لنفائسها والسبال بكسر السين هو طول شعر الشارب ولم يسمع عند العرب استعمال هذا اللفظ فيه يعني لفظ فائق نعم. قال في القاموس فياق ككتاب وغراب الطويل وإنما الذي سمع فيه هو السبال فقد قال في القاموس السبلة الدائرة في وسط الشفة العليا أو على الشارب من الشعر أو طرفه أو مجتمع الشاربين إلى أن قال والجمع سبال انتهى. والحزم هو ضبط الأمور والأخذ فيه بالثقة والفرس بكسر الفاء مفردة فراسة بالكسر أيضا وهي إصابة الظن وجودة الذهن وحسن التفطن وأما الفراسة بالفتح فهي ثبوت على الخيل قال في القاموس الفراسة بالكسر اسم من التفريس بالفتح الحذق بركوب الخيل والذي يضرب به المثل في الفراسة بالكسر اياس بن ربيعة وفي الفراسة بالفتح ربيعة ابن مكرم مع زيادة كونه أشجع أهل زمانه. ومن لطائف الفراسة أن أبا نايلة رضي الله عنه لما ذهب ليلا مع نفر لقتل كعب بن الأشرف المشهور بالأذى للمسلمين فناداه فسمعت الصوت امرأته فقالت له لا تخرج هذا صوت يقطر منه دم فقال لها هو صوت أخي أَبِي نَايلة، إني رضعت معه أمّه، لو وجدني نائما ما أيقظني فقالت سترى فخرج له فوجده مع جماعة من الأنصار معهم السيوف فقال ما هذا؟ قالوا نرهنها لك في الزرع والثّمر ثم تنحوا به إلى موضع وكان آنذاك عروسا وأكثروا شَمّه وهم يقولون له ما أعطرك فاحتضن أحدهم رأسه لظنه أنه يشمه فضربه آخر فقلته ثم جَزُّوا رأسه وذهبوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت صلاة الصبح فلما رآهم صلى الله عليه وسلم قال أفلحت الوجوه ومن الفراسة الصائبة أن عمرا بن الخطاب رضي الله عنه وجد امرأة في سوق المدينة تبيع اللبن وبجنبها عجوز بلبنها تبيعه أيضا فقال للشابة هل فيه غش فقالت لا وقال للعجوز فقالت لا فقالت الشابة بل مذقنة ونهيتها يا أمير المؤمنين البارحة عن ذلك وحذرتها منك فأبت فأهرق لبن العجوز ثم ذهب إلى ابنه عاصم فقال اذهب إلى تلك المرأة التي تبيع اللبن ان كانت لازوج لها، تزوجها فلعلّ الله يرزقك منها ذرية صالحة فسألها عاصم فاخبرت بأنها لا زوج لها فتزوجها فولدت له أم عاصم فزوجها لعبد العزيز بن مروان فولدت له عمر بن عبد العزيز. ومن الفراسة أن شيخا كبيرا زعم أنه رأى هلال رمضان وفي القوم أصغر سنا منه فلم يروه فانزله إياس بن ربيعة القاضي ونظر في وجهه فرأى شعرة من حاجبيه بيضاء انحدرت على صورة الهلال على عينه فجعل على أصبعه بللا ولبدها مع شعر الحاجب ولم يفهم الشيخ ذلك ولا أعلمه بصنعه له ثم قال له أرني الهلال فلم ير شيئا وحلف أنه كان قد رآه يقينا فلما أخبره اياس بالقصّة رجع عن قوله وعلم أنه خيّل له.

وكان بكداش دولاتي لما جهز العساكر لحرب وهران عقد عليهم لصهره ووزيره أزن حسن فكان تدبير أمر الجيوش و تدبير الحرب انما يصدر عنه و عن الباي محي الدين مصطفى بن يوسف رحمهما الله وأنجح سعيهما ونما ربحهما.

تنبيه: كانت العرب لا تعرف الوزير وكذا غيرها من الأمم وإنما المعروف عند ملوك التبابعة تسميته بالقيل وهو الذي أراد الحلفاوي رحمه الله حيث قال في الباي مصطفى وهو من الاقيال فائق مصطفى والمعروف عند أهل المغرب تسميته بالقايد و أما غير العرب من ملوك العجم فبعضهم يعبر عنه بالمزربان و بعضهم بطرخان و بعضهم بالأسوار وبالبطريق إلى غير ذلك وأول من تسمى بالوزير أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال الهمداني وزير السفاح ولم يكن هذا الاسم قبل ذلك في دولة بني أمية ولا غيرها. وكان السفاح يأنس به كثيرا لأنه كان ذا مفاكهة حسنة صاحب سياسة وتدبير وكان ذا يسار أبذر أموالا كثيرة في إقامة دولة بني العباس وأبو مسلم يومئذ تبع له وقد بعث أبو مسلم من خراسان إلى السفاح يعرفه بفسادنيّة أبي سلمة وميله إلى العلويين وحرضه على قتله فبعث السفاح لأبي مسلم يقول له هذا رجل بذل ماله في خدمتنا وفصحنا وقد صدرت منه هذه الزلّة فنحن نغتفرها له فلما رأى أبو مسلم ذلك فدس له من قتله لأربعة أشهر من ولاية السفاح وكان يقول وزير آل محمد والوزير المعين القائم بوزر الأمور وهو ثقلها لأنها مشتقة من الوزر، وهو الحمل لأن الوزير حمل من السُّلْطان الثقل هكذا قال ابن قتيبة وقال الزجاج أنها مشتقة من الوزر وهو الحبل الذي يعتصم به لينجو من الهلاك لأن الوزير يعتصم السلطان برأيه ويقف عند قوله.

ومن لطائف الأمراء ودقة تفرس الوزراء أن عليا بن منقد الملقب شديد الملك كان توزر صاحب حلب وهو تاج الملوك محمود بن صالح بن مرداس فجرى بينهما أمر، خاف شديد الملك بسبب ذلك على نفسه من الملك محمود، فخرج إلى طرابلس الشام وصاحبها جلال الملك فقام عنده فقال محمود بن صالح يوما إلى كاتبه أبي نصر: اكتب إلى شديد الملك كتابا استعطفه واستدعيه وأمنه ففهم الكاتب غرضه، إنه قصد مكرا وكان الكاتب صديق  شديد الملك فكتب كما أمر إلى أن بلغ إن شاء الله تعالى فشد النون وفتحها فلما وصل عرضه على صاحب طرابلس ومن معه فأعجبهم تعطفه عليه فقال أنى أرى في الكتاب ما لا ترون ثم أجاب عن الكتاب كما اقتضاه وزاد أنا الخادم المقر بالأنعَام و كسر الهمزة من أنا وشدّ النون فلما وصل الكتاب إلى محمود وقف الكاتب عليه و سُرَّ بما فيه وقال لأصدقائه قد علمت أن الذي كتبته لا يخفى عليه وقد أجاب بما طيب نفسي وكان الكاتب قصد قوله تعالى "إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك" وأجابه بقوله تعالى " إنا لا ندخلها أبدا ما داموا فيها" فالعجب منهما. ولما ولى عمر بن الخطاب  معاوية بن أبي سفيان على الشام موضع أخيه يزيد بن أبي سفيان رحمهم الله قال "لما أردت السفر أوصاني أبي ثم دخلت على أمي فأوصتني أيضا فعجبت من اختلاف لفظهما واتفاق معناه" ومن اللطائف أن أبا عمر جميل بن عبد الله بن معمر بن صباح العذري قال لراوي شعره كثير عزة يوما من أين أقبلت؟ قال من عند محبوبتك بثينة. قال وأين تمضي؟ قال لعزة قال لا بد أن ترجع تأخذ لي موعدا من بثينة. فقلت استحي أن أرجع عن قريب فقال لا بد من ذلك؟ قلت متى عهدك؟ قال من أول الصيف وجدتها جالسة عند جاريتها وهي تغسل لها ثوبا أسفل وادي الدوم قال فرجعت إليها فقال لي أبوها ما ردّك يا ابن أخي فقال قلت أبياتا عرضت فأحببت أن أعرضها فقال هاتها فأنشدت وبثينة تسمع:

فقلت لها يا عزة أرسل صاحبي \ إليك رسولا ولا الرسول مـوكـل

بأن تجعلي بيني وبيـنك موعدا \  وأن تأمريني ما الذي فيه أفعل

وآخر عهدي منــك يـوم لقيتني \  بأسفل واد الدوم والثوب يغسل

قال فضربت جانب خدها وقالت: يأتينا أخشى، أخشى. فقال لها أبوها: "ممن يابثينة". قالت: كلبا يأتينا إذا نام الناس من وراء الرابية * ثم قالت للجارية: إيتنا من واد الدوم حطبا لندبح لكثير شاة و نشويها له. فقال كثير: أنا  أعجل من ذلك و راح إلى جميل فأخبره فقال له: الموعد واد الدوم و خرجت بثينة إليه و جاء جميل إليها فما برحا حتى برق الصبح فقال كثير: ما رأيت مجلسا أحسن من ذلك المجلس ولا رأيت أفهم منهما. وكان منزل جميل واد القرى وروى جميل عن الهدبة بن خرشم و هدبة عن الحطيئة عن زهير و ابنه كعب و من شعر جميل:

وخــبرتــماني ان يتــمادى منـزل \ لبُثن إذا ما الصيف القى المراسيا

فهذه شهور الصيف عناق انقطعت \ فــما لـلنوى يرمي ببثن المراسيا

 ومــازلتـم يـا بثن حتـى لو أنني \ من الشوق استبكي الحمام بكاليا

مــازادنــي الـواشـون الاصـبابـة  \ ولا كـثــرة الــناهين الا التماديا

ألـــم تعلمي يا عذبة الريق أنني  \ أضل إذا لــم ألـق وجهك صاديا

لقد خفت أن ألـقى المنية بغتــة  \  وفي النفس حاجة إليـك كما هيا

ففتحت عنــوة في تسـع عاشره   \ من بعد سكني ره والدين في وكس

الفتح في الأصل ضد الغلق ثم استعمل للماء الجاري وللنصر ولافتتاح دار الحرب و العنوة القهر وقولي في تسع عاشره أي القرن الثاني عشر لأننا بصدده وناسجين في درجه من غزوة الملك إسماعيل إلى هنا وقولي[46] (من بعد سكناهم) أن الكفرة فتحت مدينتهم وهران عنوة وأذهبهم الله منها من بعد سكناهم بها لفظ الراء وهو مائتا سنة ولفظ الهاء خمس سنين و قولي والدين في وكس أي الدين في نقص من ذلك الثغر لأن الوكس هو النقص وفي الحديث لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط أي لا نقص ولا زيادة. ووكست فلانا نقصته وبريت الشجة على وكس إذا بقي في جوفها شيء وفي القاموس الوكس النقصان والتنقيص لازم متعد الخ ... ويقال أن السلطان سيدي محمد بكداش مات إثر فتحها بقليل لقد كان رحمه الله نادرة الزمان وقبلة الإحسان من المحبّين للجهاد الحاصدين لشوكة أهل البغي والعناد. لقد وفر بهذا الفتح أجرا، اتخذه عند الله دخرا. وكان أول ما فتح من حصونها برج العيون وأما برج المرسى فلم يفتح إلا بعد فتحها وفتح سائر حصونها

تنبيه: اختلف في أرض المغرب فقيل أفتتحت عنوة و قيل صلحا و قيل الفرق بين جبالها ووهادها.         

فالأول صلح والثاني عنوة. قال بعضهم وظاهر كلام ابن أبي زَيْد أَنَّ بَعْضَها عنوة وبعضها صلحا وهذا التفصيل هو المختار و قال بعض الشيوخ أرض العنوة كل ما صار للمسلمين بقهرهم الكفار و غلبتهم إياهم سواء دخل عليهم المسلمون إليها أو هربوا منها و تركوها قال و أرض الصلح هي التي حاصر المسلمون أهلها حتى صالحوا على أنفسهم بشيء أعطوه أو جزية التزموها على أن أرضهم تبقى بأيديهم و إما أن أعطوا على تأمينهم من القتل أو على أنهم لا يخرجون من ارضهم فليس تلك البلاد بلاد صلح يريد كأنها في هذين القسمين داخلة في العنوة. ومن الأرض التي أسلم عنها أهلها بلاد المصامدة و هي جبال درن* وما حولها و مراكش و ما حولها و أغمات و ما حولها و الحكم فيها: فما كان منها معروف بشخص معين فهو له يتصرف كيف شاء و ما كان بخلاف ذلك فالإمام يتولاه و يقطعه لمن يراه أهلا له و بلاد البربر و السواحل و افريقية جهل الناس أمرها فتوقفوا حينئذ في حكمها و أن الأمام هو المتولى لأمرها أيضا و روى عن الأمام مالك إن المغرب فتح عنوة و من أكل منه شيئا و لم يؤد للسلطان فقد أكل الحرام

أضحت مراتع للآنام و قد    \   كانت بها طيبات الأنس في دنس.

أضحت أي صارت و مراتع موضع الرتع من رتع كمنع رتوعا و رتعا و رتاعا بالكسر، أكل و شرب ما شاء في خصب وسعة أو هو الأكل و الشرب رغدا و جمل راتع من إبل رتاع و رتع كركع و رتع بضمتين و رتوع و قد أرتع فلان إبله و قولي نرتع و نلعب أي نرتع نحن دوابنا و نلعب هو قولي بالعكس أي يرتع هو دوابنا و نلعب جميعا و قولي بالنون فيهما و الأمن ضد الخوف و الأنام كسحاب و أمير الخلق أو الجن و الإنس و جميع ما على وجه الأرض و المراد بالآنام هنا المسلمون بدليل السياق و الأنس البشر الواحد إنسان و الإنس بالضم و بالتحريك و الإنس محركة ضد الوحشة و الونس محركة ضد الوسخ و كفرح للثوب و العرض بكسر العين و الخلق و لا يخفى ما في إضافة مرتاع للأمن من المجاز و فيه استعارة بالكناية مع التخيلية و ليس هو من المجاز المرسل لأن العلاقة هنا المتشابهة لأنا شبهنا في أنفسنا الأمر بشخص يأكل و يشرب ما شاء و أثبتنا الرتع الذي هو من لوازم المشبه به تأمل. و هذا على قول من الأقوال الثلاثة المعلومة هنا و مما ينبغي إدراجه هنا في هذا الطرس و ينخرط في جملة طيبات الأنس، إن الوزير الحسن بن هارون المهبلي كان ينادمه أربعة من قضاة الامصار من العلماء الكبار أهل الحديث و الأدب و الكرم و الحسب أولهم القاضي محمد ابن أبي الفهم التنوخي قاضي البصرة و الأهواز و القاضي أبو بكر بن قريعة و ابن معروف و آخرهم لم أقف على إسمه، كانوا يجتمعون عند هذا الوزير في كل أسبوع ليلتين على البساط الفائق و الفراش الرائق و ما منهم إلا أبيض اللحية طويلها فإذا تكامل أُنْسِهم و طاب مجلسهم و هبوا ثَوَابٍ الوقار للعقار و تقلبوا بين أصناف العيش و الخفة و الطيش وقد وضع في يد كل واحد منهم طاس من ذهب فيه ألف مثقال مملوءًا شرابا قطر بليا و كل واحد يغمس لحيته فيه و يرش بعضهم بعضا و يرقصون و قد لبسوا المصبغات فإذا أصبحوا عادوا لهيئة القضاة و زي العلماء و قد كان التنوخي منهم و قد عزل مرة عن قضاء بغداد لما وليه بعد قضائه في البصرة و الأهواز فوفد على سيف الدولة ابن حمدان فاكرم مثواه و أحسن قراه و كتب في ما معناه: إلى حضرة بغداد حتى أعيد إلى عمله و زيد في رتبته  و رزقه. قال الشاعر:

أجد طبعك الموصوف بالجدّ راحة \ علـيه وعـوده بشيء مــن المــزح

و لكــن إذا أعطيته المـزح فليكن \ على قدرها يعطى الطعام من الملح

و من بديع شعر أبي الحسن على الغراب رحمه الله:

و قد واعدتني الكأس تمليك وصلـه \ وواعـدتها تـملـيك عقلي بميــثـاق

فمــازال كــأس الراح ينفـق كنـزه  \ و تنفق كنز العقل أوسع إنــفـــاق

إلى أن غدا كل مـن المنفـقين مـــن  \ فراغ كــلا الكنزين في حال إملاق

و حين دانت تلك الوعود و أورقت \ غصون الوفاء من وعدنا إلـى أوراق

و ملكت للصهباء عقلي و ملـكــت \ يميني يَدَا الصهباء من ذاك اتسـاق

خلعت[47] ثياب الخز عنه و طوقت \ به جيده و ألتفت الساق بـالــسـاق

و ما سمعت في صيغة الدنيا و الميل إلى طيباتها و محبوبات انسهما أبلغ من قول القائل،

نراع بذكر الموت في حين ذكره \ و نفترض الدنيا قبلهما و نلعـب

و نحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها \ و ما كنت منه فهو شيء محبب

فذكر أن الإنسان إبن الدنيا و ما كان منه فهو محبب و كان المأمون يقول: "لو وصفت الدنيا بنفسها لما وصفت بمثل قول أبى نواس:

ألا كـل حي هالـك وآبـن هالك \  و ذو نـسـب في الـهالكين غريق

إذا إمتحن الدنيا لبيب تكشفت \  لـه عـن عـدو فـي ثـياب صديق

و ما أحسن ظنه بربه حيث قال:

تكثر ما استطعت من الخطايـا  \  فـإنــك بــالــغ ربــًّا غــفــورا

ستبصر إن وردت عليه عفــوا   \ و تــلقــى ســيــدا مـلـكا كبيرا

تــعــض نـدامة كفيــك مــما    \ تــركـت مــخافة الزمهــريــرا

و كان بعض الأولياء لما حضرته الموت حلف بالله الذي لا إله إلاّ هو: "يا مولاي حتى تغفرلي لأنك تجد من تعذبه غيري و لا أجد من يرحمني سواك".

قدمــه بعد عـشر إستقل بها   \ بغـايــة حــادث كالعدو و للفرس   

العدو معروف و فيه إستعارة مكنية و عثر كضرب و نصر و علم و كرم، عثرا و عثيرا و عثارا و تعثرا كبَّ هكذا في القاموس و قال في خلاصة الحكم عثر يعثر عثرا و عثارا و معثرا كبّ و زاد عثر الرجل يعثر عثورا وعثر الفرس عثارا و عثرت على الأمر أطلعت عليه و أما العثير بكسر العين و بياء فهو الغبار و منه قول أبي الطيب المتنبي:

عقدت سباكبها عليها عثـيرا  \  لو تبتغي عنــقا عليه لأمــكـنا.

و من لطائف العلامة في شرح المفتاح العثير الغبار و لا تفتح فيه الغين و بيان لطافته أنه لفظ مشترك بين الجارحة و الفتحة التي هي ضدّ الكسرة و نهاك عن كل منهما واحدة لإصلاح بَدَنك و الأخرى لإصلاح دينك لسانك. و إستقل أي إستبد بها و تميز و آطمأن و الغاية ضد المبدإ و العدو جري الفرس و أما العدا بالكسر ففي الصحاح أنه المولات بين الصيدين يصرح أحدهما على إثر الأخر، قال أمرؤ القيس.

و يَعْدُ و أَعْدَاءً بين ثور و نعجة \ دراكًا و لم ينصح بماء فيغســل.

و الفرس للذكر و الأنثى و الجمع أفراس و فروس وراكبه فارس أي صاحب فرس و هما كفرسي رهان يضرب إلى إثنين يستبقان إلى غاية يستويان و هو التشبيه في الإبتداء لأن النهاية تجلى عن السابق لا محالة. و في كتاب العقد لابن عبد ربه أن نبي الله سليمان بن داوود عليه السلام و فد عليه للقدس أمها أصْهَارُه الأرد فلما أرادوا الرجوع قالوا له "يانبي الله إننا بيننا و بين أهلنا مهامة و مفاوز فلا بدَّ لنا من زاد فاعطاهم فرسا كان يسميه أعوج و قال لهم إن احتجتم لغذاء يركب عليه أحدكم فإنه ما من صيد يراه إلا اقتنصه ففعلوا ذلك حتى أتوا أهلهم و نسلوا من ذلك الفرس كثيرا حتى قيل إن خَيْلَ العرب كلها من نسله ولذلك قال الفرزدق في عمر بن هيبرة الفزاري عامل العراق لما حبسه خالد بن عبد الله القسري في سرب تحت الأرض و هرب منه من العراق إلى دمشق في يوم و ليلة.

و لما رأيت الأرض قد سدّ ظهرها \ ولم يبق إلاّ بطــنها لـك مخـرجــًا

ناديت الذي ناداه يونس بعــدما  \ ثوى في ثلاث مظلمـــات فـفرجـا

فسرت من العراق للـشام ليـلـــة   \ ولم يسر سار مثلها حــين أدْلَجا

نجوت و لم تمنن عليك طلاقــة  \ سوى حثك التقريب من آل أعوجا

و يقال إن داحس من نسله و قصتها مشهورة عند العرب و ذلك أن صاحبها قيس بن زهير العبسي تراهن مع صاحب الغبراء خذيفة بن بَدْر الذبياني على عشرين بعيرا و جعلا الغاية مائة غلو و المضمار أربعين ليلة فاجرى قيس داحسا و حذيفة الغبراء  فوضعت فزارة رهط حذيفة كمينًا في الطريق فردوا الغبراء و لطموها و كانت سابقة فهاج الحرب بسبب ذلك بين عبس و ذبيان أربعين سنة و من أيامهم المشهورة في تلك الحروب يوم هباب قتل فيه حذيفة و أخوة حمل، و في ذلك يقول القيس بن زهير قاتلهما في مرثيته لهما.

شفيت غليلي من حمل ابن بـدر  \   و سيفي من حذيفة قد شفاني

قتـلـت بــاخوتي سـادات قومي \    و قــد كــانــوا حــُلَي الزمان

فــإن شفــيت بــهم غــليــلــي \    فــلــم أقــطــع بهم إلا بناني

و كان سبب الصلح بينهم أن الحارث بن عوف المري قال لخارجة بن سنان إن خطبت أحدا من العرب تراه يردني فقال نعم. قال يا ويلك من يردني و انا سيد قيس بلا مدافع. قال خارجة بن أوس بن حارثة الطائي. قال له: و هل له بنات قال نعم قال له ثلاثة قال الحارث إذهب بنا إليه فسارا له في أرضه فوجداه في ساحة أهله فسلم عليهما و رحب بهما و قال ما حاجتكما. قالا له أردنا مصاهرتك فأبى فذهبا من عنده. فقال خارجة فكنت أكثر الالتفات إلى جهته و الحارث لم يرفع رأسه كأن عليه الطير و هو في غيض ثم أن أوس دخل إلى بيته فقالت له زوجته: من النفر الذين وقفوا عندك و انصرفوا؟ فاخبرها فقالت له: ألك إرادة في نكاح بناتنا، قال لا بدّ من ذلك. قالت و أي رجل يكافيك مثل سيد العرب الذي رددته اليوم لا بدّ أن تمضي إليه قال و كيف و قد سبق مني. قالت أسبقه في الطريق و أعتذر له بأن غضبك كان لأمر سبقه فلحقه. قال خارجة فالتفت فإذا بالفارس راكضا نحونا حتى نزل بين أيدينا و اعتذر للحارث و ردّه فزوجه أصغر بناته فلما أراد بها أهلها مدّة إقامتها عند أبيها فقالت له عند أبي و أمي ثم زف بها و أرادها في الطريق فقالت أكون مثل الأمة المجلوبة بأيدي التجار فلما وصلوا بها إلى بيته أرادها في بيت البناء قالت: كذب من يقول أنك سيد العرب قال و لِمَ، قالت تشتغل بالنساء و العرب في الحرب الشديد و الهول المزيد. فحينئذ قال لخارجة بن سنان: اذهب بنا لعبس و ذبيان لنصلح بينهما فتحمل  بديّات الفريقين و كانت ثلاثين ألف بعير ووقع الصلح بينهما فمن ثم قيل له صاحب الحمالة و لما وفد على رسول الله بعد ذلك ضاعف في إعطائه فوق العادة التي كانت مع الوفود. و أوس هذا هو الذي ملكه كسرى على العرب بعد النعمان بن المنذر و صاحب غزوة ذي قار. قال الشاعر في صلح الحارث المذكور

سعى ساعي غيض ابن مرّة بعدما \  تنزل مــا بـين العـشيرتــين دم

فاقسم بالبيت الذي طاف حولـه \  و جال بنوه من قريش و جُرهــم

يمينا لنعم السيدان و جدتـهــما \   على كل حال من سجيل و مبرم

تداركتما عبسا و ذبـيان بعــدما  \   ذاق بــينــهمــا عــطـــر مـنشم

السيدان الحارث بن عوف و خارجة بن سنان و عطرا منشم مثل للملامح العظام. و أصله أن امرأة يقال لها منشم خزاعية تعمل قصعة طيباء في حربهم مع جارهم جُرْهم، تضمح به من يفر.ّ كما قالت الشموس بنت غفار الجريسية لقومها.

و دونكم عطر العروس تضمحوا  \   فـــانـتـم نســاء للتعطر و الكحل

حكــم الإلــه كما ترى قـــدره  \   لــو شــاء مـا ملكوها عشر النفس

يقال شرب فلان الماء من غير النفس أي من غير أن يبينه* عن فيه و شرب بثلاثة أنفاس فأبانه عن فيه في كل نفس و في شمائل الترمذي: كان صلى الله عليه و سلم يتنفس في الإناء مرتين وفي طريق أخرى ثلاثا أي بعد أن يبينّه عن فيه بِدَليل ما في البخاري: أنه صلى الله عليه و سلم نهى عن التنفيس في الإناء و يقال نفس أو نفسين أي لو شاء الله ما ملك النصارى وهران عشر نفس و قَدْرَوَى ما من ساعة و نفس يمرّ على الإنسان و لم يكن فيه ذاكرا و متفكرا إلاّ كان عليه ترة يوم القيامة. قال السيوطي و معنى ترة حَسْرة. لطيفة: بعث ملك الروم و اسمه لاون بن طبالوس إلى عبد الملك بن مروان أن يبعث له عالما من علماء المسلمين ففكر في ذلك فقال مالها إلا الشعبي فبعثه إليه فاكرمه ملك الروم ثم جالسه يوما و قال له أتدري لم بعثت لكم. قال الله أعلم. قال: لأجل أن أسألك على ثلاثة أشياء قال: سلْ عما بدا لك. قال بلغني أن أهل الجنة يأكلون و يشربون و لا يتغوطون و لا يبولون. قال الشعبي نعم. قال الملك: أرني مثالا لذلك ظاهرا حتى لا يبقى عندي شك. قال الشعبي: أرأيت الجنين في بطن أمه يأكل و يشرب و لا يتغوط و لا يبول فلو لم يأكل مات و لو تغوط قتل أمه ثم قال له: بلغني أن خزائن الله تنتفع بها الخلائق كلهم و لا ينقص منها شيء. قال الشعبي: هو كذلك.  قال الملك أرني مثال ذلك قال له أرأيت الشمعة يوقد منها أكثر من أن يحصى و لا ينقص من نورها شيء. و كذلك الشمس ثم قال له بلغني أن الملائكة يسبحون الليل و النهار و لا يفترون أبدا قال الشعبي نعم قال أرني مثال ذلك قال الشعبي مثل نفس الإنسان يصعد في جسده و يهبط لا يفتر في نومه و أكله و غير ذلك فأستحسن أجوبته و أجازه إجازة سنية فلما أذن له في الرجوع كتب له كتابا للخليفة فلما قرأه عبد الملك وجد فيه عجبا لقوم فيهم مثل هذا الشعبي و يولون غيره أمرهم. قال له: يا شعبي كتابهم حرضوني فيه على قتلك فقال: يا أمير المؤمنين انما ذلك لعدم حضورك عندهم و لو رأوك ما عظموني ثم قال له الشعبي: كم عطائك فقال له ألفين ففطن لها عبد الملك و علم أنه لحن ثم قال له: كم عطاؤك فقال الشعبي ألفان. قال له عبد الملك لم قلت أولا ألفين و قلت ثانيا ألفان قال له: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لي أن أعرب و تلحن أنت، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:

تعــلــم فلــيس الـمرء يولد عالما \  و ليس أحق علم كمن كان جـاهل

فان صغير القوم ان كان عــالـما  \ كبــير أذا الــتفت عليه الـمحافل

و إن كبير القوم و ان كان جاهلا \ صغــير إذا ردت إلــيه المـــسائل

و مرّ الشعبي يوما بجماعة يقذفونه فقال متمثلا ببيت كثير عزة.

هنيئــا بَريئـا غــير داء مـخامر   \ لعزّة من أعــراضـنا مـا استحلت.

من بعد عشر و عشر ثم أربـعـة   \  عادوا إليـها قرة أعــين التعــس

فــملــكـوها بلا كبير ملحــمــة   \    لــكــن في الأولـى بخــدمة منــخيـس

يعني الكفرة أهلكهم الله عادوا إلى وهران سنة أربعة و أربعين و مائة و ألف بعد خروجهم منها سنة تسع عشرة و هو معنى قولي من بعد الخ.. و سنة خروجهم منها خارجة عن العدد المذكور تأمل. و التعس الهلاك. يقال رجل تعس و تاعس و الجمع تعس و أصل التعس الكؤب و هو ضد الانتعاش. و الملحمة القتال. و قال سعد بن عبادة رضي الله عنه اليوم يوم الملحمة و ذلك في غزوة فتح مكة و كان من خبر دخولهم لها هذه المرّة الثانية أهلكهم الله أنهم زحفوا لها في مراكب كثيرة و أرسوا بمرسى الحريشة* غربي وهران ثم خرجوا للبرخيلا و رجالا في عدّة و عدد و قوة و مدد. و قد زحف إليهم مصطفى بن يوسف باي المتقدم الذكر في نحو أربعة ألاف فلم يكن له بهم طاقة و لقد أخبرنا شيخنا الأكمل و أستاذنا الأمثل خاتمة اهل التحقيق و أعمدة أهل التوفيق الشيخ سيدي عبد القادر بن عبد الله المشرفي شرف الله في الجنان مكانه و أحله من الفردوس ميطانه و كان حاضرا لتلك الوقعة أن الكفرة لما تكامل عسكرهم في البرّ و بقي جل مدد هم في البحر: لم يعملوا صفا للقتال و لم يطلبوا مجادلة الرجال و إنما زحفوا للبلد بجميع الرجالة و الفرسان و هم كهيئة الرحى في الدوران، بارودهم كرعد متصل و رصاصهم كمطر منهطل لا يستطيع أحد قربهم و لا يكر شجاع نحوهم و المسلمون يجعلون أمامهم و ما حمل عليهم من المسلمين إلا قليل. و مع ذلك لم يرجع منهم إلا القليل و أن الباي مصطفى سقط ذلك اليوم عن فرسه لشدّة تحريضه على الجهاد و كثرة عدوه و كتائب بني عامر واقفون و للمسلمين خاذلون فلم يصلوا المدينة حتى خلاجوها و هرب ساكنها و هذا معنى قولي بلا كبير ملحمة و أخبرني الشيخ المذكور أنهم لما ظهروا أولا نحو الحريشة* و اجتمع المسلمون على ذلك الساحل فصاروا يرمونهم بالكور حتى كشفوهم عن شاطئ البحر و قال : و أول كورة أتت من أعداء الله نزلت منى في الأرض بقدر ذراع أو باع و قولنا لكن في الأولى الخ: أي أن أخذهم لوهران المرّة الأولى في أول العاشر كما مرّ، إنما كان بخداع و مكر و احتيال لا بحرب و قتال و ذلك أن برج المرسى أخذوه بمكر يهودي و المدينة بعد ذلك بسنين إنما دخلوها بمكر و غدر و نقض ميثاق بين المسلمين و بينهم كما وقع ذلك لأهل مالقة قبلهم. يحكى أن أهل مالقة وقعت الـمهادنة بينهم و بين الكفرة على ثمانية عشر شرطا فكلها نقضوها و من ورائهم نبدوها و المنخيس الغادر. يقال خاس به يخيس إذا غدر به و فلان خاس بعهد فلان أي نكث و خيسة تخييلا أي ذلك و منه الَمنْخٍيس و هو اسم سجن بالعراق أي موضع التذلل و معلوم عند العرب ان الغدر أوله عار و عاقبته بوار.

و لما أضمرت قبيلة جريس الغدر بإخوانهم طسم لجور الملك عَمْلوق الطمسي عليهم و عزموا على الفتك بهم حذرتهم الشموش بنت غفار الجريسية و قالت لأخيها الأسود لا تفعل. فابي فاستأصلوا طسم بالقتل و السبي و قد نجا منهم رجل يقال له رفاع و هو أخ رزقاء اليمامة المشهور فاستصرخ بحسان بن تبع أحد ملوك اليمن فزحف إلى جريس فأبادهم إلى آخر الدهر. و لما بعث رسول الله عليه و سلم أهل بئر معونة إلى بني سليم يعلمونهم القرآن فلما علم بذلك عامر بن الطفيل حشر لهم رعل من قبائل سليم و ذكوان و بني لحيان و بني عصية فقتلوا أهل بئر معونة كلهم فلما اخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم دعا عليهم فدثروا و تلاشوا و خمل ذكرهم و انقطع دابرهم بسبب دعوة رسول الله صلى الله عليه و سلم و دعا بعد ذلك على عامر فأخذته غدّة كمامرّ.

و قولنا قرة أعين الخ.. فإنهم أحبوها و أحبتهم و من أقاصي الأبْحُرِ جلبتهم أدامها الله الآن للإسلام و قطع رجاءهم منها على الدوام. قال في العقد وفد مصعب بن الزبير بوجوه أهل العراق على أخيه سيدنا عبد الله بن الزبير فلما أستقرَّبهم المجلس قال مصعب: يا أمير المؤمنين هؤلاء رؤوس العراق أتيت بهم إليك تواسيهم من مال الله. قال جئتني بعبيد العراق لأعطيهم من مال الله. و الله لا فقلت ورَدَدْتُ. و الله إنَّ لِي بهم من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم. قال عبيد الله بن ضبيان: أتدري ما مثلنا و ما مثلك فيما ذكرت قال و مَا ذلك مثلنا و مثلك و مثل أهل الشام كما قال أعشى بكر بن وائل.

   علقتها صرفا و علقت رجلا\  غيري و علق أخرى ذلك الرجل

أحببناك نحن و أحببت أنت أهل الشام و أهل الشام أحبوا عبد الملك بن مروان ثم انصرفوا من عنده خائبين، فكاتبوا عبد الملك بن مروان و غدروا بمصعب بن الزبير رضي الله عنهما. و من لطائف الاشعار في المحبة قول ابي المطاع ذي القرنين حمدان بن ناصر الدولة التغلبي.

إني لأحسد لا في أسطر المصحف \  إذا رأيت اعتناق اللام و الألف

و ما أظنــهــما طال اعتنـاقـهما  \  إلا لــما لقــيا من شدة الشغف

دخل الشبلي يوما على شيخه الجنيد رضي الله عنهما فوقف و انشد

عودوني الوصال و الوصل عذب \   و رموني بالـصّد و الصّد صعب

لا و حق الخضوع عند التلاقـي \  ما جــزاء مــن يحب إلا يحــب

فأجابه الجنيد بقوله

و تمنـيت أن أراك فـلما رأيتك \ غلبت دهشة السرور فلم أملك ألبكا

مات الشبلي رحمه الله سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة ليلة الجمعة لليلتين بقيتا من القعدة ببغداد و دفن بمقبرة الخيزران عن ثمانين سنة و الشبلي بكسر الشين و سكون الباء كما في ابن خلكان نسبة إلى شبلة قرية من قرى أسرو شلّة بلدة عظيمة وراء سمرقند من وراء النهر

فمرتين ابتاعوها غير غالية \ كيف يباع ثغر وهران بالبخس

ابتاعوها أشتروها و البخس النقص و بخسه يبخسه بخسا إذا نقصه و في المثل يحسبها حمقاء و هي باخس.

قال ثعلب و إن شئت قلت باخسة و البخس أيضا أرض تنبت بغير سقي و البخس أيضا[48] الظلم و الأبَاخِس الأصابع و تباخسوا تغابنوا.

أخبار لطيفة شريفة و نبذ طريفة: و هي أن رَيْ فرانس و معناه ملك فرانسا استصرخ النصارى و من جملتهم البابة خليفة المسيح بزعمهم و أطلق يده في أموال الكنائس فأجابه ملك الأنكلتار و ملك سَكُوستا و ملك توركا* و ملك برشلونة و حشد إلى تونس سنة ثمان و ستين و ستمائة فتوافدت أساطيلهم بقرطاجنة بعد أن ملئ الساحل بالمرابطين و المطوعة زهاء أربعة آلاف و نزل النصارى بالساحل في زهاء ستة الاف فارس و ثلاثين ألف رجالة و فيهم سبعة ملوك و معهم العلجة زوجة الطاغية و تسمى الربّية قاموا بقرطاجنة بعدما حَصّنوها باللوح و كانت ماثلة ستة أشهر و أداروا خندقا على السور بعيد المهوى و تزاحفوا للقتال منتصف المحرم أول سنة تسع و ستين فمات من الفريقين خلق و هجموا على العسكر بعد العِشَاء و تَرَامى المسلمون عنده. غلب الكفرة المسلمين بعد أن قتل النصارى زهاء خمسمائة و ابتلى المسلمون و ظنوا الظنون و همّ السلطان ممدوح حازم بالتحول من تونس إلى القيروان ثم أن الله أهلك ملكهم فأصبح ميتا بسهم أصابه فبايع الكفرة ابنه دمياط سمي بذلك لميلاده به وقت محاصرتهم عمالة مصر و كان أمر النصارى على عادتهم الذميمة راجعا إلى العلجة فراسلت المستنصر أن يَبْدِل لها ما خسروه في حركتهم فتولى عقد الصلح القاضي ابن زيتون لخمسة عشر عاما و صلح صاحب صقلية على جزيرته و أقلع الكفرة أول الشتاء فهلك الكثير منهم بالريح. يقال أنه أعطاها عشرة أحمال من المال و ترك النصارى بقرطاجنة تسعين منجنيقا وبث الرسل في الأقطار بما وقع. غريبة: و لما بعث معد المعروف بالمعز جوهر على مصر بالعساكر فكان من جملة حمولته ألف حمل من المال و أمّا الخرثى** و غيرها من الآلات و مئونة العساكر لا يحصيها إلا الله تعالى و ذلك سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة و في آخر السنة، فتح مصر و أخذها من يد وزيرها و رئيسها العلامة ابن الفرات المعروف بابن خَنْزَابَة كان وزير بني الإخشيد ملوك مصر ثم توزر كافور الخصي مولاهم لما استقل بملك مصر و كان يملي الحديث و هو وزير و كان يقصده الأفاضل من البلدان. و لما مات كافور استقلّ بتدبير المملكة و قبض على كثير من أرباب الدولة و صَادَر يعقوب بن كلس فاخذ منه أربعة آلاف دينار و خمسمائة و قد قصده الحافظ الدار قطني المشهور من العراق، فلم يزل عنده حتى فرغ من أسانيد تأليفه و له تأليف في أسماء الرجال و الأنساب و غير ذلك. و لما مدح كافور هَجَاهُمَا المتنبي بقصيدته المقصورة و هي

و ماذا بمصر من المضحكات \ و لكنه ضـحك كالبــكاء

بها نبطي مــن أهل السواد \ يدرس أنساب أهل الفلاء

و أســـود مـــُشْفَرّة نــصفه  \ يقول له أنت بدر الدجا

أراد بالنبطي أبو الفضل و الأسود كافور غلام الإخشيد و هذا القدر ما غض منه* و مازالت الأشراف تهجى و تمدح. مات سنة إحدى و تسعين و ثلاثمائة و خنزابة هي أم أبيه و أورد ابن عساكر من شعره:

إن الرياح إذا اشتدت عواصفها \ فليس ترمي سِوَى العالي من الشجر

و كان كثير الإحسان لأهل الحرمين و اشترى دارا قرب مسجد النبي صلى الله عليه و سلم، ليس بينها و بين الضريح النبوي سوى جدار واحد و أوصى أن يدفن فيها و لما مات حمل تابوته إلى الحرمين و خرجت الإشراف للقائه وفاء له بما أحسن إليهم فحجوا به و طافوا ووقفوا ثم ردوه إلى المدينة فدفنوه بالدار المذكورة.

خَلاَلَهَا الجو صرفا و اطمأنو بها \ و قد تجلت للكفر جلوة العرس

الجو مرّ الكلام عليه و صرفا أي خالصا و حقيقته مأخوذ من الصريف و هو الفضة الخالصة التي لا يشوبها غشّا و قال ابن مالك في الخلاصة. و الثاني كَبَانى أنت حقا صرفا أي سكنت قلوبهم من أرجاف الخوف. قال أبن دريد:

 كثلت ريعت لليث فانزوت \ حتى إذا غاب اطمأنت إذا مضى.

الثلت بمثلثة و لام و تاء قطعة من الضأن أو معها المعز لا معز فقط. و التجلي هو الظهور، أي ظهرت للكفر و العرس يستوفي فيه الرجل و المرأة ما دام في أعراسهما و هم عرس و هن عرائس و حصن باليمن. و قولهم لا عطر بعد عروس مثل اول من قاله أسماء بنت عبد الله العذرية و كان اسم زوجها عروس و مات عنها فتزوجها رجل أعسر أبخر ذميم.انتهى. و الجلوة الظهور ضد الخلوة و ممّا ينخرط في هذا الـمظان و يرسم في هذا الموطن أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي و لمّا مرض عاده الوزير فلمّا انصرف كتب إليه.

شـكرت نعمة العلّــة علـيّ إذ \ كـانـت إلــي رؤيـتـك مودية

فاني كالأعرابي الذي جزي يوم البين فقال

جزى الله يوم البين خيرا فانه \ أرانا على امتناعها أم ثابت

أرانا رابيات الخدور و لم نكن \ نُراهن إلا بانتعاث النواعت

و قال عقلمة بن عبيدة التميمي:

طحا بك قلب في الحسان طـروب \ بعيد الشباب عَصْر حـان مشيـب

يكـلفني لـيلى و قـد شـط وَ يْلـها \ و عـادت عـواد بيننا و خـطـوب

مــمنـعة لا يستــطاع كـــلامـــها\  علــى بـابها من أن تزار رقـيـب

إذا غاب عنها البعل لم تفش سرّه \ و ترضى إياب البعل حين يئًوبُ

فــلا تـعدلي بيــني و بـين مُخمر \ سقتـك روايا المزن حيث تصـوب

سـقــاك يــمان ذو حبي و عارض \ يــروح بــه جنح العشى جنوب

لطيفة: روى أن عمر بن أبي ربيعة المخزومي و فد على الوليد بن عبد الملك بدمشق فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال الوليد لا سلمت و لا قربت. قال عمر: و ما ذاك يا أمير المؤمنين قال له: ضاقت عنك العرب و قلت عنك نساؤها فتعمد إلى بنات عبد مناف تتشبب بهن حيث تقول:

نظرت إليها بالمحصب من مـنى \أشَمْسٌ، أبَدْرٌ ثان أم أنت حالم

تَرَاءَى خلف السحب إمّا لنوفـل \ أبوهم و إمّا عبد شمس و هاشم

فقال: يا أمير المؤمنين: إن كنت قلت هذا فقد قلت بعده

طلبن الهوى حتى إذا ما وَجَدْنَهُ \ صددن وهـن المسلمات الكرائم

فسرّ الوليد و ضحك و أحسن جائزته وردّه لأهله مكرما و مثلها ما روى أن عبد الله النمري الثقفي وفد على الحجاج فلما رآه قطب وجهه و نظر فيه شزرا و هم أن يبطش به فقال النمري: ما هذا أيها الأمير:سألتك بالرحم و القرابة، قال الحجاج لا قرّبك الله، فضحتنا، تعمد إلى أختي زينب و تتشبب بها حيث تقول:

تضوع مسكا بطن النعمان إن مشت \ بـه زيـنب فـي نسوة خـدرات

دعــت نسـوة شـَم العـرانين بدنــا \ نواعم لا شعثــا و لا غـــبرات

فــَلـَمْ تـَرَعَـيْنِي مثـل سـرب رايته \ خرجن من التنعيم مُـعْتَمــِرَات

قال النمري: إن كنت قلت هذا، فقد قلت بعده

يـوارين أطراف البـنـان من التقى \ و يخرجن وسط الليل معتمرات

قال له الحجاج: ألست أنت القائل:

فــلما رأونـي صرن يَسْدِلْنَ دونها  \ ستر وراء من القسى و الحبرات

قال النمري: إني كنت قلت:

و لما رأت ركب النمري أعرضت  \ و كــن مـن أن يلـقينه خدرات

فقال الحجاج: ما كفاك ان تراها بنفسك، فلقيتها بركب. فقال النمري إنَّمَا ركبي رفيقي و حماري أعرج فضحك الحجاج و أجازه و لما أنشدت هذه القصيدة بين يدي سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال على البديهة:

و ليست كأخرى واسع جيب ذرعها \ و أبدت بنان الكف للجمرات

و قــامــت تــراه بين قوم فأفتــنـت \ بــرؤيتـها من راح هو عرفات

يــا لـه مـن ثغـر أضحى أهله جزرا  \ للنائبات و أمسى للعدا خبس

يا له من صيغ التعجب مع التحسّر و أضحى صار و جزائر و جزر و جزرات جمع جزر و هو القِطَع و ما يذبح من الشات و نحوها و اجزره أعطاه شاتا يذبحها أو بَعِيرًا و الجزار أو الجزير كسكيت من ينحره. و الجزارة بالكسر و المجزر موضعه و الجزارة بالضم اليدان و الرجلان و العنق و لم يقال جزيرة البحر لقطعها من البرّ بالماء من سائر جهاتها كجزيرة مالطة و صقلية و نحوهما أو من غالب جهاتها كجزيرة العرب و جزيرة الأندلس و جزيرة قور ذات المدن الكبار بين دجلة و الفرات و النائبات نزول الأمر و الدواهي و المصائب. قال عنترة بن شداد العبسي:

إن ـلم أخلصـهم مـن كل نائبة    \  فلا سلمت و لا أَخطأني النوب

المفرد: نوب و الجمع نائبات و بالضم جبل من السودان بجنوب الصعيد و أرض واسعة بالسودان و منها سيدنا بلال رضي الله عنه و نوبة صحابية و بيت نوبي كطوبي بلدة بفلسطين و العدا جمع عدو و الخبس بالخاء المعجمة و الباء الموحدة و السين المهملة: الأخذ و الغنيمة. يقال خبست الشيء أخذته و غنمته و رجل خباس غنام و أخبسته أخذته مغالبة و أسد بن خبوس و الخباسة بالضم المغنم و في القاموس خبس الشيء بكفه أخذه و فلانا حقّه ظلمه و غشه و الخبوس المظلوم و خباس كغراب فرس قبيح من جرير و اختبسه أخذه مغالبة و المختبس الأسد و مما يناسب هذا قول الحكماء: الدنيا كلها حزن و ما كان منها سرور فهو ربح و قول الحريري

يــا خـاطــب الدنـيـا انــها \ شرك الردى و قرارة الأكـدار

دار إذا ما اضحكت في يومها \ أبكــت غـدا تبا لـها من دار

و قول أبي محمد الحازن في مرثية

هي الدنيا تقول بملء فيــها \ حذار حذار من بطشي و فتكي.

لا يغـرنـك مـنـها ابـتـسامي \ فقولي مضحك و الفعل مـبكـي

و من أحسن الأشعار في مآل الأمور قول لبيد:

بلينا ما تـبـلى النجـوم الطـوالــع  \ و تبقى الجبال بعدنا و المـصانـع

فلا تجـزع ان فـرق الدهـر بينــنا  \ فكل أمرئ يوما لـه الدهـر فاجـع

و ما الناس إلا كالديـار و أهـلـها  \ بها يوما حُـلوهــا و تغدو بلا قـع

و يمضون أرسلا و تـخلف بعدهم  \ كـما ضم إحدى الراحتين الأصابع

ومــا المرء إلا كالشهـاب و ضـوئه  \ يـصـير رمـادا بعـد أن كان ساطع

و مــالــه الا مـا أَعَـدّهُ مـن التقى  \ و مــا الـمال إلا عـربـان ودائـــع

ألــيس ورائـي أن تـراخت منيتي \  لــزوم عصا تحنى عليها الأصابع

أخــبر أخـبار القرون التي مضت \  أَدُبٌّ كــأنــي كـلـما قــمـت راكع

فاصبحت مثل السيف أَخْلُو جفنه\  تـقـادم عـهـد الغين و النصل قاطع

فــلا تبعــدن أن المنــيــّة مـوعـد \  عــليــنا فــدان للـطلــوع و طالــع

أعـــاذل مــا يــدريك إلا تصيبنا \  إذا رحــل الــفتـيان مـن هو راجع

أتــجزع مما أحدث الدهر بالفتـى \  و أي كــريـــم لـم تــصبـه القوارع

لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى \  و لا زاجرات الطيرتـاَ للهِ صَانِــع

قال صاحب الأغاني فيا عجبًا من حسن ألفاظه و صحة إنشاده و جودة اختياره و لما أنشدت بين يدي المعتصم بن هارون الرشيد العباسي بكى حتى سالت دموعه على لحيته. كان عثمان بن مضعون في جوار الوليد بن المغيرة ثم قال: و الله ما ينبغي لي أن أكون في جوار كافر و رسول الله صلى الله عليه و سلم خائف فجاء إلى الوليد فقال له تبرأ من جواري فقال له: لعلك رابك ريب و لكن أحب أن تفعل فتبرأ منه في أندية قريش و لبيد بن ربيعة العامري ينشد قوله:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل، قال له عثمان بن مضعون صدقت ثم قال لبيد

و كل نعيم لا محالة زائل. قال له: كذبت لأن نعيم الجنة لا يزول فقام أي أبي بن خليفة، فلطم وجهه فقيل له: قد كنت في منعة من هذا فقال ما أحوج عيني هذه الصحيحة إلى أن يصيبها ما أصاب الأخرى في الله، ثم أسلم لبيد و حسن إسلامه و طلبه عمر لانشاد الشعر الذي قاله في مدّة إسلامه فكتب سورة البقرة و أتى بها إليه: عوضني الله هذا به. فزاد في إعطائه خمس مائة دينار و عاش لبيد مائة و خمسة و أربعون سنة تسعون في الجاهلية و الباقي في الإسلام. و هو القائل

و كل أناس سوف يدخل بينهم \ دويهية تصفر منها الأنامل

و كل أمرئ يوما سيعرف سعيه \ إذا حصلت لــه الحـصائل

تنبيه: أفتى العبدوسي ببطلان الصلاة خلف إمام مقوس الظهر مستدلا بقول لبيد المار: أليس ورائي إن تراخت منيتي، البيتين. و أفتى البرزلي بالكراهة. قال ابن غازي في "تكميل التقييد و حل التعقيد" قد نقل أن العبدوسي عضه الزمن بشيء من هذا و لقي بمكناسة شيخنا الأديب أبا زيد عبد الرحمن بن ثابت فنظر إليه و قد انحنى ظهره فقال له يستدعني منه بديهة: لا تنحى يا شيخ لا تنحي فأنشده ارتجالا.

يا سليل الكرام نفسي فداك \ قلت لا تنحي و أنت كذلـك

حفظ الدهر فاعل الدهر عنا \ مع حال عدمت منها انفكاك

ختــم الله للـجميع بخـير  \ إنــه قــادر علــى فـعل ذاك

و قد كان مرّة دُعِي لطعام و كان الخطيب ابن مرزوق حاضرا في ذلك الصنيع فلما دنا من باب البيت قال ابن مرزوق لعبد الله العبدوسي:

تقدم لصدر البيت يا أيها الصدر، فقال بديهة

بل أنت الإمام و الإمام له صدر. رحمهم الله و نفعنا بهم. آمين.

و كل شارقة الإلمام بارقة \ مأتمها عاد للعداء كالعرس.

شارقة جميلة مأخوذ من الشريق و هو الجمال و مشريق موضع القعود في الشمس بالشتاء و باب للتوبة في السماء. و قد ورد حتى ما بقى إلا شرقة والشرقية محلة بمصر و بغداد و بواسط و محلة بِنيِسَا بُور منها أبو حامد محمد بن الحسن و شارقة حصن بالأندلس و أشرق دخل في شرق الشمس والثوب في الصبغ بلغ و الإلمام أصله الجمع و ألم شعته قارب ما بين شتيت أموره. قال نصيب بزينب الهم قبل أن يرحل الركب. وبارقة من برَقَت المرأة برقا تحسنت وتزينت كبرقت والبرق فرس ابن العرفة وواحد بروق السحاب أو ضرب من السحاب وتحريكه أياه لينساق والبراق بلدة بخوارزم وجرجان "وبرق نحره" لقب رجل وذو البرقة علي رضي الله عنه لقبه به العباس رضي الله عنه يوم حنين و البرقة الدهشة وبلدة قبالة واسط وجعفر بن برقان محدث. والبراق مركوب الرسول صلى الله عنه وسلم، ليلة الاسراء وبلدة بحلب "وبرق ديار العرب تنيف على مائة. انتهى. والمأتم  الحزن وسببه أن شخصا من العرب عمل صنيعا فاجتمع فيه الناس فمات وَلَدَهُ قبل اتمامه فقيل مأَْتَم" وفي توضيح الشيخ خليل علي ابن الحاجب بسكون الهمزة وبمثنات فوق الزبيدي هو الجماعة من النساء والرجال في حزن وعند الجوهري النساء يجتمعن في الخير والشر.

تنبيه: المأتم ليس الطعام الذي يعمل فيه الأطعمة الثمانية إن كانت عادة يجعل الطعام فيه كما جرت بذلك في أرضنا، يجعل الطعام للنساء اللاتي يجتمعن في دار الميت والحكم في هذا أنه من قبيل الصدقات والله أعلم أنظره وقد نظمت الولائم الثمانية فقلت:

أعذار مختان نفيـعة قادم  \ وخرس نفاس للبناء و كيدة.

مأدوبة دعوة وحذقة قرآن \  وليمة عرس للمولود العقيقة.

المأدوبة هي طعام يجعل ويدعى إليه الأصدقاء والجيران للمودة فقط وعلى مراد من قال هي طعام الدعوة وهي بفتح الدال و قول تطرب بضمها غلطوه فيه وفي القاموس وتُضَمْ وقال بعضهم الدعوة بالفتح الرجل يناديك وبالكسرة الذي يدعى إلى قوم وبالضم الدعاء إلى طعام ومثل الولائم قال الشيخ بهرام في الشامل يكره الإتيان لهذه الولائم ما عدا الوليمة فيجب والمأدوبة كغيرها وهو خلاف ما في المقدمات من نذب الإتيان للمأدوبة وإباحة ما عداه. إن المكروه ما يقصد به الفخر والخرس بضم الخاء وسكون الراء ولم أر من تكلم على طعام المآتم وهو الاجتماع لأجل حزن والعداء جمع عدو والعرس جمع عروس ورجال عرس بضمتين وامرأة عروس ونساء عرائس والعرس بالكسرة زوجة الرجل ولبؤة الأسد.

تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم  \  شم المعاقل مع موضع الدرس.

الروم تقدم الكلام عليهم وقولي لا نالت الخ أي لا ثبتها  الله لهم ولا أمكنهم من التمتع  بها والنوال والنال والنائل في الأصل العطاء والنوال جمعه أنوال وبالضم جبل من السودان والنازلة ما حول الحرم وساحة مكة وأبَال بالله حلف النوال. النصيب والكرم قال مروان بن أبي حفصة في مرثيته لمعن بن زيادة الشيباني:

ذهب الحياء بموت معن \   وذهب النوال فلا نوالا

الشم الطويل والمعاقل واحدها معقل وهو الحصن ويقال له أيضا صيصة والجمع صياصي. قال تعالى:" وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم" ويقال أيضا لقرون البقر الصياصي والدرس واحده درس وتجمع المدرسة على مدارس. فميم المدرسة زائدة وتلحق الجمع هنا وأصل درس عفا ودرسته الريح لازم ومتعد والمرأة درسا حاضت والكتاب يدرسه ويدرسه درسا ودراسة قرأه وإدريس النبي صلى الله عليه وسلم، ليس من الدراسة كما توهمه كثيرون لأنه أعجمي واسمه خنوح وللمدرس كمنبر الكتاب والمدراس المواضع يقرأ فيه القرآن ومنه مدارس اليهود و الدرواس، بالكسر عَلَم كلب والمدرس الكثير الدرس واندرس، انطمس.

تنبيه:المدرسة المتعارفة عندنا الآن وهي التي تبني لدراسة العلم أي لتعليمه وتعلمه كالمدرسة البوعنانية بفاس ومدرسة إبني الإمام بتلمسان والمدرسة المستنصرية والباشية بتونس والقشاشية في الجزائر والمحمدية بأم عسكر نسبة إلى بانيها أبي الفتوحات المنصور بالله سيدي محمد بن عثمان فاتح وهران والمؤلف في مسيرة فتحه لها هذا الكتاب ونحوها من المدارس لم تكن في أول الإسلام فضلا عن معرفة العرب لها بهذا الاسم وإنما كانت دراسة القرآن وسائر العلوم بالمساجد فقط، أو بمواضع لا يطلقون عليها اسم المدرسة حتى أن هذا الاسم يصرف لها وموضوع عليها وإنما كانت ابتداء بناء المدارس آخر القرن الرابع وأول من بني المدارس واقتدى الناس به في ذلك أبو علي الحسن بن علي ابن إسحاق الملقب نظام الملك وقوام الدين. اللوَادكأتي نسبته "لودكات" قرية قرب طوس وهو من أبناء الدهاقين اشتغل أول أمره بالحديث والفقه ثم اتصل بخدمة علي بن شاذان ببلخة ثم قصد داوود بن مكيال بن سلجوق والد السلطان البارسلان فلما ظهر له منه النصح سلمه إلى وَلَدِه البارسلان وقال له: لا تخالفه فيما يشير به فلما ملك البارسلان دبر أمره فأحسن التدبير ثم دبر ملك ابنه ملكشاه لما تقلده بعد موت أبيه الأمر كله لنظام الملك وليس للسلطان إلا اللهو والصيد ودخل نظام الملك هذا على الإمام المقتدى بالله الخليفة فأذن له في الجلوس بين يديه فقيل له يا حسن رضي الله عنك برضى أمير المؤمنين عنك وكان مجلسه عامرا بالفقهاء والصوفية وكان كثير الأنعام على الصوفية، فسئل عن سبب ذلك فقال: أتاني صوفي وأنا في خدمة بعض الأمراء فوعظني وقال اخدم من تتفقد خدمته ولا تخدم من يأكله الكلاب غدا. فما أعلم معنى قوله فَشَرِبَ ذلك الأمير وكانت له الكلاب كالسباع تفترس من القرباء في الليل فَغَلَبَهُ السكر فخرج وحده فلم تعرفه الكلاب فمزقته فعلمت أن الرجل كوشِفَ بذلك. فأنا أخدم الصوفية لعلي أظفر بمثل ذلك وكان إذا سمع الآذان مسك عن جميع ما هو فيه وكان إذا قدم إليه إمام الحرمين والقشيري بالغ في إكرامهما وأجلسهما مجلسه وأول مدرسة بناها المدرسة المشهورة بالنظامية ببغداد وقدم للدرس بها العلامة الشيرازي فامتنع ثم صار يدرس بها وإذا حضرت الصلاة خرج وصلى في بعض المساجد وكان يقول: " بلغني أن أكثر آلتها غصب" وكان هذا الوزير يسمع الحديث و يسمع عنه. مات رحمه الله سنة ثمان وأربعمائة بسجلة* قرية قرب نهاوند "فيها قبور جملة من الصحابة. يقال إن السلطان ملكشاه دس عليه من قتله لما سئم طول حياته واستكثر ما بيديه. لقد كان من حسنات الدهر ومن أعظم ولاة الأمر. ورثاه زوج ابنته: ابو الهيجاء مقاتل بن عطية البكري بقوله:

كان الوزير نظام الملك لؤلؤة \ نفيسة صاغها الرحمن من شرف

فلما لم تعرف الأيام قيمتها \ فردهــا غــيرة مـنه إلى الصدف

و إنما أطنبنا فيه البيان لبديه بهذا الإحسان و موضع الدرس بوهران مساجدها مع ما كان فيها من المدارس التي درسها الكفرة و عفوا رسمها.

كانت حدائق الأحداق مونقة \ فأبدلت بنوعي الجفس والحدس.

الحدائق هي البساتين عليها حلق وحضائر وجدران وفي القاموس الحديقة الروضة ذات الشجر والجمع حدائق أو كلما أحاط به البناء أو القطعة من النخيل وبلدة من أعراض المدينة وحديقة الرحمن بستان شجر كان لـمٌسَيْلمة الكذاب فلما قتل عندها سميت حديقة الموت وكجهينة موضع لبني بربوع والحدقة محركة سواد العين كالحندوقة والحنديقة والجمع حدق وحداق وأحداق والحدق محركة الباذنجان ومونقة معجبة والجفس بجيم وفاء وسين مهملة من جفس كفرح، اللئيم والحدس بدال مهملة وحاء وسين مهملتين ايضا الفساد. يقال دحست بين القوم أفسدت وقال الحجاج في مدح الخلفاء ويقتلون من خاض في الدحس والدحس إدخال اليد في الشاة للسلخ و داحس اسم فرس قيس بن زهير العبسي كما مرّ والدحاس كرمان دويبة صفراء تشدها الصّبيان في الفخاخ أي وهران كانت كأنها حدائق بساتين مختلفة الأطعمة والرياحين فابدلت من ذلك بالكفرة اللئام أهل الفساد والآثام وأي لوم أقبح من الكفر وأي فساد أشد منه في البر والبحر ولما وفد المَاجشون على المهدي الخليفة بن أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال له ما قلت يا ماجشون لما فارقت المدينة، قال قلت

لله بـــاك علـى أوطـانـه جـزعــا  \ قــد كنت أحذر هذا قبل أن يقعــا

مازال والله ضيم الدهر يرهفــــني  \ حـتـى تجرعني من بعدها جرعـــا

فليضع الدهر في ما جاء مجتهــدا  \ فلا زيـــادة فــوق شيء مــا صـنعا

فأعطاه ألف دينار وقال بعضهم سمعنا مجنون في دير هرقل يقول:

لما أناخوا قبيل الصبــح عيــسهـم  \ وحملوهــا وسارت بالدبــي الابــل.

وقبلت بحلــل السحــف ناظرهـم  \ ترخوا إلّى ودمــع العين ينــهـمـل

وودعــت ببــنــان عقــده عــتــم  \ ناديت لا حملت رجلاك يــا حـمل

يا حادي العيس عرج كيْ نودعهم \  يا حادي العيس في تـرحـالك الأجل

إني على العهـد لم انـفض مودتهم \ ياليت شعري لطول العهد مــا فعلـوا

وقال آخر:

لــمـا علمت بان القوم قـد رـحلــوا \ و راهــب الديــر بــالـنـاقـوس مشتغل.

شبكت شعري على رأسي وقلت له \ يــا راهـب الـدير هـَلْ مـرت بك الإبل

فــحن لـي وبـكـى ورق لـي ووَجَا \ وقــال لــي يــا فتـى ضاقت بك الحيل

إن الخيام التي قــد جئت تطلبها \ بــالأمــس كــانـوا هنا و اليوم قد رحلوا

محــي محــاسنـها طاغ أتيح لها \ مُــكتــحل الســهــر لــها مـكثر الحوس

محاه يمحوه ويمحاه أذهب أثره وانمحى كادعى و امتحى قليلة والمحو السواد في القمر و الماحي النبي صلى الله عليه وسلم يمحو الله به الكفر والمحاسن جمع حسن بالضم على غير قياس والحسن الجمال وأما حسن ككرم ونصر فجمعه حسان وحسانون وتاح له الشيء يتوح تهيأ وتحتم من مكانه تحرك والمتيح كمنير من تعرض فيما لا يعنيه أو يقع في البلايا والمتياح الكثير الحركة وأبو التياح يزيد الضيفي تابعي وطاغ من طغى يطغى طغوا أو طغيانا فهو طاغ وطاغوت وهو اللات والعزة والكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله ومردة أهل الكتاب والجمع طواغيت وطواغ وَ الطاغوت كعب بن الأشرف وأمثاله وسهر كفرح لم ينم لَيْلاً ورجل ساهر وسهار وسهران والساهرة أرض لم توطى وأرض يجردها الله تعالى يوم القيامة وجبل بالقدس. قال الشاعر "بالسهر مكتحل بالليل مشتمل" والحوس طلب الشيء بالاستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت بالغارات والطواف فيها كالجوسان والاجتياس والجواس ككتان الأسد وجواس بن قطبة شاعر وجوشية بلدة بالشام قرب حماة منها أبو عثمان الجوشي المحدث وقولي لها متعلق بمكثر أي مكثر التردد لها فلم يرض الطاغية بأخذه الأندلس بل تخطى لهذه العدوة وأكثر الفساد والجوس.

قال أحمد النيسابوري صاحب الواحد المفسر:

تنفس شيب الصبح في ليل عارض \  فقــلــت عساه يكـتفي بعذار.

فــلمــا فــشــا عـاتبتـه فأجابني \  ألا هل ترى صبحا بغير نهار.

هنا تم الجزء الأول بحمد الله والصلاة على نبيه عليه الصلاة والسلام. أعلم أنا تكلمنا في هذا الجزء الأول على إنشاء وهران وما تداولتها من الدول وما داهمها من الأمور الطوام والنوائب العظام ومدة الكفرة وأهل الإسلام.                           

قائمة المصادر و المراجع:

1 المصادر

1.1- أبوراس (محمد بن أحمد)

- عجائب الأسفار و لطائف الأخبار – مخطوط رقم 1633 – المكتبة الوطنية. الجزائر.

- الخبر المعرب عن الأمر المغرب و الحال بالأندلس و ثغور المغرب – مخطوط (ملكي)

- فتح الأله ومنته في التحدث بفضل ربي ونعمته: تحقيق محمد بن عبد الكريم المؤسسة الوطنية للكتاب – الجزائر 1990.

1.2- أحمد بن سحنون الراشدى:

- الثغر الجماني في إبتسام الثغر الوهراني – تحقيق المهدى البو عبدلي- مطبعة البعث: قسنطينة 1973

1.3- أحمد بن يوسف الزياني:

- دليل الحيران و أنيس السهران – تحقيق المهدى البو عبدلي الجزائر 1979

1.4- الحسين الورثلاني:

- نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ و الأخبار – مخطوط رقم 579 مكتبة الوطنية- الجزائر.

1.5- مصطفى بن عبد الله الدحماوي

- الرحلة القمرية في السيرة المحمدية مخطوط رقم 3322 – المكتبة الوطنية – الجزائر.

1.6- مسلم بن عبد القادر

- أنيس الغريب و المسافر في طرائف الحكايات و النوادر – تحقيق رابح بونار المؤسسة الوطنية للكتاب: الجزائر 1974

1.7 - عبد القادر المشرفي:

- بهجة الناظر في أخبار الداخلين تحت ولاية الأسبانيين بوهران من الإعراب كبني عامر – تحقيق محمد بن عبد الكريم – مكتبة الحياة – بيروت (د.ت)

2 - المراجع:

2.1- إبن سودة المري: عبد السلام

- دليل مؤرخي المغرب الأقصى – دار الفكر – الرباط 1997

2.2- سعد الله: أبو القاسم

- تاريخ الجزائر الثقافي – 2ج – الجزائر 1980

- أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر – ط2 – الجزائر 1981

2.3- سعيدوني (ناصر الدين)

- دراسات وأبحاث في تاريخ الجزائر – العهد العثماني- الجزائر 1972

2.4- غالم محمد

- التاريخ و المؤرخون في الجزائر- ضمن المجلة التاريخية المغاربية عدد 91-92- تونس 1998.

2.5-  السبتي عبد الواحد

- مستويات النص التاريخي التقليدي: ضمن النهضة و التراكم – الدار البيضاء-1986

2.6- كيريطو: عبد الفتاح

- الرحلة: تساؤلات منهجية: ضمن مجلة الجدل- عدد 6 الرباط 1987.

2.7- بلبروات بن عتو:د

- محمد الكبير و مشروعه الحضارى- رسالة ماجستير- دائرة التاريخ- و هران 2002

2.8- حمدادو: بن عمر

- أبوراس الناصر وكتاباته التاريخية – رسالة ماجستير- كلية العلوم الإنسانية و الحضارة الإسلامية- وهران 2003

1- Arnaud

« Voyages extraordinaires et nouvelles agréables » in revue Africaine – Alger (1878 – 1884)

2-  Guin (L).

Le Collier précieux – traduction d’El Todjini- in revue Africaine Alger – Année 1891.

 


الهوامش

[1] نسخة أ: طلبة

[2] نسخة أ: ابن نعيم

[3] نسخة أ: أترك إيمان

[4] نسخة أ  أحمد ماكولاه

[5] نسخة أ: فحلت محل القلادة من الأجياد

[6] Titus : الامبراطور الروماني.

[7] نسخة أ: حيث أراد يروي أن الريح العاصفة كانت تعبّ على سرير سليمان.

[8] نسخة أ: ثغلبي

[9]  نسخة أ" الموهبية

*  يقال له بالفرنسية : OSEE  و يقال لـ حزيقا بن أحازح hazkia fils d’Arhaz

* جشمناي : Les Macchabées

* البحر الأسود

[10] نسخة أ : الغزالي و هو خطأ.

[11] نسخة أ : قنّة.

* يقال له : أمصيا Amasia

* اسم إقليم يسقي معظمة بوادي بجاية (الدهوس) و أرض حمزة : إقليم برج بوعريريج

[12] نسخة أ: ما لا يعني.

* بخت نصر: الملك البابلى نَبُوشُو دُونُوصْور

[13] نسخة أ: محل رباط المسلمين وجدة ليست محل رباط وإنما هي محل تجارة

* البطحاء : مدينة مشهورة في تاريخ الجزائر الوسيط تقع بين مازونة و قلعة بني راشد و يؤكد الشيخ المهدي البوعيدلي أنها "المطمر" الحالية قريبة من غيليزان.

[14] نسخة أ: لم يعد الدهر بمثلها يوما

** مدينة هي الآن خراب تقع بين فاس و تطوان

* الزيوف: تعنى الفاسدة

* خصاص: أكواخ

* عقيلتهم: ملكتهم

[15] نسخة أ: سُرّة

[16] نسخة أ: بني عامر

[17] الأرك ALARCOS

* الكبوس، Alphonse   وإبن الرند - HENRIQUEZ

[18] نسخة أ  ثم غزا طليطلة فخرب بسائطها واكتسح مسارحها.

* لعلها مطغرة

[19]  الأصح النيجر

*  قرية بولاية سيدي بلعباس

[20] نسخة أ : د بسطام

* يقصد بها آمتنعت الأبل عن السير

[21]  نسخة أ: سنة 620 و هو الأصح

* هي "الاجدار" حاليا : جنوب تيارت مشهورة بآثارها

[22] Don Nùna

*  الكراع : يقصد بها الخيل

**   « HENRI »

*  القهارمة : الحراس

[23]  الجنونيون نسبة إلى جنوة بإيطاليا

*   (Lacitum)

[24] HELENE fille de Maximilien et Constantin fils de d’Aulitus

[25] روماش : Romulus

[26] عيصو :  ESAU

[27] ثم : في الموقع

*  البرة:(Pyrénées)- الجلالقة: (Galiciens)-قرطيش: (Crête) -البنادقة: (Vénitiens)

**    (Paul Orose)

* دفين وادي التاغية : من علماء القرن العاشر. له قصيدة غوثية شهيرة شرحها أبو راس

** غيطة : غابة

***هبرة : تقع بين شيق و المحمدية. و سيرات تقع شرقي مستنقعات  المقطع شمال المحمدية (باريقو سابقا)

[28]  : سيدي محمد قدّار دفين أرض مينة المتوفي سنة 1065 هــ، حرض الشيخ حميدة العبد لغزو هبرة لما فعلوا بالأندلسيين النازحين من غرناطة إلى مرسى رزيو "حتى أنهم كانوا يبرقرون بطونهم" أبوراس.

[29]  نسخة أ: من ركب البحر وقت إرتجاجه بلالي

[30] يشرد = يهرب

* الشيخ محمد المصطفى الرماصي : فقيه و عالم له حاشية على مختصر خليل معتمدة في مدارس المغرب و فتاوى يدل على شجاعته الأدبية : توفى سنة 1137 هـ  برماصة قرب قلعة بني راشد

** سيدي بلاحة المهاجي ولي مشهور بالقعدة من علماء القرن 11 هـ.

[31] نسخة أ: فبعث معه أسطولافيه مائة ألف مائة دينار و شحنه بالأبطال فحالت أساطيل الطاغية بينه و بين البلد فلم يفد شيئا.

*  الميرة : الأغذية و الحُبُوب

* بطليس : BAJADOS

[32] Don RAMIREZ

[33] سفير السلطان محمد الثالث العلوي إلى إسبانيا : يسمى أحمد بن المهدي الغزال و رحلته "نتيجة الاجتهاد في المهادنة و الجهاد" ألفها سنة 1179هـ.

[34]  حوالي 19 مترا

[35]  نهر لك: Guadulette

[36] نسخة أ: 10 أبواب

*  Sierra Morena

* الزعانف : كل ما ليس فيه خير

[37] نسخة أ: سقطت هذه الفقرة.

*  نَارَنجة: بُرْتَقَالة

[38]  نسخة أ: سقطت مستورين

[39] نسخة: أ: تبعث دما اللون و الريح مسك...

[40]نسخة أ جيفة الحمير

*  القديد : السيف

*  و هو خطأ حسب النسابين : يعود نسبه إلى محمد النفس الزكية

[41]  نسخة أ: سقطت الفقرة: و قد روى إلى عبد الجبار

[42]  نسخة أ: سقطت كلمة حامية

* أحمد بن قاضى: تولى قضاء بجاية في عهد الحفصيين وأتصل بعروج و خير الدين وكاتبهما صحبة إبن التومي الثعالبي أمير الجزائر و سهل عليهما إحتلال الجزائر. أسس إمارة بالقبائل الكبرى كانت قاعدتها جبل كوكو. قتل في إحدى المعارك.

* حميدة العبد: من قادة قبيلة سويد المعروفة بالأمحال: مواطنها بين مستغانم و الشلف

** هضبة تقع بجوار القلعة

*  بناحية بنى يزناسن على الحدود مع المغرب الأقصى

**  الطاغية: الملك شارل الخامس

[43] و هو خطأ، إذ و قعت حملة شارل كانت في ولاية حسن أغا خليفة خير الدين

[44] نسخة أ: قبل الإمارة

* هكذا في النسختين و لعله تصفيح لجعلة

[45] نسخة أ: سقطت: و دامت

*بنو كشكري يقال لهم Lascaris

** كلا بضرة : كيلوبترا Cléopâtre

* وهما نجمتان

* الرابية = الربوة

[46]  نسخة أ: سقطت هذه الجملة

* جبال درن: الأطلس الكبر بالمغرب الأقصى

[47] نسخة: أ سقطت صفحة من المخطوط

* يبينه عن فيه: أي يبعده عن فمه

* الجريشة : شاطئ يقع بين رأس فالكون و المرسى الكبير حسب المصادر الإسبانية و ليس ميناء.

[48] نسخة أ : سقطت هذه الفقرة

* ملك سكوستا و ملك توركا: أي ملك سكتلندا و ملك لكسنبورغ

** الخرثى: الأثاث

* غَضَّ منه: أساء لَهُ